أعدل دستور في السياسة الشخصية والجماعية والقومية

باسمه سبحانه

{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } (الانعام: 164)

أيها المستخلف المبارك   

تمثل هذه الآية الكريمة اعدل دستور في السياسة الشخصية والجماعية والقومية.

اما الآية الكريمة : { إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } (الاحزاب:72) فتبين استعداد الانسان الى الظلم الرهيب المغروز في فطرته.

والسر في ذلك هو:

ان القوى والميول المودعة في الانسان لم تحدد، خلافاً للحيوان؛ لذا فان الميل للظلم وحبّ الذات يتماديان كثيراً وبشكل مخيف.

نعم، ان حب الانسان لنفسه، وتحري مصلحته وحده، وحبه لذاته وحده، من الاشكال الخبيثة لـ " انا والانانية "، واذا ما اقترن العناد والغرور بذلك الميل تولدت فظائع بشعة بحيث لم يعثر لها البشر على اسم بعد. وكما ان هذا دليل على وجوب وجود جهنم كذلك لا جزاء له الاّ النار.

ولنتناول هذا الدستور في:

نطاق الشخص:

يحوز الشخص اوصافاً كثيرة. ان كانت صفة منها تستحق العداء، فيقتضي حصر العداء في تلك الصفة وحدها، حسب القانون الالهي الوارد في الآية الكريمة. بل على الانسان ان يشفق على ذلك الشخص المالك لصفات بريئة كثيرة اخرى ولا يعتدي عليه. بينما الظالم الجهول يعتدي على ذلك الشخص لصفة جانية فيه، لما في طبيعته من ظلم مغروز ، بل تسري عداوته لاوصاف بريئة فيه، حيث يخاصم الشخص نفسه، وربما لا يكتفي بالشخص وحده فيشمل ظلمه اقارب الشخص بل كلّ من في مسلكه. علماً ان تلك الصفة الجانية قد لا تكون نابعة من فساد القلب، وربما هي نتيجة اسباب اخرى، حيث ان اسباباً كثيرة تولد الشئ الواحد.فلا تكون الصفة جانية، بل حتى لو كانت تلك الصفة كافرة ايضاً لا يكون الشخص جانياً.

وفي نطاق الجماعة:

نشاهد ان شخصاً حريصاً ، قد طرح فكراً ينطوى على رغبة فقال بدافع الانتقام او بدافع اعتراض جارح: سيتبعثر الاسلام ويتشتت، او ستمحى الخلافة. فيتمنى ان يهان المسلمون - العياذ بالله - وتخنق الاخوة الاسلامية، لكي يظهر صدق كلامه ويُشبع غروره وانانيته فحسب، بل يحاول ايضاح ظلم الخصم الجاحد في صورة عدالة، باختلاق تأويلات وحذلقات لا تخطر على بال.

وفي نطاق المدنية الحاضرة:

نشاهد ان هذه المدنية المشؤومة قد اعطت البشرية دستوراً ظالماً غداراً، بحيث يزيل جميع حســناتها، ويبين السر في قلق الملائكة الكرام لدى استفسارهم { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } (البقرة:30) اذ لو وجد خائن واحد في قصبة، فانها تقضي بتدميرها وبمن فيها من الابرياء، ولو وجد عاصٍ واحد في جماعة فهي تقضي بالقضاء على تلك الجماعة مع افرادها وعوائلها واطفالها. ولو تحصّن من لايخضع لقانونها في جامع ايا صوفيا فانها تقضي بتخريب ذلك البناء المقدس الذي هو اثمن من مليارات الذهب. وهكذا تحكم هذه المدنية بوحشية رهيبة.  فلئن كان المرء لا يؤاخذ حتى بجريرة اخيه، فكيف تدان ألوف الابرياء في قصبة او في جماعة لوجود مخرب واحد فيها. علماً انه لا تخلو مدينة او جماعة منهم.(*)

_________________

(*) كليات رسائل النور- صيقل الإسلام/السانحات - ص: 345

                    

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد