القواعد التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية في الحياة من منظور رسائل النور

 

 

القواعد التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية

في الحياة من منظور رسائل النور

 

د. يحيى ضاحي علي شطناوي 

كلية الشريعة- قسم اصول الدين

جامعة اليرموك- الأردن   

 

المقدمة

تعد السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، ولذا لا بد من إيلائها العناية التي تليق بمكانتها، ومع هذا فهناك قواعد لابد أن يستنير بها أهل كل زمان أثناء تطبيق السنة النبوية في الحياة، لأن الكلام النظري شيء والتطبيق العملي شيء آخر.

وإن عدم مراعاة تلك القواعد يوقع الناس في إشكالات لا حصر لها وُيظهر السنة بمظهر التناقض وعدم الانسجام، بل ربما شكك البعض في كون ذلك النص وحيا من لدن المعصوم.

فكان من الأهمية بمكان الوقوف على تلك القواعد وتجليتها وضرب أمثلة عليها كي يتضح الأمر ويستبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

وممن تنبه لهذا الإمام النورسي رحمه الله، فأشار إلى ضرورة الاعتماد على الأحاديث الصحيحة وترك أقوال القصاص والإخباريين والروايات الإسرائيلية.

وكان من منهجه عدم الوقوف عند ظاهر النص، فكان يغوص في أعماق المعاني محاولا توظيفها في مواجهة التيارات المعادية للإسلام والمشككة في عقيدته، إضافة لمنهجه المتميز في فهم الأحاديث المشكلة، وموقفه من المعجزات النبوية فقدم إضاءات ومعايير ضرورية لإزالة كثير من اللبس وتصحيح الأفهام المغلوطة، وهذا ينسجم مع الدعوة بضرورة قراءة روح النصوص وعدم الاقتصار على ظواهرها، ومراعاة السياق الذي ورد فيه الحديث وملابساته، وعدم اجتزائه، وكل ذلك وفق مقاصد الشرع الحنيف، القاضي باختيار الأيسر ورفع الحرج.

وتجدر الإشارة إلى أن الإمام النورسي قد خصص جانباً مهماً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته فأفرد رسائل خاصة لتناول موضوع من هذه الموضوعات، وأشار في بعض الأحيان إشارات لامحة في معرض تناوله لغيرها من الموضوعات.([1])

وهو في تعامله مع الحديث النبوي والسيرة الشريفة يسلك مسلكاً فريداً فلا هو مسلك المحدثين الذين يتقيدون بمنهج محدد، ولا هو مسلك المؤرخين الذين يدرسون السيرة النبوية أيضاً بمنهجهم الخاص، فتراه يعتمد أسلوباً نقدياً انتقائياً وفق الضوابط والمعايير المعتمدة لكي لا يتبقى أمام القارئ إلا ما هو مقبول وفق تلك الضوابط والمعايير([2]

ويمكن تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث على النحو الآتي:

المبحث الأول: أهمية معرفة سياق الحديث ومقصد الشارع

المبحث الثاني: جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد

المبحث الثالث: مراعاة ألفاظ الحديث والتفريق بين الحقيقة والمجاز

الخاتمة: أهم النتائج والتوصيات

 

 

المبحث الأول: أهمية معرفة سياق الحديث ومقصد الشارع

سياق الحديث الذي ورد فيه له أهمية كبرى في فهمه، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يؤخذ حديث شريف بشكل منفصل بعيد عن سياقه الذي قيل فيه، فإن مراعاة السياق يسهم كثيراً في دقة توجيه البوصلة نحو الفهم السـليم للحديث، ولذا لابد من الاطلاع على أسباب ورود الحديث، ومعرفة المقاصد التي يرمي إليها الشارع الحكيم من وراء ذلك التكليف، ثم تنزيل ذلك بالأسلوب المناسب على الواقع المعاصر.

وقد ألمح الإمام النورسي لذلك في عدة مواطن من ذلك قوله: إن الأحاديث الشريفة التي تبحث عن علامات القيامة، وعن وقوعات آخر الزمان، وعن فضائل بعض الأعمال وثوابه، لا تفهم حسن فهم، فلذلك قال قسم يعتمد على عقولهم من أهل العلم لقسم منها: إنه ضعيف أو موضوع، وذهب قسم ضعيف الإيمان قوي الأنانية إلى إنكارها([3]).

ومن هذا الباب ما جاء في منع المرأة من السفر إلا ومعها محرم، فقصد الشارع هو الخوف على المرأة من سفرها وحدها حين كان ذلك يتم على الدواب وتقطع فيه الفيافي والقفار دون إحساس بالأمن والأمان، ولكن لما تغير الحال فإنه ينبغي علينا مراعاة التطور الذي حصل في واقع السفر وتنقل المرأة، وانعكاس ذلك على ما تشعر به من الأمان، حيث بات بإمكانها أن تسافر في وسائل المواصلات المتطورة، مع عشرات من الركاب، دون أن تخشى على نفسها شيئاً كثيراً، إذ يغلب على الظن في كثير من المواطن شعورها بالأمان، ويؤيد اعتبار هذه العلة في منعها من السفر فيما ورد من أحاديث، مثل حديث عدي بن حاتم مرفوعاً عند البـخاري:حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي في معرض المدح بظهور الإسلام: " لترينّ الظعينة(أي المرأة) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله) وقوله: " يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تقدم البيت (أي الكعبة) لا زوج معها"([4]).

وهذا أرفق بالمسلمين اليوم ولا يجعلهم في حرج في ظل التطور الهائل في وسائل المواصلات، لاسيما وأن بعض الأئمة أجاز للمرأة أن تحج بلا محرم إذا كانت مع نسوة ورفقة مأمونة.([5])

ومن ذلك أيضا حديث صدقة الفطر الذي يوجب إخراجها صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب، وفي وقت محدد قبل صلاة العيد من يوم الفطر.

      وفي ذلك الزمن كان الوقت كافيا لصغر حجم المجتمع، وكانت تلك الأصناف مقبولة لتداولها وعدم توافر النقود كما حدث في أزمان لاحقة.

ولا يخفى أن فهم السنة وتفسيرها وروايتها، بعيداً عن مقاصد الشريعة وغاياتها يحمل آثارا سلبية، ويوقع الناس في الحرج ويضيّق عليهم، وهذا يتعارض مع الآيات والأحاديث التي تبين عظمة الإسلام في رفع الحرج وعدم المشقة.

 والقول بأنه لا يجوز إخراج صدقة الفطر من غير هذه الأصناف، يتنافى مع مقصد الشريعة، من تحقيق مصلحة الفقير وسد حاجاته، وتيسير أمر الصـدقة على من أراد إخراجها، ولعل الأقرب
لتحقيق هذا المقصد ما قال به الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول عمر بن عبد العزيز وغيره من فقهاء السلف حيث لاحظوا أن المقصد، هو إغناء الفقراء والمساكين عن السؤال والطواف في هذا اليوم، وإشراكهم فرحة العيد، وهذا يتحقق بدفع القيمة أكثر من دفع الأطعمة العينية ليتصرف فيها حسب حاجاته([6]).

وقل نحو ذلك في حديث تحريم التصوير، فإن سياق الحديث ومقصد الشارع من التحريم هو مضاهاة خلق الله تعالى، وهذا غير واقع على التصوير الفوتوغرافي، ولذا كان من الخطأ الذي يقع فيه بعض العلماء عندما يسحبون ما جاء من أحاديث في شأن التصوير، على التصوير الفوتوغرافي اليوم، مع أن المتأمل جيداً، يجد أن التصوير بالكاميرا لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومِن ثَم فلا يدخل في دلالات النصوص الواردة في التصوير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن كلمة التصوير كانت دلالاتها مباشرة على ما يسمى اليوم بالنحت، وتصوير الأشياء مجسمة بنحتها، سواء من الحجر أو من الخشب أو غيره، وبالتالي لا يدخل التصوير الفوتوغرافي ضمن دائرة التحريم.

 

 

المبحث الثاني: جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد

السنة النبوية مترابطة ومنسجمة ولا يمكن أن يأتي حديث يأمر بأمر ويأتي آخر بنقيضه، إلا أن يكون ناسخا له.

ومن هنا تكمن المشكلة في اجتزاء النصوص وعدم الجمع بينها، فتجد أحدهم يعجبه أمر فيستشهد عليه بحديث معين، بل ينكر على من يعمل بخلافه، رغم أننا لو جمعنا بين الأحاديث لوجدنا أن المسألة أهون بكثير.

ومن الأمثلة البارزة في هذا المجال الحديث الشريف في عقوبة المسبل إزاره وكون ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار"([7])

فتجد من يتقيد بهذا الحديث ويقصر ثوبه، ونقول له: جزاك الله خيرا، لكن البعض يبدأ وينكر على من لم يفعل ذلك، وربما وصفه بأنه مخالف للسنة.

ولو رجعنا لأحاديث أخرى في ذات الموضوع لتكاملت الصورة، فنجد في صحيح البخاري رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة، قال أبو بكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لست ممن يصنعه خيلاء"([8])

وبهذا يمكن الجمع بين الحديثين بأن النهي وارد فيمن جر ثوبه على سبيل التكبر والخيلاء، وانه لا حرج على من انجر إزاره بغير قصد مطلقا([9]).

ومثال آخر: ذلك الحديث الذي رواه البخاري، في كتاب المزارعة من صحيحه، عن أبي أمامة الباهلي حين نظر إلى آلة حرث (محراث) فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يدخل هذا بيتَ قومٍ إلا أدخله الله الذل([10])"

فظاهره يفيد كراهية الرسول للحرث والزراعة التي تفضي إلى ذل العاملين فيها، وكيف ينسجم ذلك مع نصوص أخرى كثيرة تحث على الغرس والزراعة مثل حديث : "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقة"([11]).

 فأي عمل أفضل من هذا العمل، وأي حث على الزراعة أفضل من هذا الحث، بل جاء حديث يحث على غرس الفسيلة حتى لو كانت القيامة ستقوم.

والجمع بين أحاديث الحث والذم، أن الأصل الحث على الزراعة، والذم في حالة كون ذلك مضيعا لما أمر بحفظه كالجهاد مثلا أو جاوز الحد فيه([12])، ويؤيد ذلك الحديث الشريف: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"([13]).

ومن أمثلته حديث النهي النساء عن زيارة القبور، بينما هناك حديث عام يقول فيه صلى الله عليه وسلم: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت"([14])

ويأتي السؤال : ألا تحتاج المرأة كالرجل في تذكر الموت، فكيف تنهى عن زيارة المقابر؟ والجمع بين الحديثين سهل ميسور، فيحمل النهي في حال ما إذا كانت المرأة مبالغة في زيارتها ومضيعة للحقوق المترتبة عليها، مع ما يصاحب تلك الزيارة من نياحة وشق للجيوب، ويؤيد ذلك حديث أم عطية قالت: كنا ننهى عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا([15])، وقال النووي: ومذهب أصحابنا أنه مكروه ليس بحرام([16]).

ولذا كان تعارض الحديث مع القرآن كافياً لدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لردّه، فهذا عمر بن الخطاب رد حديث فاطمة بنت قيس، بأن زوجها طلقها آخر تطليقة، ولم يجعل لها النبي صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى، فرده وقال: "لا ندع كتاب الله وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت"، أشار عمر بكتاب الله إلى الآية ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ (سورة الطلاق: 6)

كما أن عائشة ردت حديث "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" لمخالفته لقوله تعالى ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى﴾ (سورة الإسراء: 15)، فمثل هذه المخالفة ينبغي أن تكون كافية في رد الحديث، في حال ثبوتها وعدم إمكانية الجمع أو التوفيق بين الآية والحديث، ذلك أن شِقَّيْ الوحي لا يمكن أن يتعارضا في النهاية وإن بدا ذلك في لحظة من اللحظات.

لكن ينبغي الحذر من التسرع والتوسع في دعوى تعارض الأحاديث مع الآيات، دون أن يكون لذلك أساس صحيح، فكما أنه ينبغي عرض السنة على القرآن لأن ذلك يساهم في فهمها، ويساعد في التوثق من الحكم على الحديث، للعلاقة العضوية بين شقي الوحي، فإن عرض السنة على السنة من باب أولى([17])

 

المبحث الثالث: مراعاة الأحاديث المشكلة والتفريق بين الحقيقة والمجاز

على العالم أن يبين للناس ألفاظ الحديث من واقع اللغة حتى لا يقعوا في اللبس، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العالم الفقيه لا يحدث الناس بكل ما يعرفه من أحاديث حتى لو كانت صحيحة، وخاصة التي لا تهمهم في واقع حياتهم كأحاديث الفتن، والمشكلة ونحوها([18])

يقول النورسي: " كما أن للقرآن متشابهات تحتاج إلى التأويل أو تقتضي مطلق التسليم فإن للأحاديث أيضا مشكلات كمتشابهات القرآن تحتاج أحيانا إلى تفسير وتعبير دقيقين جدا..."([19]).

فمثلا ما المصلحة في تحديث الناس بحديث لطم موسى عليه السلام لملك الموت وفقئه لعينه؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي وأباك في النار!

هناك حديث صحيح يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء"([20])، ولو أن السامع أخذ اللفظ على حقيقته لوقع في إشكال، لكن المعنى المجازي يسعف في ذلك، ويتذوقه كل من عرف جمال اللغة وسحرها، كما يقول الناس في اليوم الشديد الحر: إن طاقة من جهنم قد فتحت، فيكون على قول إنه ورد مورد التشبيه([21])

وكذا حديث أن الجنة تحت أقدام الأمهات، فلا يفهم أحد أن حقيقة الجنة عند أرجل الأم، إنما يفهم أن بر الأم ورعايتها من أوسع الأبواب المؤدية إلى الجنة([22])

وقد استعرض د. عماد الدين خليل جانبا من الأحاديث المشكلة وموقف النورسي منها:

قال: أحاديث الساعة وثواب الأعمال :

بسبب الغموض الذي يكتنف فهم الأحاديث التي تبحث في «علامات الساعة وأحداثها»، وفي «فضائل الأعمال وثوابها» والتي ضعفها عدد من أهل العلم وأنكرها آخرون، يقدم النورسي مجموعة من الأصول والقواعد العامة للاستهداء بها في فهم هذا القسم من الأحاديث دون الرجوع إلى منهج المحدثين وعلومهم وأدواتهم في التعامل مع الحديث، فهو يلجأ إلى أسلوبه في التدليل والمقارنة والاستنتاج معتمداً على الشاهد العقلي حيناً والشاهد الحسي حيناً آخر، والشاهد الوجداني أو الروحي حيناً ثالثاً([23]).

فيبين في الأصل الأول أن الدين امتحان يميز بين الأرواح العالية والسافلة، لذا فهو يبحث في الحوادث المستقبلية بصيغة ليست مبهمة إلى حد استعصاء فهمها، وليست واضحة وضوحاً بدهياً يدعو إلى التصديق حتماً، وإنما يعرضها عرضاً منفتحاً على العقول، لا يعجزها ولا يسلب منها القدرة على الاختيار. فلو ظهرت علامة من علامات الساعة ظهوراً واضحاً واضطر الناس للتصديق لتساوت عندئذ الاستعدادات الفطرية، ولضاع سر التكليف، ولهذا السبب ظهرت اختلافات كثيرة في مثل هذه المسائل (كمسألة المهدي المنتظر ..)، وصدرت أحكام متضاربة نتيجة للاختلاف في الروايات([24]).

ويستمر بديع الزمان في عرض الأصول الأخرى، مركزاً على الأسباب التي أسهمت في تضعيف الحديث؛ فيشير إلى تسرب الإسرائيليات، وإقحام بعض أقوال الرواة أو المعاني التي استنبطوها من متن الحديث.

كما يشير إلى ضرورة التعامل الحذر مع الأدوات البلاغية كالحكايات والأمثال والتشبيهات، وألا تؤخذ على إنها حقائق مادية، ويبرز الحكمة من إخفاء كثير من التفاصيل عن القضايا الغيبية، ويقف طويلاً عند هذه المسألة مناقشاً تفاصيلها ومقدماً الأمثلة المساعدة على الإقناع .

ويوضح في الأصل التاسع أن قسمين من الأحاديث النبوية المتعلقة بفضائل الأعمال قد عبّر عنها الرسول  صلى الله عليه وسلم بأسلوب بلاغي يناسب الترغيب والترهيب، لذا ظن من نظر إليها نظراً سطحياً أنها تحمل مبالغة، مع أنها ليست كذلك فهي جميعاً حق وحقيقة . مثل ذلك الحديث الآتي «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما شرب الكافر منها جرعة ماء» أو كما قال([25]).

ويضيف في أصل آخر أنه كما توجد في القرآن الكريم آيات متشابهات تحتاج إلى تأويل أو تطلب التسليم المطلق، كذلك في الحديث الشريف مشكلات تحتاج أحياناً إلى تفسير وتعبير دقيقين([26]).

ويبيّن في الأصل الأخير السبب في ظهور اختلاف حول بعض الحقائق، فيقول : (إن نظر النبوة والتوحيد والإيمان يرى الحقائق في نور الألوهية والآخرة ووحدة الكون، لأنه متوجه إليها أما العلم التجريبـي والفلسفة الحديثة فإنهما يريان الأمور من زاوية الأسباب المادية والطبيعية؛ لأنهما متوجهان إليها، فالمسافة – إذن – بين زاويتي النظر بعيدة جداً)([27])، وهذا ما يؤدي إلى ظهور حقيقتين مختلفتين مع أنهما قد تكونان حقيقة واحدة . ويؤكد النورسي عدم تعارض الحقيقة العلمية القاطعة مع حقيقة النص القرآني المقدس، فيد العلم التجريبـي قاصرة عن بلوغ طرف من حقائق القرآن الرفيعة([28]).

نعم لا يمكن لحقيقة علمية أن تتعارض مع النص الصحيح من قرآن أو سنة، لأن المنزل واحد سبحانه، إنما التعارض ينشأ في الأفهام القاصرة، نتيجة عدم إدراك القواعد والضوابط التي يُعمل بها في مثل هذه الحالات، أو نتيجة عدم التفريق بين الحقيقة والمجاز، أو قياس الأمر الغيبي على المشاهد في حياة الإنسان، وبخاصة في الأحاديث المشكلة.

وهكذا نرى أنه لابد من التعامل مع السنة النبوية وفق قواعد محددة أثناء تطبيقها في واقع الحياة، وبدون ذلك تحصل إشكالات وتناقضات نحن في غنى عنها.

 

الخاتمة: أهم النتائج

- السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، ولا يمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال

- ضرورة فهم السنة النبوية وفق القواعد المعتبرة التي قررها علماء الإسلام، وبدون تلك القواعد سيحصل الاضطراب والإشكال

- كان الإمام النورسي ثاقب البصيرة حاضر الذهن في تعامله مع الأحاديث النبوية يركز على استخلاص العبر والعظات ويوظفها لخدمة واقعه ويبتعد عن التنظير.

- إن السمة المميزة لمنهج النورسي هي عدم وقوفه عند ظواهر الأحاديث فهو يغوص في أعماق المعاني محاولاً توظيفها في مواجهة التيارات المعادية للإسلام والمشككة في عقيدته، وله نظرة حكيمة في موقفه من الأحاديث المشكلة.

- ضرورة معرفة سياق الحديث والمناسبة التي قيل فيها قبل أخذ الحكم منه

- ضرورة جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد، لتتكامل الصورة

- وجوب مراعاة ألفاظ الحديث والتفريق بين الحقيقة والمجاز

هذا والله ولي التوفيق، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

 

------------------------------

[1] الرسائل التي خصصت بكاملها للحديث عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي: «الرسالة الأحمدية»، و«أصول في فهم أحاديث الساعة وثواب الأعمال» و«المعراج النبوي»، و«المعجزات الأحمدية» و«منهاج السنة»و «الإخبار بالغيب»، و«مرقاة السنة وترياق مرض البدعة» و«القسم الثالث من الشعاع الخامس عشر».

[2]  انظر خليل: أ.د. عماد الدين، الرسول صلى الله عليه وسلم في رسائل النور ـ ص 11 .

[3] النورسي: بديع الزمان سعيد، مجموعة المقالات من كليات رسائل النور، عني بتصحيحها محمد زاهد الملازكردي ص391-392  عالم الكتب، بيروت، ط1، 1406/1985

[4]  رواه البخاري في صحيحه، انظر الصحيح بشرحه فتح الباري لابن حجر 7/510 رقم الحديث3595 كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام،  وانظر فتح الباري لا بن حجر 5/66  ط1، 1425/2004 دار الكتب العلمية، بيروت

[5] انظر القرضاوي: د. يوسف، كيف نتعامل مع السنة النبوية معالم وضوابط،  ص131-132، ط3 1411/1991 المعهد العالمي للفكر الإسلامي

[6] انظر القرضاوي: ص137-1139، وسعيد: د. عبد الجبار، منهجية التعامل مع السنة النبوية ، مجلة اسلامية المعرفة بحوث ودراسات  العدد 018

[7]  رواه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب تحريم إسبال الإزار، انظر الصحيح بشرح النووي 2/114، ط3، 1398/1978 دار الفكر، بيروت

[8]  رواه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس باب من جر إزاره من غير خيلاء، انظر الصحيح مع الفتح 11/217 رقم الحديث 5784

[9] ينظر شرح الحديث عند ابن حجر في فتح الباري 11/217 وشرح النووي على مسلم 2/116

[10] صحيح البخاري: كتاب المزارعة، انظر الصحيح مع الفتح 6/4 رقم 2321

[11] رواه البخاري، انظر الصحيح مع الفتح 6/3 رقم 2320 كتاب الحرث والمزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، ومسلم، انظر الصحيح بشرح النووي 10/215، كتاب المساقاة والمزارعة، باب فضل الغرس والزرع

[12] انظر ابن حجر : فتح الباري 6/4-5

[13]  رواه الإمام  أحمد في مسنده (4987) وأبو داود في سننه (3462) وصححه الألباني في صحيح أبي داود، وانظر السلسلة الصحيحة

[14] صحيح مسلم بشرح النووي 7/8 كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه في زيارة قبر أمه

[15] صحيح مسلم بشرح النووي 7/2 كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن إتباع الجنائز

[16] انظر شرح النووي على صحيح مسلم 7/8

[17] انظر سعيد: د. عبد الجبار، منهجية التعامل مع السنة النبوية ، مجلة اسلامية المعرفة بحوث ودراسات العدد 018

[18] يشهد لهذا حديث معاذ في الصحيحين، وفيه: وحق العباد على الله أن لايعذب من لايشرك به شيئا، قال معاذ: أفلا أبشر به الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا" وما رواه البخاري تعليقا عن علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون اتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ما رواه مسلم عن ابن مسعود: ما أنت بمحدث قوما لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.

[19] النورسي: مجموعة المقالات، ص404

[20] صحيح البخاري، انظر الصحيح مع الفتح 7/271 رقم 3261 كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، وانظر الفتح 11/148 رقم5725 كتاب الطب، باب الحمى من فيح جهنم

[21] انظر فتح الباري 11/148

[22] انظر القرضاوي: ص168-169

[23] انظر : عماد الدين خليل – ص 5 .

[24] انظر : المرجع السابق : ص – 5 و 6 .

[25] أصل الحديث :(لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) حديث صحيح أخرجه الترمذي(2422) «تحفة» وأبو نعيم في «حلية الأولياء»(3/253) .

[26] انظر : بديع الزمان : الكلمات ـ ص 400 .

[27] المصدر السابق ـ ص 401 .

[28] انظر : بديع الزمان : الكلمات ـ ص 402 .

 

 

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة