الدَّوْرُ التَّوجِيهِيُّ لِلأَنْبِيَاءِ فِي الحَيَاةِ الفَرْدِيَّةِ وَالعَائِلِيَّةِ وَالاجْتِمَاعيَّةِ
الدَّوْرُ التَّوجِيهِيُّ لِلأَنْبِيَاءِ
فِي الحَيَاةِ الفَرْدِيَّةِ وَالعَائِلِيَّةِ وَالاجْتِمَاعيَّةِ
أ.د. أمين محمد سلام المناسية
الأردن - جامعة مؤتة- كلية الشريعة
المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[1] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾[2] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾[3] .
أما بعد، "لم يكن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (1876- 1960م) صاحب نظرة سطحية أو معرفة ظاهرية لمفهوم النبوة وما ينبع منها من قيم ومبادئ أو نظم و معطيات، بل كان ذا فكرٍ عميق ونظرة ثاقبة وعقلية تحليلية سرت إلى بحور اللآلئ وعمق الحكم والأسرار لثمرة النبوة الشريفة وحاجة الإنسانية لها في شتى مجالاتها.
وبذلك وجدناه؛ نوع الحديث، ونثر الفوائد، وأتقن التعليق في رسائله النورانية حيث أولى اهتماماً بالغاً موضوع النبوة، وقد شغلت مساحات شاسعة في رسائله لا سيما نبوة الحبيب المصطفى ﷺ ."[4]
إن الحديث عن فكر هذا العالم الجهبذ أمر يستحق الجهد والبحث، وخصوصاً أنني أراه مجدد زمانه في عالم الأتراك المسلمين، إذ استطاع أن يشعل شمعة العودة إلى نهضة الإسلام في تركيا ووضع الأسس الكفيلة لتجاوز كل الأزمات إن قرئت قراءة صحيحة وفهمت مقاصدها، وهذا ما سوف يتناوله البحث في الكشف عن الدور التوجيهي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وعليه فإن هذا البحث يتكون من مقدمة وخاتمة وأربعة مطالب:
المقدمة وتشتمل على التعريف بالتوجيه وتقسيمات البحث. المطلب الأول: ازدواجية السعادة وازدواجية العذاب. المطلب الثاني: كيفية الحصول على القدوة الصالحة النافعة. المطلب الثالث: التوجيه الفردي. المطلب الرابع: التوجيه المجتمعي. الخاتمة المشتملة على النتائج والتوصيات
والله أسأل أن ينير الطريق لأمة الإسلام لتستعيد عزها ومجدها وسؤددها. وصلى الله وسلم على سيد الخلق، ومعلم البشرية سيدنا محمد وآله وصحبه وأتباعه أجمعين.
التعريف بالتوجيه
التوجيه لغة: البيان والتسديد والإرسال.
التوجيه اصطلاحاً: هو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين، وإيراد الكلام على وجه يندفع به كلام الخصم وقيل عبارة على وجه ينافي كلام الخصم.[5]
قديما سادت حضارات و بادت بسبب تفوق حضارات أخرى عليها.. سر التفوق هذا هو التقدم ..وسر التقدم .. هو العلم و التعلم ..!!
فالبلد الأقوى ليس هو البلد الذي يملك أعدادا بشرية ضخمة .. و لا ثروة طبيعية غزيرة .. بل هو الذي يملك ثروة أو طاقة بشرية مدربة تدريبا حسنا و ليس المهم عددها .. فالمسألة مسألة كيف لا كم.. أو مسألة نوع لا عدد!!
إن البلد الأقوى هو الذي يستغل ثروته البشرية استغلالا كاملا .. وذلك بإعداد أفراده إعدادا ممتازا يحرر بواسطة مخزون كل فرد من قدرات و طاقات كامنة .. و يمكنهم من تحقيق ذواتهم لمصلحتهم ومصلحة المجتمع ..!!
و لكي يتم ذلك تعتمد الأمم إلى التوجيه في التعليم ليتمكن كل فرد من أن يجد المكان المناسب له بحيث يسعد وينتج!!
* ما هو التوجيه .. ؟؟ يراد بالتوجيه تمكين الشيء أو الكائن الحي من الوصول إلى هدفه: كتوجيه القذيفة أو الصاروخ .. وكتوجيه الطالب نحو الدراسة أو المهنة التي يريدها .. إلا أن هناك فرقا بيِّناً بين توجيه الإنسان و توجيه الجماد.. القذيفة لا خيار لها فيما تفعل و الغاية من التوجيه خارجة عنها و ليس لمصلحتها.. بينما يكون توجيه الإنسان لغاية في نفسه هو ..!!
نحن نبصره بإمكاناته و نزوده بما يلزم من معلومات ونعرفه بالفرص المتاحة ثم نترك له الحرية في اتخاذ القرار الذي يناسبه .. وهذا ما نسميه بالتوجيه في التربية .. أو التوجيه المدرسي!!
* التوجيه عند ابن سينا :وأمر التوجيه في الناس قديم من ذلك أن ابن سينا يشرح لنا التوجيه بقوله :ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مؤاتية .. ولكن ما شاكل طبعه وناسبه.. وإنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملاءمة.. ما كان أحد غفلا عن الأدب وعاريا من الصناعة .. وإذن لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف الآداب وأرفع الصناعات .. ولذلك ينبغي لمدبر الصبي إذا رام لاختيار صناعة أن يزن أولا طبع الصبي ويسبر قريحته و يختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك .. !!وعليه يمكننا أن نعتبر تعريفه للتوجيه هو :وزن طبع الصبي وسبر قريحته واختبار ذكاءه ثم اختيار الدراسات أو الصناعات له بحسب ذلك.. ![6] وهذا هو الذي نبه عليه النورسي رحمه الله في كتاباته.
من هنا نكتشف العمق الأصيل الذي انتهجه بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله في وضع يده على نقطة البداية في تربية الأجيال للسير في طريق النجاح الدنيوي والأخروي، وهذا سيتضح تماماً في المطالب التالية.
المطلب الأول: ازدواجية السعادة وازدواجية العذاب
الازدواجية لغة: نقيض الفردية.
الازدواجية اصطلاحاً: الازدواج انضمام الشيء إلى نظيره من الزواج وهو كل ماله نظير من جنسه.[7] كقوله تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُ سَبِيلاً ﴾[8]، ونظيره في القرآن كثير. فالسعادة سعادتان دنيوية وأخروية.والعذاب عذابان دنيوي وأخروي و"إن غايات وجود كل شيء ومقاصد حياته ثلاثة أقسام:
أولها: وهو أسماها وهو المتوجه إلى صانعه سبحانه وتعالى. أي: عرض دقائق صنع كل شيء وبديع تركيبه أمام أنظار الشاهد الأزلي سبحانه بما يشبه الاستعراض الرسمي حيث تكفي لذلك النظر حياة الشيء ولو للحظة واحدة. بل قد يكفيه استعداده لإبراز قواه الكامنة الشبيهة بنيته ولما يبرز إلى الوجود. ومثاله: المخلوقات اللطيفة التي تزول بسرعة، والبذور التي لم يتسن لها إعطاء ثمارها وأزاهيرها، تفيد هذه الغاية وتعبر عنها تمامًا، فلا يطرأ عليها عبث ولا انتفاء النفع البتة. أي أن أُولى غايات كل شيء هو: إعلانه وإظهاره بحياته ووجوده معجزات قدرة صانعه، وآثار صنعته، أمام أنظار عناية مليكه ذي الجلال.
والقسم الثاني: من غاية الوجود وهدف الحياة هو: التوجه إلى ذوي الشعور أي ان كل شيء بمثابة رسالة ربانية زاخرة بالحقائق، وقصيدة تنضح لطفًا ورقةً وكلمة تفصح عن الحكمة، يعرضها الباري عز وجل أمام أنظار الملائكة والجن والحيوان والإنسان، ويدعوهم إلى التأمل، أي أن كل شيء هو محل مطالعة وتأمل وعبرة لكل من ينظر إليه من ذوي الشعور.
القسم الثالث: من غاية الوجود وهدف الحياة هو :التوجه إلى ذات نفسه: كالتمتع والتلذذ وقضاء الحياة والبقاء فيها بهناء، وغيرها من المقاصد الجزئية. فمثلا : إن نتيجة عمل الملاح في سفينة السلطان العظيمة تعود فائدتها إليه وهي أجرته، وهي بنسبة واحد في المائة، بينما تسع وتسعين بالمائة من نتائج السفينة تعود إلى السلطان الذي يملكها.. وهكذا إن كانت الغاية المتوجهة إلى كل شيء بذاته والى دنياه واحدة، فالغاية المتوجهة إلى بارئه سبحانه هي تسع وتسعون. ففي تعدد الغايات هذا يكمن سر التوفيق بين "الحكمة والجود" أي بين الاقتصاد والسخاء المطلقين، اللذين يبدوان كالضدين والنقيضين. وتوضيح ذلك:
إذا لوحظت غاية بمفردها فان الجود والسخاء يسودان آنذاك، ويتجلى اسم "الجواد"، فالثمار والحبوب حسب تلك الغاية المفردة الملحوظة لا تعد ولا تحصى. أي أنها تفيد جودًا مطلقًا وسخاء لا حصر له. أما إذا لوحظت الغايات كلها فان الحكمة هي التي تظهر وتهيمن، ويتجلى اسم "الحكيم". فتكون الحكم والغايات المتوخاة من ثمرة لشجرة واحدة بعدد ثمار تلك الشجرة، فتتوزع هذه الغايات على الأقسام الثلاثة التي سبق ذكرها. فهذه الغايات العامة تشير إلى حكمة غير نهائية، واقتصاد غير محدد، فتجتمع الحكمة المطلقة مع الجود المطلق اللذان يبدوان كالضدين.
ومثلا: إن إحدى الغايات من الجيش هي المحافظة على الأمن والنظام، فإذا نظرت إلى الجيش بهذا المنظار فسترى أن هناك عددًا فوق المطلوب منه. أما إذا نظرنا إليه مع أخذنا الغايات الأخرى بنظر الاعتبار كحفظ الحدود، ومجاهدة الأعداء وغيرها، عند ذلك نرى أن العدد يكاد يفي بالحد المطلوب... فهو إذن توازن دقيق بميزان الحكمة. إذ تجتمع حكمة الحكومة مع عظمتها. وهكذا يمكن القول في هذه الحالة: أن الجيش ليس فوق الحد المطلوب[9]".
من هنا نلاحظ كيف تجاوز فكر النورسي رحمه الله الحد الطبيعي حتى غاص إلى أعماق الحكمة وبيَّن ازدواجية المقاصد والتي اجتمع فيها النقيضان، بل ما هو في الحقيقة ضد ونقيض وذلك صنع الله الذي أتقن كل شيء، وتحت اختيار الإنسان يستخدم ما يريد وقت يريد، فمن يقدر على مصنوع كالإنسان غير الصانع الحقيقي وهو الله تعالى عما يقولون علواً كبيرا؟ ومن يستطيع فعل هذا التوازن غيره؟
فالنورسي رحمه الله يضع أمثلة حية لتقريب الفكرة، وتفتيق الأذهان فيقول: "بدأ المعلم هذا بإلقاء توجيهاته إلى المشاهدين كافة قائلا: أيها الناس ان سيدنا مليك هذا القصر الواسع البديع، يريد ببنائه هذا وبإظهار ما ترونه «أمام أعينكم من مظاهر، أن يعّرف نفسه إليكم، فاعرفوه واسعوا لحسن معرفته. وانه يريد بهذه التزيينات الجمالية، أن يحبب نفسه إليكم، فحببوا أنفسكم إليه، باستحسانكم أعماله وتقديركم لصنعته. وأنه يتودد إليكم ويريكم محبته بما يسبغه عليكم من آلائه ونعمه وأفضاله فأحبوه بحسن إصغائكم لأوامره وبطاعتكم إياه. وانه يظهر لكم شفقته ورحمته بهذا الإكرام والإغداق من النعم فعظموه أنتم بالشكر. وانه يريد أن يظهر لكم جماله المعنوي بآثار كماله في هذه المصنوعات الجميلة الكاملة فأظهروا أنتم شوقكم ولهفتكم للقائه ورؤيته، ونيل رضاه. وانه يريد منكم أن تعرفوا أنه السلطان المتفرد بالحاكمية والاستقلال، بما ترون من شعاره الخاص، وخاتمه المخصص، وطرته التي لا تقلد على جميع المصنوعات.. فكل شئ له، وخاص به، صدر من يد قدرته. فعليكم أن تدركوا جيدًا، أن لا سلطان ولا حاكم إلا هو .فهو السلطان الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا مثيل كان هذا المعلم الكبير يخاطب الداخلين للقصر والمتفرجين، بأمثال هذا الكلام الذي يناسب مقام السلطان وعظمته وإحسانه.
ثم انقسم الداخلون إلى فريقين:
الفريق الأول: وهم ذوو العقول النيرة، والقلوب الصافية المطمئنة، المدركون قدر أنفسهم، فحيثما يتجولون في آفاق هذا القصر العظيم - ويسرحون بنظرهم إلى عجائبه يقولون: لابد أن في هذا شأنًا عظيمًا !! ولابد أن وراءه غاية سامية!.. فعلِموا أن ليس هناك عبث، وليس هو بلعب، ولا بلهو صبياني.. ومن حيرتهم بدأوا يقولون:
يا ترى أين يكمن حل لغز القصر، وما الحكمة فيما شاهدناه ونشاهده؟!
وبينما هم يتأملون ويتحاورون في الأمر، إذا هم يسمعون صوت خطبة الأستاذ[10] العارف وبياناته الرائعة، فعرفوا أن لديه مفاتيح جميع الأسرار وحل جميع الألغاز، فأقبلوا إليه مسرعين:
- السلام عليكم أيها الأستاذ.. إن مثل هذا القصر الباذخ ينبغي أن يكون له عريفًا صادقًا مدققًا أمينًا مثلك، فالرجاء أن تعّلمنا مما عّلمك سيدنا العظيم. فذكَّرهم الأستاذ بخطبته المذكورة آنفاً، فاستمعوا إليه خاشعين، وتقبلوا كلامه بكل رضى واطمئنان، فغنموا أيما غنيمة، إذ عملوا ضمن مرضاة سلطانهم، فرضي عنهم السلطان[11] بما أبدوا من رضى وسرور لأوامره. فدعاهم إلى قصر أعظم وأرقى لا يكاد يوصف، وأكرمهم بسعادة دائمة، بما يليق بالمالك الجواد الكريم، وتلائم هؤلاء الضيوف الكرام المتأدبين، وحري بهؤلاء المطيعين المنقادين للأوامر.
أما الفريق الآخر:
وهم الذين قد فسدت عقولهم، وانطفأت جذوة قلوبكم، فما أن دخلوا القصر، حتى غلبت عليهم شهواتهم، فلم يعودوا يلتفتون إلا لما تشتهيه أنفسهم من الأطعمة اللذيذة، صارفين أبصارهم عن جميع تلك المحاسن، سادِّين آذانكم عن جميع تلك الإرشادات الصادرة من ذلك المعلم العظيم، وتوجيهات تلاميذه[12].. فأقبلوا على المأكولات بشراهة وهم كالحيوانات، فأطبقت عليهم الغفلة والنوم وغشيهم السكر، حتى فقدوا أنفسهم لكثرة ما أفرطوا في شرب ما لم يؤذن لهم به فأزعجوا الضيوف الآخرين بجنونهم وعربدتهم. فأساءوا الأدب مع قوانين السلطان المعظم وأنظمته، لذا أخذهم جنوده وساقوهم إلى سجن رهيب لينالوا عقابهم الحق، جزاءً وفاقًا على ما عملوا من سوء الخُلق.
فيا من ينصت معي إلى هذه الحكاية؛ لابد أنك قد فهمت أن ذلك السلطان قد بنى هذا القصر الشامخ لأجل تلك المقاصد المذكورة، فحصول تلك المقاصد يتوقف على أمرين:
أحدهما: وجود ذلك المعلم الأستاذ الذي شاهدناه وسمعنا خطابه، إذ لولاه لذهبت تلك المقاصد هباءً منثورًا، كالكتاب المبهم الذي لا يفهم معناه، ولا يبينه أستاذ، فيظل مجرد أوراق لا معنى لها !.. "[13]
"لقد جاء في الحكاية ذكر مبعوث كريم، وُذكر أن من لم يكن أعمى يفهم من رؤية أوسمته: أنه شخص عظيم، لا يأتمر إلا بأمر السلطان، فهو عامله الخاص.. فهذا المبعوث إنما - هو رسولنا الأعظم ﷺ.
نعم، يلزم أن يكون لمثل هذا الكون البديع ولصانعه القدوس، مثل هذا الرسول الكريم، كلزوم الضوء للشمس. لأنه كما لا يمكن للشمس إلا أن تشع ضياءً كذلك لا يمكن للألوهية إلا أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام.
فهل يمكن أن لا يرغب جمال في غاية الكمال في إظهار نفسه بوسيلة ودليل يعرفه؟
أم هل يمكن أن لا يطلب كمال في غاية الجمال الإعلان عنه بوساطة يلفت الأنظار إليه؟
أم هل يمكن أن لا تطلب سلطنٌة كلية لربوبية عامة شاملة إعلان وحدانيتها وصمدانيتها على مختلف الطبقات بوساطة مبعوث ذي جناحين؟ أي ذي صفتين:
صفة العبودية الكلية، فهو ممثل طبقات المخلوقات عند الحضرة الربانية. وصفة الرسالة والقرب إليه، فهو مرسل من لدنه سبحانه إلى العالمين كافة. أم هل يمكن لصاحب جمال مطلق أن لا يروم أن يشهد هو ويشهِد خلقه محاسن جماله ولطائف حسنه في مرايا تعكس هذا الجمال؟ أي بوساطة رسول حبيب؛ فهو حبيب لتودده إلى الله سبحانه بعبوديته الخالصة، وهو رسول حبيب لأنه يحبب الله سبحانه إلى الخلق بإظهار جمال أسمائه الحسنى. أم هل يمكن أن لا يريد من يملك خزائن مشحونة بأغلى الأشياء وأعجبها وبما يدهش العقول، إظهار كماله المستتر. وان لا يطلب عرضه على أنظار الخلق أجمعين، وكشَفه على مرأى منهم، بوساطة معرف ومعلن وصاف؟ أم هل يمكن لمن زين هذا الكون بمخلوقات معبرة عن كمال أسمائه الحسنى، وجعله قصرًا رائعًا، وجمله ببدائع صنعته المذهلة، وعرضه على الأنظار، ثم لا يكل أمر إيضاحه إلى مرشد معلم رائد؟. أم هل يمكن أن لا يبين مالك هذا الكون بوساطة رسول: ما الغاية من تحولات هذا الكون وما القصد من هذا الطلسم المغلق؟ وان لا يجيب بوساطته عن ألغاز الأسئلة الثلاثة المستعصية في الموجودات، وهي: من أين؟ والى أين؟ ومن تكون؟ أم هل يمكن للخالق ذي الجلال الذي عرف نفسه إلى ذوي الشعور هذه المخلوقات الجميلة، وحببها إليهم بنعمه الغالية، أن لا يبين لهم بوساطة رسول ما يريد منهم وما يرضيه إزاء هذه النعم السابغة؟ أم هل يمكن للخالق الذي ابتلى النوع الإنساني باختلاف المشاعر والاتجاهات، وهيأ استعداده للعبودية التامة الكلية، أن لا يطلب توجيه أنظار هذا النوع من الكثرة إلى التوحيد بوساطة مرشد مرسل؟
وهكذا فان هناك دلائل أخرى زيادة على ما تقدم، كلها براهين قاطعة تبين: "وظائف النبوة ومهامها"، وتوضح: أن الألوهية لا تكون بلا رسالة.
والآن، فهل ظهر في العالم من هو أكثر أهلية، واجمع لتلك الأوصاف والوظائف التي لمنصب الرسالة ومهمة التبليغ؟ (أم هل هناك أحد أليق منه ذكرت، من محمد الهاشمي؟)
وهل اظهر الزمان أحدًا أعظم أهلية منه؟ كلا. ثم كلا.. فهو إمام جميع المرسلين، وقرة عين كل الأصفياء، وسلطان جميع المرشدين، وزبدة كل المختارين والمقربين، صاحب ألوف المعجزات كشق القمر، ونبعان الماء من بين أصابعه الشريفة، مما عدا دلائل نبوته وأماراتها التي لا تحصى، مما هو محل إجماع أهل الفضل والعلم، وعدا القرآن العظيم الذي هو بحر الحقائق والمعجزة الكبرى، إذ انه كالشمس الساطعة دليل قاطع على صدق رسالته.. ولقد أثبتنا إعجاز القرآن بما يقرب من أربعين وجهًا من وجوه الإعجاز في "رسائل النور" ولاسيما في"الكلمة الخامسة والعشرين".[14]
وإليك أمثلة على ازدواجية السعادة وازدواجية العذاب: "إن هدايا الرحمن الجميلة - كالعقل والقلب والعين وما شابهها – ما وهبت لك إلا لتهيئك لفتح أبواب السعادة الأبدية، فما أعظمها خسارة أن تتحول تلك الهدايا إلى صورة مؤلمة تفتح لك أبواب جهنم!."[15]
فهنا يقصد النورسي رحمه الله أن هذه الهدايا ما هي إلا أمانات يجب أن لا تسخر إلا في مرضاة المهدي، وأن لا تستخدم إلا في طاعته، ولمصلحة الإنسان التي تعود عليه بالسعادة الدنيوية، والتي بالتالي تؤهله للسعادة الأخروية السرمدية. أما إن أساء الاستعمال فإنها ستوقعه في مهاوي الردى، ولذات الدنيا وشهواتها، والتي يكون مآلها أن ترمي به في أعماق العصيان، والمخالفة التي لا تثمر إلا مراً، وحنظلاً، وزقوما؛ فشقاؤه ومخالفاته الدنيوية تجره إلى شقائه وعذابه الأبدي في النار.
وهكذا فإن السعادة الدنيوية وفق منهاج الله تجر إلى سعادة أخروية وفق مرضاة الله، ولذة المعصية الدنيوية تجر إلى عذاب الآخرة الأبدية.
"فالأعمال والأفعال هنا إذن ما هي إلا لأجل ما أُعد هنالك من جزاء. فالملك القدير يكلف هنا ويجازي هناك، فلكل فردٍ لون من السعادة حسب استعداده وما أقدم عليه من خير."[16]
"ثم انظر! انه يسأل تلك السعادة والخلود بكل رقة وحزن، وبكل حب وود، وبكل شوق وإلحاح، وبكل تضرع ورجاء، يحزن الكون جميعًا ويبكيه فيسهمه في الدعاء. ثم انظر وتأمل! انه يدعو طالبًا السعادة لقصد عظيم، ولغاية سامية.. يطلبها لينقذ الإنسان والمخلوقات جميعًا من التردي إلى هاوية أسفل سافلين وهو الفناء المطلق والضياع والعبث، ويرفعه إلى أعلى عليين وهو الرفعة والبقاء وتقّلد الواجبات وتسّلم المسؤوليات، ليكون أهلا لها ويرقى إلى مرتبة مكاتيب صمدانية."[17]
"فلابد أن تكون هناك دار سعادة تليق بذلك الكرم العميم، وتنسجم مع تلك الرحمة الواسعة.. وإلا يلزم جحود هذه الرحمة المشهودة، بما هو كإنكار وجود الشمس التي يملأ نورها النهار، لأن الزوال الذي لا رجعة بعده يستلزم انتفاء حقيقة الرحمة من الوجود، بتبديله الشفقة مصيبًة، والمحبة حرقًة، والنعمة نقمًة واللذة ألمًا، والعقل المحمود عضوًا مشؤومًا. وعليه فلابد من دار جزاء تناسب ذلك الجلال والعزة وتنسجم معه. لأنه غالبًا ما يظل الظالم في عزته، والمظلوم في ذلته وخنوعه، ثم يرحلان على حالهما بلا عقاب ولا ثواب. فالأمر إذن ليس إهمالا قط، وِإن أُمهلت إلى محكمة كبرى، فالقضية لم تهمل ولن تهمل، بل قد تعجل العقوبة في الدنيا. فإنزال العذاب في القرون الغابرة بأقوام عصت وتمردت يبين لنا أن الإنسان ليس متروكًا زمامه، يسرح وفق ما يملى عليه هواه، بل هو معرض دائمًا لصفعات ذي العزة والجلال."[18]
المطلب الثاني: كيفية الحصول على القدوة الصالحة النافعة
أراد الأستاذ النورسي رحمه الله أن يوضح هذا المعنى بخطاب التدريج العقلي لتدرك البشرية حاجتها إلى النبوة، لا سيما نبوة المصطفى ﷺ وذلك في الإشارة البليغة الأولى تحت قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[19]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾[20]. قال النورسي رحمه الله: [فما دام الخالق يعلم، فالعالم يتكلم، وحيث إنه سيتكلم فسيكون كلامه حتماً مع من يفهمه من ذوي الشعور والفكر والإدراك، بل مع الإنسان الذي هو أفضل أنواع ذوي المشاعر والفهم وأجمعهم لتلك الصفات،..][21]
إن في الأمة المسلمة تحديداً، فإن الخط الأساسي الذي يخطه الإسلام ليترك معالمه في شخصية الإنسان والناشئ بصفة خاصة هو خط التوحيد: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[22].
فالله تعالى هو خالق الكون ورب الناس وهو إلههم الذي يملك نواصيهم، وينبغي عليهم أن يلتزموا أوامره وينتهوا عما نهوا عنه، وللناس في كل صفة من صفاته سبحانه وتعالى أو اسم من أسمائه، مَعْلَماً من معالم التصور العقدي يؤسس إطاراً مرجعياً في عقل الجيل الجديد، يعينه على التوافق مع ذاته ومع البيئة من حوله ويرتبط بهذا الأصل فهم الناشئ منذ وقت مبكر لهدف وجوده على هذه الأرض، فهو لم يأت عبثاً إلى هذا الوجود، وإنما هو خليفة في الأرض يستخدم طاقاته ومواهبه في البناء والتعمير، مستهدياً بما شرعه الله له من السنن والقوانين يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[23].
لذلك يدرب الطفل المسلم منذ سنيه الأولى على السلوك الإسلامي، وننقل إليه القيم تدريجياً، حتى إذا ما وصل إلى سن التكليف يكون قد تطبع بطبائع المكلفين فيسهل عليه الأداء طواعية واختياراً.
وفهم الناشئ لحدود الحياة يجب أن يرتبط بأصل التوحيد منذ بداية الحياة البشرية في تصور المسلم، وهذه الحياة بدأت في صورتها المادية منذ نفخ الروح في آدم عليه السلام، وتجارب الإنسانية التي تضمنها القرآن رصيد ملزم للناشئين في أحوالهم وتقلباتهم، كما أن الحياة التي نعيشها إنما هي أدوار وأطوار، فطوراً في الرحم وطوراً على الأرض وطوراً في القبر وآخر في المحشر ونهايتها إلى خلود لا إلى فناء فإما جنة وإما جحيم بعد حسابها على ما قدمت، ومن هنا يرتبط فهم الناشئ لحدود الحياة بأصل التوحيد الذي تربى عليه، يقول الله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾[24] فهذا التوجيه يرسخ في عقل المسلم وفي تصوره أن الحياة ممتدة، وأنها لا تنقطع بعوارض الموت، فليس الموت إلا مرحلةً من مراحلها وطوراً من أطوارها وهذا في الحقيقة بعد جديد يعين المسلم ويساعده على أداء التكاليف وتحمل مشقات الحياة بصبر وأمل، ويجعله صلباً في مواجهة الصعاب مهما كانت شديدة، ويزوده بطاقات نفسية تشد من عزمه وتقوي من إرادته في فعل الخير ومقاومة الشر طلباً للثواب وانتظاراً للجزاء.
ومن المعروف أن الحياة لا تسير على نهج واحد، ولا تلتزم بوتيرة واحدة، وأن الإنسان يحياها متقلباً بين الطفولة والشباب والرجولة والشيخوخة والأفراح والأتراح والقلق والطمأنينة، لذلك تضمن القرآن بجانب التوجيهات السابقة، توجيهات أخرى تتناسب مع حالات التقلب التي يعيشها الإنسان في مراحل عمره المختلفة، ومن هنا يكون للخوف مكانه وللرجاء مكانه وللترغيب مكانه وللترهيب مكانه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[25]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[26] وقال تعالى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾[27].
ولم تكن هذه التوجيهات مجرد توجيهات نظرية لا واقع لوجودها، وإنما هنالك نموذج رائع ورفيع، وفيه تتمثل القدوة الحقيقية التي يقتدي بها المسلم، ويربط حياته كلها متأسياً بها، لأنها جسّدت وحقّقت مراد الله من خلقه في أحكم وأدق صورة للعبودية الصادقة، ذلكم هو رسول الله ﷺ. ولذلك ينبغي أن يؤدي هذا النموذج دوره دون منافس خلال فترة التشكيل العقلي والوجداني بأبعاده الثلاثة: التصوري والسلوكي والعاطفي، وتستمر هذه الفترة إلى سن التكليف حتى تكون الهوية في أمان من الأخطار المضرة والتداخلات التي تحدث تميعاً في الشخصية وازدواجاً في السلوك، وببراعة الأديب ونورانية العارف، يلتقط النورسي رحمه الله صورةً لخط التوحيد الموصول في هذا العالم الكبير، وكأنه يسمع لسان الغيب ويرى بصماته في عالم الشهادة، وهي تهتف بدلائل التوحيد وتشهد بلسان الوجود شهادة الحق وتخاطب الإنسان بلسان المكان ولسان الزمان قائلة: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [28] الذي دل على وجوب وجوده ودل على أوصاف جلاله، وجماله وكماله، وشهد على وحدانيته العالم، أي هذا الكتاب الكبير بجميع فصوله وصحفه وسطوره وجمله وحروفه، وهذا الإنسان الكبير بجميع أعضائه وجوارحه وحجيراته وذراته، وأوصافه وأحواله أي هذه الكائنات بجميع أنواع العوالم تقول: لا إله إلا الله .. ولا خالق إلا هو.. ولا صانع إلا هو.. ولا مدبر إلا هو.. وبجزئيات تلك الأجزاء: لا مربي إلا هو.. وبحجيرات تلك الجزئيات: لا متصرف إلا هو.. وبذرات تلك الحجيرات: لا خالق إلا هو.. وبأثير تلك الذرات لا إله إلا هو..
فتشهد الكائنات على أنه هو الواجب الوجود، الواحد الأحد بجميع أنواعها وأركانها وأعضائها وأجزائها وجزئياتها وحجيراتها وذراتها وأثيرها، إفراداً وتركيباً متصاعداً بتركيبات منتظمة رافعات أعلام الشهادة على وجوب الصانع الأزلي، والكائنات كل واحد من مركباتها.[29]
كل هذا يوجب علينا سلوك درب رسول الله ﷺ واستماع نصائحه وإرشاداته، فهو دليل الخير، وقدوة العالمين، وقائدهم إلى الخير.
إن كلام هذا العالم النحرير ينطلق من نفس أبية، وشخصية قوية، لا ترى فرقاً بين الأجناس، لأن قدوته محمد ﷺ الرحمة المهداة، والنعمة المسداة لبني آدم، فهمُّهُ نجاتهم، ما وسع إلى ذلك سبيلاً. فقد كان قدوة أجيال مع ما كابده في حياته من سجن وعذاب. إن أمتنا اليوم بحاجة إلى القدوة، والعمل بموجبها، فمن لم يجد قدوة، فإن رسول الله تعالى هو قدوة الجميع وأسوتهم.
المطلب الثالث: التوجيه الفردي
يقول النورسي رحمه الله وهو يخاطب القارئ: "اعلم! إن حكمة الصانع الجليل.. وعدم العبثية في أفعاله.. ومراعاته النظام في أقل ما في العالم.. وعدم إهماله أخس ما فيه.. وضرورة حاجة البشرية إلى مرشد.. كل ذلك يستلزم قطعاً النبوة في نوع البشر.."[30] "فالنبوة المطلقة هي بمثابة معدن نظام البشرية المادي والمعنوي ومركز انتظام أموال كثير من الأنواع التي ضمتها تحت تصرفها قوة العقل.."[31]
إن هذا الكلام فيه نصيحة غالية لمن يدرك ذلك، فالإنسان وحده لا يستطيع أن يجد طريق النجاة بدون مرشد، فإن وجد المرشد العظيم، المرسل من الرب الأعظم، فلا بد من اغتنام الفرصة، والاستفادة منها قبل فوات الأوان، وحصول الخسران، فإن رسول الله ﷺ ما عرف خيراً إلا دل الأمة عليه، ولا عرف شراً إلا حذَّر الأمة منه. فهو لا يطلب منا أجراً، وإنما أجره على الله.
ومن ركب رأسه، وتنكب دربه، وعظمت عنده نفسه، وقاده شيطانه، واستكبر على أن يكون من أتباعه، فخسارته جسيمه، ونهايته أليمة.
فهل فهمنا مقاصد الكلام، واخترنا الإمام، وجمعنا الأنام، لوحدة أمة الإسلام، فقد طفح الكيل، وكثر الويل، وصارت أمتنا ذيلاً للأمم، بعد أن كانت رأساً في الأمم، وضياءً في الظُلَم، فأخرجت العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
لقد كانت كلمات النورسي رحمه الله، ومكتوباته، وشعاعاته، وصيقله محشوة بالرموز التي تدعونا جميعا للعودة إلى الله، وإلى الدين، لنأخذ منه التوجيهات، أفرادا وجماعات، فالرابط بيننا هو عقيدتنا الواحدة، وأسوتنا هو رسول الله ﷺ.
المطلب الرابع: التوجيه المجتمعي
إن من كمال عدله سبحانه وتعالى وعظيم لطفه وجليل حكمته أن جعل في بني البشرية أمرين أثنين لولاهما لفسدت البشرية وانحدرت إلى مستوى الحيوانية وتخبطت في ظلمات الجهل والضياع وما هذان الأمران إلا (النبوة والشريعة الإسلامية الربانية) والتي بهما نظمت الحياة البشرية واستقرت الاضطرابات الإنسانية وقد أكد الأستاذ النورسي رحمه الله هذا المعنى فقال: [أن القدرة الإلهية التي لا تترك النمل من دون أمير والنحل من دون يعسوب، لا تترك حتماً البشر من دون نبي، من دون شريعة.. ][32].
إنه يعطي أمثلة حية في توجيه الأفراد والجماعات للتمسك والالتزام والطاعة مهما أصابت الإنسان مصيبة، أو ألمت به حادثة، وبذلك يكون ربانياً متصلاً بخالقه مؤمناً برسله عليهم السلام.
وقد أتحفنا النورسي بنفحات نورانية تعليقاً على هذا المعنى قائلاً:
"فلننظر بنور تلك المناجاة إلى أنفسنا.. فنحن في وضع مخيف ومرعب أضعاف أضعاف ما كان فيه سيدنا يونس عليه السلام، حيث أن: ليلنا الذي يخيم علينا، هو المستقبل.. فمستقبلنا إذا نظرنا إليه بنظر الغفلة يبدو مظلماً مخيفاً، بل هو أحلك ظلاماً واشد عتامة من الليل الذي كان فيه سيدنا يونس عليه السلام بمائة مرة.. وبحرنا، هو بحر الكرة الأرضية، فكل موجة من أمواج هذا البحر المتلاطم تحمل آلاف الجنائز، فهو إذن بحر مرعب رهيب بمائة ضعف رهبة البحر الذي ألقي فيه عليه السلام.
وحوتنا، هو ما نحمله من نفس أمارة بالسوء، فهو حوت يريد أن يلتقم حياتنا الأبدية ويمحقها. هذا الحوت اشد ضراوة من الحوت الذي ابتلع سيدنا يونس عليه السلام؛ إذ كان يمكنه أن يقضي على حياة أمدها مائة سنة، بينما حوتنا نحن يحاول إفناء مئات الملايين من سني حياة خالدة هنيئة رغيدة.
فما دامت حقيقة وضعنا هذه، فما علينا إذاً إلاّ الإقتداء بسيدنا يونس عليه السلام والسير على هديه، معرضين عن الأسباب جميعاً، مقبلين كلياً إلى ربنا الذي هو مسبب الأسباب متوجهين إليه بقلوبنا وجوارحنا، ملتجئين إليه سبحانه قائلين: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾[33]".[34]
ثم يدير النورسي عدسة النبوة إلى قصة سيدنا أيوب عليه السلام وقد كابد المرض وتحمل الألم صابراً محتسباً لله تعالى، لم يشك ربه أو يطلب منه رفع بلائه، وحينما أصابت الديدان الناشئة من جروحه قلبه ولسانه اللذين هما محل ذكر الله وموضع معرفته تضرع إلى ربه الكريم بهذه المناجاة الدقيقة: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾[35]، خشية أن يصيب عبادته خلل، ولم يتضرع إليه طالباً للراحة قط، فاستجاب الله العلي القدير تلك المناجاة ..[36]
استخلص النورسي من تلك المناجاة خمس نكات فيها توجيه للسلوك الإنساني وتشخيص للأمراض الروحية فيه، وبيان فضيلة الصبر في النوائب.
النكتة الأولى:- بيّن النورسي أن الإنسانية مصابة بأمراض باطنية وعلل روحية وأسقام قلبية أبلغ مما عند سيدنا أيوب عليه السلام. ولئن كانت جروحه عليه السلام تهدد حياته الدنيا القصيرة بخطر، فإن جروحنا المعنوية تهدد حياتنا الأخروية المريرة بخطر، ولئن كانت الديدان المتولدة من جروحه عليه السلام أصابت قلبه ولسانه، ومنعته من الذكر، فإن الوساوس والشكوك - نعوذ بالله- المتولدة عندنا من جروحنا الناشئة من الآثام والذنوب تصيب باطن القلب الذي هو مستقر الإيمان فتزعزع الإيمان فيه، وتمس اللسان الذي هو مترجم الإيمان فتسلبه لذة الذكر ومتعته الروحية، ولا تزال تنفره من ذكر الله حتى تسكته كلياً.[37]
النكتة الثانية:- قال النورسي: [إن الإنسان ليس له حق الشكوى من البلاء والمرض بثلاثة وجوه:
1- أن الله سبحانه يجعل ما ألبسه الإنسان من لباس الوجود دليلاً على صنعته المبدعة، فهو المتصرف في ملكه كيف يشاء.
2- أن الحياة تتصفى بالمصائب والبلايا وتتزكى بالأمراض والنوائب، أما الحياة الرتيبة التي تمضي على نسق واحد وتمر على فراش الراحة فهي أقرب إلى العدم الذي هو شر محض منه إلى الوجود الذي هو خير محض.
3- أن دار الدنيا، ما هي إلاّ ميدان اختبار وابتلاء، وهي دار عمل ومحبة وعبادة، فما دامت كذلك فإن الصبر على الأمراض والمصائب عدا الدينية تكون ملائمة جداً مع ذلك العمل."[38]
النكتة الثالثة: وتتلخص بأن الإنسان لا يتأسف ويسترجع ويحوقل على ما فات من المصائب فهذا يورث آلام معنوية مصحوبة بالأسف والأسى، وعليه أن يفكر بما أدّخر له ربه من ثواب جميل وجزاء حسن في الآخرة ويرقى إلى مرتبة الشكر لله والرضا بقدره، فينطلق لسانه حامداً ربه قائلاً: الحمد لله على كل حال سوى الكفر والضلال.[39]
النكتة الرابعة: ويجملها النورسي بقوله: "أن الشكر مثلما يزيد النعمة، فالشكوى تزيد المصيبة وتسلب الترحم والإشفاق على صاحبها. إن الإنسان إن لم يشتت ما وهبه الباري سبحانه من قوة الصبر ولم يبعثرها في شعاب الأوهام والمخاوف، فإن تلك القوة يمكن أن تكون كافية للثبات حيال كل مصيبة وبلاء."[40]
النكتة الخامسة: وهي ثلاث مسائل:
الأولى: إن المصيبة التي تعد مصيبة حقاً ومضرة فعلاً؛ هي التي تصيب الدين، فلا بد من الإلتجاء إلى الله سبحانه والإنطراح والتضرع إليه دون انقطاع، أما المصائب التي لا تصيب الدين فهي في حقيقة الأمر ليست بمصائب؛ لأن قسماً منها تنبيه للعبد ليوقظه من غفلته، ومنها كفّارة للذنوب، ومنها منحة إلهية لطمأنة القلب وإفراغ السكينة فيه.
الثانية: كلما استعظمت المصائب المادية عظمت، وكلما استصغرتها صغرت. فإذا تعاظمها الإنسان وأهتم بها وقلق عليها تسربت من الجسد إلى القلب مستقرة فيه، ومتى أزال القلق والوهم من جذوره بالرضا بقضاء الله وبالتوكل على رحمته تضمحل المصيبة المادية تدريجياً وتذهب كالشجرة التي تموت وتجف أوراقها بانقطاع جذورها.
الثالثة: أن لكل زمان حكمه، وقد غيّر البلاء شكله في زمن الغفلة هذا، فلا يكون البلاء عند البعض دوماً، بل إحسانا إلهياً ولطفاً منه سبحانه.[41]
ويختم النورسي حديثه عن مناجاة سيدنا أيوب عليه السلام بتقديم العبرة والمقاصد المرجوة من تلك القصة قائلاً: [وهكذا فإن سيدنا أيوب عليه السلام لم يدعُ في مناجاته لأجل نفسه وتطميناً لراحته، وإنما طلب كشف الضر من ربه عندما أصبح المرض مانعاً لذكر الله لساناً، وحائلاً للتفكر في ملكوت الله قلباً، فطلب الشفاء لأجل القيام بوظائف العبودية خالصة كاملة. فيجب علينا نحن أيضاً أن نقصد بتلك المناجاة- أول ما نقصد: شفاء جروحنا المعنوية وشروخنا الروحية القادمة من ارتكاب الآثام واقتراف الذنوب ولنا الالتجاء إلى الله القدير عندما تحول الأمراض المادية قيامنا بالعبادة الكاملة، فنتضرع إليه عندئذ بكل ذل وخضوع ونستغيثه دون أن يبدر منا أي اعتراض أو شكوى، إذ مادمنا راضين كل الرضا بربوبيته الشاملة فعلينا الرضا والتسليم المطلق بما يمنحه سبحانه لنا بربوبيته.. أما الشكوى التي تومئ إلى الاعتراض على قضائه وقدره، وإظهار التأفف والتحسر، فهي أشبه ما يكون بنقد للقدر الإلهي العادل واتهام لرحمته الواسعة.. فمن ينقد القدر يصرعه ومن يتهم الرحمة يحرم منها. إذا كما أن استعمال اليد المكسورة للثأر يزيدها كسراً، فإن مقابلة المبتلي مصيبته بالشكوى والتضجر والاعتراض والقلق تضاعف البلاء."[42]
في نظري أن النورسي رحمه الله يشير إلى معانٍ جليلة، وتوجيهات عظيمة، تدرك من منطوق كلامه، وفحواه، ودلالاته، وإشاراته. فالله تعالى يرشدنا إلى المنهج القويم، والمنطق السليم، إلى أهمية وجود الزعيم القائد المطاع، المدبر اليقظ، المقتفي للنبي ﷺ ليجمع الأمة، ويقودها من جديد، فتستعيد العزة، وتحفظ الكرامة، وتحفظ الأعراض، وتحمي بيضة الإسلام.
إن الرجل مجروح الفؤاد، مكسور الجناح، قيوده كثيره، وأعداؤه أكثر، فمن سجن إلى سجن، ومن كيد إلى كيد، لم يفت ذلك في عضده، ولا رده عن قصده، فإن ذوي الهمم الكبيرة لا يلتفتون إلى الصغار إلا باللطف والحنان، والحسرة، خوفاً عليهم من الضياع في الدنيا، وفي الآخرة.
الخاتمة
بعد هذا التطواف في صفحات كتب الإمام النورسي رحمه الله توصلت إلى النتائج التالية:
- لقد مضى من عمري ردحاً من الزمن مع كثرة مطالعاتي ولم أعرف من هو سعيد النورسي رحمه الله حتى التقيت بأفراد من تركيا في الأزهر[43].
- تبين لي أن النورسي رحمه الله مفكر كبير وعالم نحرير يستحق أن يدرس العلماء كتاباته وتحليلها والإفادة منها في جميع المجالات وعلى رأسها مجال التربية الإسلامية.
- نبه النورسي رحمه الله في كتاباته أن الإنسان هو مركز الكون وأنه هو سر عظيم من أسرار الله في هذا الكون فأعطاه الله ما أعطاه تكريما على سائر خلقه.
- فهمه العميق لحديث رسول الله ﷺ" إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"[44] هذا الحديث الذي جعل التربية أساس كل التصرفات الإنسانية.
- تربية الفرد أساس لتربية الأسرة، وتربية الأسرة أساس لتربية المجتمع، وتربية المجتمع صلاح للإنسانية كلها.
- الأنبياء والمرسلون هم أساتذة الأخلاق والتربية على مر التاريخ، والعلماء المجددون هم ورثة الأنبياء في توجيه البشرية إلى الخير والصلاح وبدون طريقهم لا يحصل إلا الدمار والتسلط والبربرية.
- إن أعلى مراتب الأخلاق أن يكون الشخص ربانياً، متصلا بالله تعالى، معترفاً بفضله، وإنعامه، فمن جحد هبات الجليل فهو لهبات عباده أشد جحوداً، ولو ظهر للناس بمظهر أهل الأخلاق، لأن من ينكر الجميل من ربه، فحريٌ به أن يكون لجميل عباده أشد نكراناً.
توصية: من الظلم الفادح محاربة الصالحين، ونكران دورهم في المجتمع أثناء حياتهم، فإذا ماتوا استيقظنا وعرفنا حقهم علينا وعلى المجتمعات، فليتنا نتعلم معرفة قدرهم وهم بيننا، وليتنا فسحنا لهم المجال ليبذلوا ويعطوا من ثمار أفكارهم.
اللهم هبنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك، وأرضنا بقضائك. وصلى الله وسلم على البشير النذير، والسراج المنير، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الميامين، والتابعين لهم بإحسان أجمعين.
------------------------
[1] النساء/1
[2] آل عمران/102
[3] الأحزاب70-71
[4] النبوة وضرورتها للإنسانية في القرآن بمنظور رسائل النور، ياسر إسماعيل راضي، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، المقدمة.
[5] الجرجاني، التعريفات، باب التاء، 1/96.
[6] انظر. ابن سينا من خلال كتابه السياسة في وضع قواعد التربية الإسلامية.
[7] المناوي، محمد عبد الرؤوف، التوقيف على مهمات التعاريف، دار الفكر المعاصر، دار الفكر - بيروت، دمشق، الطبعة الأولى ، 1410، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، عدد الأجزاء: 1، فصل الزاي، ص53.
[8] الإسراء/72
[9] انظر المكتوبات: هامش 23، ص73.
[10] الأستاذ هنا المقصود به النبي والرسول والداعية.
[11] المقصود بالسلطان هنا هو الله جل في علاه.
[12] المقصود بالتلاميذ هنا : هم الدعاة عموما وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون.
[13] المكتوبات: ص 165.
[14] انظر: الكلمات: الإشارة الثانية. ص 56.
[15] الكلمات: ص19.
[16] الكلمات ص 47.
[17] الكلمات ص68.
[18] الكلمات ص61.
[19] التوبة/33
[20] الفتح/28
[21] المكتوبات، ص 113-114.
[22] التوبة/31
[23] الأنعام/165
[24] الحج 5-7
[25] الأنفال/2
[26] الرعد/28
[27] السجدة/16
[29] المثنوى العربي ص108.
[30] صيقل الإسلام، ص 135.
[31] صيقل الإسلام، ص 136.
[32] الكلمات، ص 843.
[33] الأنبياء/87
[34] اللمعات، ص 906.
[35] الأنبياء/83
[36] اللمعات، ص 10.
[37] المصدر السابق، ص 11.
[38] المصدر السابق، ص 13.
[39] المصدر السابق، ص 14.
[40] اللمعات، ص 14.
[41] المصدر السابق، ص 16-19.
[42] المصدر السابق، ص 17.
[43] كان من بينهم الأخ AHMET ATES في رابطة الجامعات بالأزهر
[44] صحيح، وهذا إسناد قوي، رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عجلان، فقد روى له مسلم متابعة، وهو قوي الحديث. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" 1/192، والبزار (2470- كشف الأستار) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4432) ، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" ص 2، والبيهقي في "السنن" 10/191-192، وفي "الشعب" (7978) من طرق عن سعيد بن منصور، بهذا الِإسناد. في رواية البزار "مكارم الأخلاق".وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (273) ، وفي "التاريخ الكبير" 7/188، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (13) ، والحاكم 2/613، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1165) ، وابن عبد البر في "التمهيد" 24/333 و333-334 من طرق عن عبد العزيز بن محمد، به. وبعضهم يقول فيه أيضا: "مكارم الأخلاق".وأخرجه البيهفي في "السنن" 10/192، وفي "الشعب" (7977) من طريق يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، به. وأخرجه مالك في "الموطأ" بلاغاً 2/904. وفي الباب عن معاذ بن جبل عند ابن أبي الدنيا (14) ، والبزار (1973) ، والطبراني في "الكبير" 20/ (120) . وعن جابر بن عبد الله عند الطبراني (6891) ، والبيهقي في "الشعب" (7979) . وعن زيد بن أسلم مرسلاً عند ابن أبي شيبة 11/500-501. قوله: "لأتمم صالح الأخلاق" قال ابن عبد البر في "التمهيد" 24/332: ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كُله، والدين والفضل والمروءة والِإحسان والعدل، فبذلك بعث ليتممه، وقد قالت العلماء: إن أجمع آية للبر والفضل ومكارم الأخلاق قوله عز وجل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [النحل: 90] .
