اسرار الكاف والنون في قوله تعالى (اِيَّاكَ نَعْبُدُ)

 

 

باسمه سبحانه

ايها المستخلف المبارك

 في "الكاف" نكتتان:

احداهم:تضمن الخطاب بسر الالتفات (1) للاوصاف الكمالية المذكورة، اذ ذكرها شيئاً شيئاً يحرّك الذهن ويُعدّه ويملأُهُ شوقاً ويهزه للتوجه الى الموصوف.فـ"اياك" أي: يامن هو موصوف بهذه الصفات.

والاخرى:ان الخطاب يشير الى وجوب ملاحظة المعاني في مذهب البلاغة ليكون المقروء كالمُنْزَل، فينجر طبعاً وذوقاً الى الخطاب. فـ "ايّاك" يتضمن الامتثال بـ(أُعْبُدْ رَبَّكَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ).(2)

والتكلم مع الغير في (نعبد) لوجوه ثلاثة:

أي نعبد نحن معاشر أعضاء وذرّات هذا العالم الصغير - وهو أنا - بالشكر العرفي الذي هو إطاعة كلٍ لما أُمر به.. ونحن معاشر الموحّدين نعبدك باطاعة شريعتك.. ونحن معاشر الكائنات نعبد شريعتك الكبرى الفطرية(3) ونسجد بالحيرة والمحبة تحت عرش عظمتك وقدرتك.

وجه النظم: ان "نعبد" بيان وتفسير لـ "الحمد" ونتيجة ولازم لـ(مالك يوم الدين).

واعلم!ان تقديم "اياك" للاخلاص الذي هو روح العبادة. وان في خطاب الكاف رمزاً الى علة العبادة لان من اتصف بتلك الاوصاف الداعية الى الخطاب استحق العبادة. (*)

 

نكتة:اسرار النون

وما في نون (نعبُدُ) من سر الجماعة، يصور للمصلي المتنبه سطحَ الارض مسجداً، اصطفّ فيه - مع المصلي - جميعُ المؤمنين، ويرى نفسه في تلك الجماعة العظمى. وبما في اجماع الانبياء والأولياء على ذكر "لا إله إلاّ الله" من توافق الاصوات يتيسرُ للذاكرِ ان يرى الزمانَ "حلقة ذكرٍ" تحت رياسة "إمام الانبياء".. في يمين الماضي "الانبياء" قاعدون.. في يسار الاستقبال "الاولياء" جالسون.. يذكرون الله بصوتٍ يسمعه مَن ألقى السمعَ وهو شهيد. فان كان حديد السمع والبصيرة استمع الذكر من مجموع المصنوعات ايضاً ورأى نفسه في حلقة ذِكرها..(**)

_____________________

 

(1) الالتفات: هو العدول عن الغيبة الى الخطاب او التكلم، او على العكس (التعريفات).

(2) اصل الحديث رواه البخارى ومسلم، وفيه: ما الاحسان؟ قال: ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فانه يراك (متفق عليه) ورواية الطبرانى: اُعبدالله كأنك تراه. وهو حديث صحيح (صحيح الجامع الصغير 1049)

(3) اى ننقاد ونخضع ونطيع.

(*) كليات رسائل النور- إشارات الإعجاز- ص: 30

(**) كليات رسائل النور- المثنوي العربي النوري - ص: 162

قرئت 13 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد