القواعـد التي يجـب مراعاتـها في تطبيــق السنــة النبويــة في الحيــاة في منظور الإمام النورسي
القواعـد التي يجـب مراعاتـها في تطبيــق السنــة النبويــة في الحيــاة
في منظور الإمام النورسي
الأستاذ الدكتور رابــــــح بن أحمد دفــــرور
عميد كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية
بجامعة أدرار - الجزائر
مقدمــــــــــة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
كثيرة هي الأسباب التي تدعونا لاستخلاص القواعد واستنباط الضوابط التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية في الحياة المعاصرة من منظور رسائل النور، ولعل أهمها ما يلي:
أولا: أهمية السنة النبوية ودورها في تنظيم الحياة، وإصلاح الفرد والمجتمع عند الإمام المصلح سعيد النورسي، حيث يعتبر الهدي النبوي كالبوصلة التي تبين اتجاه حركة السفن فلا تضل طريقها وسط الأمواج المتلاطمة، وكالمصباح الذي يضيئ فيهتدي حامله في الطرق المظلمة.
ثانيا: استيعاب الإمام النورسي لواقع الأمة الإسلامية المعاصرة، فهو متلاطم الأفكار، متشعب المذاهب والمعتقدات، موجب للحيرة والاضطراب في التفكير والسلوك والمعتقد، حيث انتشر الفكر المادي الإلحادي فشوه بيضة الإسلام، وعصف الخلاف واشتد بين الفرق المسلمة: السنة والشيعة والمتصوفة... فعمد إلى اختيار منهج علمي يوضح كيفية الاستفادة من السنة النبوية بما يحقق تفاعلا إيجابيا مع هذا الواقع.
ثالثا: تصور الإمام النورسي الدقيق لشمولية السنة النبوية لكل نواحي الحياة البشرية ومتطلباتها، وإيرادها حلولا لمشاكلها، وعثورها على الأدوية لأمراضها وعللها. فهو يرى أن دساتيرها أفضل دواء وأنفعه للأمراض الروحية والعقلية والقلبية والاجتماعية.
وتهدف هذه المداخلة إلى إبراز أهم القواعد التي ينبغي مراعاتها في فهم السنة النبوية، وكيفية تطبيقها، ليستفيد منها المسلم المعاصر في تحصين دينه، وتنوير فكره، وترشيد سلوكه، وكيفية تعامله مع من يخالفه في العقيدة والمنهج والسلوك، وكل ذلك من منظور رسائل النور، وفق الخطة الآتية:
أولا: مفهوم السنة النبوية عند الإمام النورسي.
ثانيا: أهمية السنة النبوية في فكر الإمام النورسي.
ثالثـا: القواعد التي ينبغي مراعاتها في تطبيق السنة النبوية عند الإمام النورسي.
أولا: مفهوم السنة عند النورسي
لم يخض الإمام النورسي في مفهوم السنة النبوية، وتفصيلاتها وأنواعها، وأقسامها على طريقة الفقهاء والأصوليين والمتكلمين، باعتماد التعريف على الحدود والقوالب، وإنما ركز في ذلك على الجانب العملي الخلقي للسنة، إذ يعتبر ذلك أهم ما يفرزه تطبيق السنة، وأهم ما يظهر على المتمسك بها، وأهم الثمرات التي يجنيها متبع السنة في حياته الفردية والجماعية، وهو بهذا الاعتبار تجده يحصر السنة النبوية في تلك الآداب والأخلاق والعادات التي تحلى بها سيد المرسلين عليه أفضل صلاة وأزكى سلام.
يقول الإمام النورسي مبرزا ماهية السنة النبوية: "حقيقة السنة هي آداب عظيمة، وأخلاق جليلة، فقد جمع الله أصول الآداب وقواعدها في رسوله محمد – صلى الله عليه وسلم - فمن يهجر السنة المطهرة فقد هجر منابع الأدب وأصوله، فيحرم نفسه من خير عظيم"[1].
وانطلاقا من هذا المفهوم فإنه لا معنى لتطبيق السنه النبوية، ولا يمكن أن تؤتي نفعها في حياة الفرد والمجتمع، إذا ظلت تمارس في شكل طقوس جوفاء، وحركات خالية من المعاني الروحية والأدبية المقصودة منها، وهذا ما تمثل في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم- : "رُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إلَّا السَّهَرُ وَرُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ"[2]
ثانيا: أهمية السنة النبوية في فكر الإمام النورسي.
إن السنة النبوية تعتبر مصدرا أساسا من مصادر كشف الظلمة، وإزالة الغمة، وإنارة الطريق أمام الضال، فهي كالبوصلة التي لا يستغني عنها قبطان السفينة في وسط البحار، وكالمصباح الذي يهدي صاحبه إذا اشتدت الظلمة وحلكت. وهذا ما يجب أن يعتقده كل مسلم يؤمن بالله ورسوله، فالسنة النبوية ليست ترفا فكريا، أو خيارا عمليا يقوم به المسلم عند الحاجة، وإنما هي أساس لا غنى عنه إذا حلت الشدائد، وعصفت المصائب، وتفرقت السبل، وحارت القلوب، وتاهت العقول، وإنها الحق فيما جاءت به، والنجاة فيما أمرت به، ذلك لأنها نابعة عن المعصوم – صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ النجم:4-5
قال الإمام النورسي مبينا الوصفة الطبية لأمراض الزمان وعلله: "عصر مريض، وعنصر سقيم، وعضو عليل، وصفتها الطبية هي اتباع القرآن"[3] ولا شك أن السنة النبوية هي الترجمان الخلقي للقرآن الكريم، ونموذجه العملي. وقال أيضا: "إن الحديث النبوي معدن الحياة، وملهم الحقائق"[4]
وعلى المسلم العاقل أن يكون أول مستفيد في حياته، من هذا المصدر الموصوف بالعصمة فهو لا يضل من اتبعه، ولا يخطئ من انتهجه، فيه الشفاء لكل علة، والمخرج من كل معضلة، وهداية من كل ضلالة، وعصمة من كل غواية، يجد فيه متبعه طمأنينة عند كل حيرة، وأمانا من كل فزع.
ولقد مثل الإمام النورسي لأهمية اتباع السنة النبوية بالمقارنة بين أساسيات المدنية السنية وبين أساسيات المدنية الحديثة التي أورثتها الحضارة الغربية المبنية على الأفكار الفلسفية البشرية، وتستبعد كل ما كان مصدره ديني. حيث أظهر أن المدنية السنية تستند إلى الحق بدلا من القوة، والحق من شأنه العدالة والتوازن، وهدفها الفضيلة بدلا من المنفعة، والفضيلة من شأنها المودة والتجاذب، ودستورها في الحياة التعاون بدلا من الجدال والصراع، والتعاون من شأنه الاتحاد والتساند، وتجعل الرابطة الدينية والوطنية بدلا من العنصرية والقومية، وهذه الرابطة من شأنها الأخوة المخلصة، والمسالمة الجادة، والدفاع فقط عند الاعتداء الخارجي[5].
أما المدنية التي أفرزتها الحضارة الغربية فهي تستند إلى القوة التي من شأنها التجاوز والاعتداء، وهدفها المنفعة التي من شأنها التزاحم والتخاصم، ودستورها الصراع والجدال، وهذا ما يؤدي إلى التنازع، ورابطتها بين الكتل البشرية هي العنصرية والقومية التي تتوسع على حساب الآخرين، فتبلعهم وتمحي وجودهم، وهذا ما يؤدي إلى التصادم والتقاتل لأجل البقاء[6].
وإن هذه المقارنة التي ضربها الإمام النورسي بين المدنية السنية والمدنية الغربية الحديثة تعد مقارنة شاملة لأهم المقومات الأساسية التي تعنى بالوجود الإنساني، وبقيمه الروحية والحضارية والأخلاقية، وتميز كيانه عن الكيان الحيواني. ويهتدي في نهاية الأمر إلى أن المدنية السنية بتلك الأساسيات تضع الهدى بدلا من الهوى، والهدى من شأنه أن يرفع الإنسان: روحا وجسدا، فردا وجماعة إلى مراقي الكمالات.
أما المدنية الغربية فهي تضع الهوى بدلا من الهدى، وتلبي رغبات النفس الأمارة بالسوء، وتقضي على القيم التي يسمو بها الإنسان: روحيا وأخلاقيا وحضارة، فيرتد مسخا في صورة بشر، ويصدق عليه قولـــــــــه تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ الأعراف: 17، ويخلص إلى أن الإسلام القائم على هدي الكتاب والسنة لهو حامي الوجود الإنساني: جسديا، وروحيا، وأخلاقيا، ولا نجاة من إفرازات المدنية الغربية وظلماتها إلا بالاعتصام به.
قال النورسي: "فلا تزح يدك عن الإسلام الذي هو حامي وجودنا، واستعصم به وإلا هلكت" [7]
ثالثـا: القواعد التي ينبغي مراعاتها في تطبيق السنة النبوية عند الإمام النورسي.
إن السنة النبوية التي تعتبر أفضل نموذج للاقتداء، وأكمل مرشد للاتباع والسلوك، وأحكم دستور، وأعظم قانون يتخذه المسلم في تنظيم حياته الفردية والجماعية، إنها لا تؤتي أكلها، ولا تلمس ثمرتها، ولا تظهر نتائجها في حياة الفرد والمجتمع على الوجه الأكمل إلا إذا روعي في تطبيقها مجموعة من القواعد، وجملة من الضوابط، ينبغي على المسلم أن يراعيها، وأن يأخذ بها عند التطبيق، وإن المتأمل في رسائل النور التي أبدعها الإمام النورسي يمكنه أن يحدد بعضا من تلك القواعد والضوابط، ولعل من أهها ما يلي:
القاعدة الأولى: اتباع السنة النبوية وتقليدها في الأمور كلها
إن المسلم حين يعمل جاهدا على أن يتبع السنة النبوية، ويقلدها في الأمور كلها، إنه يجعل أعماله اليومية، وسلوكاته الفطرية، وحركاته وسكناته العادية، قربة إلى الله، وعبادة يؤجر عليها، إذا كان ذلك بنية اتباع السنة النبوية، وتقليد المصطفى -عليه الصلاة والسلام- في حركاته وتصرفاته، فالأكل والشرب واللباس... مثلا هي أعمال يقوم بها الإنسان بشكل يومي ليلبي حاجته الفطرية البيولوجية، لكنه إذا تحرى في ذلك الكيفية التي كان يقوم بها النبي –صلى الله عليه وسلم- في أكله وشربه ولباسه ... حصلت له متابعة السنة، وكان بذلك مأجورا، وبهذا الاتباع والتقليد يجعل كل لحظة من لحظات حياته بل عمره كله عبادة، ومجالا لتحصيل الأجر والثواب.
قال الإمام النورسي: "أما السنن النبوية في العادات والتعاملات فإنها تصيّر العادة عبادة رغم أن تاركها لا يلام، إلا أن استفادته تقل وتتضاءل من نور الآداب الحياتية لحبيب الله –صلى الله عليه وسلم-"[8]
وهذا المعنى هو نفسه ما تمثل في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم- حين اعتبر معاشرة المؤمن زوجه صدقة مأجورا عليها إذا كان ذلك في حلال، متبعا السنة، غير مخالف، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ الغفاري أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا"[9]
هذا وإن اتباع السنة النبوية لهو ضرورة يتحرى بها شرع الله، وهو سبحانه لا يعبد إلا بما شرع، فلا يلتبس على المؤمن العمل المقبول من المردود عند الله - تعالى- ، فالاتباع لا يبقي مجالا للعقل أو الذوق في تحسين الأمور أو تقبيحها، بل يجعل العمل صوابا حتما عند الله لحصول موافقته للسنة النبوية. والمؤمن الفطن عليه أن يتحرى قطعية الصواب في العمل بالاتباع، لا أن يجعل الصواب في عمله محتملا بالابتداع. وهذا ما أكد عليه النبي – صلى الله عليه وسلم- في حديثه حين ذم البدع ومحدثات الأمور، وشدد على ضرورة اتباع السنة فقال: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"[10]
ولهذا الأمر يجعل النورسي الفرق شاسعا بين السنة النبوية وغيرها من الآداب المبتدعة فيقول: "إن اتباع سنة واحدة من السنن النبوية يكون مقبولا عند الله أعظم من مائة من الآداب والنوافل الخاصة... وإن سنة واحدة من السنن النبوية ترجح ألفا من الآداب الصوفية"[11]
هذا وإن الاتباع المطلق لسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يحقق للفرد مصلحة ومنفعة في حياته الشخصية والاجتماعية، ذلك لأن عادات النبي – صلى الله عليه وسلم- وحركاته وسكناته حكمة ومنفعة له، ولكل من اتبعه، واقتفى أثره، وقلد أفعاله. وإن الإعراض عن السنة النبوية حرمان من منفعة عظيمة قد لا يدركها الإنسان بعقله، وتفويت لمصلحة جليلة لا توجد إلا عند المعصوم في أفعاله، الحكيم في أقواله – صلى الله عليه وسلم-
قال الإمام النورسي: "أما عاداته – صلى الله عليه وسلم- وحركاته وسكناته السامية فمن الأفضل والمستحسن جدا تقليدها واتباعها حكمة ومصلحة سواء في الحياة الشخصية أو النوعية أو الاجتماعية، لأن هناك في كل حركة من حركاته الاعتيادية منافع حياتية كثيرة جدا، فضلا عن أنها بالمتابعة تصيّر تلك الآداب والعادات بحكم العبادة... فالسعيد المحظوظ هو من له أوفر نصيب من هذا الاتباع للسنة النبوية"[12]
القاعدة الثانية: الإخلاص في اتباع السنة النبوية
إن لازم قبول الأعمال عند الله – تعالى- أمران أساسان، أولهما: أن يكون العمل موافقا للسنة النبوية، متبعا لها، وهو ما ذكر في القاعدة الأولى، وثانيهما: أن يكون ذلك العمل خالصا لوجه الله – تعالى- فمهما وافق العمل السنة وخلا من الإخلاص فإنه مردود على صاحبه، فقد جعل النبي – صلى الله عليه وسلم- قبول الأعمال مرهونا بحسن نية صاحبه، وبمدى إخلاصه فيه، فقال: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ "[13]
وقد فصل الفضيل بن عياض رحمه الله هذا المعنى وأوضحه في قوله: "دين الله أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وما أصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة"[14].
وإن هذا المعنى حين استشعره صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- صاروا يخشون من أن يدخل الرياء أعمالهم فيفسدها، وأن لا يخلصوا فيها فترد عليهم، فقد جاء التحذير من ذلك في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم-: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالَ الرِّيَاءُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً"[15]
وهذا ما جاء واضحا مؤكدا في فكر الإمام النورسي، حيث جعل الإخلاص الطريق الوحيد للخلاص من الشرك الخفي، والطريق الأوحد للوصول إلى مرتبة الولاية فقال: "الإخلاص هو أهم أساس لجميع طرق الولاية، وسبل الطريقة، ذلك لأن الإخلاص هو الطريق الأوحد للخلاص من الشرك الخفي"[16]
وبعد هذا العرض لأهمية الإخلاص وضرورته فإن المسلم الذي يسعى إلى الارتقاء إلى معية الأولياء وصحبة الصالحين، لا يكفيه في ذلك مجرد اتباع السنة، ولا ينفعه تقليد حركات النبي – صلى الله عليه وسلم- وسكناته ما لم يصاحب ذلك الاتباع إخلاص قلبي لله – تعالى- بل إن الإخلاص إذا ما فقتد في العمل، وأريد به السمعة والرياء، فقد حبط ذلك العمل، وكتب عليه وزر، وكان وبالا على صاحبه، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ الكهف: 110
القاعدة الثالثة: تقديم السنة وآدابها على الطريقة
الطريقة منهج تربوي سلوكي يسلكه الإنسان ابتغاء القربى من الله، وذلك عن طريق الاجهاد في العبادات، وترك المنهيات، وتربية النفس وتزكيتها برياضات روحية خاصة. والأصل في ذلك أن يستمد من الكتاب والسنة واجتهاد العلماء، غير أن تلك الاجتهادات قد يعتريها بعض الغلو والتطرف والاعتقاد الفاسد فتخرج عن مقاصد السنة النبوية, وربما تطور المقام بصاحبها، وأعجب بطريقته، وظن أنها أحسن الوسائل الموصلة إلى الولاية، وأن أوراده أنفع في تربية النفس وتزكيتها من تلك الأدعية والأوراد السنية الثابتة فيقدمها عليها، وبذلك يقع في استحسان البدعة ومخالفة السنة.
قال الإمام النورسي محذرا من الانزلاق وراء البدع، وتقديمها على السنة النبوية: "من المزالق ترجيح بعض المتطرفين والمتعصبين جدا للطريقة لأوراد طريقتهم ولآدابها على أذكار السنة النبوية الشريفة، فيسقطون بذلك إلى منزلق مخالفة السنة المطهرة، وتركها في الوقت الذي يظلون متشبثين بأوراد طريقتهم، أي أنهم يسلكون سلوك غير المبالي بآداب السنة النبوية، فيهوون في الورطة."[17]
وإن المنهج التي توصل إليه الإمام النورسي بصفاء فطرته، وغزاوة علمه، وتمسكه بسنة نبيه، أن السنة النبوية لا يمكن أن يقدم عليها أي طريقة مها علا شأن صاحبها، ومهما ظهر له ولأتباعه أنها الأنفع والأحسن في مجال التربية والسلوك. فقد قال: "إن سنة واحدة من السنن النبوية ترجح ألفا من آداب التصوف"[18]
إن السنة النبوية لا تؤتي أكلها كاملا في حياة المسلم، ولا يسلم من مخالفتها إلا بالاعتقاد الجازم بأنها أفضل من جميع الطرق التي ظن أصحابها أنها الأحسن في مجال التربية والسلوك, ذلك لأن ما جاءت به السنة النبوية متصف بالعصمة التي لا ضلال فيها، وبالكمال الذي لا تقص فيه، وأما ما وضعه أصحاب التصوف من طرق وأوراد... فهو ضلال مبين إذا عارض السنة، وهو خلاف الأولى إذا لم يخالفها، وكان في أحسن حال. وفي مثل هذا المقام جاء تحذير الله – سبحانه- للمخالفين لسنة رسوله، فقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ النور: 63
القاعدة الرابعة: تذكر النبي – صلى الله عليه وسلم- عند القيام بسنته
إن من تمام النفع الحاصل من خلال اتباع السنة النبوية، والاسترشاد بتوجيهاتها ودلائلها أن يستحضر المسلم في مخيلته – أثناء قيامه بأي سنة – تلك المواقف والشواهد التي كانت أسبابا ومجالات لورود تلك السنة، والكيفية التي وردت بها، لأنه بهذا الاستحضار يستشعر معية النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يفعل تلك السنة، كما يستشعر بشكل أكثر رقابة الله – سبحانه- على عمله ذلك، فيزداد إخلاصه له. فيكون عمله أكثر نفعا، وأزكى ثمرة.
قال الإمام النورسي: "إن الاتباع المباشر للسنة المطهرة يذكر بالرسول الأعظم – صلى الله عليه وسلم- فهذا التذكر الناشئ من ذلك الاتباع ينقلب إلى استحضار الرقابة الإلهية، بل تتحول في الدقائق التي تراعى فيها السنة الشريفة أبسط المعاملات العرفية والتصرفات الفطرية، كآداب الأكل والشرب والنوم وغيرها إلى عمل شرعي وعبادة مثاب عليها، لأن الإنسان يلاحظ بذلك العمل المعتاد اتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم- فيتصور أنه يقوم بأدب من آداب الشريعة، ويتذكر أنه – صلى الله عليه وسلم- صاحب الشريعة، ومن ثم يتوجه قلبه إلى الشارع الحقيقي وهو الله – سبحانه وتعالى- فيغنم سكينة واطمئنانا ونوعا من العبادة"[19]
القاعد الخامسة: الاعتدال في تطبيق السنة النبوية
الغلو في تطبيق السنة النبوية والتشدد فيها من أهم الأسباب التي تفسد تلك المنافع التي تجنى من خلال التطبيق المعتدل والوسطي للسنة، كما يفرز فكرا متشددا، وسلوكا شاذا، ومنهجا جانحا، وظواهر غريبة عن المألوف عند البشر، ولقد عالج النبي – صلى الله عليه وسلم- هذه المسألة عندما ظهرت أول بادرة في زمانه، ووضع لها حدا ببراءته من ذلك الفعل، واعتبر ذلك خروجا عن السنة ومجانبا لها، وبين أمثل المناهج في كيفية تطبيق سنته.
فعن أنَسَ بن مالك قال: جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بُيوت أزواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي صلى الله عله وسلم، فلمّا أُخبِرُوا، كأنّهم تَقَالُّوهَا، فقالوا "وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم- قد غُفر له ما تَقدّم مِن ذَنبه وما تأَخّر." قال أحدُهم "أمّا أنا فإنّي أُصَلِّي الليلَ أبداً"، وقال آخَرُ "أنا أصُومُ الدّهرَ ولا أُفطِرُ"، وقال آخَرُ "أنا أَعْتَزِلُ النساءَ فلا أَتَزوَّجُ أبداً". فجاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: "أنتم الذِين قلتم كذا وكذا، أَمَا والله إنّي لأَخشاكم للهِ وأَتقاكم له، لكنّي أَصُومُ وأُفطِرُ، وأُصلّي وأَرقُدُ وأَتَزوَّجُ النّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنّتِي فلَيس مِنِّي"[20].
وفي موقف آخر نجده – صلى الله عليه وسلم- يحذر من الغلو والتطرف، ويجعل ذلك من أسباب هلاك الأمم والأقوام فقال: "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ"[21]
وإننا لنجد الإمام النورسي يؤكد على هذه المسألة، ويعتبرها أساسا لصلاح أي عمل، فقال: "لا خير في الإفراط والتفريط في كل شيء، وإن الاستقامة هي الحد الوسط، الذي اختاره أهل السنة والجماعة"[22]
ويستشف عظم هذه القاعدة من خلال تأمله في شخصية النبي – صلى الله عليه وسلم- وسيرته وأفعاله وأقواله التي تميزت بظاهرة الاعتدال في كل الأمور، فكان نموذجا للاستقامة، ومثالا لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هود: 112.
ومن الأمثلة على ذلك فإن قواه العقلية – صلى الله عليه وسلم- سارت نحو الحكمة، فهي بين الغباء والخب، وسارت قواه الغضبية نحو الشجاعة السامية، فهي بين الجبن والتهور، كما سارت قواه الشهوية نحو العفة، فهي بين الخمود والفجور، وسارت حياته كلها نحو الاستقامة، فهي بين الإفراط والتفريط.[23]
وهكذا يظهر أن الاستقامة في الأفعال تفرز الفضيلة التي تكون بين رذيلتين ذميمتين، فليحذر المسلم من الوقوع في إحداهما، وأن الاعتدال والوسطية أساس اتباع السنة النبوية، وإلا صار ذلك تنطعا وتشددا يوجب براءة النبي – صلى الله عليه وسلم- من صاحبه.
الخــــاتمـــــــة
وفي نهاية هذه الورقة نخلص إلى مجموعة النتائج الآتية:
أولا: يحصر الإمام النورسي مفهوم السنة النبوية في تلك الآداب والأخلاق والعادات التي تحلى بها سيد المرسلين عليه أفضل صلاة وأزكى سلام.
ثانيا: تظهر أهمية السنة النبوية عند الإمام النورسي في كونها مصدرا أساسا في كشف الظلمة، وإنارة الطريق أمام الضال، وحاجة المسلم لها كحاجة قبطان السفينة للبوصلة، وحاجة من يسير في الظلمة للمصباح المضيء.
ثالثا: من أهم القواعد التي ينبغي مراعاتها في تطبيق السنة النبوية لتؤتي نفعها للفرد والمجتمع ما يلي:
القاعدة الأولى: اتباع السنة النبوية وتقليدها في الأمور كلها.
القاعدة الثانية: الإخلاص في اتباع السنة النبوية .
القاعدة الثالثة: تقديم السنة وآدابها على الطريقة.
القاعدة الرابعة: تذكر النبي – صلى الله عليه وسلم- عند القيام بسنته.
القاعد الخامسة: الاعتدال في تطبيق السنة النبوية.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
------------------------
قائمة المصادر والمراجع
- القرآن الكريم .
- السنن الكبرى، أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي، دار الباز، طبع سنة1414هـ،1994م
- شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت: محمد زغلول، دار الكتب العلمية، ط1، 1410ه
- صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير ، اليمامة ، بيروت، ط3سنة 1407هـ، 1987م، تحقيق: د/ مصطفى ديب البوغا
- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري، دار إحياء التراث، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
- مسند أحمد، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، مؤسسة قرطبة، مصر.
- معالم التنزيل في تفسير القرآن، الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: عبد الله النمر، دار طيبة للنشر، ط 4 سنة 1997.
- كليات رسائل النور: اللمعات، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر.
- كليات رسائل النور: المكتوبات، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر.
-----------------------------
[1] - اللمعات، ص: 87
[2] - رواه أحمد في المسند، 18: 43 والبيهقي في السنن الكبرى، 4: 270
[3] - المكتوبات، ص: 610
[4] - المصدر نفسه
[5] - ينظر المكتوبات، ص: 607
[6] - ينظر المصدر نفسه
[7] - المصدر نفسه
[8] - اللمعات ، ص: 90
[9] - رواه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بَاب بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَعْرُوفِ
[10]ـــــ رواه البيهقي في شعب الإيمان، 10: 21
[11] - المكتوبات، ص: 588
[12] - اللمعات، ص: 94-95
[13] - رواه البخاري، باب: بدء الوحي ، كتاب: بدء الوحي
[14] - تفسير البغوي، 8: 176
[15] - رواه أحمد، 48: 123
[16] - المكتوبات، ص: 581د
[17] - المكتوبات، ص: 588
[18] - المصدر نفسة، ص: 588
[19] - اللمعات، ص: 81
[20] - رواه البخاري، كتاب: النكاح ، باب: الترغيب في النكاح
[21] - أخرجه أحمد، 7: 111
[22] - اللمعات، ص: 37
[23] - ينظر اللمعات، ص: 96
