الهـدي النبـوي ووارثـو النبوة
الهـدي النبـوي ووارثـو النبوة
د. معاني حسن مختار غنسوري.
رئيس جمعية الأمة القرآنية
أمين عام منتدى سلم الإسلام والوسطية
في بوركينا فاسو
* مقدمة البحــث:
الحمد لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيــان.
والصلاة والسلام على من أوحي إليه في الغار، فكان بذلك نبيا لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إليه من لدن رب العالميــن.
صلوات ربي وسلامه على نبينا محمد، وعلى آله الأطهار، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعــــــــد:-
لقد صدّق الله وعده الذي أنبأ به في محكم تنزيله بتوليه حفظ ذكره الحكيم وحماية سنة نبيه محمد عليه السلام بقدرته سبحانه وتعالى وبطرق عدة منها:- بعـثه في الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد للناس مفاهيم دينهم.
فلـقد كان الشيخ سعـيد النورسي (رحمه الله) من الأعــلام المجددين للناس دينهم، في عصره – بل وفي العصور التي تلت عصـره إلى يومنا هذا بفضل ما قدمه للأمة من فكر نير مبسط لا تكلف فيه، من خلال كنزه الثمين المتمثل في (كليات رسائل النور) التي تناول فيها جل قضايا القرآن والسنة المطهرة.
فنحن في هذا البحث على موعد مع إحدى أهم قضايا الإسلام المتعلقة بالنبوة ودرها الرائد في البحث عن الحقائق التي تقود العباد إلى مرضات الله سبحانـه.
وسوف نتنــاول هذا الموضوع من منظور رسائل النور خلال مؤتمــره العالمي العاشر.:- الهــدي النبوي ووارثو النبــوة.
وسيتم البحث بمشيئة الله من خلال أربعة فصول أساسية هي:-
الفصل الأول:- القواعد التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية في الحياة.
الفصل الثاني:- مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء .
الفصل الثالث:- الدروس والعظات التي يجب إدراكها من قصص الأنبياء في النصوص المقدسة.
الفصل الرابع:- الحلول التي يقدمها مناهج النبوة للمشــاكل ولا سيما مشاكل العصـر الحديث.
رجــيا مــن المولى العلي القدير التوفيق في إعطاء الموضوع حقه قدر مكنتي، وأن ينفع به كاتبه وقارئه بفضله ومنه سبحانه وتعالى، إنه قريب سميع مجيب.
وهو الموفـق والهـادي إلى سواء السبيــل.
الفصــل الأول:-
* - القواعد التي يجب مراعاتها في تطبيق السنة النبوية في الحياة.
في هذا الفصل الذي سنستهل به هذا البحث سنجد في أثره أن شيخنا سعيد النورسي (رحمه الله) قد تمكن بفضل الله تعالى، ثم بقوة البصيرة النيرة التي من الله تعالى بها عليه، من إيجاد إجابات وافية وحلول شافية لبعض ما استشكل على الناس فهمه في باب تطبيق السنة.
فنجــد الأستاذ في بادئ أمره في تناوله هذا الجانب من قضايا السنة يُجلّي ويبين لأبناء الأمة أهمية السنة النبوية بأسلوبه العطر الجذاب المعتاد، والذي يجعل القاصي والداني يدرك أن السنة هي طوق النجاة ومنهج الفلاح والسعادة في الدارين لكل مسلم يؤمن بأن الحق تبارك وتعالى هو منــزل القرآن الكريم عــلى خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم.
فوضح أن الله الذي أنزل القـرآن هو من أرسل نبيه الأكرم، وحصَّنه وميَّـزه من بين عباده - في آخر الزمان - بميزة العصمة التي مكنته من الإتيان بالسنة التي لا رغوة عليه ولا نقيصة، مؤكـدا على ضوء الآية الكريمة في قوله تعالـى:- ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ (آل عمران آية 31) أن محبة العبد لربه سبحانه وطاعته إياه تعالى لا تكونان كاملتين مقبولتين إلا باتباع سنة خير خلق الله، محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وفي ذلك يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله "وبما أن أحــدا لا يمكنه أن يكون أهلا لمحبته سبحانه إلا باتباع السنة الأحمدية كما نص عليه كلامه العزيز، إذن فاتباع السنة المحمدية هو أعظم مقصد إنساني وأهمُ وظيفة بشرية"(1).
ويتابع الشيخ ايضاحاته عن مدى رقيِّ السنة ومقامها الرفيع ومكانتها السامية، مبينا سعادة من اتبعها بصدق، وشقاء من أعرض عنها واتبع هـواه، وخضع لإرادة الشيطان الرجيم فيقول:-(رحمه الله) في المثنـوي العربي النوري: " اعلم إنّي شاهدت في سيري في الظلمات، السُّننَ السُـنِّية نجوما ومصابيح، كل سنَّةٍ وكل حَد شرعي يتلمَّع بين ما لا يحُصر من الطرق المظلمة المضلّة، وبالانحراف عن السنة يصير المرء لعبة الشياطين، ومركب الأوهـام، ومعرض الأهوال، ومطية الأثقال - أمثال الجبال- التي تحملها السنة عنه لو اتبّعها.
وشاهدتُ السُنن كالحبال المتدليّة من السماء، من استمسك ولو بجزئي استصعد واستسعد. ورأيت منْ خَالفها واعتمد على العقل الدائر بين الناس، كمَن يريد أن يبلُغ أسباب السماوات بالوسائل الأرضية فيتحمَّق كما تحَمَّق فرعون بـ﴿ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ﴾(غافر آية 36)..."(2).
فبعد هذه الإطلالة النُورسية عن مكانة السنة المطهرة وأمهيتها في حياة البشرية قاطبة فإن خير ما نبدأ به هــذا الفصل هو بيان ضرورة التمسك بالسنة طبقا لما ثبت في الأثر من كلام خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقواعد تطبيق ذلك في الحياة من منظور استنباطات الشيخ سعيد النورسي في رسائل النور.
إذ يقول فيه المؤلـــــف(رحمه الله) (في النكتة الأولى من اللمعة الحادية عشرة) في حثه على التمسك بالسنة عند بزوغ البدع وتنامي قوى الأهواء، موضحاً مغزى كلام صاحب السنة في الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "من تمسك بسنتي عنــد فساد أمتي فله أجر مائة شهيد" (3).
فلقد ذهب الشيخ (رحمه الله) في سبيل بيانه للمقاصد ومرامي هذا الحديث الذي يُرغِّبُ في التمسك بالسنة (اعتقادًا واتباعًا وتطبيقًا )، فقـــال:- "أجل، إن اتباع السنة المطهرة لهو حتما ذو قيمة عالية، ولاسيما إتباعها عند استيلاء البدع وغلبتها، فإن له قيمة أعلى وأسمى، وبالأخص عند فساد الأمة، إذ تُشعر مراعاة أبسط الآداب النبوية بتقوى عظيمة وإيمان قوي راسخ؛ ذلك لأن الاتبّاع المباشر للسنة المطهرة يذكرُّ بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فهذا التذكر الناشئ من ذلك الإتباع ينقلب إلى استحضار الرقابة الإلهية، بل تتحول في الدقائق التي تُراعى فيها السنة الشريفة أبسطُ المعاملات العرفية والتصرفات الفطرية - كآداب الأكل والشرب والنوم وغيرها- إلى عمل شرعي وعبادة مُثابٌ عليها؛ لأن الإنسان يلاحظ بذلك العمل المعتاد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتصور أنه يقوم بأدب من آداب الشريعة، ويتذكر أنه صلى الله عليه وسلم صاحب الشريعة، ومن ثم يتوجه قلبُه إلى الشارع الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، فيغنم سكينةً واطمئنانا ونوعـا من العبادة.
وهكذا، في ضوء ما تقدم فإن من يجعل اتباع السنة السُنّية عادتهَ، فقد حَوّل عاداتِه إلى عبادات، ويمكنه أن يجعل عمره كُـلَّه مُـثْمرًا، ومُثابا عليه "(4).
وفي ثنايا إيراد الشيخ النورسي (رحمه الله) لبعض منازل السنة وجوانبها، ومدى اهمية تطبيقها وآثار ذلك في الفرد وفي المجتمع إذا ما كان التطبيق منزها عن الرياء ووساوس النفس الهدامة، قال:- " إن أهم ما في السنة المطهـــرة هي تلك السنن التي هي من نوع علامات الإسلام والمتعلقة بالشعائر، إذ الشعائر هي عبادة من نوع الحقوق العامة التي تخُصُّ المجتمع كله، فكما ان قيام فرد بها يُـؤدي الى استفادة المجتمع كله، فإن تركها يجعل الجماعة كلها مسْـؤولة، فمثل هذه الشعائر يعُلن عنها وهي أرفع من أن تنالها أيدي الرياء وأهم من الفرائض الشخصية ولو كانت من نوع النوافــل "(5).
فمن خلال هذه الخواطر البراقة والاستنباطات الثاقبة التي عبر عنها الشيخ رحمه الله تعالى عن دور السنة في إصلاح المجتمعات وحاجة سائر أفراد الأمة إلى السنة، فإن هذه الإطلالة لرونقها وللأسلوب اللَدِنْ الكامن في سياقها تتقاطر على قلوب أولئك الذين غلبت عليهم شقوتهم فأعرضوا عن السنة رغبات جسام في تطبيق السنة.
