حاجة البشرية إلى النبوة

 

 

حاجة البشرية إلى النبوة

د. مأمون فريز جرار  

الجامعة الأردنية- الأردن

 

يقول الأستاذ النورسي رحمه الله في تأمله في الآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِنسَ إلاّ لِيَعْبُدون﴾ (الذاريات:56): "يفهم من أسرار هذه الآية الجليلة: أن حكمة مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا والغاية منه، هي:معرفة خالق الكون سبحانه، والإيمان به، والقيام بعبادته. كما أن وظيفة فطرته، وفريضة ذمَّته، هي: معرفة الله والإيمان به، والتصديق بوجوده وبوحدانيته إذعاناً ويقيناً.(1)

هذا الإيمان بالله هو أعظم ما يحصله الإنسان بل أعظم نعمة لله عليه فهو: " حياة  للحياة".(2)

ولا يتحقق الإيمان بالله على الوجه الأكمل،ولا العبادة على الوجه المطلوب ولا التصديق بوحدانية الله تعالى إلا بوساطة النبوة التي تعرف الإنسان بربه وتوضح مراد الله تعالى من عباده.

وإن من المتواتر في تاريخ البشرية ظهور رجال عبر العصور المختلفة قالوا إنهم أنبياء مرسلون من عند الله تعالى، وأنهم هداة لأقوامهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، وقد " أثبتوا نبوتهم بمعجزاتهم التي تربو على الألوف فجميع أولئك الأنبياء الكرام يعلنون بمعجزاتهم بلسان واحد النبوة المطلقة في نوع البشر ".(3)

ومما لفت نظر البشرية في سيرة أولئك الأنبياء أنهم لم يطلبوا أجرا على نبوتهم، ولا سعوا إلى مناصب الدنيا بل كانت دعوتهم:

﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ (الأعراف : 65)

و﴿إن أجري إلا على الله﴾ (سبأ 47)

وكان خاتم تلك السلسلة المباركة نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله عليه وآله الصلاة والسلام .

والنبوة كما يرى الأستاذ النورسي هي مقصد من المقاصد الأربعة للقرآن الكريم، تلك المقاصد هي: التوحيد والنبوة والحشر والعدالة.(4)

وقد تحدث عن هذا المقصد في رسائل النور في مواضع متعددة، فتحدث عن النبوة بصورة عامة، كما خص نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بحديث مفصل في رسائل النور بعامة وخصص له بعض الرسائل. "وبإرسال الأنبياء، انفتح ميدان الامتحان والتجربة والجهاد والمسابقة، وبه تتميز الأرواح السافلة التي هي كالفحم في خساسته عن الأرواح العالية التي هي كالألماس في نفاسته.فلولا المجاهدة والمسابقة لبقيت الاستعدادات كامنة في جوهر الإنسانية، أي لتساوى الفحم والألماس أي لتساوت الروح السامية لسيدنا أبى بكر الصديق رضي الله عنه وهي في أعلى عليين مع روح أبي جهل التي هي في أسفل سافلين".( 5 )

 

ضرورة  النبوة في نوع البشر وما يستلزمها:

بحث الأستاذ النورسي بتفصيل وعمق موضوع النبوة وحاجة البشرية إليها، فلا يمكن إلا أن تكون هذه النبوة في البشر، ومما قال في ذلك:

 "إن القدرة الإلهية التي لا تترك النمل من دون أمير، والنحل من دون يعسوب، لا تترك حتماً البشر من دون نبي، من دون شريعة. نعم هكذا يقتضي سرٌ نظام العالم".(6)

فللأنبياء في مسيرة البشرية موقع القيادة حيث يتقدمون موكبها في الطريق إلى الله.

وقال أيضا مجملا ما يجعل النبوة ضرورة لازمة في نوع البشر:

 "اعلم! أن حكمة الصانع الجليل ،وعدم العبثية في أفعاله، ومراعاته النظام في أقل ما في العالم، وعدم إهماله أخسّ مافيه.. وضرورة حاجة البشرية إلى مرشد، كل ذلك يستلزم قطعاً النبوة في نوع البشر."(7)

فالإنسان الذي هو أكرم المخلوقات على الأرض لا بد أن تتجلى في حياته حكمة الله، فهو لم يخلق عبثا،وربه لا يتركه حائرا في الدنيا لا يعرف لم خلق. ومن متطلبات الوجود النظام الذي يتجلى في كل شيء ولا يكشف حقيقته إلا نبي من عند الله، فكانت ثمرة ما سبق إرسال الرسل الذين يرشدون البشرية إلى ما فيه خيرها.

وقد انبثقت ضرورة النبوة وفق ما تجلى لي في رسائل النور من مجموعة من العوامل منها مايتعلق بالله تعالى وصفاته الحسنى، ومنها ما يتعلق بالإنسان ومنزلته في الوجود وما منحه الله تعالى له من الصفات والمؤهلات.

 

1 ) الأسماء الحسنى تستلزم وجود النبوة

وقف الأستاذ النورسي رحمه الله عند هذا الأمر وقفات، وفصل فيه الحديث، فالأسماء الحسنى فاعلة في الوجود في تجلياتها، ومن تجلياتها خلق الإنسان،فهل يمكن أن يخلق الله الإنسان ويظل في غيبوبة عن ربه لا يعرفه؟.

ولبيان تجليات الأسماء الحسنى في التواصل مع الإنسان وقف الأستاذ النورسي رحمه الله عند عدد من الأسماء الحسنى لله تعالى وربطها بالنبوة وضرورة إرسال الأنبياء إلى البشر، ومما بينه:

أن وجود مالك للكون يقتضي وجود الأنبياء، قال رحمه الله: "اعلم! أنه كما أنه محال أن لايكون لهذا المُلك المُعتنى به مالك، كذلك محالٌ أن لايتعرف ذلك المالك إلى الإنسان الذي يدرك درجات محاسن الملك الدالة على كمالات المالك، مع أن ذلك الإنسان كالخليفة في مهده الممهّد له يتصرف فيه كيف يشاء؛ بل في السقف المحفوظ السماوي أيضاً بعقله. ومع ذلك إن الإنسان أشرفُ المخلوقات بشهادة تصرفاته العجيبة الخارقة مع صغره وضعفه، وإنه أوسعُ الأسباب اختياراً بالبداهة. فبالضرورة يرسل المالك من يعرّف المالك إلى مماليكه الغافلين عنه ويخبرهم مايرضى به ويطلبه منهم ذلك المالك جل جلاله".(8)

ويزيد الأستاذ النورسي رحمه الله الأمر وضوحا فيقول: " كما لا يمكن للشمس إلاّ أن تشع ضياءً كذلك لا يمكن للألوهية إلاّ أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام".(9)

فالله تعالى لم يخلق الكون عبثا ليكون مهملا بل لابد له من مشاهدين يرون تجليات أسمائه الحسنى، ويتفكرون في ما خلق، ويبدون إعجابهم في التجليات المختلفة للأسماء الحسنى، وذلك يقتضي رسلا يبينون للناس تلك التجليات ويعرفونهم بخالقهم وأسمائه.

ويمضي الأستاذ النورسي في الوقوف عند عدد من أسماء الله تعالى وتجلياتها في أسلوب استفهام إنكاري يبدأ بقوله: "أم هل يمكن ..." ليثبت أن تلك الأسماء بتجلياتها تقتضي وجود النبوة في البشر، ومما نستخلصه من تلك السلسلة من الأسئلة الاستنكارية:

أن الجمال الرباني الذي هو في غاية الكمال لا بد أن يعرّف نفسه لمن يستطيع إدراكه، والبشر هم أقدر المخلوقات على ذلك، ولا يكون ذلك إلا برسالة ورسول.

وأن الكمال الرباني الذي هو في غاية الجمال لا بد أن يظهر من خلال رسالة ورسول.

وأن سلطنة الربوبية الكلية العامة الشاملة التي لا بد أن تعلن عن نفسها لكل من له بها علاقة، والإنسان بما خصه الله تعالى من الصفات أولى المخلوقات بذلك الإعلان الذي لا يتم إلا بوساطة عبد رسول لله تعالى.

وأنه لا يمكن لمن يملك خزائن كل شيء إلا أن يعرض كماله ومكنونات خزائنه على أنظار خلقه، ولا يتم ذلك إلا من خلال رسول معرّف حاذق ومعلن وصّاف.

وأن ما في هذا الكون البديع المليء بالمخلوقات البديعة الصنع المجمّلة لقصر العالم لا بد لصانعه ومالكه أن يبين ما فيه من مخلوقاته وذلك بوساطة رسول مرشد معلم رائد.

وأن مالك هذا الكون بما يحدث فيه من تحولات وما يثيره الوجود من أسئلة لا يجد الإنسان جوابا عنها من خلال تفكيره الذاتي ولا ردا شافيا عنها إلا من خلال رسول ورسالة، إن مالك الكون لا يترك البشر حائرين مع تلك الأسئلة التي أعيتهم وهم ينظرون في أنفسهم وفي الكائنات من حولهم فيسألون: من أين؟ وإلى أين؟ ومن نكون؟ وكم حاول الإنسان من خلال الفلسفة أن يفك لغز العالم لكن قصور أدواته من حواس وعقل لم يصل به إلى الجواب الشافي الكافي.

وأن المنعم ذا الجلال الذي تجلت ألوان نعمه على البشر، لا يمكن أن يتركهم حيارى لا يعرفون من أنعم عليهم وما الذي يرضيه منهم؟ وهل يتم ذلك إلا من خلال رسول مبلغ عن ربه؟.

وأن الخالق الذي أوجد لدى النوع البشري مشاعر واتجاهات مختلفة، وجعله أهلا للعبودية الكلية له، لا يمكن أن يتركه حائرا لا يعرف ربه ولا يؤدي له حقوق العبودية فيظل مشتت العقل والقلب بين ما يرى من مظاهر الوجود التي تشغله عن ربه فيظنها فاعلة قادرة. وهل يكون بيان الحقيقة إلا بوساطة رسول مبين مبلغ مرشد يعرّف الإنسان من خلال إرشاده: من ربه وما صفاته وما له عليه من الحقوق؟.(10)

وقد لخص الأستاذ النورسي رحمه الله ما سبق بجملة بليغة موجزة مفيدة وذلك في قوله: "إن الألوهية لا تكون بلا رسالة".(11)

وعلينا ونحن نقف مع ما أورده الأستاذ النورسي أن نتذكر قول الله تعالى للملائكة قبل خلق آدم:

 ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة30)

وما تبع خلقه من موقف إبليس برفض الأمر الإلهي بالسجود لآدم وما تلا ذلك من خطيئة آدم عليه السلام وإهباطه إلى الأرض وقول الله تعالى:

﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ (طه123).

وهذا الكلام يقودنا إلى العامل الثاني الذي يجعل النبوة ضرورة بشرية وحاجة لا بد من تلبيتها في النوع البشري.

 

2 ) منزلة الإنسان في الوجود:

للإنسان في الوجود منزلة لم ينلها كائن غيره، فقد خلقه الله تعالى بيده وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته، وكرمه على كثير ممن خلق من عباده، وسخر له ما في السماوات والأرض، وجعل الأرض التي هي مسكنه قسيمة السماوات في حديث القرآن الكريم عنها، مع ضآلة حجمها وضخامة حجم السماوات، وما ذاك إلا لأنها مسكن الإنسان وميدان استخراج ما أودع الله تعالى فيه من القدرات التي تظهر تجليات الأسماء الحسنى في أجلى مظاهرها على يديه، ولأنه الكائن الأقدر على مشاهدة ما لله تعالى من تجليات أسمائه في الوجود، وهو الكائن الوحيد الذي يملك القدرة على التغيير والتأثير في ما حوله، فقد غير نمط حياته وغير البيئة من حوله، وأثار الأرض وعمرها، واستفاد من مكنونات كنوزها ومن القوانين الموجودة فيها.

وفي مسيرة الإنسان الطويلة على الأرض ظهرت منه علامات الطغيان، بنسيان ربه، والاغترار بما آتاه الله تعالى من أسباب القوة، ونسيان الموت، والغفلة عن وجود عالم آخر يؤول إليه بعد الرحيل عن هذا العالم، مما اقتضى وجود من يذكره بحقيقته، وحقيقة حياته على هذه الأرض.

لقد وقف الأستاذ النورسي رحمه الله عند منزلة الإنسان في الوجود ولزوم النبوة لجنسه، فالإنسان خليفة في الأرض وهو أقدر الكائنات على إدراك محاسن تجليات الأسماء الحسنى، وهو ثمرة شجرة الخلقة أو نواتها مما يجعل إرسال الرسل إليه أمرا ضروريا، قال رحمه الله:

"اعلم! أيها الإنسان أنك ثمرة أو نواة لشجرة الخلقة، فبجسمانيتك أنت جزء صغير ضعيف، عاجز ذليل، مقيّد محدود. لكن الصانع الحكيم رقاك بلطيف صُنعه من الجزء الجزئي، إلى الكل الكلي. فبإدراج الحياة في جسمك أطلقك من قيد الجزئية في الجملة، بجولان جواسيس حواسك المنبسطة على عالم الشهادة لجلب أغذيتهم المعنوية، ثم بإعطاء الإنسانية جعلك كالكل بالقوة كالنواة، ثم بإحسان الإسلامية والإيمان، جعلك كالكلي بالقوة، ثم بإنعام معرفته ومحبته صّيرك كالنور المحيط، فاختر ما شئت، فإن أخلدتَ إلى الأرض واللذائذ الجسمانية؛ صرت جزءاً جزئياً، عاجزاً، ذليلاً. وإن استعملت جهازات حياتك بحساب الإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية؛ صرت كالكل الكلي والسراج المركزي.(12) 

والإنسان كما يرى الأستاذ النورسي رحمه الله هو أكمل وأنور المصنوعات وأبدعها، ويتجلى ذلك في كونه "الثمرة المجهّزة بالشعور والإدراك لشجرة الخلق، وأن الثمرة هي أجمع جزء وأبعده من جميع أجزاء تلك الشجرة، وله نظر عام وشعور كلي."(13) وتلك الخصائص لا تتوافر لغيره من الكائنات التي تشاركه الوجود.

ومع ضعف الإنسان وضآلة حجمه قياسا إلى الكائنات الكبيرة من حوله، وقصر عمره، فإن له منزلة خاصة تميزه عمن سواه من المخلوقات: "حتى صار هذا الإنسان المخلوق الضعيف - مع صغره وكونه كذرّة بين هذه العوالم - عبداً محبوباً لخالق الأرض والسماوات وخليفة الأرض، ورئيس الحيوانات."(14) 

بل يرى الأستاذ النورسي رحمه الله أن الإنسان "هو سيد الموجودات رغم أنه صغير جداً، لما يملك من فطرة جامعة شاملة.. فهو قائد الموجودات، والداعي إلى سلطان ألوهية الله، والممثل للعبودية الكلية الشاملة ومظهرها، لذا فإن له أهمية عظمى."(15) 

وما دامت لهذا الإنسان هذه المنزلة فهل يمكن أن يتركه خالقه هملا ضائعا حائرا لا يعرف ربه فيأتي إلى الدنيا ويخرج منها جاهلا بسر مجبيئه وخروجه؟.

لقد ميز الله تعالى الإنسان ليكون أهلا لوجود النبوة في جنسه بما أعطاه من الصفات وما أودع فيه من مظاهر الرقي. فالإنسان قادر على إدراك الترتيب في أشياء الكون ذلك الترتيب الناشئ من العلل المتسلسلة في الخلقة، والإنسان يملك القدرة على تحليل الأشياء وإعادة تركيبها، كما أنه يملك القدرة على محاكاة الطبيعة والإفادة منها في حياته، ونستذكر هنا قصة ابن آدم الذي قتل أخاه فتعلّم الدفن من الغراب، وتعلم الإنسان الطيران من الطيور والسباحة والغوص من الأسماك، وهكذا. كما أنه قادر على إدراك نواميس الله الجارية في الكون واستثمارها. هذا الإنسان الذي يملك هذه القدرات المميزة له عن سائر المخلوقات، أدرك قصوره في الوصول إلى حقيقة الوجود بنفسه، وبقدراته الذاتية تلك، وأدرك حاجته إلى نبي مرشد يكشف له سر النظام المتقن في العالم، وربه الذي خصه بتلك القدرات أنعم عليه بالنبوة التي تلبي حاجاته غير المحدودة، هذه الحاجات التي لا تجد إشباعا لها في هذه الدنيا التي لا تتسع لما يرنو إليه الإنسان من الكمالات التي ينقضي عمره ولم يحقق منها إلا القليل، ولا يشبع تلك الحاجات إشباعا حقيقيا إلا ما يخبر به الرسل الكرام من وجود عالم خالد ينتقل إليه بعد وفاته ويجد فيه ما لم يحققه في الدنيا المحدودة الفانية.

 وإن مما يستدعي وجود النبوة في حياة البشر حاجة الإنسان إلى العدالة التي تضبط علاقات الناس في ما بينهم في سعيهم إلى تلبية الحاجات المشتركة التي لا يستطيع الإنسان الفرد أن يقوم بها وحده لكونه كائنا اجتماعيا، وقد "احتاج النوع إلى وضع قوانين كلية، ثم لمحافظة تأثيرها ودوامها، لابد من مقنن يجريها، ثم لإدامة حاكمية ذلك المقنن في الظاهر والباطن يحتاج إلى امتياز وتفوق - مادة ومعنىً - ويحتاج أيضاً إلى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم، ثم لتأسيس إطاعة الأوامر وتامين اجتناب النواهي يحتاج إلى إدامة تصور عظمة الصانع وصاحب الملك في الأذهان، ثم لإدامة التصور ورسوخ العقائد يحتاج إلى مذكّر مكرِر وعمل متجدد، وما المذكِّر المكرِّر إلاّ العبادة، وهذه العبادة توجه الأفكار إلى الصانع الحكيم، وهذا التوجه يؤسس الانقياد، والانقياد هو للإيصال إلى النظام الاكمل والارتباط به. وهذا النظام الأكمل يتولد من سر الحكمة، وسر الحكمة يشهد عليها إتقان الصنع وعدم العبثية."(16)

من أجل ذلك كانت النبوة حاجة ضرورية للبشرية لتنضبط العدالة في الحياة بضوابط لا تميل مع هوى ولا تتبع مصالح فئة على حساب أخرى حين يضع البشر أسسها.

