الحريّة الشرعية في أزاهير النّور
بسم الله الرحمن الرحيم
الحريّة الشرعية في أزاهير النّور:
تأصـيل لمخبر التّحضّر
د.محمّد البشير الهاشمي مغلي
أستاذ الدراسات الإسلامية العليا
قسم الكتاب والسنة
كلية أصول الدين والشريعة الإسلامية
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية
قسنطينة – الجزائر .
منهاج التّحرير:
ليس ثمّة من هو أكثر وعيا بحرّيته من الإنسان. ذلك أنّه خليفة الله في أرضه، فالحرية هي إحدى خاصيات التكريم الإلهي فيه. لذلك يقول في الصّيقل : " أعيش بدون خبز ولا أستطيع العيش بدون حرّية ." (1) وإن كان الحيوان هو أيضا قد خلق طليقا فإنّه مسخّر لخدمة الإنسان الذي يسأل عن حبسه وتقييده بما يتعارض ومفهوم التّسخير: " وأولو المشاعر وجميع الكائنات بدورها مسخّرة وساعية لأجل الحياة، وذوو الحياة مسخّرون لذوي الأرواح وقد بعثوا إلى الدنيا لأجلهم، وذوو الأرواح مسخّرون للإنسان وفي عونه دائما ..." (2) إلاّ أن يستبدّ استبداده الاستعلائي فيضيّق على ممنوح الحرّية ولو في هرّة فيقع تحت طائلة الحديث الشريف الوارد في تلك المرأة المتطاغية التي دخلت النّار في قطّة حبستها، لأنها انتزعت منها تجبّرا وقهرا منيحة الخالق فيها .(3)
وغير بديهي أنّ المرء يولد حقيقة حرّا في المجتمع! وإن بدا طليق الرسغين والكعبين، كما تلوّح إليه مقرّرات دوي الصّرخة القديمة: " متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " في إشارة إلى الثورة على حيف الأغلال المادّية وحثيث الدّعوة إلى كسر السلاسل الحديدية.
ولكننا نجده عند التأمّل العميق، مطوّقا منذ عطاسه الأوّل بشبكة عريضة من المكبّلات الاجتماعية، راسفا في ضروب من العادات والتقاليد والأعراف، واقعا في أسر قيود معنوية كثيرة، رازحا تحت نير كلكل من مؤثّرات داخلية وخارجية شتّى، ليس أقلّها المذهبية والأساليب الكلامية والاتجاهات الدّهرية والمناهج الفلسفية والتيارات الفكرية والانتماءات التقليدية المختلفة بمنطق غير نوراني بعيد عن " السير مع العقل تحت نظارة القلب والمضيّ مع القلب تحت نظارة العقل " (4) كما تزهر بذلك إحدى ثمرات رسائـل النّور. فضلا عن الرذائل وكلّها أغلال بدليل هذه اللمعة: " لا تتبدّل الحقائق بتبدّل الأسّماء" (5) .
فيجيء الإسلام لينتشله من وهدة الرّسوف في رقّ استعبادي عريق، وذلك بإفراده ليس فقط بالحقّ في كامل الحريّة التكريميّة ولكن أيضا – وهنا المائز القويّ – بنجدة الإنسانية المعذّبة بمنهج التّحرّر التكريمي الحقّ، إضافة – وهنا الخصيصة المتفرّدة – إلى أساليب الحفاظ على ديمومة مكاسب الانعتاق دون غبن ليشمل سكّان المعمورة قاطبة .
كلّ ذلك في صدوف عن مجرّد الاكتفاء بالإعلان النظري أو الاستهلاك الإعلامي أو التّبجّح بعارض التّصريح الدّعائي المتأخر والموسوم بالعالمي!! (6)
بيد أنّ أكثر الأحرار تمتّعا بحرّيته في الدّنيا وأكرم مستكرم بها هو من لا يخضع فيها على الإطلاق إلا لسيّد واحد. وليس ذلك يرشّح لذي بصيرة غير المسلم الذي حرّره مفهوم التّوحيد في أجلى صوره وأرقى معانيه، على نحو ما تلخّصه عبارة التّهليل الرّائعة التي تسوق شهادة رمزية الانعتاق الأصلي وسمة التّحضر الدّائم والتي انطوى الشّق الأوّل منها على نفي كلّي لزيف أجناس المستعبدين ورفض كاسح لجميع عوامل الاستعباد. ليستقلّ الإثبات في الشّق الثاني بحقيقة ربوبيّة السيّد المحرّر الأوحد وبنفوذ مطلق الإقرار بألوهية واهب التّحرّر ... فالكلّ له بها عبيد أحرار. " فمن كان عبدا لله حقّا لا يكون عبدا للغير " (7). وهذه لمعة نفيسة.
فأحر بها إذن من شهادة تلقّن علم الحرّية وفنّ التحرر ومنهاج التّحرير بلا منازع وقد تشرّف بحمـل لوائها من قبل، المسلم، وتحديدا بالمواصفات التلميحية النّورسية: " المكّي" (8) "المدني" (9)، "البدري"(10)، "الحديبي " (11)، "الشوري " (12) .
نطاق الحرية:
يأبى الإسلام في منظور النّورسي حرّية بهيمية سائبة كالتي تدّعيها المدنية الغربية برداءة، سيما أنّ الدّين الحنيف يدعو إلى حرّية تكريميّة مسؤولة مهذّبة وإلا فالحرّية بلا حدود وهم بحرّية زائفة والواقع أنّه لا توجد حرّية مطلقة في العالم! وإنّما هناك نسب متفاوتة في الحرّيات من حيث السّعة والبعد الإنسانيّ ودرجة التّحضـّر. ويصدق في هذا الصـدد، قول الفيلسـوف الألمـاني ليبنـتـز (1646-1716 م) : " إنّ الله وحده هو الحرّ الكامل. أمّا المخلوقات العاقلة فلا توصف بالحرّية إلاّ بقدر خلوصها من الهوى".
هذا وحرّية بلا حدود تقلّب في عبوديّة أوسع، ورسف في رقّ أشمل، بل هي تنويع في الكوابل وتلوين للقيود، أو هي تمديد في سلاسلها ...
ومعلوم أنّ التمديد في سلاسل القيد قد يوهم بالحرّية، ولكنه لا يحرّر مهما اتسعت فضاءات الحرّية “الموهومة “! وليس في الإسلام ما ألفاه نيتشه وهو " يلخّص مسيرة الصّراع بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد بالقول إنّ جميع الفترات التاريخية منذ ظهور المسيحية كانت في جملتها مسرحا لأخلاق العبيد إذ لم تكن أخلاق السّادة تظهر إلاّ عرضا، ولذلك كانت تختفي سريعا " (13) .
ثـمّ إنّ الحـرّ بطبعه لا يقيّد نفسه، فلا يتّجه تلقائيا إلى التقليص من الحرّية، بل تراه في مطمحه يهفو إلى الاستزادة منها سجيّة... وإنّما هو يتقيّد بالإملاء والإلزام، " لأنّ الحريّة الحقيقية يلزم أن تتحلّى بآداب الشريعة وإلاّ فإنّها لا تعدّ حرّية." (14)
ولئن اعتبرت المدنية التائهة القيد من الحرّية انتقاصا من السّيادة فهذا صحيح مادام واضع القيد بشرا وصيغ ذلك في دساتير وقوانين ونظم...
وبقدر الحدّ منها يكون الاستعباد وتحلّ التّبعية .
يكون ذلك بالفعل، بنحو أو آخر، رقّا بين النّاس بشكل منظّم أو مقنّن حين يضعه أو يسنّه الأقوى للأضعف. فهولا يخرج بحال عن مفهوم العبوديّة مهما تطوّر إطار الاستعباد أو دخل التنميق على المسمّيات. فتلك هي إذن في عين بديع الزّمان "حرّية حريّة بالنّار، لأنّها تختصّ بالكفّار ..."(15)
أمّا إذا كان واضع القيد الإله سبحانه في جملة آداب سماوية رفيعة هي الأخلاق الشرعية، أضحت العبودية ذاتها تكريما لا يلبث أن يتحوّل بالوعي الإيمانيّ إلى عبادة حرّة وسعادة أبديّة بشعـاع آخر : " الحرّية بالنسبة إلى الإنسان تنتج العبودية أمام الله. "(16)
وتلك الحرّية بعينها...: " عطيّة الرحمن إذ أنها خاصيّة الإيمان " (17) وساعتها : " من كان عبدا لله حقّا لا يكون عبدا للغير ." (18)
ولننظر هنينة في أمر القيود بمجهر الأداة الدقيقة التي تمنحها لنا شهادة التوحيد : فـ" لا إله " رفض لأصناف القيود ...وهاتيك القيود ذاتية مصطنعة قهرية مستعبدة استذلالية جائرة من صنع الإنسان .وهي في الحصيلة هاتكة لحريته ساحقة مبدّدة للأحرار .
و... " إلا الله" استثناء لصنف واحد من القيود، وتلك القيود موضوعية ثابتة مقبولة محررة تكريمية، من تدبير الخالق تعالى. وهي في الحصيلة منعشة للحرّية واقية لها، جامعة مؤلفة للأحرار.
ولذلك حذّر النّورسي من مغبة إطلاق الزمام للنوازع والفوضى باسم الحرّية وكان يدعو إلى ضبط الدّوافع بضوابط الشريعة (19):" قيّدوا الحريّة بآداب الشرع لأنّ عوام النّاس والجاهلين يصبحون سفهاء وعصاة وقطاع طرق، فلا يطيعون بعد أن ظلّوا أحرارا سائبين بلا قيد " (20) .
ولا عاصم إذن من تلك الفوضى والفرقة ومن تضارب المصالح والانجراف الأخلاقي إلا أن تلتزم الحرّية بالدّين الأمثل.(21)
هذا وقد يكون الإنسان حرّا وإن بدا مكبّلا بالقيود إلى الأذقان، إذا كان شعوره يفيض بمبادئ الحرّية وقيمها ومثلها فيضا بلا ليّا أو ياسريّا أو نورسيّا لغلبة الرّوح على المادة.
وقد يكون كذلك في الظاهر حرّا طليقا من كل قيد مادّي، ومع ذلك نجده في الحقيقة واقعا في أسر قيود لامرئية كثيرة، مطأطئا لشهوات عديدة، تستعبده أهواء شتّى وتسترقّه أغلال اجتماعية تجتاح روادع العقل ووازعات الضمير وزواجر الرأي العام وقوارع الدين وتخترق معالم الإنسانية فيه، لتنساب في دوّابية أحطّ من الحيوانية العجماء .
ولقد عبّر عنها صيقل الإسلام وهي مغلولة بخوارم المروءة: "بطنطنة الأغراض التي تشوّش على صدى موسيقى الحرّية ." (22)
الانعتاق اليوسفيّ :
في ضوء " الكلمات " النورانية نفهم السرّ الذي من أجله آثر يوسف الصّديق، عليه السلام، في إباء وكبرياء أن يكون حرّا في سجن العزيز على أن يظّل عبدا في قصر الملك:
" فمن عرف الله وأطاعه سعيد ولو كان في السجن، ومن نسيه فهو في السّجن ولو كان يعيش في القصور " (23).
وما كان ليدرك بانشراح سعادة هذا الانعتاق الجيّاش لولا قناعته بيقين تجريبيّ محسوس بأنّ " العبادة تحرّر من أسوار السّجن " (24) سواء كان هذا السّجن زنزانة الطاغوت أم مربض المجتمع الجاهلي. ومن قبل كم من أسير حرب كان الأسر في الإسلام يعزّ عليه ويودّ لو أنّه يفديه " بحرّيته" في غيره!
ذلك أن أبلغ معاني الحرّية ما ارتبط في دعمها بالقيم لا ما ارتطم في دحضها بالإرادات والتحكّمات والقهر. انظر إلى الصيقل كيف يصقل وشاحها الشرعي بهذا الإخراج البلاغي المبين وهذا اليقين اليوسفيّ الرّكين:" ألا إنّ الحرية هي أن يكون المرء مطلق العنان في حركاته المشروعة مصونا من التعرض له محـفوظ الحقوق ولا يتحكّم بعض ببـعض ليتجلّى فيه نهي الآيـة الكريمـة:( ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) آل عمران : 64 ولا يتأمّر عليه غير القرآن والعدالة والتأدّب لئلا يفسد حرّية إخوانه ..." (25) .
الحريات الفكرية في الإسلام:
يجدر التذكير هنا بإطار المبادئ الإسلامية التي تنطلق منها أزاهير النّور حين الحديث عن الحرية الفكرية، وأنها لم تكن انتزاعية كما في الغرب، أو أنها جاءت استجابة لتطّور تاريخي، أو ثمرة نضالات مريرة أو مثخنة بحربين عالميتين، أو أعقبت محاكم التفتيش ...
كلاّ بل هي لم تبرح قطّ من مستلزمات العقيدة ومقرّرات الدين أساسا. ولعلّ أبلغ تعبير عن هذا التّجذير الإيماني لأعماقها لألاء هذه اللّمعة البارقة: " إن الإيمان يعلّمني بأنّني مرشّح لدنيا أخرى أبديّة، وأنّي مؤهّل لمملكة باقية وسعادة دائمة." (26) أو إشراق هذا الشعاع السّاطع: " بمقدار قوّة الإيمان تتلألأ الحرّية وتسطع ..." (27) .
وفي استقراء مرامز التحرير الإيماني الفيّاض يقول أديب إبراهيم الدّباغ إنّ هذا الإيمان : "يطلق الإنسان " من أسر الزمان والمكان، ويضع عنه قيود الدنيا وأغلالها ويمنحه سعة يسع بها الكائنات ويعطيه أمداء نحو الآزال والآباد، فيغدو عمره عمر العالم، وحاضره بحرا تصبّ فيه أنهار الأزمنة، ماضيها ومستقبلها، فيصبح بذلك إنسانا كونيا، داره الكون كلّه، وحديقته العالم جميعه، وموضع نظره البشرية بأسرها، يريد لها ما يريده لنفسه من هذا السّمو الذي سما إليه وهذا الارتقاء الذي ارتقى نحوه، فهذه هي رسالة " الإيمان " (28) .
ذلك أنّ نجدة الإسلام الرئيسية الأولى للإنسان تتمثّل في حرية الاعتقاد حين أزاح من أمامه، في منهج اكتساب عقيدته، جميع العوائق والعقبات التي تقف دون اختياره الحرّ وإن كانت معنوية أو انتصبت بنحو غير مباشر.
والجميل أنّه لم يستعجله البتّة في تحصيلها. وإنما اشترط في نتيجتها جدّية أن يكون الالتزام رديف اليقين كيلا تذهب ثمرتها العقلية هدرا في مجتمع عقائدي حرّ؛ وألا تظلّ حكرا على صاحبها أو حبيسة معتنقها. بل تراه أوجب مبدأ التحرير بعد التّحرّر، إيمانا منه بأنّ الانعتاق لا يكتمل إلا بالعتق خدمة لمبدإ آخر يقضي بوجوب الإقناع بعد حصول الاقتناع في غيريّة خيريّة عالميّة دفّاقة نستلهمها بيسر وغزارة من الحديث الذهبيّ الشريف: " لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ."
وهذا قاض بجهاد مقدّس في تحرير الآخرين بعد اكتمال التّحّرر الذاتي، إذ لا جدال في أنّ فاقد الحرّية لا يعطيها. فـ " إكسير الإيمان إذا دخل في القلب يصيّر الإنسان جوهرا لائقا للأبدية والجّنة، وبالكفر يصير خزفا فانيا، إذ لا إيمان يرى تحت القشر الفاني لبّا لطيفا رصينا ويرى ما يتوهّم حبابا مشمسا زائلا، ألماسا متنوّرا. والكفر يرى القشر لبّا فيتصلّب فيه فقط، فتنزل درجة الإنسان من الألماس إلى الزجاجة، بل إلى الجماد " (29) .
وبتوخي الاقتضاب نقول في لمس تحليلي للخواطر:
حرية الرأي :
إنّ حرية الرأي إذا كانت هادفة تكشف عن زاوية نظر مغايرة يثرى بها الرأي ويزداد سدادا، ويتعزّز بها العقل وتتربّع بها الحكمة وتنمو الملكات فأيّ ضير في إطلاقها إلا من قيدي العقيدة والأخلاق لضمان أسلوب التعامل الحضاري الرفيع والتّجاور في كنف الاحترام المتبادل؟
ولذلك تنطلق زفرة أسير الفكر الحرّ من غياهب النفي والحجر على الحرية الفكرية والدعوية وهو منكبّ على التّأمل في حفريات سرّ القول المأثور : " تفكّر ساعة خير من عبادة سنة " وفي رواية صاحب الإحياء " خير من ستين سنة " (30) والذي حدا به إلى تأليف " الحزب الأكبر النّوري " ضمن كتاب التفكير الإيماني ليزيل به عن نفسه الضيق والسآمة والإرهاق (31) تنطلق هذه الزّفرة الحرّى لتتحول إلى صرخة مدوّية لتبدّد سجوف " الحرّية العلمية " المزعومة بهذا التساؤل : " ما الجانب المحظور من التحاق شاب بريء يحتاج إلى العون والمساعدة بصفوف طلبة النّور كي ينقذ إيمانه وينجو من التّردي في هاوية الأخلاق الذّميمة ؟ " (32). اللّهم إلا إذا انقلب ظهر المجنّ على الحقائق وتبدّلت الأوضاع غير الأوضاع حينها لا يألو من "جمع في حفظـه جـمع الجوامع جمـيعه في جمعة " (33) في كشف زيف هذا الواقع الملبّس ببركانّية هذا التصريح التشنيعي الفاضح : " لقد وضع الظلم على رأسه قلنسوة العدالة ولبست الخيانة رداء الحمية وأطلق على الجهاد اسم البغي وعلى الأسر اسم الحرية. وهكذا تبادلت الأضداد صورها " (34) وبعد هذا الازدراء والتّهكّم في مقاومة التلبيس والتّدليس بالباطل يقرّر هذه الحقيقة:" لا يمكن بالظّلم والجور محو الحرّية (35) في أيّ شكل من أشكالها .
تأسيس الشورى :
ثمّ إن الإسلام لم يكتف بالإعلان عن المبادئ، بل انبرى إلى إنشاء هياكل لترسيخها في النفوس والمجتمعات:
حيث قرّر بكل سبق وريادة، باعتباره دينا، وهنا المفخرة، وليس منظّمة أمميّة أو حكومة أو برلمانا أو حزبا سياسيا، تأسيس الشورى. وأمر المعصوم (ص) رغم ما في عصمته من غنية، بإجراء المشورة ونشر تقاليد الاستشارة، طبعا على غير المنحى العصريّ المتعثر الذي يقف بعرجته على "العلم " دون الأخلاق ...
وحين يقرّر بديع الزّمان عن معاناة ومكابدة بعيدا عن التجريد والتقريظ أو التنظير الدّعائي البحت أن " الحرّية التي هي ضمن نطاق الشريعة وأن مفتاح حظّ آسيا وسعد الإسلام موجود في الشورى... (36) فإنّه يخرج من إطار الأدبيات التّمجيدية إلى البوح العملي الواقعي الصادق ليعلن بعزيمة رجل السّياسة الشرعية المحنّك: " إنّ ما يفتح حظّ آسيا هو الشورى والحرية المشروطتان بتربية الشريعة الغرّاء" (37).
وليس سواهما من ملجإ في الرّاهن دون الأنظمة المستبدّة الجائرة. وإلا كانت حقيقة بتهكّمه بمثل هذه الألقاب المتزندقة التي ندّد بها على هذا النّحو الكاشف : " جمعية تشكّلت برئاسة " الجهل " آغـا و" العناد " أفندي و" الغرض " بك و" الانتقام " باشا و" التقليد " حضرة تلري ومسيو" الثرثرة " وهي جمعية تشوّه" الشورى " التي هي منبع سعادتنا " (38).
ميزة الاجتهاد في رحاب التّحضر الإسلامي:
ثم ألم يؤن الأوان للمكابرين أن يعلموا أنّ حرّية الرّأي في الإسلام قد أفضت إلى إنشاء مناهج الاجتهاد وتعدّد المذاهب وانتشار مدارس الرأي وقيام علم الكلام على أساس من رحابة الصّدر في الاستماع إلى الآخرين، هذا الذي يطلقون عليه اليوم اصطلاح " حرية التعبير " أو حرية الاختلاف والتّنوع (39) وهو مسبوق لا محالة بالشعار الذهبي لحضارتنا الإسلامية الزاهرة: " لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها " وليس مثله شعار يجرّئ في الحقّ ويرفع عن القائلين حواجز الخوف ! إلاّ مرادفاته من قبيل هذه المأثورة: " فلا تأخذك في الله لومة لائم " أو قرينات هذه الآية الكريمة في تجسيد الموقف القولي المسؤول : " وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلّهم يرجعون "(40) وحسبنا من هذا دليلا على كفالة حرّية التعبير التي يزخر بها تراثنا الإسلامي العتيد .
وعودا إلى سياق الاجتهاد فإنّ العلامة النّورسي يستدرك براغماتيته بهذا التّحذير من الاستبداد الخفيّ المناهض للشورى الحقيقية بين أولي العلم والاختصاص العالي حيث يقول : " ولكن لا يكون هذا الاجتهاد موضع عمل إلاّ عندما يقترن بتصديق نوع من إجماع الجمهور. فمثل هذا الشيخ - أي شيخ الإسلام – المستند إلى المجلس الشوري – يكون قد نال هذا السرّ. فكما نرى في كتب الشريعة أن مدار الفتوى: الإجماع. ورأي الجمهور، يلزم الآن ذلك أيضا ليكون فيصلا قاطعا لدابر الفوضى الناشبة في الآراء ... " (41) .
مسك الختام :
بهذه " اللّمع " النّيرات وفي ضوء هذه " الكلمات " النورانية وباستثمار القرآن المجيد " أستاذ الحضارات ونبع التّقدم والرقي " تتوخّى رسائل النور حركة إيجابية في الحياة تتنامى "بإكسير الإيمان" وكأنّها " ترياق شاف من جميع جروح العصر الدّامية " (42) بعيدا عن الفلسفة المادية التي يعتبرها داعية الأناضول طاعونا معنويّا (43 ) في نشدان أزليّ شامخ شموخ الجبل سبحـان وارارات (44) للحرّية المستندة إلى الشريعة الغراء .
تلك إذن هي ملامح ومضية من إشراقات لمع العلامة بديع الذي لا يخلو أسلوبه العلمي والأدبيّ الروحاني من البديع في بليغ رسائله المستنيرة التي احتسبها لخلاص البشرية من نكباتها ومتردّياتها بقيم حرّية تكريمية لا تتجزأ في عالم المحراب الكبير بحيث لا يرضى فيها أي إنسان، تحقّق انعتاقه بعقيدة التوحيد الصحيح" أن يكون حرّا في مجتمع العبيد كما لا يرضى أن يكون عبدا في مجتمع الأحرار " .
-------------------
- بديع الزمان سعيد النورسي. أنقرة. 1958 صيقل الإسلام ص 274.
- الشعاعات .ص 62.
- انظر الحديث .
- نقلا عن أديب إبراهيم الدّباغ : فجر المسلم المنتظر أفكار ومشاعر بين يدي النورسي دار الصحوة للنشر والتوزيع .القاهرة. 1420هـ -2000 م .ص 32.
- الصيقل. ص 271.
- في إشارة إلى وثيقة الأمم المتحدة المتعلقة بالإعلان لحقوق الإنسان في 1948م. ومن قبل إعلان الثورة الفرنسية في نص 1789م.
- الصيقل : ص 275 .
- إنه " مكّي " بصورة إيمانه وعمق عقيدته، وفي تحرره من " الصنمية " بجميع أشكالها وأنواعها. وبتأجيج روح الكون في روحه. وبتحرره من ثقله الكتلوي وصيرورته طاقة حيّة يحركها حنين لا يقاوم للاندفاع نحو أعتاب الحضرة الإلهية لتسليمه كلية وجوده إليه سبحانه وتعالى ."انظر فجر المسلم المنتطر مرجع سابق. ص 22 .
- "مدني " في إرساء هذا البناء الإيماني الشامخ على قواعد الشرعية وأسسه العلمية في التعامل مع الحياة والمجتمع " المرجع نفسه. ص 22. 23.
- "بدري" في شجاعته وفي توكّله على الله ورجائه النّصر منه وحده ". المرجع نفسه. ص23.
- " حديبي " " في حنكته ومرونته وقدرته على التعامل مع الآخرين أخذا وعطاء من دون المساس بثوابت الإيمان والعقيدة " المرجع نفسه الصفحة نفسها.
- " شوري " " فيما يتخذ من قرار ويقدم عليه من فعل.المرجع نفسه.
- انظر : د.محمد عابد الجابري : قضايا في الفكر المعاصر .مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت .لبنان – حزيران – يونيو 1997.ص50.
- الشيخ سعيد النورسي: الخطبة الشامية ترجمة وتحقيق إحسان قاسم الصالحي لبنان .1974 ص50.
- الصيقل .ص394.
- Munazarat ,S,18 نقلا عن د. سمير رجب محمّد : الفكر الأدبي والديني عند الدّاعية الإسلامي بديع الزمان سعيد النورسي .ط.2. مطبعة المدني القاهرة : 1446ه/1995م. ص 276.
- الصيقل : 395.
- Said Nursi ,Tarihçe –i Hayat , I st .91 نقلا عن المرجع السابق ص 275.
- د.عشراتي سليمان : النورسي في رحاب القرآن وجهاده المعنوي في ثنايا رحلة العمر. شركة سوزلر للنشر والتوزيع .فرع القاهرة .1999م. ص 299.بتصرف قليل .
- الصيقل .ص 443
- نفسه .ص300
- الصيقل / المناظرات ص 394.
- انظر : ص116
- نفسه .ض.ن.
- انظر :الصيقل .ص118.
- اللمعات .ص389.
- الصيقل .المناظرات .ص396.
- انظر : فجر المسلم المنتظر ...ص 116.
- الشيخ النورسي: المثنوي العربي النوري .تحقيق إحسان قاسم الصالحي . استنبول 1969.ص 158.
- انظر: الغزالي : إحياء علوم الدين .ج 4.ص411.
- انظر طبعة بيروت 1974.ص 139و140.
- انظر : الشعاع الخامس.ص 433 وص470.
- في إشارة إلى قراءته يوميا ساعة أو ساعتين لكتاب ( جمع الطوابع ) لابن السّبكي وهو من علماء الشافعية. انظر:د. سمير رجب محمّد : الفكر الأدبي والدّيني عند الدّاعية الإسلامي بديع الزمان سعيد النورسي .مرجع سبق ذكره .ص36 .
- انظر: نوى الحقائق .ص604.
- اللّمعة 22.ص 258 .
- الصيقل .ص462.
- الصيقل .ص57.
- الصيقل.ص359.
- انظر:د.محمّد البشير الهاشمي مغلي :التقريب بين منازع الاختلاف ومنازعات الخلاف .ضمن منشورات المجلس الإسلامي الأعلى.أعمال الملتقى الدّولي للتفاهم بين المذاهب الإسلامية الجزائر –25-27 مارس. 2002 م. ص469 –494.
- الزخرف: 28
- الصيقل. ص253.
- الصيقل .ص193.
- اللوامع .ص877.
- في إشارة إلى تصريحه أمام المحكمة العرفية انظر : الصيقل / المناظرات ص463.