في حين تتلهف النفوس المحبة للسنة على زيادة محبتها لها، تلك المحبة المخلصة التي تعبـِّـر عنها السلوك الحسن الذي تبرزه أعمال الجوارح بتعاليم السنة في سائر شئونهم التعبدية والحياتية. خاصة إذا ما وقف المريد على تطرُّق الشيخ على مراتب السنة وقواعد تطبيقها، والتي تشكل خارطة طريق نحو تنوير الحياة على جبين كل راغب في اتخاذ السنة شعلته في شقِّ طريقه المُظْـلِـــِم نحو محبة الله ورسوله.
فالسنة وتطبيقاتها لما كانت هي مِنهاج النجاة المُؤدي إلى الاستسعاد الأبدي، فإنه في ذات الوقت منهاج وعِرٌ ومليئ بالخلافات المذهبية والاتهامات والتجاوزات الطائفية، والتي تُـتوِّجُها مكايد الشيطان ووساوس جنوده من الإنس والجان.
فنرتـئي أن إفلات العبد في عصرنا الحاضر من كافة تلك المنحنيات الخطيرة - المُذْهِبة للإخلاص، الهَرَّاسة المُهْدِمة للـثواب – كل ذلك مرهون بمعرفة العبد حق المعرفة لتلك الخيوط الرقيقة التي تفصل السنة عن البدعة، وإدراكه حقيقة تلك الأمور التي أُدْخِلت في سلة البدع وهي منها بعيدة، ثم فهمه وإدراكه كل جوانب السنة الخالصة ومراتبها المتوزعة في نصوص الشريعة، ثم تطْبِـيق ذلك في إطار الوعي والدراية، على الشاكلة التي يوضحُها الشيخ سعيد النورسي -رحمه الله تعالى- بكل شفافية ومَلاءَةٍ واقتِــدارْ.
إذ يقــــول:- "إن للسُّـنة المطهـَّرة مراتب:- قسم منها « واجب » لا يمكن تركه، وهو مبين في الشريعة الغراء مفصلا وهو من المحكمات أي لا يمكن بأية جهة كانت أن تتبدل.
وقسم منها هو من قبيل « النوافل »، وهذا بــدوره قسمان:-
* قسم منه هو السنن التي تخُصُّ العبادات، وهي مبينّة أيضا في كتب الشريعة. وتغيـيرُ هذه السنن بدعةٌ.
* أما القسم الآخر فهو الذي يطُلق عليه «الآداب» وهي المذكورة في كتب السير الشريفة، ومخالفتُها لا تسمى بدعة، إلا أنها من نوع مخالفة الآداب النبوية، وعدم الاستفاضة من نورها، وعدم التأدب بالأدب الحقيقي. فهذا القسم هو اتباع أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم المعلومة بالتواتر في العرُف والعادات والمعاملات الفطرية، ككثير من السنن التي تبين قواعد أدب، أمثال: المخاطبة، وتظهر حالات الأكل والشرب والنوم أو التي تتعلق بالمعاشرة.
فمنَ يتحرَّ أمثال هذه السنن التي تطلق عليها «الآداب» ويتبعها فإنه يحول عاداته إلى عبادات، ويستفيض من نور ذلك الأدب النبوي، لأن مراعاة أبسط الآداب وأصغرِها تذكرّ بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، مما يسكب النور في القلب"(6).
فهـــذا البيان النوراني الفائت العطر عن مراتب السنة، والذي يظهر فيه أسلوب الشيخ النورسي المبسط اللطيف في رسم خطوط الفهم السلس لقضايا السنة لأبناء الأمة، فإنه لم يكتف بذلك البيان فحسب في هذا الباب الذي نحن بصدده، بل أشار كذلك ضمنيا إلى ضرورة الابتعاد عن التكلف والغلو في اتباع السنة وتطبيقها، والانسلاخ من كل ما يؤدي إلى رمي التهم البينية في صفوف أتباع محمد عليه السلام الذي يُذهب المثوبة.
لأن لجوء البعض من أبناء الأمة حينا إلى القول: أن فلانا مُقصَّـر في تطبيق السنة الفلانية، أو القول حينا آخر أنه آثر البدعة على السنة، فإننا في حقيقة الأمر إذا لجأنا إلى ميزان استنباطات أهل الإنصاف سرعان ما ندرك أن المُتَّهم غير مقصَّر في تطبيق السنة في الجانب الذي اتُهِم فيه بالتقصير، ولا هو بمُفضِّل البدعة على السنة المطهرة كما أصدرت محكمة التعصب الأعمى حُكْمها القاسي عليــه.
ففي أمثال تلك المعضلات والمزالق - وما أكثرها في شريعتنا اليوم - يكون السبب فيه هو الغلو والإفراط المجافيان لأسُسِ الوسطية والتيسير في ديننا الحنيف، وإن ذلك النوع من الإفراط هو الذي يحْجُبُ على الكثير معرفة حقائق مراتب السنة والفرق بينها وبين البدع الضالة الموجبة للعيش المظلم في الدنيا، المحققة لوعـيد الله المؤلم في الآخرة.
فنجد شيخنا المجدد الفطن كعادته يميط اللثام هنا في ذلك المضمار، موضحا الحقائق في تلك الجزئية التي يذكر خلالها الموطن والنُّطُقَ التي في حيزها يُطبق العبد السُّنة بمراحلها المعلومة المدونة في الشريعة دون تكلف أو تصنع، أو رمي التهم للآخرين جورا.
إذ يقول رحمه الله: في (النكتة التاسعة في اللمعة الحادية عشرة):- " قــد لا يتيسر اتبــاع كل نوع من أنواع السنة الشريفة اتباعا فعليا كاملا إلا لأخص الخواص، ولكن يمكن لكل واحد الاتباع عن طريق النية والقصد والرغبة في الالتزام والقبول. ومن المعلوم أنه ينبغي الالتزام بأقسام الفرض والواجب، أما السنن المستحبةَّ في العبادة فتركُها وإهمالُها وإن لم يكن فيه إثم إلا أنه ضياع لثواب عظيم، وفي تغييرها خطأ كبير.
أما السُّنن النبوية في العادات والمعاملات فإنها تصيّر العادة عبادة رغم أن تاركها لا يُــلاَم، إلا أن استفادته تقل وتتضاءل من نور الآداب الحياتية لحبيب الله صلى الله عليه وسلم"(7).
إلى أن قال الشيخ بديع الزمان عليه رحمة الله قولا هاما ومِفْصَليًا في هذا الباب، ما نصه:- "أما البدع فهي: إحداث أمور في الأحكام العبادية، وهي مردودة حيث إنها تنافي الآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾ (المائدة آية 3). غير أن تلك الأمور المستحدثَة إن كانت من قبيل الأوراد والأذكار والمشارب - كالتي في الطرق الصوفية- فهي ليست ببدعة ما دامت أصولهُا مستقاة من الكتاب والسنة. إذ إن تلك الأصول والأسس المقررة رغم أنها بأشكال مختلفة وأنماط متباينة إلا أنها مشروطة بعدم مخالفتها للسنة النبوية وبعدم تغييرها لها. وعلى الرغم من ذلك فقد أدخل قسم من أهل العلم بعضا من هذه الأمور ضمن البدع، إلا أنهم أطلقوا عليها «البدعة الحسنة»..."(8).
فقـلــت في ذلك مستعينا بالله: أن هـذا الكلام الراقي الذي انتهجه الشيخ بديع الزمان (رحمه الله) في هذه الجزئية، يُمثِـلُ أفضــلَ وأنسب رد في هذا العصر على الذين يَرتَئُون أن كل عمل أو قول لم يأت من الرسول عليه السلام ولا من أصحابه الكرام يُعَّد بمثابة بدعة ضالة بالكلية وإن كانت من فروع العبادات التي لها مشتقات وأصول في القرآن والسنة المطهرة.
فما ذهب إليه الإمام المجدد بديع الزمان في هذا الكلام الموزون نُؤيِّده عليه لرؤيتنا أن ما يأتي به علماء الصوفية من أنواع الأذكار التي لا تخالف القرآن ولا السنة، إنما هي تدخل في باب (السنن الحسنة) التي يُـثاب عليها مُسنِّـنُها في الإسلام والعامل بها، ذلك لأن النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم قد أذِن بذلك لأفراد أمته من المخلصين ومن أهل البصيرة والنظر، بل وقد حثَّهم على الإتيان بالسنن الحميدة في الإسلام في فروع العبادات وفي العادات التي لم تنزِل فيها آيات قطعية، سواء (في حياته صلى الله عليه وسلم أو من بعده) ما لم تتعارض تلك السنن التعبُّدية والعاداتية مع القطعيات الثابتة في القـــرآن والسنة.
وفي ذلك يقول سيدنا محمد عليه السلام (...من سنّ في الإِسلَامِ سُنَّة حَسنة فلهُ أَجرُها وَأَجر من عملَ بها من غيرِ أَن يَنقص من أُجورِهِم شيئًا. ومن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنّة سيِّئة فعلَيه وِزرهَا وَوزرُ من عملَ بِهَا من غَير أن ينقُصَ مِنْ أَوزارِهِمْ شيئًا )"(9).
فمن منطلق الفهوم الواسعة التي يختزلها هــذا الحديث الشريف فإن ما يأتي به أرباب الصوفية من الأذكار إذا ما تعـذَّر - أو استَعْصى - دخولها في باب السنن الحسنة التي يُؤجَرون عليها هم والعاملون بما جاؤوا به، فهي إذا من المستبعدات - طبقا للسنن الربانية والرحمة الإلهية- أن تكون تلك الأوراد والأذكار وِزْرًا يأثم عليها مُسنِّـنُوها والعاملون بها، وبهذا: فإنه إذا ما كان لشخص ما رخصة الإطلاق على أمثال هذه الأمور الدينية بـ: (البدعة الحسنة)، فإن لنا الحق في تسميتها كذلك بــ:(السنة الحسنة) بهذا الدليل الفائت المذكور الموصول.
فهي إذا كغيرها من السُنن الحسنة التي أتت في الإسلام من مجتهدي الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ( كجمع القرآن، وجمع الناس خلف إمام واحد في آخر الليل لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح، وكختم المصحف فيها وكقراءة دعاء ختم القرآن، وكخطبة الإمام ليلة سبع وعشرين في صلاة التهجد)، وغير ذلك الكثير مما لا تُعَّـد ولا تُحْصى من المستجدات في ديننا من التي إن لم تزد للعابد ثوابا وقُــرباً إلى الله ما أضرته في عبادته لله من شيء.
فـذكر الله باسمه الخالص الخالي من أية شبهات شركية لا يمكن أن يكون وزرا أو إثما بأي حال من الأحوال بموجب حكم نصوص القرآن والسنة.
فطالما أن الأوراد والأذكار التي أتت من أرباب الصوفية هي أوراد في ذكر الله واستغفاره وتسبيحه وتحميده، ولم ترد في القرآن آية تحرمها، و لا يرفضها حديث مرفوع، ولم يستدرك على تلك الأوراد ما يشير إلى ولوح أدنى تضارب بينها وبين الأصلين، إذا الأساس فيها هو جواز عبادة الله تعالى وذكره بها ما لم ترد هنالك نصوص قطعية صريحة تقول انها بدعة مرفوضة أو محرمة بالوحي المبين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- ( إِنَّ اللَّه فرض فرائِض فلا تُضيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدودًا فَلَا تعْتدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاء رَحْمَة لكم غَيْر نِسْيَان فَلَا تَبحَثُوا عَنهَا ) (10).
فنجد أن هذا الحديث فيما معانيها تشير بجلاء إلى أن بعض فروع العبادات الصوفية التي هي على الشاكلة التي أوردها بديع الزمان الشيخ سعيد (رحمه الله) والتي أدخلها البعض في باب البدع رغم وجود مشتقات لها في القرآن والسنة، هي في الحقيقة تندرج تحت بنود الأمور التي سكت الله عنها رحمة لامة محمد صلى الله عليه وسلم، الأمة التي جعل الله اختلافات أفرادها في بعض فروع الدين رحمة لهم، فلو كانت تلك الأمور التي هي محل جدل وخلاف وتجاذبات لها بالغ الخطورة في دنيا الناس وعلى العباد كما يُروِّجُ بعض من حمل لواء محاربة البدع بضراوة، لحرم الله ورسوله تلك البدع قبل بروزها؛ لأن الله هو علام الغيوب بالنافع والضار قبل حدوثه ووقوعه، وهو الذي لم يفرط في كتابه السماوي الخاتم من شيء إلا وذكره ذكرانا، وفصله تفصيلا. فسكوته تعالى عنها هو ورسوله الأكرم أدل دليل على إباحتها ما لم تخالف أصول القرآن والسنة كما أشارنا.
وإنما قلــت: أنه وبعد هذا البيان عن مراتب السنة من قبل نجمنا الساطع المجدد الفذ فريد زمانه بديع الزمان النورسي يتجلى لكل من أمعن نظره في سطور رسائل النور الامعة، وينبلج لكل من ألقى سمعه لأبعاد كلمات المؤلف (عليه رحمة الله) سراجا منيرا تستضيئ له إنارة التذكر- بصورة أرسخ ثباتا في الأذهان- أن السنة في حق من طبقها بإخلاص وبأسُسِها المعلومة هي بمثابة السفينة المُؤَمَّنَة السائرة برُكَّابها بلا وجل على بحر مسجور متلاطمة الأمواج نحو رضا الله ومحبتـه سبحانه.
فعلى خلفية إزاحة الشيخ بديع الزمان: (رحمه الله) الكثير من بئر الخلافات الناشبة بين المسلمين قديما وحديثا في الصفحات الغابرة في باب ماهية السنة ومراتبها وقواعد تطبيقها، ومبينا لنا صور البدع ومزالقها الخطيرة، نجده مرة أخرى يشير إلى منابع السنة المُطهَّرة، مضيفا لنا خلال ذلك قواعد هامة لا غنى عنها، من التي يجب مراعاتها أثناء تطبيق السنة خلال هذه المنابع. فيقول عليه رحمة الله في (النكتة الحادية عشرة من اللمعة الحادية عشرة) قال: "إن لسنة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثلاثة منابع، هي:- أقوالهُ، وأفعاله، وأحواله. وهذه الأقسام الثلاثة هي كذلك ثلاثة أقسام: الفرائض، النوافل، عاداته صلى الله عليه وسلم.
ففي قسم الفرائض والواجب، لا مناص من الاتباع، والمؤمن مجبَر على هذا الاتباع بحكم إيمانه. والجميع بلا استثناء مكلفّون بأداء الفرض والواجب، ويترتب على إهماله أو تركه عذاب وعقاب.
وأما في قسم النوافل، فأهل الإيمان هم مكلفَّون به أيضا حسب الأمر الاستحبابي، ولكن ليس في ترك النوافل عذاب ولا عقاب، غير أن القيام بها واتباعها فيه أجر عظيم وتغيير النوافل وتبديلها بدعة وضلالة وخطأ كبير"(11).
ويواصل الشيخ بديع الزمان رحمه الله سرده لمنابع السنة النبوية المطهرة وقواعد تطبيقها في الحياة فيقول:- " وأما عاداته صلى الله عليه وسلم وحركاته وسكناته السامية فمن الأفضل والمستحسن جدا تقليدهُا، واتباعها حكمة ومصلحة، سواء في الحياة الشخصية أو النوعية أو الاجتماعية، لأن هناك في كل حركة من حركاته الاعتيادية منافع حياتية كثيرة جدا فضلا عن أنها بالمتابعة تصير تلك الآداب والعادات بحكم العبادة" (12).
ويختتم الشيخ اطلالاته على هذا الفصل الهام عن عظمة السنة، وإلقائه الأضواء الساطعة الدالة أن في تطبيقها فوز وفي تركها جرم - بعبارات ترغيبية حارة لبِقَة تجْذِب القارئ والسامع إلى اتباع الهدي النبوي صلى الله عليه وسـلم وسنته الغــراء دون كلل أو تراخ أو تَلكُّئْ.
إذ يقــول رحمه الله:-" نعــم، مادام -عليه الصلاة والسلام- متصفا بأسمى مراتب محاسن الأخلاق، باتفاق الأولياء والأعــداء، وأنه صــلى الله عليه وسلم هو المصطــفى المختار من بين بني البشر، وهو أشهر شخصية فيهم باتفاق الجميع. وما دام هو أكمل إنسان، بل أكمل قدوة ومرشد بدلالة آلاف المعجزات. وبشهادة العالم الاسلامي الذي كونه، وبكمالاته الشخصية بتصديق حقائق ما بلغه من القرآن الحكيم. وما دام ملايين من اهل الكمال قد سموا في مراتب الكمالات، وترقوا فيها بثمرات اتباعه فوصلوا الى سعادة الدارين. فلابد أن سنة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وحركاته هي أفضل نموذج للاقتداء وأكملُ مرشد للاتباع والسلوك وأحكم دستور، وأعظم قانون، يتخذه المسلم أساسا في تنظيم حياته.
فالسعيد المحظوظ هو من له اوفر نصيب من هــذا الاتباع للسنة.
ومن لم يتبع السنة فهو في خســران مبين ان كان متكاسلا عنها.. وفي جناية كبرى ان كان غير مكترث بها .. وفي ضلالة عظيمة ان كان منتقدا لها بما يومئ التكذيب بــها " (13) .
حــقًا: إن كل ذي عقل موزون، وكل ذي بصيرة رشيدة لا تتقاطر على مسامعه هذه اللمعات النورسية عن السنة فيعْرِضُ عن تطبيقها الا وقد أثبت لنفسه وللعالمين شقاءه وبُعْـدَه عن الورود في الحوض النبوي الشريف، وبُعْـدَه عن الدخول في ظل شفاعته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
فلن يجد الانسان في هذا الوجود مرشدا يرشده الى ما يصلح حاله، أو قاعدا يقوده إلى حياة سعيدة أبدية أكثر من قواعد السنة المطهرة (14).
فلتتسابق النفوس والقلوب والأبدان إلى صيوان اتباع السنة المطهَّـرة، لنيل القُرْب من رحمة الرحمن في الدنيا، تلك الرحمة التي تعكسه شرف العيش في ظلال الهدي النبي الشريف عليه السلام.
ولْنَتَجَنَّب عواقب الإعراض عن السنة وسوء خواتم الإفراط فيها، فقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تمسك بسنتي وثبت نجا، ومن أفرط مرق، ومن خالف هلك» (15) .
فلنتسارع في كسب القرب من فلك النجاة، والركوب على سفينة شفاعة الشفيع يوم تبلى السرائر، تلك الشفاعة التي تعكس رحمة الرحيم في الآخرة يوم لا تنفع الأملاك ولا البنون إلا من جاء الرحمن يوم الحساب بقلب سليم. قال تعالى:﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾.(الواقعة من آية 10 – 11).
فلنسعى جاهدين إذا لنيل هــذا الربح العظيم والفوز الكبير بعد أن عرفنا قدره من خلال تلك الإيضاحات النورسية للسنة ومقاصدها ومراميها، والسبل وقواعد تطبيقها في العبادات والعادات والمعاملات.
وليسعى كل منا لنيل بركة اتباع السُنة، كل على قــدر الاستطاعة بعد ادراكنا مدى جلبها للسعادة في الحياة الدنيا، ومدى نفعها الخالد في الحياة الأبديـــة.
الفصـــل الثاني:
* - مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبياء.
لما كان العلماء والفقهاء هم ورثة الأنبياء الذين لم يرثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم(16) فإن من حق الأنبياء على أتباعهم من العلمــاء والفقهاء أن يبلِّغوا رسالات الله التي أوحى بها إليهم طبقا للمناهج التي بلغوا بها تلك الرسالات إلى أقوامهم.
فمناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء جِــدُّ كثيرة، نذكر أربعة منها في هذا المقام وهي:-
أولا:- الصدق الذي وصف الله به نبيه إسماعيل عليه السلام فقال فيه عز من قائل:﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴾ (ســـــورة مـــريم 54). وكما قال في حق نبيه إدريس عليه السلام، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾(سورة مريم 56).
ثانيا:- مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء هي الإخلاص الذي وصف الله به نبيه وكليمه موسى عليه السلام فقال فيه جل شأنه:﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (سورة مريم 51).
ثالثا:- مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء هي الصبر وأبعاد التحمل الذي وصف الله به نبيه أيوب عليه السلام فقال فيه جل جلاله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (سورة ص44).
رابعا:- مناهج التبليغ لدى أتباع الأنبــياء هي الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالبينة وبالتي هي أحسن، والابتعاد عن التشدد والغلو والإكراه في الدين، وتلك هي المناهج السامية التي أمر الله بها نبيه الخاتم عليه الصلاة والسلام فقال فيه عز من قائل:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ ( سورة النحل 125).
فلما كانت أساسيات أخلاق الأنبياء أنفسهم ومناهجهم في التبليغ منبثقة من هذه القيم المثلى المتمركزة في قاطبة مكارم الأخلاق، والتي تلخصها جواهر الصدق والإخلاص والحكمة والموعظة الحسنة، والصبر على أذى المعترضين الملحــدين والمارقين الكافـــرين، والبُعد عن كافة أشكال التضليل والإكراه في الدين، أو اللجوء إلى الرغبة في هداية الناس قسرا وجبرا. تلك الأوصاف الزكية التي تُـتَوِجُها لطف الأنبياء مع أقوامهم وتدرُجِهم معهم في تصحيح مفاسد العادات المتعلقة بحياة العامة والخاصة، وتوجههم إلى الله تعالى بخالص الدعاء للضالين منهم بالهداية، فإنه لا يحق لأتباعهم من المبلغين من بعدهم بأي حال من الأحوال – وتحت أي ظرف من الظروف وفي أي عصر من العصور - الخروج عن دوائر تلك المناهج السامية العتيقة في التبليغ.
فلا نجاح لأتباع الأنبياء في تبليغهم ما لم يتخذوا تلك القيم السالفة منهجهم في إقامة الحجج الدامغة الراسخة كالشمس المضيئة في كبد السماء على الخصوم من خلال حوار بناء واقناع بالبينة، وبالأخص في عصورنا المتأخرة هـــذه.
لكن الواقع الأليم في الميــادين يؤكد أن غالبية أتباع الرسل قد انحرفوا عن المسار الصحيح لمناهج رسلهم في التبليغ في الزمن الغابر وفي الحاضر على حد سواء، سواء تعلق الأمر باليهود والنصارى من جانب، أو تعلق بالمسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذه العصور من عمر الرسالة الخاتمة من جانب آخر.
وتلك الوقائع الأليمة هي مصداق قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ (سورة مــــــريم 59).
فقد نحت اليهود والنصارى منحى التضليل والأكاذيب والنفاق والخداع والجور، فخالفوا بذلك منهج الصدق والإخلاص الذين كان عليهم أنبياءهم، بطمسهم الحق وجعلهم الباطل منهجهم، وعَيْـشهم في الزور وفي أكـل الربا وفي مفاسد الأخلاق الاجتماعية والاقتصادية، فبدلوا رسالات الرسل، وتجرؤوا على الله في تحريم الحلال وإحلال المحرمات. فأماتوا ما كان حيا وأحيوا ما لم يكن كائنا في أديان أنبيائهم.
وفيهم يقول بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله:-" أما﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ فالمراد منه الذين تجاوزوا بتجاوز القوة الغضبية فظلموا، وفسَقوا بترك الأحكام، كتمردّ اليهود ولما كان في نفس الفسق والظلم لذةٌ منحوسة وعزةٌ خبيثة لا تتنفرّ منه النفسُ، ذكَرَ القرآنُ عاقبتهَ التي تُنَّفر كل نفسْ وهي نزُوُل غضبهِ تعالى. واختار الاسم الذي من شأنه الاستمرار، إشارةً إلى أن العصيان والشر إنما يكون سمةً إذا لم ينقطع بالتوبة والعفو.
أماّ ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ فالمراد منه الذين ضلُّوا عن الطريق بسبب غلبة الوَهْم والهوى على العقل والوجدان، ووقعوا في النفاق بالاعتقاد الباطل كسفَسطة النصارى. اختار القرآنُ نفس صفتهم، لأن نفس الضلالة ألمٌ يُنَّــفر النفسَ، ويجتنب منه الروح وإن لم ير النتيجةَ واسماً لأن الضلالة إنما تكون ضلالة إذا لم تنقطع. واعلم أن كل الألم في الضلالة، وكل اللذة في الإيمان"(17).
كما نحى بعض المسلمين كذلك مَنْحى الغلو المفرط والإكراه والعنف المهلك في سبيل تبليغ كلام الله الذي أوحى به إلى رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. فضاعت الحكمة والموعظة الحسنة والإخلاص والروية من منهجهم فأضروا إلى منهج التبليغ أيما ضرر.
كالخوارج وغيرهم من المغالين من أهل الطيْش المفرط من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. الذين يقول فيهم الشيخ النورسي (رحمه الله) في اللمعة الرابعة عشرة:- قال: "نعم، إن الخوارج وأتباع الأمويين المغالين بتفريطهم في حق سيدنا علي رضي الله عنه وتضليلهم له وإفراط الشيعة وغلوهِّم وبدعهم وتبريهّم من الشيخين مع وقوع الفاجعة الأليمة على الحسين رضي الله عنه، قد أضر أهل الإسلام أيماّ ضرر، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ينجي بهذا الدعاء والعباء(18) عليا والحسين من المسؤولية والتهُم، وينقذ أمتهَ من سوء الظن في حقهما كما يهنئ - من حيث مهمة الرسالة - الحسن الذي أحسن إلى الأمة بالصلُح الذي قام به، ويعلن أن النسل المبارك الذي يتسلسل من فاطمة سينالون شرفا رفيعاً، وأن فاطمة ستكون كريمة من حيث ذريتها كما قالت أم مريم في قوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ ( آل عمران36)..."(19).
فهذه المناهج الشاذة التي لجأ إليها كل هــذه الأطراف المشار إليها كلها مخالفة لمناهج الأنبياء التي كان يجب على أتباعهم اتباعها بلا تبديل، وخاصة أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، الذين تخلى معظمهم عن أكبر الاجزاء أممية من منهج رسولهم الرصين في الدعوة والتبليغ، ألا وهي جزئية الحكمة وجزئية الإخلاص، فعمت الكراهية والتكفير بين صفوف المسلمين في العالم الإسلامي بسبب رغبة معظم المبلغين من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم في احتكار الصواب المطلق.
فطمعت كل فرقة في أن تكون جماعتها فقط هي مرجعية كل المسلمين، وأن يكون قاعد تلك الفرقة هو إمام الأمة في الفكر والرأي، فترى أن أي ارشاد في الدين يجب أن يكون ارشادهم الذي يُستمّعُ إليه دون غيره من عظات أهل التبليغ والاجتهاد والاستنباط.
فتجد أحدهم يتصرف في الدين فكأنما هو فقط من يفهم القرآن والأحاديث النبوية، حاملا الثقل والثقة الزائدة في النفس التي توحي أنه هو من يهدي الناس بإرشاده المحض قهرا، بعيـــدا عن إرادة الله ومشيئته سبحانه وتعالى. ناسيا أن ذلك مناقض ومخالف تماما لمنهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي مثل تلك المواقف التي تعد خارجة عن دوائر مناهج التبليغ المحمودة المقبولة، يقول أستاذنا بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله) "...الذي يسوق أهل الهداية إلى سوء استعمال علو الهمة وبالتالي إلى الاختلاف والغيرة والحسد، إنما هو المبالغة في الحرص على الثواب الأخروي – الذي هو في حد ذاته خصلة ممدوحة – وطلب الاستزادة منها دون قناعة وحصرها على النفس. وهذا يستدرج الحريص شيئا فشيئا حتى يصل به الأمر إلى أن يتخذ وضعا منافسا إزاء أخيه الحقيقي الذي هو بأمس الحاجة إلى محبته ومعاونته وأخُوته والأخذ بيده كأن يقول -مثلاً- لأغنم أنا بهذا الثواب، ولأرشد أنا هؤلاء الناس وليسمعوا مني وحدي الكلام، وأمثالها من طلب المزيد من الثواب لنفسه أو يقول: لماذا يذهب تلاميذي إلى فلان وعلان؟ ولماذا لا يبلغ تلاميذي عدد تلاميذه وزيادة ؟ فتجد روح الأنانية لديه - بهذا الحوار الداخلي- الفرصة سانحة لترفع رأسها وتبرز، فتسوقه تدريجيا إلى التلوث بصفة مذمومة، تلك هي التطلع إلى حب الجاه، فيفوته الإخلاص وينسد دونه بابه. بينما ينفتح باب الرياء له على مصراعيه..."(20).
ولقد وضَّح الشيخ بديع الزمان(رحمه الله) لأبناء الأمة الحلول الناجعة لتلك المشكلة، مبيناً كيــف هو السبيل إلى التخلص من تلك الأمراض الهدامة لقضية الدعوة والتبليغ فقــال في (اللمعة العشرين): "إن عـلاج هذا الخطأ الجسيم والجرح البليغ والمرض الروحي العضال هو: العلــم بأن رضى الله لا ينُال إلا بالإخلاص، فرضاه سبحانه ليس بكثرة التابعين ولا باطراد النجاح والتوفيق في الأعمال، ذلك لأن تكثير التابعين والتوفيق في الأعمال هو مما يتولاه الله سبحانه بفضله وكرمه، فلا يُسْأل ولا يُطْلب، بل يؤتيه الله سبحانه من يشـاء".
إلى أن أضاف في ذات اللمعة قائلا:- (رحمه الله) "...إن الإخـلاص في العمل ونشدان الحق فيه إنما يعُرف بصدق الرغبة في إفادة المسلمين عامة، أيا كان مصدر الاستفادة ومن أي شخص صدر، وإلا فحصر النظر بأن يؤخذ الدرس والإرشاد مني فقط لأفوز بالثواب الأخروي هو حيلة النفس وخديعة الأنانية " (21)...(22).
فهذه اللمعات الثاقبة تؤكد لكل حاذق مدى أهمية وجود الحِكْمة والإخلاص في مناهج التبليغ وسط الدعاة من اتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم(23).الذين تجدهم اليوم في ميادين الدعوة يبالغون في التشدد على الناس، فكأنما يرغبون في هداية الناس بأنفسهم أو محاسبتهم في الدنيا وفي الآخر، دون إدراك منهم أن كلا المنهجين يشكلان تدخلا سافرا في شؤون الله وحكمه سبحانه وتعالى، ودون أن يعلموا أنهم بذلك يبددون أجورهم بمخالتهم منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة، فلقد كان الرسول مُبلِّغا وليس مُهْتديا ولا محاسبا على من يشاء من الناس، لأنه بُعث مبشرا ونذيرا وليس حاكما على العباد، قال تعالــى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ( آل عمـــران 20).
فعلى المخالفين لمنهج النبوة في التبليغ أن يعلموا أن أمرهم ذاك من شأنه أن يهدم كل قيم الإخلاص في دعوتهم إلى دين الله تعالى.
فرسائل النور لمؤلفها الأستاذ بديع الزمان (رحمه الله) تضع للدعاة والمبلغين اليوم أحسن علاج لهذه المعضلة العويصة التي تضر بالدعوة.
وذلك في حيثيات حث الشيخ لتلاميذ رسائل النور وأبناء الأمة قاطبة على ضرورة الإلتزام بالمنهج النبوي في نشر الرسائل وفي تبليغ رسالة القرآن والسنة بوجه عام إذ يقـــول رحمه الله:-" يزاد حماس بعض الإخوة وشوقهم إلى (رسائل النور) باستجابة الناس لها، فينشطون أكثر.. ولكن عندما لا يستجيب لها الناس، تفتقر قوة الضعفاء المعنوية وتنطفئ جذوة شوقهم. والحال أن سيدنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو الأستاذ الأعظم ومقتدى الكل والرائد الأعلى قد اتخذ الأمر الإلهي:﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾( النور 54) دليلا ومرشدا له، فكلما أعرض الناس عن الإصغاء وتولّوا عنه ازداد جهادا وسعيا في سبيل التبليغ لأنه علَمِ يقينا أن جعل الناس يصغون ويهتدون إنما هو من شؤون الله سبحانه، وفق الآية الكريمة: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ (القصص 56). فما كان يتدخل صلى الله عليه وسلم في شؤونه سبحانه.
لذا فيا إخوتي! لا تتدخلوا في أعمال وشؤون لا تعود إليكم ولا تبنوا عليها أعمالكم ولا تتخذوا طور الاختبار تجاه خالقكم"(24).
وبهذه القاعدة التامة الأصيلة التي يهديها الشيخ النورسي (رحمه الله) للمبلغين الراجين لقاء الله لنيل ثواب عملهم ننهي هذا الفصل الهام من هذا البحث، ولله الحمد والمنة.
الفصـل الثالث:-
* - الدروس والعظات التي يجب إدراكها من قصص الأنبياء في النصوص المقدسة.
لقد جعــل الله سبحانه وتعالى من قصص الأنبياء مواعظ كبــرى لأتباعهم في زمنهم خاصة، ولعباد الله عامة في كل عصر ومصر، ليقتبس السابقون واللاحقون من تلك القصص قبسات إيمانية تعود إليهم بالنفع في شؤونهم الدنيوية والأخروية على حد سواء، فمن تدبر أعماق تلك القـصص المترامية في نصوص القرآن والسنة المطــهرة وجد أن عدالة الله وميزانه الذي وضعه من لدن بدأ الخليقة لا يزال قائما إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
فقد أفلح المصدِّقون وسَعِــدوا إذا ما عملوا بعمل أهل السعادة الوارد ذكرهم في تلك القصص، وخاب وخسر المكذِّبون إذا ما نهجوا نهج الأشقياء الهالكين ممن ورد ذكر شأنهم وعاقبة أمرهم في قصص الأنبياء في النصوص المقدسة(25).
فالدروس والعظــات التي ندركها من قصص الأنبياء لا تعـُـدُّها الأرقام ولا تُحْصيها السُّطور، لكننا نذكر بعضا منها في هذا المقام من منظور رسائل النور وهـــي:-
أولا:- إذا ما تطـرقنا إلى قصة سيــدنا آدم عليه السلام (على سبيل المثال لا الحصر) فإننا سندرك من خلالها أهمية العلم بالنسبة للإنسان في هذا الكون، وندرك كيف أن الله تعالى بالعلم رفع قدر نبيه آدم عليه السلام، وعلا من شأنه أمام جمهور الملائكة إلى أبد الدهر، فنستفيد من تلك القصة التي أوردها الخالق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وشرحتها السنة المطهرة في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ندرك ونستفيد من هذه الواقعة كيف أن العلم ضروري في حياة الإنسان، وأن طلبه مطلب شرعي في غاية الالحاح، وأن العلم ليس له حدود كلما كان شرعيا ونافعا، ونُـدْرك أن من منَّ الله تعالى عليه بالعلم نال أعالي الدرجات والمقامات في الدنيا والآخرة.
وفي ذلك يقول شيخنا بديع الزمــان (رحمه الله) في النكتة الأولى من الكلمة العشرين: " فالآية الكريمة: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ تُبين أن تعليم الأسماء معجزة من معجزات سيدنا آدم عليه السلام تجاه الملائكة، إظهــارا لاستعداده للخلافة، وهي وإن كانت حادثة جزئية إلا أنها طرف لدستور كلي هو: أن تعليم الإنسان – المالك لاستعداد جامع – علوما كثيرة لا تحد، وفنونا كثيرة لا تحصى حتى تستغرق أنواع الكائنات، فضلا عن تعليمه المعارف الكثيرة الشاملة لصفات الخالق الكريم سبحانه وشؤونه الحكيمة .. إنّ هذا التعليم هو الذي أهَّل الإنسان لينال أفضلية، ليس على الملائكة وحدهم، بل أيضا على السماوات والأرض والجبال في حمل الأمانة الكبـــرى"(26).
ثانيا:- نجد أن ذات العظات والدروس المستفادة تتكرر بكل قوة وبكل تنوع في كل قصة من قصص الانبياء في القرآن، إلى درجة أنه حتى في تكرار قصة بعينها عدة مرات في القرآن فإن ذلك في حد ذاتها عبر ودروس وعظات لا تنضب (27).
ثالثا:- من الدروس والعظات التي يجب إدراكها في قصص الأنبياء هو ضرورة المعرفة أن عدالة الله تعالى ينقسم إلى شقين عظيمين، أولهما:- عدالة تضع سائر المخلوقات في ميزان عدل الله على قدم المساواة في تقسيم الأرزاق.
وثانيهما: عدالة تأديبية تخص المتمردين من عباده سبحانه وتعالى .
فالله جل جلاله إذا أطعم الخلائق وسقى الناس والشجر والدواب فإنما ذلك بحكم عدله الشمولي المنزه عن الظلم في أصغر صوره في الأرزاق، وكيف لا وقد عاهد على ذاته العلية بذلك إذ قال وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود 6).
أما إذا ما عاقب المكذبين من أقوام الأنبياء وأتباع الرسل الكرام، كإهلاكه قوم نبيه صالح عليه السلام، حين ذكر في قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾ (الحــاقة 5)، أو إهـلاكه سبحانه قوم نبيه هود عليه السلام، حين أخبر في قوله:﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾(الحاقة6)، فإنمــا ذلك بموجب سننه الزاجرة وبحكم قوانينه الكونية في تأديب العصاة من المنكرين بعد الإنذار والتنذير"(28).
رابعــًا:- من العظات أيضا في قصص الأنبياء عليهم السلام هي أننا إذا دققنا النظر في إخبار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن تلك القصص ذاتها نجد أن في ذلك دروس كبرى، أهمها إثبات صدق نبينا محمد عليه السلام، والتأكيد للعالمين كيف أنه نبي له صلة وثيقة برب السماوات والأرض، فلا ينطق عن الهوى إنما يُخبر بما يُوحى إليه من فوق سبع السماوات.
وهذا ما يوضحه شيخنا المغوار بديع الزمان (رحمه الله ) بجلاء في اربع نكــات أساسية فيقول ما نصه:- " اعلم أن صحيفة الماضي المشتملة على قصَصَ الأنبياء المذكورة على لسانه عليه السلام في القرآن برهان على نبوتّه بملاحظة أربع نكات إحداهـــا: أن من يأخذ أساسات فن ويعرف العقد الحياتية فيه ويُحسِن استعمالها في مواضعها ثم يبني مدَّعاه عليها؛ يدل ذلك على مهارته وحذاقته في ذلك الفن.
النكتة الثانية: هي أنك إن كنت عارفا بطبيعة البشر لا ترى أحدا يتجاسر وبلا تردد وبلا مبالاة بسهولة على مخالفة وكذب ولو صغيراً في قوم ولو قليلين في دعوى ولو حقيرة.. بحيثية ولو ضعيفة، فكيف بمَن له حيثية في غاية العظمة وفي دعوى في غاية الجلالة في قوم في غاية الكثرة.. في مقابلة عناد في غاية الشدة مع أنه أميّ لم يقرأ.. يبحث عن أمور ليستقلّ فيها العقلُ ويُظهرها بكمال الجدية، ويعلنها على رؤوس الأشهاد أفلا يدلّ هذا على صدقه وأنه ليس منه بل من الله ؟
الثالثة: هي أن كثيرا من العلوم المتعارفة عند المدنَيين - بِتعليم العادات والأحوال وتلقين الوقوعات والأفعال- مجهولةُ نظريةُ عند البدويين فبناءً عليه البد لمَن يحاكِمِ ويتحرى حال البدويين - لا سيما في القرون الخالية- أن يفرض نفسهَ في تلك البادية.
الرابعة: هي أنه لو ناظر أمي علماء فنٍّ - ولو فنَّ الصرف- ثم بيَّن رأيه في مسائله مصدِّقا في مظان االاتفاق، ومصحِّحًا في مطارح الاختلاف؛ أفلا يدلُّك ذلك على تفوُّقه، وأن علمه وهبي؟ " (29).
فقصص الأنبياء في القرآن الكريم كلها مليئة بعظات ودروس وعبر لا يتسع المجال هنا لسردها وبيانها، فما ذكرناه هنا في عجالة من إشارات الشيخ بديع الزمان (رحمه الله) من منظور رسائل النور لخير شاهد على سعة هذا الباب وأهمية المقام وبالغ منافعه.
الفصــــل الرابع:-
- الحلول التي يقدمها مناهج النبوة للمشــاكل ولا سيما مشاكل العصر الحديث.
إن مناهج سائر الأنبياء بلا استثناء تقدم حلولا جذريا لمشاكل الدنيا كلها، وتضع بلسما فعالا دائما لكافة آلام أهل الأرض، وتحُدُّ من تفاقم هموم أهلها وغمومهم بل تنهيها بشكل نهائي كلما وُسع لها مجال في دنيا الناس.
فلقد قدمت تلك المناهج النبوية المقدسة حلـولا لمشاكل العقيدة والعبادات والمعاملات لعصور غبرة ولعصرنا هذا، ووضعت علاجات للقضايا الاجتماعية والاقتصادية، وأوجدت قوانين صارمة في قضايا الأمن والسلم والدماء.
ونشرت قيم التسامح والمودة والوئام بين القبائل والشعوب، ليتعايشوا في عالم يسوده السلام والرخاء والمحبة والاحترام المتبادل بين كل الأمم على وجه الأرض.
أما قضايا الظلم و أشكال الاستبداد فمنهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو منهج القرآن ومنهج الدين الخاتم قد عالجها جميعها (30).
وأما المشاكل الاقتصادية وكافة اشكال الجشع المسبب للجوع والفقر والامراض والبطالة والأحقاد والصراعات وغيرها، فقد أوجد المنهج النبوي حلولا رادعة لجميعها وذلك بفريضة الزكاة، وبتحريم الربا والرأس مالية الظالمة في سائر أنواع التعاملات المالية في العالم.
ويلخص الشيخ بديع الزمان (رحمه الله) تلك الدرر القرآنية في تعبير دقيق بمنتهى الروعة فيقول: "إن المدنية بكل جمعياتهِا الخيرية، وأنظمتها الصارمة ونظُمُها الجبارة، ومؤسساتهِا التربوية الأخلاقية لم تستطع أن تعارض مسألتين من القرآن الكريم، بل انهارت أمامهَما وهي في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾(البقرة:43). و﴿ وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة:275).
ثم قال رحمه الله: " سنُبين هذا الظهور القرآني المعجز وهــذه الغالبية بمقدمة: إن أساس جميع الاضطرابات والثورات في المجتمع الإنساني إنما هو كلمة واحدة، كما أن منبع جميع الأخلاق الرذيلة كلمة واحدة أيضا. كما أثبت ذلك في «إشارات الإعجاز».
الكلمة الأولى: «إن شبعتُ، فلا عليَّ أن يموت غيري من الجوع»
الكلمة الثانية: «اكتسبْ أنتَ، لآكل أنا، واتعبْ أنت لأستريح أنا»
نعم، إنه لا يمكن العيش بسلام ووئام في مجتمع إلا بالمحافظة على التوازن القائم بين الخواص والعوام، أي بين الأغنياء والفقراء. وأساس هذا التوازن هو رحمةُ الخواص وشفقتُهم على العوام، وإطاعةُ العوام واحترامهُم للخواص.
فالآن، إن الكلمة الأولى قد ساقت الخواصَّ إلى الظلم والفساد، ودفعت الكلمة الثانية العوام إلى الحقد والحسد والصراع. فسُـلبت البشرية الراحة والأمان لعصور خلت، كما هو في هذا العصر، حيث ظهرت حوادث أوربا الجسام بالصراع القائم بين العاملين وأصحاب رأس المال كما لا يخفى على أحد.
فالمدنية بكل جمعياتها الخيرية ومؤسساتها الأخلاقية وبكل وسائل نظامها وانضباطها الصارم عجزتْ عن أن تصلح بين تينك الطبقتين من البشر، كما عجزت عن أن تضمد جرحَي الحياة البشرية الغائِرَين.
أما القرآن الكريم فإنه يقلع الكلمة الأولى من جذورها، ويداويها بوجوب الزكاة.
ويقلع الكلمة الثانية من أساسها ويُداويها بحرمة الربا. نعــم، إن الآيات القرآنية تقف على باب العالَم قائلة للربا: « الدخول ممنوع » وتأمر البشرية: «أوصدوا أبواب الربا لتنسد أمامكَم أبواب الحروب» وتحذر تلاميذ القرآن المؤمنين من الدخول فيها "(31).
فهذه الحلول الناجعة التي وضعها كتاب الله - الذي هو الدستور ومنهج نبينا- في حل قضايا الظلم والاضطهاد والاقتصاد والجوع والفقر، فإنه بمثله وضع حلولا لكل المشاكل التي تعانيها الأمة من مشاكل اجتماعية ومن ظواهر الغلو والتطرف وإراقة الدماء بغير أوجه حق، والتي تتنافى جملة وتفصيلا مع مناهج نبينا محمد عليه السلام.
فـإذا كانت هذه الحلول الجبارة كلها موجودة في منهاج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن السؤال العظيم الذي يطرح نفسه هو لماذا تراوح مشاكل المسلمين منذ قرون مكانها دون حلول، والحلول الأمثل موجودة بين أيديهم في منهج نبيهم ؟
فالجواب هو: أن سبب التأخر في الاستفادة من تلك الحلول تمكن في داء القلوب الخبيثة التي أصابت الأمة، فبيــد أن مسببات هذه المشاكل المهلكة المميتة كلها تكمن في فساد القلوب التي غزتها الحقد والحسد والنهم والأنانية.
فالحل الأول إذا: يَكْمُن في مداواة القلوب وتطهيرها من تلك الأدناس الدفينة. التي تُتَوجها التمرد والإعراض عن مناهج النبــوة والبحث عن الحلول من غيـرها التي تفْتـقِـر إلى مقومات الاصلاح الفعَّال والــدائم .
فقلــت: أن الأمل في صلاح الحال وعلاج أمراض القلوب وتضميد الجراح وحلِّ المشاكل موجود بإذن الله ثم بفعل الصحوة الإســلامية وانتشار علومها البراقة التي لا تقاوم.
الأمــل موجود بدوافع إقامة المؤتمرات العلمية العالمية التي تعيد لكتب التراث ومؤلفاتها الثمينة دورها في ابراز الحق للشعوب المسلمة من التي على شاكلة كنــوز رسائل النور ومؤتمراتها .
الأمــل موجود بفعل الثورة التكنولوجية التي سخرها الله لخدمة الإسلام على حين غفلة من مبتكريها، بحيث تحمل حقائق الإسلام وجواهرها الفذة إلى عقر ديار المعترضين بلا حدود مانعة حاجزة.
إن الأمــل في حل مشاكل الكون ومداواة جروح سكانها بمنهج نبي الإسلام موجود، وسوف ينتصر الحق على الباطل عاجلا أم آجلا بإذن الله تعالى.
وفي ذلك يقول النورسي (رحمه الله )"... لما كان المهيمن هو الحق والبرهان والعقل والشورى في خير القرون وعصور السلف الصالح، لم يك للشكوك والشبهات موضع، كذلك نرى أنه بفضل انتشار العلوم في الوقت الحاضر وهيمنتها بصورة عامة - وفي المستقبل هيمنة تامة إن شاء الله - سيكون المهيمن هو الحق بدلاً من القوة، والبرهان بدلاً من التعصب والسفسطة، والحمية بدلا من الأحاسيس المادية، والعقل بدلاً من الطبع، والهدى بدلاً من الهوى، كما كان الحال في القرون الأولى والثانية والثالثة وحتى إلى القرن الخامس عامة أما بعد القرن الخامس، إلى الآن فقد غلبت القوة الحق.
ومن محاسن سلطان الأفكار أن تخلّصت شمس الإسلام مما كان يحجبها من غيوم الأوهام والخيالات، بل أخذت كل حقيقة منها بنشر نورها، حتى المتعفنون في مستنقع الإلحاد أخذوا يستفيدون من ذلك النور.
ومن محاسن مشاورة الأفكار تأسس المعتقدات والمسالك على البراهين القاطعة، وربط الحقائق بالحق الثابت الممدِ للكمالات كلها، مما يؤدي إلى عدم تمويه الأفكار وخداعها بإلباس الباطل لباس الحق.."(32).
وهذا – والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ (البقـــرة 32).
-----------------------
قائمة المراجــع
- القــــرآن الكـــريم.
- كتب السنة النبوية.
- فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل.
- الإبانة الكبـــرى، لابن بطة العكبري.
- كليات رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي.
- مجلد "الكلمـــات".
- مجلد "المكتوبات".
- مجلد "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز".
- مجلد "اللمعـــات".
- مجلد "الشعاعات".
- مجلد "صقيل الإسلام".
- مجلد "المثنوي العربي النــوري".
------------------------------
(1) انظر في كليات رسائل النور للمؤلف بديع الزمان الأستاذ سعيد النورسي (رحمه الله) ج 3- مجلد "اللمعات" اللمعة الحادية عشرة، ص 85 ، الطبعة السادسة 2011، لدار سوزلر للنشر القاهرة ج م ع.
(2) انظر في كليات رسائل النور ج 6 - مجلد " المثنوي العربي النوري" ذيل القطرة؛ ص 170- 171.
(3) الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 5/315؛ وابن عدي في الكامل 2/327؛ والبيهقي في الزهد ص 118؛ وأبو نعيم في حلية الأولياء 8/200؛ والمنذري في الترغيب والترهيب 1/41؛ والمناوي في فيض القدير 6/261. انظر في حاشية مجلد اللمعات ص 73.
(4) انظر كليات رسائل النور للمؤلف بديع الزمان الأستاذ سعيد النورسي (رحمه الله) ج 3 - مجلد "اللمعات" اللمعة الحادية عشرة، ص 73، الطبعة السادسة 2011، لدار سوزلر للنشر القاهرة ج م ع.
(5) انظر المرجع السابق 3/ 78.
(6) المرجع السابق 3/ 77- 78.
(7) المرجع السابق 3/ 81.
(8) المرجع السابق 3/ 81.
(9) أخرجه النسائي في سننه 8/ 329 من حديث المنذر بن جرير. والإمام أحمد في مسنده 39/ 166.
(10) أخرجه الدار قطني من حديث أبي ثعلبة رفعه ( انظر فتح الباري20/340 لأبن حجر العسقلاني، وأخرجه في كتابه "المطالب العالية" 8 / 379 وقال رجاله ثقات.
(11) انظر كليات رسائل النور ج 3 - مجلد "اللمعات" اللمعة الحادية عشرة، ص 85 ، و قد سبق ذكره.
(12) المرجع السابق 3/ 85.
(13) المرجع السابق 3/ 85 - 86.
(14) وفي ذلك يقول الشيخ سعيد (رحمه الله) في النكتة السابعة من اللمعة الحادية عشرة ما نصه:- " إن السنة النبوية المطهرة في حقيقة أمرها لهي أدب عظيم، فليس فيها مسألة إلا وتنطوي على أدب ونور عظيم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال {أدبني ربي فأحسن تأديبي}(3) نعم، فمن يمعن النظر في السيرة النبوية ويحط علما بالسنة المطهرة، يدرك يقينا أن الله سبحانه وتعالى قد جمع أصول الآداب وقواعدها في حبيبه صلى الله عليه وسلم، فالذي يهجر سُنته المطهرة ويجافيها فقد هجر منابع الأدب وأصوله، فيحرم نفسه من خير عظيم، ويظل محروما من لطف الرب الكريم، ويقع في سوء أدب وبيل ويكون مصداق القاعدة: بي أدب محروم باشد أز لطف رب..." انظر مجلد "اللمعات" ص 78- 79.
(15) أخرجه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى 1/ 156.
(16) أخرج الإمام أحمد في مسنده في حديث رقم 20723 - فقال حدثنا محمد بن يزيد أنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن كثير بن قيس قال قدم رجل من المدينة إلى أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك أي أخي؟ قال حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أما قدمت لتجارة قال لا، قال أما قدمت لحاجة، قال لا قال ما قدمت إلا في طلب هذا الحديث، قال نعم ، قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، "إن العلماء هم ورثة الأنبياء لم يرثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر".
(17) انظر في كليات رسائل النور ج 5- مجلد "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" ص 34-35 ، الطبعة السادسة 2011، لدار سوزلر للنشر القاهرة ج م ع.
(18) يقصد الشيخ بديع الزمان في هــذا المقام مقاصد قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب33).
(19) انظر كليات رسائل النور ج 3- مجلد "اللمعــات" ص ،131- 132 .
(20) المرجع الســابق ص 211.
(21) المرجع السابق ص 211.
(22) ولقد ذكر الشيخ بديع الزمان قاعدة عظيمة تنصب في صالح ضرورة استجماع الإخلاص في مساعي علماء الأمة والدعاة والمبلغين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يتطلب الابتعاد عن التنافس المذموم حول أجر الدنيا الزائلة، وقد آثرت الإشارة إليها في هذه حاشية لأهميتها في هذا المقام الذي نحن بصدده إذ يقول(رحمه الله)" أما أهل الدين وأصحاب العلم وأرباب الطرق الصوفية فإن وظيفة = كل منهم متوجهة إلى الجميع، وأن أجرتهم العاجلة غير متعينة وغير متخصصة، كما أن حظهم من المقام الاجتماعي وتوجه الناس إليهم والرضى عنهم لم يتخصص أيضاً فهناك مرشحون كثيرون لمقام واحد، وقد تمتد أيد كثيرة جدا إلى أية أجرة مادية كانت أو معنوية ومن هنا تنشأ المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة؛ فيتبدل الوفاق نفاقا والاتفاق اختلافا وتفرقاً، فلا يشفي هذا المرض العضال إلا مرهم الإخلاص الناجع، أي أن ينال المرء شرف امتثال الآية الكريمة: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (يونــس72) بإيثار الحق والهدى على اتباع النفس والهوى، وبترجيح الحق على أثرَة النفس وأن يحصل له امتثال بالآية الكريمة: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النــور54) باستغنائه عن الأجر المادي والمعنوي، المقبلينَ من الناس مدركا أنَ استحسان الناس كلامهَ وحسن تأثيره فيهم ونيل توجههم إليه هو مما يتولاه الله سبحانه وتعالى ومن إحسانه وفضله وحده، وليس داخلا ضمن وظيفته التي هي منحصرة في التبليغ فحسب بل لا يلزمه ذلك ولا هو مكلف به أصلاً فمن وفقّه الله إلى ما ذكُر آنفا يجد لذة الإخلاص، وإلا يفوته الخير الكثير. انظر مجلد اللمعات، ص 208.
(23) في ثنايا شجبه ودحضه مناهج الغلو والإكراه في التبليغ في اوساط اتباع محمد صلى الله عليه وسلم يقول بديع الزمان (عليه رحمة الله ):" فيا من يحرص على المزيد من الثواب ولا يقنع بما قام به من أعمال للآخرة! اعلم أن الله سبحانه قد بعث أنبياء كراماً، وما آمن معهم إلا قليل ومع ذلك نالوا ثواب النبوة العظيم كاملا غير منقوص، فليس السبق والفضل إذن في كثرة التابعين المؤمنين، وإنما في نيل شرف رضى الله سبحانه، فمنَ أنت أيها الحريص حتى ترغب أن يسمعك الناس كلهم، وتتغافل عن واجبك وتحاول أن تتدخل في تدبير الله وتقديره؟ اعلم واجبكَ، ولا تحاول أن تتدخل في تدبير الله وتقديره اعلم أن تصديق الناس كلامك وقبولهم دعوتك وتجمعهم إنما هو من فضل الله يعطيه من يشاء، فلا تشغل نفسك فيما يخصه سبحانه من تقدير وتدبير، بل اجمع همك في القيام بما أُنيط بك من واجب". انظر مجلد اللمعات، ص 211-212.
(24) المرجع السابق ص 182 – 183 .
(25) يقول بديع الزمان الشيخ سعيد النورسي رحمه الله في حيثيات تناوله قصة سيدنا آدم عليه السلام قال: " اعلم أن هذه معجزة آدم تحُدُيِّت بها الملائكة، بل معجزة نوع البشر في دعوى الخلافة إن في القصصَ لعبِراً. ثم إني نظرا إلى ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعـــام:59) ومستنـــدا إلى أن التنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه كذلك يعلمّك بإشارته ورموزه، لأفَهم من إشاراتِ أستاذية إعجاز القرآن في قصَصَ الأنبياء ومعجزاتهم التشويق والتشجيع للبشر على التوسل للوصول إلى أشباهها؛ كأن القرآن بتلك القصص يضع إصبعه على الخطوط الأساسية ونظائر نتائج نهايات مساعي البشر للترقي في الاستقبال الذي يبُنى على مؤسسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل، وكأن القرآن يمسح ظهر البشر بيد التشويق والتشجيع قائلا له: اسع واجتهد في الوسائل التي توصلك إلى بعض تلك الخوارق! أفلا ترى أن الساعة والسفينة أول ما أهدتهْما للبشر يد المعجزة". انظر كليات رسائل النور مجلد "إشارات الإعجاز في مظان الايجاز " ص 235.
(26) انظر كليات رسائل النور مجلد "الكلمات" ص 271. وفي هذه القصة يضيف الشيخ فيقول: "فجملة ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أي صوَّره بفطرة تضمنت مبادئ أنواع الكمالات، وخلقه باستعداد زرع المعالي، وجهزه بالحواس العشر وبوجدان تتمثل فيه الموجودات، وأعده بهذه الثلاثة لتعلُّم حقائق الأشياء بأنواعها ثم علمه الأسماء كلها. و الواو فيها إشارة إلى الجمل المطوية تحت إيجازه كما مرّ. و{وَعَلَّمَ} فيه إشارة إلى تنويه العلم ورفعة درجته وأنه هو المحور للخلافة .. وكذا رمز إلى أن الأسماء توفيقية. ويؤيده وجود المناسبة المرجحة للوضع – في الأغلب – بين الأسماء والمسميات .. وكذا إيماء إلى أن المعجزة فعلُ الله بلا واسطة خلافا للفلاسفة الذين يقولون: (إن الخوارق أفعال للأرواح الخارقة).." انظر مجلد "إشارات الإعجاز في مظـان الإيجاز" ص 238.
(27) وفي ذلك يقول بديع الزمان (رحمه الله): (ومن المكررات القرآنية «قصص الأنبياء» عليهم السلام، فالحكمة في تكرار قصة موسى عليه السلام - مثلا- التي لها من الحكِم والفوائد ما لعصا موسى، وكذا الحكمة في تكرار قصص الأنبياء إنما هي لإثبات الرسالة الأحمدية، وذلك بإظهار نبوة الأنبياء جميعهم من ينكر نبوتهم لحجة على أحقية الرسالة الأحمدية وصدقها؛ حيث لا يمكن أن ينكرها جميعا، فذكرهُا إذن دليل على الرسالة قون إلى تلاوة القرآن الكريم كله، ّثم إن كثيرا من الناس لا يستطيعون كل حين ولا يوف بل يكتفون بما يتيسر لهم منه ومن هنا تبدو الحكمة واضحة في جعل كل سورة مطولة ومتوسطة بمثابة قرآن مصغر، ومن ثم تكرار القصص فيها بمثل تكرار أركان الإيمان الضرورية أي إن تكرار هذه القصص هو مقتضى البلاغة وليس فيه إسراف قط زد على ذلك فإن فيه تعليما بأن حادثة ظهور محمد صلى الله عليه وسلم أعظم حادثة للبشرية وأجل مسألة من مسائل الكون". انظر في مجلد " الكلمات"ص 528 ، وفي مجلد "الشعاعات" ص 296.
(28) فلقد جاء الإيضاح الأكمل في ذلك من شيخنا النورسي إذا يقول: " نعم، إن العدالة شقان أحدهما إيجابي، والآخر سلبي: أما الإيجابي فهو: إعطاء كل ذي حق حقه فهذا القسم من العدالة محيط وشامل لكل ما في هذه الدنيا لدرجة البداهة فكما أثبتنا في «الحقيقة الثالثة» بأن ما يطلبه كل شيء وما هو ضروري لوجوده وإدامة حياته التي يطلبها بلسان استعداده وبلغة حاجاته الفطرية وبلسان اضطراره من الفاطر ذي الجلال يأتيه بميزان خاص دقيق، وبمعايير ومقاييس معينة، أي إن هذا القسم من العدالة ظاهر ظهور الوجود والحياة. وأما القسم السلبي فهو: تأديب غير المحقين، أي إحقاق الحق بإنزال الجزاء والعذاب عليهم فهذا القسمان هنالك إشارات وأمارات تدل على هذه الحقيقة. خذ مثلا سوط العذاب ّوإن كان لا يظهر بجلاء في هذه الدنيا إلا وصفعات التأديب التي نزلت بقوم عاد وثمود بل بالأقوام المتمردة في عصرنا هذا، مما يظهر للحدس القطعي هيمنة العدالة السامية وسيادتها". انظر في حاشية مجلد "الكلمات" ص 91.
(29) انظر في مجلد "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز " ص 163. وقد سبق ذكره.
(30) وفي ذلك يقول بديع الزمان عليه رحمة الله "فالمدنية الحاضرة تؤمن بفلسفتها أن ركيزة الحياة الاجتماعية البشرية هي «القوة» وهي تستهدف «المنفعة» في كل شيء. وتتخذ «الصراع» دستورا للحياة. وتلتزم بـ«العنصرية » و«القومية السلبية» رابطة للجماعات. وغايتهُا هي «لهو عابث» لإشباع رغبات الأهواء وميول النفس، التي من شأنها تزييد جموح النفس وإثارة الهوى. ومن المعلوم إن شأن «القوة» هو «التجاوز» وشأن «المنفعة» هو «التزاحم» إذ هي لا تفي بحاجات الجميع وتلبية رغباتهِم. وشأن «الصراع» هو «التصادم» وشأن «العنصرية» هو «التجاوز» حيث تكبر بابتلاع غيرها.
فهذه الدساتير والأسس التي تستند إليها هذه المدنية الحاضرة هي التي جعلتَها عاجزة - مع محاسنها- عن أن تمنح سوى عشرين بالمائة من البشر سعادة ظاهرية، بينما ألقتَ البقية إلى شقاء وتعاسة وقلق.
أما حكمة القرآن فهي تقبل «الحق» نقطة استناد في الحياة الاجتماعية بدلا من «القوة » وتجعل «رضى الله» و«نيل الفضائل» هو الغاية والهدف، بدلا من «المنفعة» وتتخذ دستور «التعاون» أساسا في الحياة، بدلا من دستور «الصراع» وتلتزم رابطة «الدين» والصنف والوطن لربط فئات الجماعات، بدلا من «العنصرية» و«القومية السلبية» .. وتجعل غاياتها من تجاوز النفس الأمارة ودفع الروح إلى معالي الأمور وتطمين مشاعرها السامية ّ لسوَق الإنسان نحو الكمال والمثُل العليا لجعل الإنسان إنسانا حقا» إن شأن «الحق» هو «الاتفاق» وشأن «الفضيلة» هو «التساند» وشأن «التعاون» هو »إغاثة كل للآخر» .. وشأن «الدين» هو «الأخوة والتكاتف» وشأن « إلجام النفس وكبح جماحها وإطلاق الروح وحثها نحو الكمال» هو «سعادة الدارين».
وهكذا غُلبت المدنية الحاضرة أمام القرآن الحكيم مع ما أخذت من محاسن من الأديان السابقة، ولاسيما من القرآن الكريم. انظر في مجلد الكلمات ص 468 – 469.
(31) انظر في مجلد "الكلمات" ص 469- 470.
(32) انظر كليات رسائل النور، مجلد " صقيل الإسلام"؛ المقدمة الثامنة ص 46-47.