لقد ميز الله تعالى الإنسان على سائر الخلق بصفات جعلته أهلا لمخاطبته سبحانه بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فالإنسان هو أكرم عبد لله وأكثر المخاطبين من خلق الله إدراكا وفهما للأوامر السبحانية،خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، وجعله بذلك الوضع المرآة الجامعة للأسماء الحسنى "ولتجلي الاسم الأعظم ولتجلي المرتبة العظمى لكل اسم من هذه الأسماء الحسنى، وليكون أجمل معجزات القدرة الإلهية وأغناها أجهزة وموازين لمعرفة وتقدير ما في خزائن الرحمة الإلهية من كنوز "(17) وهل يتحقق ذلك كله إلا برسالة ورسول؟.

ومما ميز الله تعالى به الإنسان على سائر المخلوقات أنه وهبه "استعداداً فطرياً سامياً  يمكّنه من حمل الأمانة الكبرى التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، أي خَلقَه ليعرف صفات خالقه سبحانه الشاملة المحيطة وشؤونه الكلية وتجلياته المطلقة، بموازينه الجزئية وبمهاراته الضئيلة، والذي بَرأه بشكل ألطف المخلوقات وأعجزها وأضعفها، فسخر له جميعَها من نبات وحيوان، حتى نصبه مشرفاً ومنظماً ومتدخلاً في أنماط تسبيحاتها وعباداتها، والذي جعله نموذجا ـ بمقاييس مصغّرة ـ للإجراءات الإلهية في الكون، ودلاّلاً لإعلان الربوبية المنزهة - فعلاً وقولا - على الكائنات، حتى منحه منزلة أكرم من منزلة الملائكة، رافعاً إياه إلى مرتبة الخلافة ".(18)

هذه الميزات التي انفرد بها الإنسان جعلته أهلا لتلقي النبوة التي تهديه سواء السبيل وتكشف له الصراط المستقيم.

 

منزلة النبوة في حياة البشر

يرى الأستاذ النورسي أن "النبوة المطلقة في نوع البشر قطب بل مركز ومحور تدور عليه أحوال البشر".(19)

ويرى "أن النبوة التي هي قطب المصالح الكلية ومحورها ومعدن حياتها ضرورية لنوع البشر. فلو لم تكن النبوة لهلك النوع البشري".(20)

ويرى الأستاذ "أن النبوة في البشرية فذلكة الخير وخلاصة الكمال وأساسه. وأن الدين الحق فهرس السعادة. وأن الإيمان حُسنٌ منزَّه وجمال مجرّد. وحيث إن حسناً ساطعاً، وفيضاً واسعاً سامياً، وحقاً ظاهراً، وكمالاً فائقاً مشاهَدٌ في هذا العالم، فبالبداهة يكون الحقُ والحقيقة في جانب النبوة، وفي يد الأنبياء عليهم السلام، وتكون الضلالة والشر والخسارة في مخالفيهم."(21)

وهل كانت النبوة في البشر إلا لتحقيق الحياة الطيبة في الدنيا وإنقاذ الإنسان من العدم الذي يقوده إليه الكفر والغفلة عن ربه وحقيقة وجوده، ونقله من حياة عاجلة قصيرة فانية إلى دار خلود لا تفنى أبدا؟.

الأنبياء أئمة هدى للبشرية في كل شؤونها:

كان إرسال الرسل إلى البشرية سبيلا إلى وصول البشر إلى ما أراد الله تعالى لهم من مراتب الكمال الممكن وقد سعى الأنبياء عليهم السلام إلى الارتقاء بالبشر من مرتبة الحيوانية التي يعيشونها حين لا يعرفون ربهم إلى مرتبة الملك.(22)

ولكي يتميز الصادق عن الكاذب، والنبي عن الدجال زود الله تعالى رسله بدلائل صدق تقوم بها الحجة على الناس، تلك هي المعجزات.

وإلى جانب المعجزات نجد من دلائل صدق النبوة ما حل بالأمم المكذبة من العذاب، وقد كان كل نبي يجعل من مصير الأمة السابقة لأمته نذيرا لهم لعلهم يتعظون.

 يضاف إلى هذا أن النظر في سير الأنبياء وملامح شخصياتهم يضيف إلى معجزاتهم أدلة صدق عملية، وكذلك ما كان من صبر أتباعهم على ما نزل بهم من البلاء ابتغاء مرضاة الله يدل على اليقين الذي أكسبهم إياه الإيمان، فكان صبرهم دليل صدق إضافيا لنبوة أنبيائهم.

 وإن إجماع الأنبياء عبر تاريخ البشرية على أصول دعوتهم دليل آخر على صدق ظاهرة النبوة في التاريخ البشري، يدل على مدى حاجة البشرية إليها لترتقي من مرتبة الحيوانية إلى مرتبة الملك.

يقول الأستاذ النورسي رحمه الله: " نعم، إن المعجزات التي لاحصر لها  تصديق فعلي من لدن الحق سبحانه وتعالى للأنبياء عليهم السلام، والصفعات السماوية التي نزلت بالمنكرين المعارضين لهم  أظهرت أحقيتهم وتأييد الله لهم، وكمالاتهم الشخصية وارشاداتهم السديدة دالة على أنهم على حق أبلج، وقوة إيمانهم وغاية جديتهم ونهاية تجردهم تشهد كلها على صدقهم وصواب دعوتهم، وما في أيديهم من الكتب والصحف المقدسة، وتلاميذهم غير المحدودين الذين بلغوا الحقيقة وارتقوا إلى الكمال واهتدوا إلى النور باتباعهم لهم، يشهد كلها على أحقية سبيلهم وصواب طريقهم. وعلاوة على كل هذا فإن إجماع أولئك المبلّغين الصادقين في المسائل المثبتة لهو حجة قاطعة على صدق الإيمان وقوة عظيمة تعزز حقيقته بحيث لا تستطيع قطعاً أية قوة في العالم أن تصارعها. فهي حقيقة دامغة تنحسر أمامها كل شبهة او ريب."(23)

ولم تكن فوائد النبوة مقتصرة على الرقي المعنوي الذي حصله البشر باتباع الأنبياء، وخروجهم من الفناء إلى الخلود، ومن الحيرة والتشتت إلى الهدى والاستقامة، والخلاص من العبودية للأشياء، وتجردهم لعبودة ربهم الواحد الأحد الفرد الصمد، بل رافق ذلك إثارة القدرات الكامنة لدى البشر في الجوانب العقلية والمادية. وإذا كانت معجزات الأنبياء دلائل صدق على نبوتهم، فقد كانت حافزا للبشر ليستثمروا ما أودع الله تعالى فيهم من القدرات، وما سخر لهم في الكون من الأشياء. يقول الأستاذ النورسي رحمه الله:" يبيّن القرآن الكريم أن الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمة الهدى يُقتدى بهم، في رقيهم المعنوي. ويبين في الوقت نفسه أن الله قد وضع بيد كلٍ منهم معجزة مادية، ونَصَبهم روّاداً للبشرية وأساتذة لها في تقدمها المادي أيضاً. أي أنه يأمر بالاقتداء بهم واتباعهم اتباعاً كاملاً في الأمور المادية والمعنوية؛ إذ كما يحض القرآنُ الكريم الإنسانَ على الاستزادة من نور الخصال الحميدة التي يتحلى بها الأنبياء عليهم السلام، وذلك عند بحثه عن كمالاتهم المعنوية، فإنه عند بحثه عن معجزاتهم المادية أيضاً يومئ إلى إثارة شوق الإنسان ليقوم بتقليد تلك المعجزات التي في أيديهم، ويشير إلى حضّه على بلوغ نظائرها، بل يصح القول: إن يد المعجزة هي التي أهدت إلى البشرية الكمال المادي وخوارقه لأول مرة، مثلما أهدت إليها الكمال المعنوي."(24)

ويشير الأستاذ النورسي رحمه الله إلى إمامة الأنبياء للبشرية في المجال المهني فيقول: "وهناك إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة، وهي اتخاذ أغلب الصناع نبياً من الأنبياء رائداً لصنعتهم وقطباً لمهنتهم. فالملاحون-  مثلا - اتخذوا سيدنا نوحاً عليه السلام رائدهم، والساعاتيون اتخذوا سيدنا يوسف عليه السلام إمامهم، والخياطون اتخذوا سيدنا إدريس عليه السلام مرشدهم."(25)

وقد وقف الأستاذ النورسي رحمه الله طويلا عند المعجزات المادية للأنبياء الكرام عليهم السلام، وسعى إلى الربط بين تلك المعجزات وما يمكن أن يصل إليه الإنسان من آفاق لاستثمار ما حوله من المواد والأشياء، وأتى الأستاذ رحمه الله في هذا المجال بما لم يسبق في حدود ما أعلم.

وسأورد بعض الأمثلة التي ربط الأستاذ بينها وبين معجزات بعض الأنبياء من غير أن أستقصي كل ما ذكره.

عند الحديث عن معجزة تسخير الريح لسيدنا سليمان عليه السلام التي أفادت أنه قطع في يوم واحد ما يقطع في شهرين يقول الأستاذ "فالآية تشير إلى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء. فيا أيها الإنسان! حاول أن تبلغ هذه المرتبة، واسعَ للدنو من هذه المنزلة ما دام الطريق ممهداً أمامك."(26)

فكأن الله سبحانه وتعالى يقول في معنى هذه الآية الكريمة ويعني قوله نعالى: ﴿ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر﴾ (سبأ 12):

"إن عبداً من عبادي ترك هوى نفسه، فحملتُه فوق متون الهواء. وأنت أيها الإنسان إن نبذت كسل النفس وتركته، واستفدت جيداً من قوانين سنتي الجارية في الكون، يمكنك أيضاً أن تمتطي صهوة الهواء."(27)

ويتحدث عما تفتحه معجزة سيدنا موسى عليه السلام حين ضرب الحجر فتفجرت منه اثنتا عشرة عينا، كيف أنها تشير إلى إمكان وصول البشر إلى اختراع آلات يستخرجون بها الماء من باطن الأرض، وذلك في حديثه عن الآية: ﴿فقلنا اضربْ بعصاكَ الحجَر فانفجرتْ منه اثنتا عشرةَ عيناً﴾ (البقرة:60)

"هذه الآية الكريمة تبين معجزة من معجزات سيدنا موسى عليه السلام، وهي تشير إلى أنه يمكن الاستفادة من خزائن الرحمة المدفونة تحت الأرض بآلات بسيطة، بل يمكن تفجير الماء، وهو ينبوع الحياة، من أرض صلدة ميتة كالحجر بوساطة عصا. فهذه الآية تخاطب البشرية بهذا المعنى: يمكنكم أن تجدوا الماء الذي هو ألطف فيض من فيوضات الرحمة الإلهية، بوساطة عصا، فاسعوا واعملوا بجد لتجدوه وتكشفوه. فالله سبحانه يخاطب الإنسان بالمعنى الرمزي لهذه الآية: "ما دمتُ أسلّم بيد عبد يعتمد عليّ ويثق بي عصا، يتمكن بها أن يفجّر الماء أينما شاء، فأنت أيها الإنسان إن اعتمدت على قوانين رحمتي،يمكنك أيضاً أن تخترع آلةً شبيهة بتلك العصا، أو نظيرة لها. فهيا اسعَ لتجد تلك الآلة. فانت ترى كيف أن هذه الآية سبّاقة لإيجاد الآلة التي بها يتمكن الإنسان من استخراج الماء في أغلب الأماكن، والتي هي إحدى وسائل رقي البشرية. بل إن الآية الكريمة قد وضعت الخط النهائي لحدود استخدام تلك الآلة ومنتهى الغاية منها."(28)

ويمضي الأستاذ النورسي مع معجزات الأنبياء، فمعجزة سيدنا عيسى عليه السلام بشفاء أصحاب الأمراض المستعصية تشير إلى"أنه يمكن أن يُعثر على دواء يشفي أشد الأمراض المزمنة والعلل المستعصية، فلا تيأس أيها الإنسان، ولا تقنط أيها المبتلى المصاب، فكل داء مهما كان له دواء، وعلاجه ممكن، فابحث عنه، وجِدْه، واكتشفه، بل حتى يمكن معالجة الموت نفسه بلون من ألوان الحياة الموقتة."(29)

فما تحقق على يدي سيدنا عيسى عليه السلام معجزة، "أيها الإنسان! بوسعك أن تجد في صيدلية حكمتي دواء لكل داء يصيبك، فاسعَ في هذه السبيل، واكشف ذلك الدواء فإنك لا محالة واجده وظافر به".(30)

وأشير أخيرا إلى ما استنبطه الأستاذ النورسي من الأفق الذي تفتحه المعجزة التي تمت لسيدنا سليمان بإحضار عرش ملكة سبأ قبل أن يرتد إليه طرفه ، ففي تلك المعجزة إشارة واضحة إلى أن "إحضار الأشياء من مسافات بعيدة - عيناً أو صورة - ممكن، وذلك بدلالتها على تلك الحادثة الخارقة التي وقعت في ديوان سيدنا سليمان عليه السلام، عندما قال أحد وزرائه الذي أوتي علماً غزيراً في «علم التحضير»: أنا آتيك بعرش بلقيس."

وليس الأمر مقتصرا على إحضار الأشياء عينا أو صورة بل فيه إشارة إلى منهج في الحكم يقوم على متابعة شؤون الرعية وإن كانت بعيدة المكان عن الحاكم فكأن الله تعالى يخاطب الحكام من خلال تلك المعجزة قائلا:

"أيها الحكام! ويا من تسلمتم أمر البلاد! إن كنتم تريدون أن تسود العدالة أنحاء مملكتكم، فاقتدوا بسليمان - عليه السلام - واسعَوا مثله إلى مشاهدة ما يجري في الأرض كافة، ومعرفة ما يحدث في جميع أرجائها. فالحاكم العادل الذي يتطلع إلى بسط راية العدالة في ربوع البلاد، والســلطان الــذي يرعـى شؤون أبناء مملكته، ويشفق عليهم، لا يصل إلى مبتـغــاه إلا إذا اسـتـطـــاع الاطـلاع - مـتى شاء - على أقطار مملكته، وعندئذٍ تعم العـدالة حـقاً، وينقذ نفـسه من المـحـاســبة والتبـعات المعنوية." ( 31)

إن هذا الأفق الذي تفتحه المعجزات النبوية للبشرية في مجال التقدم العلمي يشير إلى ضرورة النبوة في حياة البشر.

 ويمضي الأستاذ النورسي بالمنهج نفسه في وقوفه مع معجزات أخرى لأنبياء الله إبراهيم وسليمان وداود وآدم عليهم السلام، ويربطها بما تم من فتوح علمية للبشرية وبما يمكن أن يكون كذلك.

وقد أجمل الأستاذ النورسي هذه القضية في قوله: "إن القرآن الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدود النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعد نهاياتها، وغاية ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف، فهو بهذا يعيّن أبعد الأهداف النهائية لها ويحددها، ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضّها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها إليها. إذ كما أن الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل أيضاً حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله".(32)

البشرية لا تستغني عن النبوة، ولكن هل أحس البشر جميعا بهذه الضرورة؟.

من قبل وقف الملأ من كل قوم في وجه الأنبياء وسعوا إلى إطفاء نور الله، وصدوا الناس عن سبيل الهدى، فكذبوا فريقا من الأنبياء، وقتلوا فريقا.

واليوم نجد البشرية وقد قطعت في العلم، وحققت من المنجزات أشواطا غير مسبوقة في المعلوم من تاريخ البشر، فحققت كثيرا من معجزات الأنبياء من خلال العلم، فهل ترى البشرية أن ما هي فيه من التقدم أثر من آثار معجزات الأنبياء، وثمرة من آثار فضلهم أم أن الغرور يجعلها تنسب الأمور إلى نفسها وتنسى ربها وتقول ما قال قارون من قبل ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾؟0 (القصص 78 )

ما أحوج البشرية اليوم إلى حملة مشاعل النور ليضيئوا لها الطريق لتعرف نفسها، وتعرف حقيقة دنياها، وتعرف ربها، وتعرف الرحمة المهداة إلى البشرية جميعا: سيدنا محمدا عليه وآله الصلاة والسلام، خاتم سلسلة النبوة وشمسها الأكمل ضياء، وبدرها الأتم نورا.

 إنها بحاجة إلى من يجعلها تصحو من سكرها، وتواجه الحقيقة لعلها تفيء إلى نور الإيمان، وتخلص نفسها من الغرور الذي يزينه لها الشيطان، ومن العدم الذي يقودها إليه الكفر.

فهل تشرق شمس النبوة على هذا العالم من جديد؟!

 

--------------------------

  1. الشعاعات - ص: 135. المصدر : موقع نور أونلاين.
  2. الشعاعات - ص: 137.
  3. صيقل الإسلام - ص: 139.
  4. انظر : إشارات الإعجاز – ص: 23.
  5. المكتوبات - ص: 53.
  6. الكلمات - ص: 843.
  7. صيقل الإسلام/محاكمات - ص: 136.
  8. المثنوي العربي النوري - ص: 244.
  9. الكلمات - ص:62.
  10. انظر: الكلمات– ص: 62 – 63.
  11. الكلمات - ص: 63.
  12. المثنوي العربي النوري - ص: 353.
  13. الكلمات - ص: 252.
  14. المثنوي العربي النوري - ص: 279.
  15. الكلمات- ص: 64.
  16. صيقل الإسلام - ص: 138.
  17. الكلمات- ص: 94 .
  18. المصدر نفسه.
  19. صيقل الإسلام- ص: 138.
  20. صيقل الإسلام - ص: 140.
  21. اللمعات - ص: 194.
  22. انظر:الشعاعات- ص: 157.
  23. المصدر نفسه.
  24. الكلمات- ص: 279.
  25. المصدر نفسه.
  26. الكلمات - ص: 280.
  27. المصدر نفسه.
  28. الكلمات - ص:280 – 281.
  29. الكلمات- ص: 281.       
  30. المصدر نفسه.
  31. الكلمات - ص: 283 -284.
  32. الكلمات- ص:  279.

 

 

 

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة