الهدي النبوي لحل مشاكل العصر الحديث في ضوء رسائل النور

 

 

الهدي النبوي لحل مشاكل العصر الحديث

في ضوء رسائل النور

 

د. إيمان عبد الحميد الدباغ              

جامعة الموصل، كلية العلوم الاسلامية، العراق.

 

المقدمة

تخصص رسائل النور مساحة واسعة للحديث عن المشاكل التي تتعرض لها المجتمعات الإسلامية والتي هي في تفاقم مستمر محاولة طرح حلول مناسبة لها بما يتناسب مع التغيرات التي طرأت على هذا العصر، فالأمة الإسلامية قد تعرضت عبر تاريخها إلى فترات من الضعف والتأخر والهزيمة، ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة منها أخلاقية ومنها فكرية، ثم ازداد الضعف سوءا ليكون خلافا في فروع الفقه وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية، أو خلافا في تقويم بعض حوادث تاريخ السيرة النبوية وتاريخ الصحابة العظام وغيرها.

ورسائل النور في حديثها عن العلاج تضع تطبيق الشريعة الإسلامية بما جاء فيها من كتاب وسنة في مصاف متقدم من حيث الأهمية، ثم تبعتها وسائل أخرى لا يتحقق نجاح تطبيق الشريعة الإسلامية إلا بها كتفعيل دور المؤسسة الدعوية والمؤسسة التربوية وأخذ المراكز الإسلامية كالمساجد والزوايا والتكايا دورها المغيب، ثم معالجة الأمراض الاجتماعية التي تزداد استفحالا مع مرور السنين، وإصلاح المؤسسة السياسية وجعل السياسة أداة طوعية بيد الدين لا العكس من أجل تحقيق حياة اجتماعية فاضلة.

المطلب الأول: أسباب تأخر وضعف المسلمين في العصر الحديث

هناك أسباب عدة تسببت في تأخر وضعف المسلمين منها:

أولا. الاختلاف:

يحتل هذا الموضوع الذي تناولته رسائل (المكتوبات والسانحات واللمعات والكلمات..) مساحة واسعة منها وأولته اهتماما واضحا من خلال عرضه وشرحه وتحليله مطلقة عليه أحيانا بـ (الفوضى) و(النفاق) و(الخصومة) و(التنافر) وطارحة أسس علاجه من خلال(الاتحاد) و(الاتفاق) ومقسمة إياه إلى خلاف فكري وفقهي وخلاف في العمل والتربية، أما الاختلاف الفكري فهو الناشئ عن الاجتهاد وتعدد الآراء وتحوّل مسار هذا الاختلاف من اختلاف ايجابي يهدف إلى الوصول إلى الحق كما قال عنه الرسول r (اخْتِلَافُ أَصْحَابِي رَحْمَةُ)([1]). أي عندما يروج المسلمون لمسلكهم دون أن يهدموا مسالك الآخرين أو يطعنوا فيها، ويسعون إلى إكمال النقص إن وجد ورأب الصدع والإصلاح ما استطاعوا لذلك سبيلا([2]). وجعل اختلافهم ينحصر في الوسائل لا في الأسس والغايات وأن يحسنوا إلى بعضهم ويجعلوا قول الرسول r  (الحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ)([3]). أساس التعامل بينهم([4]). إلى خلاف سلبي يسوده التنازع والشقاق والتعصب وتشنيع المخالف وتخريب مسلكه وهدمه([5]). وقد حذر الرسول r  من الاختلاف بل إنه أمر أصحابه أن ينصرفوا عن قراءة القرآن إذا خشي من ورائها أن تودي إلى الاختلاف، يقول r  (اقرَءُوا القُرآنَ ما ائتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ)([6]). فرغم ما لقراءة القرآن من فضل وان قراءة كل حرف منه عشر حسنات إلا أن الرسول r لم يأذن بقراءته إذا أدى ذلك إلى التنازع والاختلاف، أو مزج الضروريات الدينية بالمسائل الفرعية الخلافية وجعلها كأنها تابعة لها، مع ادعاء المخالف بأنه على صواب وغيره على خطا، وهذا شكل خطرا كبيرا على المسلمين الذين عجزوا إثر ذلك عن تميز الضروريات الدينية والأمور النظرية الممتزجة معها فجعلهم يعممون سهواً أو وهماً الأخطاء التي تصدر عن بعض الأمور الاجتهادية على الأحكام كلها([7]). وقد نبهت رسائل النور على ضرورة حل الخلاف لاسيما أنه يسبب للأمة الإسلامية الركود والتخلف([8]). ويشيع الجهل والتعصب بين المسلمين الأمر الذي جعل الغرب يحمل ظناً خاطئاً بان الإسلام هو من يعين الاستبداد الذي شاع في المجتمعات الإسلامية في عصرنا هذا([9]).

في حين أضافت رسالة الكلمات ( الكلمة السابعة والعشرون) إلى قائمة الاختلاف خلاف آخر وهو التعرض للمذاهب الفقهية والمجتهدين العظام، عندما ادعى قسم من الناس حبهم للدين وحبهم للرسول r  وآل بيته بأنهم في مستوى المجتهدين العظام مبررين قولهم بأن المذاهب الفقهية متباينة في أمور ومسائل اجتهادية فيمكنهم الاجتهاد وبالتالي فهم ليسوا مضطرين إلى إتباعهم، وعندما رأوا أن النظريات الإسلامية لم يكملُ هدمها أعلنوا اعتراضهم على الصحابة الكرام وطعنوا بإعراضهم وقدحوا بهم وسبوهم([10]). وتناسوا إن رسول الله r كان يجل صحابته ويعظم من شأن عملهم وشأن دعمهم له في نشر الإسلام، فقال عنهم (لا تسُبّوا أصحابِي فلوَ أنّ أحدَكمْ أنفقَ مِثلَ أحدٍ ذهباً ما بلغَ مُدّ أحدِهِمْ ولا نصيفَهُ)([11]). ثم ازداد حدة هذا الخلاف أن دخلت في كتب العقائد وتدرجت مع مدارج الإيمان، وقد عالجت هذه المسألة (اللمعة الرابعة من رسالة اللمعات) معالجة موجزة لمسألة تطور الخلاف والانقسام بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة وهي مسألة ذات بعد تاريخي، بدأ بخلاف عن من هو أحق بالخلافة بعد الرسول r ، ثم تدرج ليكون خلاف في العقائد، وقد استشهدت رسائل النور بأحاديث الرسول r بحب علي وفضله ومكانته عنده، كقوله r  (إن نَسل كُل نَبي من صِلبه، وجُعل نسلي من صُلبك يا عليّ)([12]). وقوله (من كنتُ مَوْلَاهُ فعليّ مَولَاهُ)([13]). فضلاً عن ضربه الأمثال في حبه للحسن والحسين، إلا أنه في الوقت ذاته حذر رسول اللهr   من خطورة الغلو في محبة سيدنا علي رضي الله عنه كخطورة الغلو في محبة سيدنا عيسى(عليه السلام) على النصارى([14]). وقد حاولت رسائل النور تحذير المسلمين في عدم الإفراط والتفريط وان ينتهجوا المنهج الوسطي الذي التزم به أهل السنة والجماعة في محبة آل البيت تأسيا بالرسول r، لان المستفيد الوحيد من هذا الغلو والانحراف عن المنهج القويم هو الاستعمار الذي طالما حاول ويحاول استغلال هذا الحاجز الذي تكون بين السنة والشيعة بفعل هذا الاختلاف في ضرب بعضهم ببعض وجعل أحدهم أداة لإفناء الآخر، لذلك دعت رسائل النور المسلمين إلى ضرورة إنهاء هذا النزاع ونبذ المسائل الجزئية التي تثير هذا الاختلاف والعودة من جديد إلى قوة العقيدة والترابط بروابط الإيمان والإخوة([15]).  فضلاً عن حديثها عن أنواع أخرى من الاختلافات سيأتي الكلام عنها لاسيما الاختلاف بين الدعاة والجماعات الإسلامية والاختلاف بين المدارس الدينية والمدارس الحديثة والتكايا والزوايا وغيرها.

ثانيا. التكفير

يحتل هذا الموضوع الذي انفردت به رسالتا (اللوامع والسانحات) أهمية كبيرة رغم أنها تناولتها في أسطر معدودة إلا أنها سلطت الضوء على أهم مسبب لشيوع هذه الظاهرة في مجتمعاتنا اليوم، وهو عجز بعض المسلمين عن إدراك وفهم كثير من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة لاسيما التي وردت ما بين كونها مطلقة إلا أنها عدت كلية وما بين مؤقتة إلا أنها عدت دائمة وما بين مقيدة إلا أنها اعتبرت عامة([16]). وبالتالي أوقعهم جهلهم بمستنقع التكفير ونسوا أن حق الحياة مكفول للجميع ولا يحق لأحد منع الحياة بحجة الكفر، فمثلما لا تكون كل صفة من صفات المسلم مسلمةُ كذلك لا تكون جميع صفات الكافر كافرة ولا نابعة من كفره، فأحيانا تكون هناك صفة مسلمةُ يتصف بها كافر تتغلب على صفةِ غير مشروعة لدى مسلم([17]).

ثالثا. التقليد الأعمى للغرب

إن الاستفادة من تجارب الآخرين لا باس بها وأن التعاون يحقق التكافل والتكامل ويمد جسورا من العلاقات الإنسانية بين الشعوب والأمم، إلا أن الذي تسميه رسائل النور بـ (التقليد المفتوح) يجب أن يخضع لقواعد التمحيص والإمعان وهو أمر يحتاج إلى أن يقف المسلمون عليه لاسيما إذا انحصر هذا التقليد في الشكل والمضمون لثقافات وسلوكيات وأخلاق الغرب مما أثر بشكل وآخر على مستقبل أبنائنا ومجتمعنا وهويتنا وثقافتنا، لذلك حاولت رسائل النور تنبيه المسلمين على ضرورة تحقيق الموازنة في الاقتباس من الغرب وأن لا يكون التقليد تقليداً أعمى، وأن يجعلوا الاقتباس في حدود ما يعين على الرقي المدني من علوم وصناعات وأن يبتعدوا عن العادات والأخلاق التي لا تتوافق مع المجتمع الإسلامي، وأن يكون التعامل وفقا للمعادلة (خذ ما صفا دع ما كدر)([18]). وقد طرحت رسائل النور قاعدة شرعية في عمليات الاقتباس وهي: إخضاع العلوم الحديثة والثقافات الجديدة الآتية من الغرب تحت رقابة المدرسة الشرعية ليتم تصفيتها بمصفاة الشريعة من شوائب الانحلال والاستبداد ([19]).

وبدلاً من التقليد الأعمى فقد أمر الله سبحانه وتعالى أن يأخذ العقل دوره في التفكير والعمل في قوله تعالى ﴿لَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ([20]).﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾([21]).﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ([22]). لان التقليد الأعمى غالبا ما يسبب تجميد العقول وتكميم الأفواه([23]).

رابعا. نمو الفكر القومي العنصري

من أسباب الضعف الذي تعاني منه الأمة الإسلامية هو نمو الفكر القومي المبني على العرق والجنس وقد سبب ذلك تناكراً وتعانداً واضحاً بين المسلمين فقدوا إثره هويتهم الإسلامية واستبدلوها بهوية قومية مما أضعف ذلك روابط الإخوة والمحبة([24]). وقد نهى الرسول r عن استبدال رابطة الدين برابطة القومية، إذ يقول (ألا لَا فَضلَ لِعَرَبيًّ عَلَى أعجَمِيًّ، وَلَا لِعَجمِيًّ عَلَى عَرَبيًّ وَلَا لأَحْمَرَ عَلَى أسوَدَ وَلَا أسْوَدَ عَلَى أحْمَرَ إلّا بِالتّقوَى)([25]). فالإسلام يجب ما قبله من عصبية وجاهلية والأسس المتبعة في القومية ذي الصبغة العنصرية هي أسس ظالمة بعيدة عن الصواب والعدالة وفيها خطر عظيم، كما أنها وسيلة من وسائل الاستعمار في البلاد الإسلامية([26]).

خامسا. الفتور في السعي وعدم الرغبة

كان أحد أسباب ضعف الأمة الفتور في السعي وعدم الرغبة، وهذا مخالف للآية الكريمة ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ([27]). ومخالف لسنة الرسول r في قوله(مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)([28]). ويرجع ذلك لأسباب عدة منها عجز بعض الوعاظ والرجال عن فهم متطلبات إعلاء كلمة الله إنما تكون بالتقدم والرقي المادي فضلاً عن فهم الفرق بين القناعة في (التحصيل والكسب) والقناعة في (المحصول والأجرة)، وفهم البون الشاسع بين (التواكل) الذي هو عنوان للكسل (والتوكل) الذي هو الإيمان بالتقديرات الإلهية، كذلك مسلك أبناء المجتمع في المعيشة الذي جعلت مسلكهم مسلكاً يوافق الكسل ويلائمه من خلال اعتمادهم الكلي على العمل الوظيفي الحكومي وحصره في المنفعة الشخصية وتخليهم عن الأعمال التي تعود إلى منفعة الأمة كالصناعة والزراعة والتجارة([29]). وكما نعلم أن هذه الجوانب الثلاثة إذا ما تكاملت في أي دولة فإنها ستكون عنوانا لقوتها وتقدمها ونفوذها بين بقية الأمم.

المطلب الثاني: السبل المثلى في العلاج

أولا. تطبيق الشريعة الإسلامية وإتباع السنة

إن تفرق مجتمعاتنا الإسلامية جاءت لاعتمادها على نظم مأخوذة من أنظمة أخرى غير إسلامية وتوجهها في حل مشاكلها نحو حلول تقدمها كتب غير القرآن الكريم الذي أصبح في زماننا الأن " كتابا مباركا يتبرك بتلاوته فحسب" ولو رجع المسلمون إلى القرآن الكريم لوجدوا فيه بلسما لجميع قضاياهم([30]).

فالشريعة فسرت وأوضحت كل ما يلزم المجتمعات الإسلامية وفيما لا يلزمها، لأنها أجملت جميع العلوم الأساسية منها " فن تهذيب الروح وعلم رياضة القلب وعلم تربية الوجدان وفن تدبير الجسد وعلم إدارة المنزل وفن سياسته المدنية وعلم أنظمة العالم وفن الحقوق وعلم المعاملات وفن الآداب الاجتماعية ... وغيرها" ([31]). لذا وجب على المسلمين بذل كل ما بوسعهم لتقوية الحقائق الإيمانية والعقائد الإسلامية والتزام تطبيق السنة النبوية ففيهما السعادة الأبدية([32]).

يقول الله سبحانه وتعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ([33]). فمحبة الله مرهونة بإتباع السنة المطهرة لاسيما عند استيلاء البدع وغلبتها، وقد أكدت رسائل النور على القيمة العالية لإتباع السنة وخاصة عند فساد الأمة وغلبة البدع، يقول الرسول r (مَن تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ)([34]). ذلك أن إتباع المسلم لسنة الرسول r والتأدب بآدابه سينقلب إلى استحضار للرقابة الإلهية عليه من أعلىّ الأمور حتى ابسطها كالأكل والشرب والنوم وغيرها، وسيتحول إتباع السنة من عادة إلى عبادة([35]). وسينتقل نفعها عند ذاك من الفرد إلى الجماعة ثم إلى المجتمع بشكل عام، لان السنة النبوية قد جمعت منابع الأدب وأصوله وقد صدق رسول الله حين قال (أدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي)([36]). وتركها وهجرها حرمان للمسلم من خير عظيم، كما شهد القرآن الكريم للرسول r حين قال عنه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾([37])، إنما هي شهادة نموذجية في وصف الرسول الكريم بمحاسن الأخلاق التي فطر عليها فأصبحت كل أفعاله وأقواله وأحواله وحركاته نموذجا تقتدي به البشرية([38]).

وترى رسائل النور أن تطبيق الشريعة وإتباع السنة أفضل دواء وأنفعه لكثير من الأمراض الروحية والعقلية والقلبية لاسيما الاجتماعية منها([39]). كما أن بتطبيق الشريعة تمكين (للإيمان بالآخرة) من النفس البشرية، وهذا التمكين سيحقق بسط الفضائل في المجتمعات الإسلامية وإعلان مظاهر الاحترام المتبادل والمحبة الخالصة فضلاً عن تحقيق الإحسان والفضيلة والتوقير فتصبح المجتمعات الإسلامية أشبه ما تكون مرآة تعكس الفضائل العظيمة التي جاء بها الإسلام([40]).

كما أن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يتعارض مع المدنية لكنها ليست المدنية الحاضرة المطلقة بل المدنية المشروطة([41]). وقد بينت لنا رسائل النور شروط هذه المدنية في أنها تقوم على العدالة والتوازن والفضيلة والمحبة والتجاذب والإخوة والسلام والوئام والتعاون والاتحاد، ترتبط بالرابطة الإسلامية والوطنية والمهنية بدلاً من العنصرية، وتهدف إلى رفع الإنسانية إلى مراقي الكمالات وتضمن تحقيق السعادة للجميع([42]). وإذا ما أريد في تطبيق الشريعة الإسلامية النجاح فقد وجب الأخذ بها بوسيلة التدرج، والتي جاءت كالآتي:

- الأخذ بوسيلة التدرج

تجد رسائل النور أن تطبيق الشريعة في مجتمع ما لا يتم بسهولة ويسر إلا بعد صبر وجهد ووقت طويل، وذلك لشيوع المنكرات وعجز المسلمين عن تحمل أعباء الطريق ومشاقه لتربص الأعداء بهم من كل جانب، وانطلاقا من المعطيات التي اعتمدتها رسائل النور في التزامها بالكتاب والسنة، ورؤيتها في أن تكون منهجية الإصلاح تبدأ من الجزئي إلى الكلي، فقد رأت الرسائل بوجوب أن يأخذ المسلم بوسيلة التدرج في تطبيق الشريعة في علاج منكر أو أمر اعتادت عليه المجتمعات الإسلامية وترفضه الشريعة، ذلك لان رفع أمرٍ ما مستأصل في طبيعة البشر بشكل مباشر دون التمهيد له قد يسبب رفضا وموقفا مضاداً وبالتالي يفشل المشروع الإسلامي في تحقيق غايته، فالمشرع الإسلامي على سبيل المثال مهد السبل لتحويل الرق من أقسى صوره إلى ما ييسر الوصول إلى الحرية التامة والانتقال إليها([43]). أو التدرج في تحريم الخمر بمراحل متعددة، فالرسول محمد  قد بُعث والأصنام حول الكعبة تحيط بهم وتعلوها، ولم يأمر الرسول r بإزالتها إلا يوم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، أي بعد بعثته بواحد وعشرين عاماً، لتقديره r أنه لو قام بتحطيمها في أول يوم قبل أن تحطم داخل النفوس لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بشكل أعظم وعندها يتفاقم الأمر ويعظم الضرر لذلك تركها حتى يعد رجاله ويصلح نفوسهم ويطهر قلوبهم.

وقد يلاقي المسلمون ممن يؤمن بوسيلة التدرج اعتراضاً ورفضاً من بعض المسلمين الذين أطلقت عليهم رسائل النور في رسالة(المناظرات) (أهل الإفراط) محتجين برفضهم بوجود قول صريح في كتاب الله عز وجل ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾([44]). وقد أوّلت رسالة (المناظرات) هذه الآية بأن المقصود بـ(الحكم) هو (التصديق)([45]). أي التصديق بالله وبشرعه وليس الحكم بمفهومه السياسي.

  • تحقيق الرقي المعنوي والمادي

وكنتيجة حتمية عن تطبيق الشريعة الإسلامية تجد رسائل النور أن التزام المسلمين بالدين والقيم والأخلاق يكفل للمسلمين الرقي المعنوي والتقدم ويؤهلهم لإدارة المجتمعات البشرية، ويبعدهم عن الوقوع في مصائب التخلف والاضمحلال والاضطرابات، فإذا ما حرص المسلم على تطبيق مكارم أخلاق الإسلام وكمال قيمه كان سببا في دخول بقية الأديان في الإسلام وربما رضوخ دول عظمة للإسلام لاسيما وأن الطبيعة البشرية لا تستطيع العيش بدون دين، فـ " (نقطة استناد) البشر عند مهاجمة المصائب والأعداء من الخارج والداخل مع عجزه وقلة حيلته، وكذا (نقطة استمداده) لآماله غير المحدودة الممتدة إلى الأبد مع فقره وفاقته، ليس إلا (معرفة الصانع) والإيمان به والتصديق بالآخرة، فلا سبيل للبشرية المتيقظة إلى الخلاص من غفوتها سوى الإقرار بكل ذلك، وما لم يوجد في صدفة القلب جوهر الدين الحق، فسوف تقوم قيامات مادية ومعنوية على رأس البشر وسيكون أشقى الحيوانات وأذلها" ([46]).

لكن المجتمعات الإسلامية تحتاج في الوقت ذاته إلى التمدن لكي تصل إلى تحقيق حضارة إسلامية متكاملة ويكون ذلك بالرقي المادي الذي قدمه الإسلام، هذا الرقي الذي يتحقق بالقضاء على الجهل، والتطور العلمي في استثمار الطبيعة وإعداد لوازم الرفاه والسعي بالمعرفة لتطوير المجتمعات، فالرقي المادي يحقق للمجتمعات الإسلامية "القوة " ويلبي "الحاجات الملحة" من الصناعات المجهزة بالوسائل والمبادئ الكاملة، ويقضي على الفقر، ويحقق "الحرية الشخصية" التي ترشد البشرية إلى سبل التسابق والتنافس المحمود ذات المقاصد السامية، ويحقق "الشهامة الإيمانية " أي سعي الإنسان في الحفاظ على كرامته وكرامة الآخرين، وأن "لا يرضى الذل لنفسه أمام الظالمين ولا يلحقه بالمظلومين" ، ثم أخيراً تحقيق العزة للمسلمين بإعلاء كلمة الله بين البشرية كافة([47]).

 

ثانيا. تفعيل دور المؤسسة الدعوية والمراكز والمؤسسات التربوية والإسلامية

  1. المؤسسة الدعوية

عبرت رسائل النور عن منهجية راقيه ذات بعد أنساني وأخلاقي في فهم واقع العمل الإسلامي وكيفية تعامل الداعي مع هذا الواقع في فهم مبسط بعيد عن التعقيد ورؤيتها في أن الذي يستخدم أفكار العوام في الدعوة مع استخدام حيل الترغيب والترهيب يكون أقل تأثيرا من الذي ينفذ إلى قلوب الناس ويوقظ في نفوسهم حساً نائماً كحس الحرية والحمية الملية والمحبة، يتبعها إيقاظ حسيات أخرى تكون أكثر قدرة في التأثير والتفاعل مع الدعوة، فالرسول r استطاع أن يغير قلوباً  قاسية تعودت على وأد البنات فنقلها نقلة نوعية إلى قلوب ترق وتترحم على أصغر الكائنات، وأخرجهم من زوايا النسيان ورقى بهم إلى أوج المدنية وأسس لهم دولة في زمن قصير([48]). ولتكون الدعوة ناجحة من حيث الأسلوب والمنهاج في معالجة مشاكل هذا العصر طرحت رسائل النور شروط متعددة في ذلك جاءت كالآتي:

  1. تحري الداعي للموضوع المناسب من حيث السياق، واستحضار مناسبة الكلام، واختيار المكان والزمان الملائم، وكون الموضوع موافقاً لحاجات العصر، أي أن الداعي يتكلم بما يناسب تشخيص علة هذا العصر.
  2. أن تكون الدعوة على درجة استقراء أفكار الجمهور الأكثر، وبما أن أغلبية الجمهور هم من العوام، وجمهور العوام لا يستطيعون أن يجردوا عقولهم مما ألفوا عليه في حياتهم أو مما تركز في مخيالاتهم فبالتالي لا يستطيعون إدراك الحقائق المجردة والمعقولات الصرفة إلا بمنظور خيالهم أو تصويرها بصورة مألوفاتهم، لذلك وجب على الداعية أن يسعى إلى مجاراة عقولهم ومراعاة أفكارهم وأن يكلمهم وفقا لما فهموه([49]).
  3. عدم قياس الماضي على الحاضر مع ضرورة إيراد الأدلة الكافية التي لابد منها للتأثير.
  4. المحافظة على الموازنة الموجودة في الشريعة من حيث التفريق بين المهم والاهم([50]).
  5. ابتعاد الدعاة والعلماء عن المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة، لأن هذا ينشأ عنه الاختلاف والتفرق، وأن يمتثلوا بالآية الكريمة ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَهِ﴾([51])، بإيثار الحق والهدى على أتباع النفس والهوى ودفع السيئة بالحسنى، وأن يستغني الداعي عن الأجر المادي والمعنوي الذي يأتيه من الناس تمثلا بالآية الكريمة ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾([52])، وأن يحرص في الحفاظ على الفضائل والمكارم من خلال التمسك بالحقيقة والبقاء والثبات ضمن منافسة شريفة نزيهة في سبيل الحق بعيداً عن الحسد والمزاحمة والمغانم الدنيوية وعدم الانحراف عن دستور الإنصاف وابتغاء الحق والثبات على الاستقامة في السير([53]). وقصد المنافع وترك الغرور والأنانية والمراء والالتزام بالأخوة([54]).
  6. الاتفاق مع جماعة أهل الحق وعدم الاختلاف سبب من أسباب القوة وأحد وسائل التوفيق الإلهي وأحد منابع العزة الإسلامية، فالداعي عليه أن يجعل من الآية الكريمة ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾([55]). نصب عينيه وأن يتخذ من الآية الكريمة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾([56]). دستوراً للعمل في الحياة الاجتماعية، فالاتفاق يؤدي إلى الوحدة التي تتولد عنها روابط الإخوة والمحبة والاتفاق، ولتحقيق الاتفاق وجب على الداعية أن يحسن الظن بالآخرين وأن يتعامل مع أخيه على نحو " إن مسلكي حق وهو أفضل وأجمل" من دون أن يتدخل في أمر مسالك الآخرين، لكن لا يجوز أن يقول: " الحق هو مسلكي فحسب " أو " إن الحسن والجمال في مسلكي وحده" فربما " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"([57])، وهذا الأمر يترتب عليه أن يغض الطرف عن عيوب جماعة أهل الحق، وان يعفو عن هفوات إخوانه، وان لا ينشغل بهم أو يهون من شأنهم، وأن يصفح عن تقصيرهم، وأن لا يدخل في نقاشات داخلية عقيمة وأن يمتثل لقوله تعالى ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ ([58]). وأن لا ينظر إلى صغر أو كبر ما يقدمه للإسلام ولا إلى سموه وتفاهته فالعبرة هي في النتيجة والغاية "فالذرّة في سبيل رضاه سبحانه مع الإخلاص تصبح نجمة متلألئة"([59]).
  7. الافتخار بصحبة السالكين في منهج الحق وربط عرى المحبة معهم امتثالا لحديث النبي محمد r (أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الحبُّ فِي اللهِ)([60]). وقوله (لَا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخيهِ مَا يُحِبٌّ لِنَفْسِهِ)([61]). وأن يعد كل من يعمل للإسلام (من أهل الحق) هو خير منه وأفضل، فإيثار البقاء أن يكون تابعاً خير من تسلم المسؤولية التي لا تخلو أحيانا من مرض الإعجاب بالنفس والغرور، وبالتالي يسهل على الداعية نيل الإخلاص في العمل لوجه الله تعالى([62]). يقول تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾([63]). فتقديم الآخرين على الذات في المراتب والمناصب والتكريم من المنافع العظيمة التي ينالها المسلم ويثاب عليها([64]).
  8. أهمية الإخلاص في العمل، والعلم بان رضى الله لا ينال إلا بالإخلاص وليس بكثرة الأتباع ولا النجاح والتوفيق في الأعمال، والاهتمام بالنوع قبل الكم فإرشاد شخص واحد يكون موضع رضى الله سبحانه وتعالى بقدر إرشاد ألف شخص، فمناهج النبوة قد علمتنا دروسا مستفيضة في ذلك فقد نالوا ثواب النبوة وكثير منهم لم يؤمن لهم إلا قليل فليس الثواب هو بكثرة التابعين وإنما يكون بنيل شرف رضى الله سبحانه، كما أن تصديق الناس للكلام وقبول الدعوة هو فضل من الله يؤتيه من يشاء لذا وجب على الداعية أن لا يشغل نفسه بما قدره الله ودبره([65]).
  9. على الداعية أن يتقن أساليب الدعوة وفنونها من حيث انتقاء العبارات واختيار المعاملات وصبها لجذب المقابل للدعوة، فإذا ما أراد أن يغلب خصمه يدفع سيئته بالحسنة وبذلك تخمد نار الخصومة، أما إذا قابل إساءته بمثل ذلك فإن الخصومة تزداد ذراها ويدوم العداء وتستمر الشحناء، فإذا أكرم الداعية خصمه وعامله بالإحسان وأكرمه وخاطبه بعبارات لطيفة ومحبوبة كأن يقول له: (إنك صالح، إنك فاضل)، قد يدفعه إلى الصلاح ويملكه ويجعله أخاً له وكذا مخاطبة الصالح بـ: (إنك طالح، إنك فاسد) قد يسوقه ذلك إلى الفساد([66]). وان يمتثلوا بقوله تعالى ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (([67].

 

 

  1. المراكز والمؤسسات التربوية والإسلامية

لا يخفى ما للمؤسسات والجامعات الإسلامية من أهمية في بث الوعي الديني بين المسلمين، فتفعيل دور المؤسسات العلمية الإسلامية التربوية له أهمية في نشر حقائق الإسلام لاسيما إذا ما دمجت هذه المؤسسات بين الدراسة الدينية والعلوم الكونية، ورسائل النور ترى في عملية الاندماج كشفاً لحقائق الإنسانية الناصعة المطعمة بلذة الإيمان وبعكسه سيكون وبالاً على المسلمين لأنه سيدخلهم في عالم يشوبه ظلمات التخلف والتعصب، تقول رسالة (الإخلاص):  "ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الكونية الحديثة وبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبافتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا والتعصب الذميم في ذاك"([68]). وقد أفردت رسائل النور مساحة واسعة منها تبحث فيها شروط نجاح المؤسسة التعليمية بشكل يتناسب مع حاجة طالب العلم ومع حاجة أو متطلبات هذا العصر، فقد نصحت الرسائل طالب أي علم لاسيما طلاب العلوم الدينية أن يتخذ علما من العلوم أساسا له ويأخذ خلاصة من كل علم من العلوم المتعلقة به لإتمام صورة ذلك العلم، وأن يهتم بالعلم الذي هو أهل لقدرته وبما هو مستعد للقيام به وترك العلوم التي لا يكون أهلا باستيعابها أو الإحاطة بمداركها، فيكون الطالب عندئذ أقدر على محبة الصنعة وأقدر على احترام مقاييسها والفناء في إتقانها وإلا فإنه سيضيع قدراته في أمور هي خارجة عن نطاق قدرته وسيشوه الصنعة التي لا يميل لها لأنه خالف الفطرة، كما أن في إدراك طالب العلم بأنه خادم للعلم وأنه ساعي في منفعة الناس به سيخلصه من شعور السيادة والتفوق على الآخرين وسيجنبه من استخدام العلم كوسيلة للقسر والإكراه والاستبداد وسيجنب استخدام الوظائف من أناس ليسوا أهلاً لها لاسيما الوظائف في المدارس الدينية، وقد وجب للتخلص من ذلك في تنظيم المدرسين وفقا للتخصصات وتقسيم الأعمال وفقاً للميل الفطري لطالب العلم، وعدم إدراج العلوم الفرعية في مسلك أعلى من العلوم العالية والرئيسية التي هي أصل القصد، فضلاً عن ذلك السعي في تعويد الطالب على عدم حصر وقته وفكره في قراءة كتب المناهج الرسمية فحسب بل قراءة كتب منوعة تأتي فائدتها عليه، وإجراء المناظرات العلمية([69]).

وترى أيضا ضرورة وجود معلمين يضحون بمنافعهم الشخصية دنيوية كانت أم أخروية في سبيل منفعة طلبة أهل العلم، ويسعون في خدمة الحقائق الإيمانية فيطمئن إليهم طلبتهم إطمئنانا كاملا يخرجهم عن موضع الشبهات أو لا تجعلهم في حاجة إلى إيراد الأدلة لهم فيكون ذلك سبباً في تقوية إيمانهم وتجعلهم يقولون:(حقاً إن ذلك الدرس الإيماني هو عين الحقيقة)([70]).

كما توجب على الحكومة أن تسعى إلى فتح مدارس نموذجية للتعليم تجمع بين العلوم الدينية والعلوم الحديثة في مناطق مختلفة، وإحياء المدارس التي فيها عجز في تدريس بعض المعارف([71]). وإنشاء الجامعات التي تكون على غرار جامع الأزهر في المناطق التي تفتقر إليها من أجل إنماء الروح الإسلامية وتحقيق التلاقح الفكري بين الحضارة الغربية وحقائق الإسلام([72]). يطبق في هذه الجامعات قاعدة تقسيم الإعمال حسب التخصص، واستخدام اللغات المحلية إلى جانب اللغة العربية في التدريس، ودمج مناهجها بين العلوم الدينية والعلوم الحديثة، وأن يعامل خريجوها على قدم المساواة مع طلاب الدراسات العليا الملتحقين بالمؤسسات التعليمية الأخرى وأن تعد امتحاناتهم على نفس الدرجة من الاعتبار والأهمية من اهتمامات المؤسسات التعليمية الأخرى([73]). وتجد رسائل النور أن التصالح بين المدارس الدينية والمدارس الحديثة وأهل الزوايا والتكايا سيحقق الاتحاد في المقصد([74])، تقول رسالة(المناظرات) :" إن الإسلام لو تجسد لكان قصراً مشيداً نورانياً ينور الأرض ويبهجها فأحد منازله "مدرسة حديثة" وإحدى حجراته "مدرسة دينية" وإحدى زواياه "تكية" ورواقه مجمع الكل، ومجلس الشورى، يكمل البعض نقص الأخر" ([75]).

 فضلا عن تفعيل دور المساجد والزوايا والتكايا وإزالة الخلاف الذي قد ينشأ بينها لاسيما وأنها تعتبر بمثابة معسكرات معنوية أو جندية روحانية، فالرباط فيها يشجع على التزام النفس وترك المنافع الشخصية ويشجع على المحبة بين أفرادها وتباين الأفكار فيما بينها يؤثر سلبا على أساس الأخلاق الإسلامية ويفرق اتحاد الأمة، ويؤخرهم عن ركب الحضارة ويعزز من شيوع فكرة الإفراط والتفريط، لذا وجب على أصحاب هذه المراكز الدعوية المهمة الصلح فيما بينها عن طريق توحيد الأفكار وتمتين العلاقات التي تقود إلى الاعتدال والرقي، على أن يحذر المسلمون من بعض المبتدعين الذين يمكن أن يستغلوا هذه المراكز في تشكيل فرق من أهل البدع والضلال([76]). فتفعيل دور التربية الإيمانية وتهذيب النفس التي توفرها هذه المراكز والمؤسسات يعد عاملا فعالا في نصرة المسلمين في عصرنا هذا فبها يقضى على الاختلاف والتفرق ويسود الإخلاص في القول والعمل وبها تسود العدالة والمحبة([77]).  

ثالثا. معالجة الأمراض الاجتماعية

تحتاج المجتمعات الإسلامية اليوم إلى قوة معنوية حقيقة لكي تستطيع أن تتخلص من الأمراض الاجتماعية التي انتشرت بين الناس من أخلاق فاسدة وصفات ذميمة، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى الإسلام وتحقيق حقائقه، فالأمة لا يمكنها أن تتذوق السعادة في الدنيا أو تعيش حياة اجتماعية فاضلة إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية([78]). كما أن اتخاذ التقوى أساساً في الأعمال كلها تدفع المفاسد، وتمكن الإنسان من التحرك خلالها لمواجهة الخطايا التي تنتج عن بعض أنماط الحياة الاجتماعية الحاضرة([79]). وقد طرحت رسائل النور أسس خمسة عدتها أسباب أساسية في تحقيق حياة اجتماعية كريمة أمنة بعيدة عن الفوضى والانقسام وهي: الاحترام المتبادل، والشفقة والرحمة، والابتعاد عن الحرام، والحفاظ على الأمن ونبذ الفوضى والغوغائية والدخول في الطاعة([80]). وهي ذاتها التي اعتمدها الرسول r في بناء دولته الإسلامية في المدينة المنورة، وكما هو معلوم أن هذه الأسس ضروريات في تحقيق رفاهية أي مجتمع ما، لكن في الوقت ذاته لا يخلو الحال من ضرورة إيجاد دعائم تحمي هذه الأسس من الانهيار فوجود الأمن والاحترام والرحمة في مجتمع ما لا يتناسب أبدا مع وجود عدد من الإمراض التي انتشرت بين الناس: كالبؤس واليأس والجهل وانعدام الصدق والعداوة والاختلاف وغيرها([81]). وبالتالي وجب على المسلمين إيجاد حلول لها، فجاءت على النحو التالي:

فعلاج البؤس أو ما أطلقت عليه رسائل النور أحيانا بـ "الفقر" أو "الجوع" أو "الحاجة" أو "التخلف المادي والتقني" أو "الضرورة"، يكون عن طريق تفعيل ركن الزكاة وفرضه على المجتمع فرضاً عاماً، فالزكاة "تؤمن الرحمة والإحسان من الخواص تجاه العوام وتضمن الاحترام والطاعة من العوام تجاه الخواص"([82]). يقول الرسول (المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كالُبْنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضاً)([83]). و(خَيرُ النَّاسِ أنْفَعُهُم لِلنَّاسِ)([84]). فضلاً عن تحريم الربا الذي يسبب البطالة، والسعي وبذل الجهد الذي ينتج عنه الرقي، "فجزاء العمل والسعي هو الثروة وجزاء الكسل والبطالة هو البؤس"([85]). تقول رسالة المكتوبات:" إن اشد الناس شقاءً واضطراباً وضيقاً هو العاطل عن العمل، لأن العاطل هو ابن أخ العدم، أما السعي فهو حياة الوجود ويقظة الحياة.."([86]). فهي تحث على العمل والابتعاد عن البطالة والاكتفاء بالموجود.

 كما وجب على المسلم أن يختار المهنة التي تناسب فطرته وقابليته([87]). ويمكنه أن يستفاد من صناعة غير المسلمين فكفر الكافر وفسقه لا يضر بالمهرة ولا بالصنعة([88]). وأن يشجع على استخدام المنتوج المحلي بدلا من استخدام المنتوج الأجنبي([89]). وهذا جانب مهم في تشجيع اقتصاد البلاد الإسلامية، وأن تكون غاية المسلم في العمل الذي يقوم به هو لتقديم خدمة تفيد المجتمع كالزراعة والتجارة والصناعة، الخدمة التي عدتها رسائل النور فرض كفاية، إذ تقول:" إن الامتثال والطاعة لقانون التكامل والرقي للصانع الجليل- الجاري في الكون على وفق تقسيم الأعمال- فرض وواجب"([90])، لا لكسب العيش فقط - كالوظيفة الحكومية على سبيل المثال إذا ما سخرها لخدمة نفسه على حساب مصلحة الأمة- وبالتالي يعجز عن إفادة الآخرين([91]).

أما علاج الجهل الذي هو أساس كل سوء يكون بالعلم والمعرفة وتأسيس المدارس والمراكز التعليمية الدينية التي تجمع بين العلوم الدينية والدنيوية، وإنهاء التباين في الأفكار بين المؤسسات التربوية والدينية الثلاثة من حيث تدريس العلوم الدينية في المدارس الحديثة تدريسا حقيقيا وتحصيل بعض العلوم الحديثة في المدارس الدينية وتواجد علماء متبحرين في التكايا والزوايا([92])، وأن تتسلح الدول بسلاح العلم فبه القوة الحقيقة ذلك لأن "الحكومات التي تستند إلى القوة ستشيخ مثلها في ذلك مثل قوتها بسرعة، ولكن لما كان شأن العلم ومجده في تزايد مستمر، فإن الحكومات التي تستند إلى العلم ستكتب لها حياة أبدية.."([93]). فعلاج الجهل يكون إذن بسلاح المعرفة (وقد أشرنا إلى كيفية تفعيل دور المؤسسة التربوية في أخذ دورها سابقا). 

أما اليأس الذي هو داء عضال للأمم والشعوب والمانع لبلوغ الكمالات، فعلاجه الآية الكريمة ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾([94]). والقول المأثور (مَالَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ جُلُّهُ) فالشهامة الإسلامية تأبى أن يكون شأنها شأن الجبناء والعاجزين([95]).

أما تحقيق الصدق في المجتمعات الإسلامية الذي هو " أسس أساس الإسلام وواسطة العقد في سجاياه الرفيعة ومزاج مشاعره العلوية"، وهو حجر الزاوية في حياتنا الاجتماعية فيكون عن طريق ترك الرياء والمداهنة والتصنع والنفاق والكذب، فالكذب هو مفتاح الكفر والخرافات وبينه وبين الصدق بون شاسع كالفرق بين الكفر والإيمان، وما تعانيه المجتمعات اليوم من انعدام الأمن والاستقرار ما هو إلا نتيجة أخذ الشعوب بالكذب وجعلها أساسا في التعامل فيما بينها([96]). والتأكيد على المحبة بين المسلمين لأنها ضمان الحياة الاجتماعية البشرية والتي تدفع إلى تحقيق السعادة، والابتعاد عن العداوة التي إذا ما انتشرت بين الناس تعم الفوضى والظلم والدمار لذا وجب تجنبها والتنفير منها، ومادامت المحبة مضادة للعداوة فلا يمكن أن يجتمعا أبدا كما لا تجتمع الظلمة والنور "فإذا تغلب العداء، انقلبت المحبة إلى مداراة وتصنّع، أما إذا تغلبت المحبة فالعداء ينقلب إلى ترحم وإشفاق ورقّة قلب"([97]). قال الرسول r ( لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ يَلتقِيَان فَيَصُدُّ هَذَا وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبدَأ بِالسَّلَامِ)([98]). " فالإسلام والإنسانية اللذان يقتضيان المحبة هما كجبل (أحد) أما الأسباب المنتجة للعداء فليست إلا كالحصيات الصغيرة، فالذي يجعل العداء يتغلب على المحبة يرتكب في الحقيقة حماقة عظمية، كمن يبخس من قيمة جبل (أحد) ويستصغره إلى أدنى من حصاة "([99]). إذن فالود والمحبة والإخوة هي من طباع الإسلام وروابطه.

وترك التكاسل وعدم المبالاة بأمور المسلمين، وليرفع المسلمون شعار (إن مت أنا فلتحيا أمتي، فإن لي فيها حياة باقية) فإن حسنة واحدة يقوم بها المسلم لخدمة الإسلام لا تقتصر فائدتها على فاعلها وحده وإنما تتعداه لتعم فائدتها معنوياً على بقية المسلمين وهكذا مثلما الحسنات تتضاعف فإن السيئات تتضاعف أيضا لذلك وجب على المسلم الحذر من أن يكون سبباً في مضرة الأمة([100]).

ويكون علاج الاختلاف والتفرقة بالاتفاق والاتحاد ورجوع المسلمين في حل مشاكلهم الدينية إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وأن يأخذوا الأحكام الشرعية والضرورات منهما، ليكون العلاج نابعا من مصدريه الأساس فيتحقق منه نفع عام للمسلمين وتمسك ورغبة وتوجه نحوهما بدلاً من تشتت المسلمين بين آلاف الكتب الفقهية، التي وجب على المسلمين احترامها وتوقيرها هي الأخرى وتحويلها إلى كتب يستشف منها كنوز القرآن الكريم وتفسيراته فهي "وسائل شفافة كالزجاج لعرض قدسية القرآن الكريم وليس حجاباً دونه أو بديلاً عنه"([101]). ويكون أخذ الكتب الفقهية بطرق تربوية خاصة لتأخذ تلك الكتب مكانها الطبيعي ولتصل في أهميتها مصاف كتب الأئمة المجتهدين من السلف الصالح، على أن تجعل الغاية من قراءتها هي لأجل فهم ما يأمر به القرآن الكريم وليس لأجل ما يقوله صاحب الكتاب نفسه([102]). ويكون علاج التفرقة بإعلاء الإخوة الإسلامية بين المسلمين وان يستهدوا بقوله تعالى ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ .([103])الذي يشير إلى التساند والترابط الذي إذا اختل تفقد الجماعة قوتها ومكانتها، وبالحديث الشريف (المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كالُبْنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضاً)([104]). أي في الاتحاد القوة والعظمة، ويكون الاتحاد في السعي في توحيد الجماعات الإسلامية في المسالك والمشارب، وانتهاج نهج المحبة فيما بينها وعدم انتقاص أحدها للأخر، وإتباع السنة النبوية والامتثال لأوامرها واجتناب نواهيها، وعدم التمايز بين الناس سواء كانوا من الخاصة أو العامة، مع ضرورة المحافظة على النظام العام للبلاد والحرية الشرعية ([105]). وقد عبرت رسائل النور عن الاتحاد والقوة الناتجة عنه بمعادلة رياضية هادفة إذ تقول:" إنكم تعلمون أن ثلاث ألفات إذا كتبت منفردة متفرقة فقيمتها ثلاث، ولكن إذا اجتمعت بالتساند العددي فقيمتها مائة واحد عشر، فإن بضع أشخاص من أمثالكم من خدّام الحق إذا عمل كل منهم على انفراد من دون اعتبار لتقسيم الأعمال فإن قوتهم تكون بقوة ثلاثة أو أربعة أشخاص، بينما إذا ما عملوا متساندين بإخوة حقيقية، مفتخراً كل منهم بفضائل الآخرين، حتى يبلغوا بسر الفناء في الإخوة أن يكون أحدهم هو الأخر بنفسه، أقول: إنه ماذا ما عملوا هكذا فإن قيمة أولئك الأشخاص الأربعة تكون بمثابة أربعمائة شخص.."([106]).

ومن الأمراض الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الإسلامي أيضا، شيوع الحسد الذي يكون وقعه على الحاسد نفسه أكثر ألماً وتأثيراً من المحسود، أما علاجه فيكون بادراك الحاسد عواقب فعله، وأن دوافع حسده ما هي إلا لأغراض دنيوية كأن تكون لمال أو قوة أو منصب، وأن حسده هو بمثابة اعتراض وسخط على قدر الله ورحمته، وأنه سيكون ممن قال عنهم الله تعالى ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ([107]). فهو ظلم نفسه لأنه فسح لقلبه بدخول العداوة إليها، وظلم نفسه مرة أخرى لأنها حرمها من الرحمة الإلهية لأنه اعترض عليها مسبقا([108]).

رابعا. إصلاح المؤسسة السياسية

المتتبع لرسائل النور يجد أنها لا تعارض السياسة بسبب عدم اتفاقها مع الإسلام أو أن العمل للإسلام يستوجب أمامه ترك العمل في السياسة، لكنها وجدت أن خدمة الإسلام داخل التيارات السياسية المعاصرة المتصارعة فيما بينها سيضطرها  إلى أن تتعاون وتركن إلى انحرافات بعض التيارات وستجامل وتهادن هذه التيارات على حساب مصلحة الإسلام، لذلك رأت في ضرورة أن تجتنب السياسة وأن لا تخوض الصراع مع التيارات الجارية داخل البلاد الإسلامية لاسيما ذات الاهتمامات السياسية، ووجدت في (الإخلاص) الذي وضعته أساسا في مسلكها، هو ما يمنعها عن جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، وترى أن الاستناد إلى العناية الإلهية وتفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى هو أفضل من الاستناد إلى قوة التيارات الحاضرة، كما أن إشفاقها على نفسها وخوفها من التلوث في ظلم الآخرين وإضرارهم جعلها تعزف عن السياسة لاسيما وأن المجتمعات في العصر الحاضر بدأت تأخذ بمضمون الآية الكريمة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ([109]). أساسا في تعامل الناس بعضهم مع بعض في الوقت الذي عزفوا وتناسوا قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾([110]). والذي يدعو إلى معاقبة من أخطأ وأجرم دون أن يحمل هذا الأمر الآخرين جريرة خطأ من قام به([111]). وهذا هو من طبيعة السياسة التي تقوم على التغاضي عن كثير من أخطاء وانحرافات الآخرين في سبيل أن تصل إلى غاية معينة، لذلك آثرت رسائل النور أن تجتنب السياسة وتبتعد عنها، تقول رسالة الشعاعات (الشعاع الرابع عشر): "إن الداخلين الآن ساحة السياسة مع وجود تيارات قوية سائدة لا يستطيع أحد منهم أن يحافظ على استقلاليته وعلى إخلاصه، لأن تياراً من هذه التيارات سيجره إليه ويجعله يعمل لحسابه ويستغله في مقاصده الدنيوية، مما يؤدي إلى الإخلال بقدسية عمله وخدمته، ثم إن أشد أنواع الظلم مع أشد أنواع الاستبداد قد أصبحت دستوراً وقانوناً من قوانين الصراع والنزاع المادي في هذا العصر...لذا كان على طلبة النور أن يبقوا محايدين تماماً، وكان من الضروري لهم عدم الخوض في السياسة وفي الصراع المادي وعدم الاشتراك فيه"([112]).

إلا أنها لم تأل جهدا في نصح الحكام وذوي السلطة وتحذيرهم من السياسة التي لا تتناسب في جوهرها مع الإسلام، إذ أرادت أن تفهم السياسيين أن السلطة لا تستطيع تحقيق القوة وفرض الطاعة على المجتمع إلا بتحقيق قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾([113]). وهذا الاعتصام فيه شرطان الأول امتثال السلطة بالشعائر الإسلامية وفرضها على المجتمع سيحقق قوة للدولة وهذه القوة هي من تمنع الأعداء من التجاسر والتطاول على الدول الإسلامية، الثاني أن هذا العصر هو عصر الجماعة، والشخصية المعنوية التي هي روح الجماعة أثبت وأمتن من شخصية الفرد، والسلطة لا تتمكن من أداء وظائفها إلا إذا استندت إلى هذه الروح المعنوية، كما أن الشخصية المعنوية تعكس روح العامة فإذا كانت فاسدة ففسادها ينعكس على السلطة وان كانت خيرة فسينعكس هذا الخير على السلطة([114]).

كما ترى رسائل النور في كيفية إصلاح المؤسسة السياسية ضرورة أن يجعل السياسيون سياساتهم تابعة للدين في كل شيء ومصالحه وفي وئام معه لا أن يجعلوا الدين أداة للسياسة، وأن يجعلوها وسيلة منقادة للشريعة ولا يقبلوا بالحرية إلا على أساس الوجه المشروع، وأن يتخذ السياسيون قوله r  (الحَبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ)([115]). بدلا من القول الرائج (الحب في السياسة والبغض في السياسة)([116]). فتطبيقها للشريعة الإسلامية سيحقق سعادة أمة الإسلام وسيحقق حياة اجتماعية فاضلة وسيخلص الأمم من الأخلاق الفاسدة والصفات الذميمة، فلو أخذت الحكومات على سبيل المثال بتطبيق الحد أو العقاب الشرعي في جريمة السرقة امتثالاً للآية الكريمة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ([117]). أو امتثالاً بقوله r  (لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سرَقَتْ لقَطَعْتُ يَدَهَا)([118]). لتخلصت المجتمعات الإسلامية من هذا الداء المستأصل فيما بينها ولعم الخير على الجميع([119]). كما أن طاعة ولي الأمر فريضة وأوجبت على المجتمع هذه الطاعة إلا أنها اشترطت أن يكون الحاكم مستقيما متدينا قائما بالحق، وإلا فلا طاعة له([120]).

 

 

الخاتمة

عند مراجعة المادة التي قدمتها رسائل النور عن الهدي النبوي في معالجة مشاكل العصر في المقاطع التي عالجها البحث نجد ما يلي:

  1. علاج رسائل النور لمشاكل العصر كان بمنهجية شكلت سقفا راسخا فوق تاريخ الأمة الإسلامية، متعاملة معها بلغة العصر الداخل بصراع في مواجهة جاهلية العصر الحديث.
  2. وظفت رسائل النور القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في بناء مادتها، متبعة معها عنصر التدرج في البدء والانطلاق من الجزئي إلى الكلي، معدة أن طريق الشريعة الإسلامية وتحقيق الحقائق الإيمانية أقصر الطرق في علاج مشاكل العصر.
  3. شخصت رسائل النور أنواع الاختلاف وعدته سبباً رئيسياً في ضعف وتأخر المجتمعات الإسلامية، ووضعت الحلول له ليستهدي بها المسلمون ويتخطوا العقبات التي وضعها الاستعمار أمامهم والتي تحول بينهم وبين إعلاء كلمة الله والتفاني في سبيلها.
  4. أكدت رسائل النور على قيمة الإخلاص والعمل والعقل والعلم، وعدتها أسبابا لتحقيق رقي المجتمعات، وأكدت على إيمانها بمبدأ التكامل من حيث ربط العلوم الدينية والعلوم الدنيوية في سبيل مواجهة جاهلية العصر.
  5. تشخيصها للإمراض الاجتماعية بنظرة واسعة وعميقة أوقعتها على حلول ناجعة وسريعة تتخطى بها ما تفرزه تلك الأمراض من أثار سلبية على المجتمعات والتي تكون سببا في إعاقة نهوضها وتقدمها.

 

 

 

-----------------------

([1]) قال الحافظ العراقي سنده ضعيف وقال أيضا آدم بن أبي إياس في كتاب العلم بلفظ اختلاف أصحابي لأمتي رحمة وهو مرسل ضعيف، ينظر: زين الدين محمد بن علي بن زين العابدين الحدادي القاهري، فيض القدير شرح الجامع الصغير، ج:1، ط1 (مصر: المكتبة التجارية الكبرى، 1356) ص49.

([2]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (المكتوبات)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (2)، ط5، المكتوب الثاني والعشرون، (القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2008) ص342-343.

([3]) أبو عبد الله احمد بن محمد بن حنبل الشيباني، مسند الإمام احمد، تحقيق: شعيب الارنؤوط وآخرون، ج:35، ط2، رقم الحديث(21471)، (مؤسسة الرسالة، 1999) ص229.

([4]) النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص343-344.

([5]) المصدر نفسه، ص343؛ بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (سيرة ذاتية)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (9)، ط5، (القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2008) ص314.

([6]) محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري، الجامع الصحيح، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ج:6، ط1، رقم الحديث(5061) (دار طوق النجاة، 1422ه) ص198.

([7]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (صيقل الإسلام)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (8)، ط1،  السانحات، (اسطنبول: دار سوزلر للنشر، 1995) ص349-350.

([8]) المكتوبات،  المكتوب السادس والعشرون، ص412-420؛ النورسي، سيرة ذاتية، ص314.

([9]) النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص443.

([10]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (الكلمات)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (1)، ط5، الكلمة السابعة والعشرون، (القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2008) ص572.

([11]) البخاري، الجامع الصحيح، ج:5، رقم الحديث(3673)،  ص8؛ محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك الترمذي، الجامع الكبير، تحقيق:  بشار عواد معروف، ج:6، رقم الحديث(3861)، (بيروت:دار الغرب الإسلامي، 1998) ص178.

([12]) علي بن احمد ابن محمد الطيب بن الجلابي المعروف بابن المغازلي، مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تحقيق: أبو عبد الرحمن تركي ابن عبد الله الوادي، ط1، (صنعاء: دار الآثار، 2003). قال ابن تيمية عن هذا الكتاب في منهاج السنة( وأما نقل ابن المغازي فاضعف واضعف فان هذا قد جمع في كتابه من الأحاديث الموضوعة ما لا يخفى انه كذب على من له أدنى معرفة بالحديث).

([13]) أبو عبد الله احمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، فضائل الصحابة، تحقيق: وصي الله محمد عباس، ج:2، ط1، رقم الحديث (959)، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1983) ص569؛ بن حنبل، مسند الإمام احمد، ج:2، رقم الحديث(1311)ص71.

([14]) البخاري،  الجامع الصحيح، ج:4، رقم الحديث(3445)، ص167؛ ابن المغازلي، مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

([15]) النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة، ص31-37.

([16]) النورسي، صيقل الإسلام،  السانحات، ص339.

([17]) النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص854-855.

([18]) النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص468-469؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص86.

([19]) النورسي، صيقل الإسلام،  السانحات، ص530.

([20]) سورة الأعراف، الآية(176).

([21]) سورة محمد، الآية(24).

([22]) سورة آل عمران، الآية(65).

([23]) النورسي، المكتوبات، المكتوب التاسع والعشرون، ص571.

([24]) النورسي، صيقل الإسلام،  السانحات، ص334-335.

([25]) الشيباني، مسند الإمام احمد، ج:38، رقم الحديث(23489)، ص474.

([26]) المكتوبات، المكتوب الخامس عشر والسادس عشر، ص70، ص82؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص502.

([27]) سورة النجم، الآية(39).

([28]) البخاري، الجامع الصحيح، ج:3، رقم الحديث(2027)، ص57.

([29]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص402-403.

([30]) النورسي، صيقل الإسلام،  السانحات، ص349.

([31]) النورسي، صيقل الإسلام،  محاكمات عقلية، ص150.

([32]) النورسي، المكتوبات، المكتوب الخامس، ص27.

([33]) سورة آل عمران، الآية(31).

([34]) أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشْران بن مهران البغدادي، مالي ابن بشران، ضبط نصه: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف العزازي، ج:1، ط1، رقم الحديث (501)، (الرياض: دار الوطن، 1997)ص218.

([35]) النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية عشرة، ص74-79.

([36]) أخرجه العسكري وهو حديث ضعيف، ينظر: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، تحقيق: أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، ج:1، ط1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997) ص97.

([37]) سورة القلم، الآية(4).

([38]) النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية عشرة،  ص95.

([39]) المصدر نفسه، ص80-83..

([40]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (الشعاعات)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (4)، ط4، الشعاع الحادي عشر، رسالة الثمرة ( القاهرة: شركة سوزلر للنشر والتوزيع، 2005) ص283.

([41]) النورسي، السيرة الذاتية، ص98.

([42]) المصدر نفسه، ص 140-141.

([43]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص426.

([44]) سورة المائدة، الآية(44).

([45]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص426-427.

([46]) النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص ص493-499-500 .

([47]) المصدر نفسه، ص499-500.

([48]) النورسي، صيقل الإسلام،  محاكمات عقلية، ص147-148.

([49]) المصدر نفسه، ص149-153؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص72-73.

([50]) النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص473؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص72.

([51]) سورة هود، الآية(29).

([52]) سورة النور، الآية(54).

([53]) بديع الزمان سعيد النورسي، من كليات رسائل النور (الإخلاص والإخوة)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ط1، اللمعة العشرون(القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2010) ص21-22، ص39-45؛ النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص339؛ النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص234-236.

([54]) النورسي، الشعاعات، الشعاع الثالث عشر، ص376، ص399.

([55]) سورة الأنفال، الآية(46).

([56]) سورة المائدة، الآية(2).

([57]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص23-35؛ النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص338-339؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع،  ص846.

([58]) سورة الفرقان، الآية(72).

([59]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص35-38.

([60]) أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، ج:4، رقم الحديث(4601) (بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت) ص327.

([61]) البخاري، الجامع الصحيح، ج:1، ص13.

([62]) المصدر نفسه، ص30-32.

([63]) سورة الحشر، الآية(9).

([64]) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (اللمعات)، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، المجلد (3)، ط5، اللمعة الحادية والعشرون، (القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2008) ص237.

([65]) المصدر نفسه، 26-29؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص833.

([66]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص57-58؛ النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص339؛ النورسي، اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص236-237.

([67]) سورة الفرقان، الآية(72).

([68]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص7-8.

([69]) النورسي، صيقل الإسلام، محاكمات عقلية، ص66-67؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص 71، ص497-498.

([70]) النورسي، الملاحق، ملحق قسطموني، ص225.

([71]) النورسي، السيرة الذاتية، ص498-499.

([72]) المصدر نفسه، ص500.

([73]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص407-428؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص503-506.

([74]) النورسي، السيرة الذاتية، ص72.

([75]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص430؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص506.

([76]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص422؛ النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص473.

([77]) النورسي، اللمعة الحادية والعشرون، ص236-237.

([78]) النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص521.

([79]) النورسي، الملاحق، ملحق قسطموني، ص169.

([80]) النورسي، الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ص406-407؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص391.

([81]) المصدر نفسه، ص492.

([82]) النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص350-351؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص833.

([83]) بن حنبل، مسند الإمام احمد بن حنبل، ج: 32، رقم الحديث(19625)، ص399.

([84]) أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر المصري، مسند الشهاب، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، ج:2، ط2، رقم الحديث(1234)، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1986) ص223.

([85]) النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص500؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص833-834، ص861؛ النورسي، السيرة الذاتية، ص146.

([86]) النورسي، المكتوبات، رسالة نوى الحقائق، ص613.

([87]) النورسي، صيقل الإسلام، محاكمات عقلية، ص127.

([88]) المصدر نفسه، المحكمة العرفية العسكرية، ص443.

([89]) النورسي، صيقل الإسلام،  المحكمة العسكرية العرفية، ص470-472.

([90]) النورسي، صيقل الاسلام،  محاكمات عقلية، ص43.

([91]) المصدر نفسه،  المناظرات، ص403-404،  ص428.

([92]) النورسي، السيرة الذاتية، ص72.

([93]) النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص407-428.

([94]) سورة الزمر، الآية(53).

([95]) النورسي، صيقل الإسلام، الخطبة الشامية، ص505-506.

([96]) المصدر نفسه، ص507-508؛ النورسي، صيقل الإسلام،  المناظرات، ص417؛ النورسي، الكلمات، رسالة اللوامع، ص836.

([97]) النورسي، الإخلاص والإخوة، ص78-84؛ النورسي، صيقل الإسلام، المناظرات، ص423؛ النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص509.

([98]) أبو داود سليمان بن داود بن الجادر الطيالسي البصري، مسند أبي داود الطيالسي، تحقيق: محمد بن عبد المحسن التركي، ج:1، ط1، (مصر: دار هجر، 1999)ص484.

([99]) النورسي، صيقل الإسلام، المناظرات، ص423.

([100]) النورسي، صيقل الإسلام، الخطبة الشامية، ص510-514.

([101]) النورسي، صيقل الإسلام، السانحات، ص347.

([102]) المصدر نفسه، ص347-348.

([103]) سورة الأنفال، الآية(46).

([104]) بن حنبل، مسند الإمام احمد بن حنبل، ج: 32، رقم الحديث(19625)، ص399.

([105]) النورسي، السيرة الذاتية، ص99-100؛ النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص536-537.

([106]) المصدر نفسه، ص248.

([107]) سورة الأحزاب، الآية(72).

([108]) النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص340-341.

([109]) سورة إبراهيم، الآية(34).

([110]) سورة الأنعام، الآية(164).

([111]) النورسي، الملاحق، ملحق أميرداغ-1، ص243-244.

([112]) النورسي، الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ص424.

([113]) سورة آل عمران، الآية(104).

([114]) النورسي، السيرة الذاتية، ص185-186.

([115]) بن حنبل، مسند الإمام احمد بن حنبل، ج: 35، رقم الحديث(21303)،  ص229.

([116]) النورسي، الملاحق، ملحق قسطموني، ص152، وملحق أميرداغ -2، ص334؛ النورسي، صيقل الإسلام،  الخطبة الشامية، ص521.

([117]) سورة المائدة، الآية(38).

([118]) البخاري، الجامع الصحيح، ج:4، رقم الحديث(3475)، ص175.

([119]) النورسي، صيقل الإسلام، الخطبة الشامية، ص522-523.

([120]) المصدر نفسه،  المحكمة العسكرية العرفية، ص443.

 

 

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة