دلائل نبوة محمد عليه الصلاة والسلام في رسائل النور دراسة وتحليل
دلائل نبوة محمد عليه الصلاة والسلام في رسائل النور
دراسة وتحليل
د. عبد السميع محمد الأنيس
كلية الشريعة- جامعة الشارقة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن موضوع دلائل النبوة من الأهمية بمكان لتعلقها بإثبات نبوة محمد ﷺ، وأنه رسول الله، وقد تصدى للكتابة في هذا الموضوع المحققون من العلماء قديماً وحديثاً.
وفي القرن الماضي عندما عصفت بالأمة رياح الانبهار بالمناهج المادية الوضعية، الوافدة من الغرب، ومحاولة تطبيقها على الموروثات الدينية النقلية، وشاع فيها روح التقليد للعادات والتقاليد الغربية؛ انبرى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي[1] للكتابة في هذا الموضوع الخطير، مبتغياً من وراء ذلك تثبيت حقائق الإيمان في العقول التائهة، والنفوس المرهقة، ومبيناً أهمية السنة النبوية، وضرورة اتباعها في مجالات الحياة كافة.
إن الأستاذ النورسي رحمه الله كان يرى أن النبوة مقصد من مقاصد القرآن الكريم، وأنها ضرورية للحياة البشرية ضرورة الغذاء والهواء والماء والضياء، بل يرى أنها ضرورية للحياة الكونية كلها؛ "فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد ﷺ ورسالته"[2].
وهو يرى كذلك أنها من الأهمية بمكان لنتائجها، وذلك لأن كل مسألة من مسائل السنة النبوية في حكم مؤشر البوصلة الذي يبين اتجاه الحركة في السفن، وهي كمفتاح مصباح يضيء ما لا يحصر من الطرق المظلمة المضرة.
ولهذا كان من الأهمية بمكان دراسة هذا الموضوع، وتحليله، وإلقاء الضوء على منهجية المؤلف في تناوله، وخصائص منهجه، وإبراز الإضافات التي أضافها.
مصادر البحث:
اعتمدت في كتابة هذا البحث في الدرجة الأولى على كليات رسائل النور التي كتبها الأستاذ سعيد النورسي، وقد ظهر لي أنه بحث موضوع دلائل النبوة في عدد من الرسائل، وفي أماكن متفرقة، محاولاً إثبات نبوة محمد ﷺ بدلائل قاطعة، ونجد ذلك في كل من:
- "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز"[3].
- رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ ، المطبوع ضمن كتابه: المثنوي العربي النوري[4].
- شعاعات من معرفة النبي ﷺ.[5]
- وما كتبه في الكلمتين التاسعة عشرة، والحادية والثلاثين.
- وما كتبه في رسالة الشعاع السابع، ورسالة الشعاع الخامس عشر.[6]
- وفي اللمعة الحادية عشرة، واللمعة الثلاثون إشارات مهمة في هذا الموضوع.
- وما كتبه في المكتوب التاسع عشر من المكتوبات؛ فقد أفرد رسالة قيمة في هذا الموضوع، سماها: المعجزات الأحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وهو أوسع بحث له؛ فقد بيّن في هذه الرسالة أكثر من ثلاثمائة معجزة من معجزات الرسول الأكرم ﷺ الدالة على صدق رسالته، علماً بأن تأليفها كان اعتماداً على الذاكرة فقط، من دون مراجعة لمصدر، وقد كُتبت في زوايا الجبال وبواطن الوديان والبساتين، خلال ما يقرب من أربعة أيام وبمعدل ثلاث ساعات يومياً، أي: في اثنتي عشرة ساعة!.
ويلاحظ من المادة العلمية أن المؤلف اعتمد فيها على كتب السنة النبوية لا سيما كتاب دلائل النبوة للبيهقي، وكتاب الشفا للقاضي عياض، يظهر ذلك من خلال إشارات المؤلف إلى ذلك، كما أنه اعتمد مصادر أخرى، ومنها كتب معاصرة.
أما خطة البحث، فقد اشتمل على مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة:
المبحث الأول: دراسة دلائل نبوة محمد ﷺ ، التي تابع فيها النورسي غيره، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: القرآن الكريم.
المطلب الثاني: شخصية النبي ﷺ الذاتية والمعنوية.
المطلب الثالث: المعجزات التي أكرمه الله بها.
المطلب الرابع: الإرهاصات.
المطلب الخامس: الشريعة التي بعث بها.
المبحث الثاني: دراسة دلائل نبوة محمد ﷺ ، التي أضافها، وفيه سبعة مطالب، وهي:
المطلب الأول: حقائق الإيمان تشهد على نبوته ﷺ.
المطلب الثاني: أسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون تقتضي نبوته.
المطلب الثالث: تأثيره في العالم.
المطلب الرابع: شهادة الآل والأصحاب والعلماء على نبوته ﷺ.
المطلب الخامس: شهادة الكون على نبوته ﷺ.
المطلب السادس: نظام عالم الحيوان يدل على نبوته ﷺ.
المطلب السابع: الحياة تشهد لنبوته ﷺ.
المبحث الثالث: التحليل، وفيه خمسة مطالب، وهي:
المطلب الأول: أهمية دلائل النبوة، وضرورة بحثها.
المطلب الثاني: منهجية المؤلف في تصنيف دلائل النبوة.
المطلب الثالث: خصائص منهجه في كتابة الدلائل.
المطلب الرابع: أسلوبه.
المطلب الخامس: قواعد وضوابط نافعة في فهم الدلائل خاصة، وفي فهم السنة عموماً.
المبحث الأول: دراسة دلائل نبوة محمد ﷺ ، التي تابع فيها غيره:
أفردت هذا المبحث لدراسة دلائل نبوة محمد ﷺ ، التي تابع فيها غيره، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن المؤلف كانت له إضافات متميزة سواء في الأفكار التي طرحها، أو في طريقة عرضها، وهي لا تخفى على الدارس المتأمل، وجعلت ذلك في خمسة مطالب:
المطلب الأول: القرآن الكريم:
إن هذا الدليل هو أقوى الأدلة، بل إن الله قد صرح برسالته تصريحاً لا لبس فيه، وذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ...﴾ (الفتح: 28ــ 29) ولهذا نجد المؤلف قد استفتح بهذه الآية الكريمة في مطلع رسالته: المعجزات الأحمدية. وفي هذا يقول: "إن القرآن الكريم الذي هو بحر المعجزات، والمعجزة الكبرى يثبت النبوة الأحمدية، والوحدانية الإلهية إثباتاً، ويقيم حججاً، ويسوق براهين، ويبرز أدلة تغني عن كل برهان آخر"[7].
ويقول أيضاً: ".. إن منح ذات الرسول الكريم ﷺ أعظم مقام، وأسماه في القرآن الكريم، وجعل "محمد رسول الله" الذي يتضمن أربعة من أركان الإيمان مقروناً بـ"لا اله الا الله" دليل - وأيّ دليل - على أن الرسالة المحمدية هي أكبر حقيقة في الكون"[8].
بل إنه يرى: "أن القرآن الكريم وحده يظهر ألفاً من البراهين على نبوته ﷺ، عدا إعجازه البالغ أربعين وجهاً"[9]. وقد تستغرب من قوله هذا، ولكنه بينه في مكان آخر حيث قال:
"إن ما أنبأ به الرسول الكريم ﷺ من أنباء الغيب بتعليم من الله علام الغيوب كثيرٌ لا يعد ولا يحصى، وقد أشرنا إلى أنواعه في "الكلمة الخامسة والعشرين" الخاصة بإعجاز القرآن، وسقنا هناك براهينه؛ لذا فالأخبار الغيبية المتعلقة بالأزمنة السالفة، والأنبياء السابقين، وحقائق الألوهية، وحقائق الكون، وحقائق الآخرة يُراجع في شأنها تلك الكلمة"[10].
وهو يرى: "أن القرآن بجميع معجزاته معجزة للرسول ﷺ.."[11]. إن من مقتضيات اسم الله المتكلم أن يكلم البشر، ولهذا اصطفى مَن هو أهل للخطاب من الكاملين، ثم اصطفى من هؤلاء الكاملين محمداً رسولاً، وشرفه بهذا القرآن ليكون دليلاً على نبوته، وقد بين المؤلف ذلك بياناً شافياً[12].
المطلب الثاني: شخصية النبي ﷺ الذاتية والمعنوية تشهد على نبوته:
من الأدلة الأنفسية على صدق نبوته ﷺ: شخصيته الذاتية والمعنوية، وقد أبدع المؤلف أيما إبداع وهو يتحدث عن هذا الدليل سواء في الأفكار التي أضافها، أو في الأسلوب، ونيبن ذلك في الأدلة الآتية:
الدليل الأول: ذاته المباركة: "إن أعظم معجزة للرسول الكريم ﷺ بعد القرآن الكريم هو ذاته المباركة، أي: ما اجتمع فيه ﷺ من الأخلاق السامية والخصال الفاضلة، وقد اتفق الأعداء والأولياء على أنه أعلى الناس قدراً، وأعظمهم محلاً، وأكملهم محاسن وفضلاً[13]. ثم قال: "نحيل هذه المعجزة الكبرى إلى كتاب "الشفا في حقوق المصطفى" للقاضي عياض المغربي، فقد أجاد فيه حقاً في بيانها أيّما إجادة وأثبتها في أجمل تفصيل".
وقال أيضاً: "أي: هو كالشمس دليل بنفسها. كما يدل عليها فيوضات العالم الإسلامي النابعة من دينه ﷺ، وحقائق الإسلام العظيم. فلاشك أن ذلك النبي الكريم بذاته ﷺ يشهد شهادة واسعة كلية ساطعة على رسالته نفسه"[14].
الدليل الثاني: شخصيته المعنوية العظيمة:
يقرر المؤلف أن ما يُعرّف لنا ربَّنا هو ثلاثة معرّفين أدلاّء عظام: كتاب الكون، والآية الكبرى لهذا الكتاب العظيم، وهو خاتم ديوان النبوة ﷺ ، والقرآن الحكيم.
ثم يتحدث عن هذه الشخصية المعنوية فيقول: "إن ذلك البرهان الناطق له شخصية معنوية عظيمة. فإن قلت: ما هو؟ وما ماهيته؟
قيل لك: هو الذي لعظمته المعنوية صار سطحُ الأرض مسجده، ومكةُ محرابه، والمدينة منبره.. وهو إمام جميع المؤمنين يأتمون به صافّين خَلْفَه.. وخطيب جميع البشر يبيّن لهم دساتير سعاداتهم.. ورئيس جميع الأنبياء يزكّيهم، ويصدّقهم بجامعية دينه لأساسات أديانهم.. وسيد جميع الأولياء يرشدهم ويربّيهم بشمس رسالته.."[15].
وهو يرى: "أن متصرف هذا العالم، ومدبّر شؤونه جعل رسالة محمد ﷺ شمساً معنوية للكون.. وجعله أحسن قدوة، وأعظم مرشد، وأكرم سيدٍ للبشرية قاطبة، بدلالة آثاره في الحياة الاجتماعية والمعنوية، والبشرية، وجعل البشرية محتاجة إلى دينه، وشريعته، وحقائقه التي أتى بها في الإسلام حاجتها إلى الرحمة، والحكمة، والعدالة، والغذاء، والهواء، والماء، والضياء.. كل هذه الحجج الكلية القاطعة البالغة اثنتا عشرة حجة، شهادة سامية رفيعة على الرسالة المحمدية.."[16].
إن الأستاذ النورسي يستدل على صدق نبوة محمد ﷺ بالأثر الذي أحدثه في العالم بحيث صار سطح الأرض مسجده، وقديماً تنبه لما يشبه هذا الاستدلال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي البغدادي (ت 513هـ)، فقد جاء عنه أنه قال: "لو اجتمعتُ برئيس الباطنية سلكتُ معه طريقَ الإِزراء على عقله وعقول أتباعه. فكنت أقول: للآمال طرق ووجوه، ووَضْعُ الأمل في جهة الإِياس حُمْقٌ. وقد طبَّقت شريعة الإِسلامُ الأرضَ وتمكنت. فلها مَجْمَع كلَّ سنة بعرفه، وكل أسبوع في الجمعة، ومجامع في المساجد.
فمتى تحدِّثون أنفسكم بتكدير هذا البحر الزاخر وتَمْحِيق هذا الأمر الظاهر في الآفاق، وكلَّ يوم يؤذَّن على مائتي ألف منار باسم هذا الرسول. وغاية ما أنتم عليه حديثٌ في خلوة، لو ظهر لم يُؤْمَن هلاك قائله. فلا أعرفُ أحمقَ منكم "[17].
الدليل الثالث: سيرته وصورته تثبت صدقه: قال رحمه الله: "إن دلائل صدق الرسول ﷺ، وبراهين نبوته لا تنحصر في معجزاته، بل يرى المدققون أن جميع حركاته، وأفعاله، وأحواله، وأقواله، وأخلاقه، وأطواره، وسيرته، وصورته، كل ذلك يثبت إخلاصَه وصدقَه. حتى آمن به كثير من علماء بني إسرائيل بمجرد النظر إلى طلعته البهية، أمثال: عبد الله بن سلام الذي قال: "فلما اسْتَبنتُ وجهَهُ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كاذب"[18].
الدليل الرابع: إن خطابه تسمعه العصور جميعاً:
إن الرسول الحبيب ﷺ، يتكلم باسم عالم الغيب متوجهاً إلى عالم الشهادة، معلناً على رؤوس الأشهاد من الجن والأنس، مخاطباً الأقوام المتراصين وراء العصور المقبلة، فيناديهم جميعاً نداء رفيعاً سامياً يسمعهم قاطبة في جميع الأعصار أينما وجدوا، وحيثما كانوا... نعم .. نعم نسمع!. إن خطابه هذا رفيع إلى حد تسمعه العصور جميعاً.. نعم، إن كل عصر يسمع رجع صدى كلامه. وقد أعلن دعوته جهاراً بكل ما آتاه الله من قوة حتى جعل نصف الأرض، وخمس البشرية يلبون أوامره، ويقولون لكل كلمة صدرت منه: سمعنا وأطعنا.
الدليل الخامس: يبلّغ بكل ثقة واطمئنان، وبلا تردد ولا اضطراب حتى عندما تحدق به المخاطر، ويتحدى وحده العالم كله: إننا نرى في أحواله وسيرته المطهرة أنه يرى ثم يبلّغ في ضوء ما يرى، لأنه يبلّغ حتى عندما تحدق به المخاطر، بلا تردد ولا اضطراب، وبكل ثقة، واطمئنان، بل قد يتحدى وحده العالم كله.
الدليل السادس: تربيته راسخة، ودساتيرها تنقش في جباه العصور وصحائف الأقطار: إنه يدعو بإخلاص كامل، وبجدية تامة فيرّبي تربية راسخة، بحيث إن دساتيرها تنقش في جباه العصور، وصحائف الأقطار، ووجوه الدهور"[19].
ومن ذلك تربيته لأصحابه: قال المؤلف: "فإن شئت أن تعرف أنَّ ما يحرّكه إنما هو قوة قدسية، فانظر إلى إجراآته في هذه الجزيرة الواسعة! ألا ترى هذه الأقوام المختلفة البدائية في هذه الصحراء الشاسعة، المتعصبين لعاداتهم، المعاندين في عصبيتهم وخصامهم، كيف رفع هذا الشخص جميعَ أخلاقهم السيئة البدائية وقلعها في زمان قليل دفعة واحدة؟ وجهّزهم بأخلاق حسنة عالية؛ فصيّرهم معلمي العالم الإنساني وأساتيذ الأمم المتمدنة.."[20].
الدليل السابع: قدرته الفائقة على تغيير العادات الاجتماعية:
قال المؤلف: "من المعلوم أن رفعَ عادةٍ صغيرة - كالتدخين مثلاً - من طائفة صغيرة بالكلية، قد يَعْسَرُ على حاكم عظيم، بهمّةٍ عظيمة، مع أنا نرى هذا النبي الكريم ﷺ قد رفع بالكلّية، عاداتٍ كثيرة، من أقوام عظيمة، متعصبين لعاداتهم، معاندين في حسيّاتهم، رفعها بقوةٍ جزئية، وهمّة قليلة في ظاهر الحال، وفي زمان قصير، وغَرَسَ بدَلَها برسوخ تامٍ في سجيتهم عادات عالية، وخصائلَ غالية.."[21].
الدليل الثامن: قوته النفسية في تبليغ الحق، وإظهار الحقيقة:
قال المؤلف: "اعلم! إن كنت عارفاً بسجية البشر أنه لا يتيسّر لعاقل أن يدّعي - في دعوىً فيها مناظرة - كذباً يخجل بظهوره، وأن يقوله بلا حرج وبلا تردد وبلا اضطراب يشير إلى حيلته، وبلا تصنع وتهيج يوميان إلى كذبه، أمام أنظار خصومه النقّادة..
نعم! إن الحق أغنى من أن يَدلس، ونظر الحقيقة أعلى من أن يُدلس عليه! نعم! إن مسلكه الحق مستغنٍ عن التدليس، ونظرَه النفّاذ منزّهٌ من أن يلتبس عليه الخيالُ بالحقيقة"[22].
الدليل التاسع: أنه استطاع أن يحوِّل الكائنات، والإنسان من العبثية، والتفاهة، وملعبة المصادفة إلى الحكمة، وصيَّر ليلَ البشر نهاراً، وشتاءه ربيعاً؛ فكأن الكائنات تبدَّل شكلُها فصار العالَم ضاحكاً مسروراً بعدما كان عبوساً قمطريراً..[23].
الدليل العاشر: صدقه في صلاته وتضرعاته ودعائه:
قال المؤلف: "فإن شئت فانظر إليه وهو في الصلاة الكبرى، التي بعظمة وسعتها صيّرت هذه الجزيرة بل الأرض مصلين بتلك الصلاة الكبرى.. ثم انظر إنه يصلي تلك الصلاة بهذه الجماعة العظمى، بدرجة كأنه هو إمامٌ في محراب عصره، واصطفَّ خلفَه مقتدين به جميعُ أفاضل بني آدم، من آدم(عليه السلام) إلى هذا العصر إلى آخر الدنيا في صفوف الأعصار مؤتميّن به، ومؤمِّنين على دعائه... "[24].
وقال أيضاً: "وقد أظهر عبودية وعبادة عظيمتين بحيث وحّد المبدأ والمنتهى، من دون تقليد لأحد، ملاحظاً أدق أسرار العبادة، ومراعياً لها حتى في أشد الأوقات اضطراباً، وأدَّاها على أتم وجه وأتقنه.. وهذه حالة لا مثيل لها. وكذا قد تضرع إلى خالقه الكريم ودعا دعوات لطيفة رقيقة بحيث لم يبلغ أحد مرتبة تلك الدعوات والمناجاة إلى هذا الزمان برغم تلاحق الأفكار"[25].
المطلب الثالث: المعجزات التي أكرمه الله بها:
1- ثبوتها، وأهميتها: "هذه المعجزات بمجموعها الكلي ثابتة قطعية كقطعية ثبوت دعوى النبوة، حتى إن إسناد المعجزات إلى السحر الذي يورده القرآن الكريم في مواضع كثيرة على لسان الكفار الألداء ليشير إلى أنهم لم ينكروا وقوع المعجزات ولم يسعهم ذلك، وإنما أسندوها إلى السحر خداعاً لأنفسهم وتغريراً بأتباعهم[26].
وقد فصَّل المؤلف في ثبوت المعجزات كثيراً، وفي عدد من المواضع، علماً بأنه توسع في بحثه في الأساس الثالث من الأسس التي قدمها بين يدي رسالته المعجزات الأحمدية، ولا غرابة في ذلك؛ لأن المؤلف أراد أن يثبت حقائق الإيمان في عصر الانبهار بالمناهج المادية الوضعية، الوافدة من الغرب، ومحاولة تطبيقها على الموروثات الدينية النقلية[27]. وهو يرى أن هذه المعجزات بأنواعها تمثل برهـاناً قوياً لا يـتزلـزل على النـبوة الصادقة.
2- عددها: يقول المؤلف رحمه الله: "لقد أعلن الرسول الكريم ﷺ النبوة، وقدّم برهاناً عليها، وهو القرآن الكريم، وأظهر نحو ألفٍ من المعجزات الباهرة، كما هو ثابت لدى أهل التحقيق من العلماء"[28].
3- طبيعتها: إن معجزات الرسول ﷺ كثيرة جداً ومتنوعة جداً، وذلك لأن رسالته عامة وشاملة لجميع الكائنات؛ لذا فله في أغلب أنواع الكائنات معجزات تشهد له، ولنوضح ذلك بمثال: لو قَدِم سفير كريم من لدن سلطان عظيم لزيارة مدينة عامرة بأقوام شتى، حاملاً لهم هدايا ثمينة متنوعة، فإنَّ كل طائفة منهم ستُوفد في هذه الحال ممثلاً عنها لاستقباله باسمها، والترحيب به بلسانها.
كذلك لما شرَّف العالَم السفيرُ الأعظم ﷺ لملك الأزل والأبد، ونوَّره بقدومه مبعوثاً من لدن رب العالمين إلى أهل الأرض جميعاً، حاملاً معه هدايا معنوية، وحقائق نيّرة تتعلق بحقائق الكائنات كلها، جاءه من كل طائفة مَن يرحِّب بمقدمه، ويهنؤه بلسانه الخاص، ويقدِّم بين يديه معجزة طائفته تصديقاً بنبوته، وترحيباً بها، ابتداء من الحجر والماء والشجر والإنسان، وانتهاء بالقمر والشمس والنجوم، فكأن كلاً منها يردد بلسان الحال: أهلاً ومرحباً بمبعثك"[29].
4- أهم المعجزات بعد القرآن عند المؤلف:
لابد من الإشارة إلى أن أهم معجزتين بعد القرآن عند المؤلف هما المعراج، وانشقاق القمر، بدليل أنه أفرد لهما رسالتين، وقد أشار إلى ذلك في رسالة المعجزات الأحمدية[30].
وهو يرى: "أن الرسول الكريم ﷺ أظهر المعجزة العظمى معجزة "المعراج" لأهل السماء كما أظهر لأهل الأرض معجزة "انشقاق القمر".
5- أنواعها، وعبقرية المؤلف في حسن تصنيفها:
مما يتميز به المؤلف رحمه الله القدرة الفائقة على الترتيب والتقسيم، وضم النظير إلى نظيره، وقد ظهر ذلك واضحاً في بحثه للمعجزات؛ فقد صنفها في خمسة عشر نوعاً، وقد ذكر شواهد على كل نوع منها، ومن أراد الاطلاع عليها فهي مفصلة في رسالة المعجزات الأحمدية. وهي كالآتي:
النوع الأول: إخباره ﷺ عن الأمور الغيبية المستقبلية، وفيه ما يقارب من (70) شهادة.
النوع الثاني: المعجزات النبوية التي تخص بركة الطعام[31]، وفيه(16) شاهداً.
النوع الثالث: المعجزات التي تتعلق بالماء[32]، وفيه تسعة شواهد، وهذه المعجزة كما يقول المؤلف: "أعظم وأسمى من تفجير موسى عليه السلام الماء من اثنتي عشر عيناً من الحجر؛ لأن انفجار الماء من الحجر شيء ممكن له نظيره حسب العادة، ولكن لا نظير لفوران الماء من اللحم والعظم كالكوثر السلسبيل[33].
النوع الرابع: امتثال الأشجار لأوامره ﷺ [34].
النوع الخامس: معجزة حنين الجذع[35]، قال المؤلف رحمه الله: "لم يتحمل الجذع فراقه ﷺ، وحينما كان الحسن البصري يحدّث بهذا طلابه يبكي ويقول: "يا عباد الله! الخشبةُ تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقاً إليه لمكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه". ونحن نقول: نعم! إن الاشتياق إليه ومحبته إنما هو باتباع سنته السنية، وشريعته الغراء[36].
النوع السادس والنوع السابع: المعجزة النبوية في الأحجار، والجبال من الجمادات[37]، وذكر فيه ثمانية شواهد.
النوع الثامن: قدرته على التصرف في التراب وغيره[38].
لم يصرح المؤلف بهذا العنوان، ولكنه قال: أمثلة ثلاثة مهمة ترتبط بالإشارة الحادية عشرة، وقد ذكر في هذا النوع ستة شواهد.
النوع التاسع: شفاء المرضى والجرحى بنفثه المبارك ﷺ،[39] وذكر فيه (14) شاهداً، ستة منها تتعلق بالأطـفال، وهي إشارة جميلة تفرد المؤلف بذكرها.
النوع العاشر: الخوارق التي ظهرت بدعائه ﷺ [40]. وقد ذكر في هذا النوع (40) شاهداً من الشواهد التي تدل على إجابة دعائه، وقد صنفها في تسعة أنواع.
النوع الحادي عشر: معرفة جنس الحيوان للنبي ﷺ وإظهاره معجزاته،[41] وذكر فيه خمسة شواهد.
النوع الثاني عشر: معرفة الموتى للرسول الكريم ﷺ، وقد ذكر أربعة شواهد،[42]
النوع الثالث عشر: خدمة الملائكة للنبي ﷺ، وظهورهم له[43]، وذكر فيه عشرة شواهد،
ثم قال المؤلف بعد أن أورد الشواهد: "فأمثلة رؤية الملائكة هذه كثيرة جداً، وجميع هذه الوقائع تظهر نوعاً من المعجزات الأحمدية، وتدل على أن الملائكة تحوم كالفراش حول نور نبوته".
النوع الرابع عشر: إيمان الجن به ﷺ، وطاعتهم له، وقد ذكر فيه ثلاثة شواهد.
قال المؤلف: "وأما خدمة الملائكة للنبي ﷺ وظهورهم له وإيمان الجن به وطاعتهم له، فهو ثابت بالتواتر، وقد صرّح القرآن الكريم بذلك في كثير من آياته الكريمة، وكانت خمسة آلاف من الملائكة طوع أمره - كالصحابة الكرام - في غزوة بدر كما ورد في القرآن الكريم"[44].
النوع الخامس عشر: عصمة الله تعالى للرسول الكريم ﷺ وحفظه له من أذى الناس،[45] وهي معجزة باهرة، وحقيقة جلية نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ (المائدة: 67) وقد ذكر فيه سبعة شواهد.
المطلب الرابع: الإرهاصات:
وهي الخوارق التي ظهرت قبل النبوة، وتُعدّ من دلائل النبوة، لعلاقتها بها.
الدليل الأول: ما أخبرت به التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء عليهم السلام عن نبوة محمد ﷺ، وهو ثابت بنص القرآن الكريم[46]. وهي من الإرهاصات: أي: الخوارق التي ظهرت قبل النبوة، وتُعدّ من دلائل النبوة، لعلاقتها بها.
ثم استدل بثلاث حجج قاطعة تدل على وجوده:
الحجة الاولى: إن الرسول ﷺ تلى عليهم آيات كريمة يتحداهم بها، ومع هذا لم يتقدم حبر من أحبار اليهود، ولا قس من قسس النصارى إلى إظهار خلاف ما يقوله ﷺ، ولو وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من بذل النفوس والأموال، وتخريب الديار.
الحجة الثانية: لقد خالطت آيات التوراة والانجيل والزبور كلماتٌ غريبة عنها، لتوالي ترجماتها، والتباس كلام المفسرين وتأويلاتهم الخاطئة مع آياتها، فضلاً عن التحريف فيها كما بين ذلك العلامة المشهور رحمة الله الهندي[47]. ومع ذلك فقد استخرج في هذا العصر العالم المشهور حسين الجسر مائة وعشرة أدلة في كتابه "الرسالة الحميدية"
ثم إن كثيراً من علماء اليهود والنصارى قد أقروا: أن في كتبنا أوصاف النبي محمد ﷺ، منهم هرقل من ملوك الروم، وصاحب مصر المقوقس، وابن صوريا، وابن أخطب، وأخوه كعب بن أسد، والزبير بن باطيا وغيرهم من علماء اليهود ورؤسائهم".
إيمان كثير من مشاهير علماء اليهود والنصارى بالإسلام بعدما رأوا أوصاف النبي ﷺ في كتبهم..". ثم ذكر ما يقارب من عشرين رجلاً منهم.
الحجة الثالثة: وجود آيات من التوراة والإنجيل والزبور التي تبشر بالرسول ﷺ، وقد ذكر عشرين نصاً منها[48].
الدليل الثاني: أخبار الكهان والأولياء العارفين بالله في عهد الفترة[49]- أي قبل البعثة النبوية-، والهواتف[50] وبعض ذبائح النُّصب، وبعض الأحجار، وشواهد القبور، وهي من الإرهاصات، وهي كثيرة جداً، قال المؤلف: "فلا نذكر منها الاّ ما هو منتشر ومشهور ومقبول لدى رجال السير والتأريخ"، وقد ذكر ما يقارب من عشرين شاهداً.
الدليل الثالث: الآيات والحوادث التي ظهرت عند مولده ﷺ،[51] وهو يرى أن كل نوع من المخلوقات قد أظهر معجزاته بما يشبه الترحيب به، وكأنه يقول بلسان المعجزة: أنت صادق في دعوتك". وهي كثيرة جداً، وقد ذكر عشرة شواهد، ثم قال: "لقد ظهرت حوادث كثيرة وأشخاص كثيرون لتأييد نبوة محمد ﷺ قبل بعثته".
المطلب الخامس: الشريعة التي بعث بها:
من المباحث المهمة التي أشار المؤلف إليها استدلاله على نبوة محمد ﷺ بالشريعة التي بعث بها فهو يرى أن "الشريعة الغراء التي لم يأت ولا يأتي مثلها هي معجزة أخرى عظيمة للرسول الكريم ﷺ حتى اتفق الأعداء والأصدقاء عليها.. ثم أضاف قائلاً: "نحيل تفصيل هذه المعجزة وبيانها إلى جميع ما كتبناه من "الكلمات" الثلاث والثلاثين، و"المكاتيب" الثلاثة والثلاثين و"اللمعات" الاحدى والثلاثين و"الشعاعات" الثلاثة عشر[52]. وقال أيضاً: "نعم، إنه مع كونه أمياً لم يتعلم القراءة والكتابة، فقد أتى بدين أوقع عقلاء أربعة عشرة قرناً وفلاسفتها في حيرة وإعجاب وانبهار، وفاق الأديان السماوية، وقد أظهره دفعة واحدة من دون أن يكون له تجربة مسبقة .. وهذه حالة لامثيل لها. وقد أتى بشريعة غراء عظيمة بحيث أدارت بقوانينها العادلة خمس البشر طوال أربع عشرة قرناً من الزمان إدارة حققت له الرقي المادي والمعنوي، وهذه حالة لا مثيل لها"[53].
المبحث الثاني: دراسة دلائل نبوة محمد ﷺ، التي أضافها:
أفردت هذا المبحث لدراسة دلائل نبوة محمد ﷺ، التي أضافها المؤلف، وهي بحق إضافات متميزة كانت حصيلة فكره النير، وفهمه الوقاد، وسأجعل ذلك في سبعة مطالب، وهي:
المطلب الأول: حقائق الإيمان تشهد على نبوته:
من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها استدلاله على نبوة محمد ﷺ بحقائق الإيمان، وبيان ذلك بالآتي:
الأول: شهادة جميع حقائق الإيمان على تصديقه:
"أي: إن حقائق أركان الايمان الستة، وتحققها، وصدقها، وصوابها تشهد شهادة قاطعة على رسالة محمد ﷺ، وعلى صدقه وصوابه؛ لأنَّ الشخصية المعنوية لحياة رسالته، وأساس جميع دعاواه، وماهية نبوته، إنما هي تلك الأركان الستة، لذا فإن جميع الدلائل الدالة على تحقق تلك الأركان تدل أيضاً على أن رسالة محمد ﷺ حق وأنه صادق مصدَّق. وكما بينت رسالة "الثمرة" وذيول "الكلمة العاشرة" دلالة سائر الأركان الإيمانية على تحقق الآخرة، كذلك كل ركن من الأركان بحججه معاً حجة على رسالته ﷺ"[54].
الثاني: جميع البراهين التي تثبت التوحيد، أدلة على صدق نبوته:
"إن هذا التوحيد الحقيقي، بجميع مراتبه، وبأتم صورته الكاملة، قد أثبته وأعلنه، وفهّمه، وبلّغه محمد ﷺ، فلابد أن رسالته ثابتة وقاطعة كقطعية ثبوت التوحيد نفسه؛ لأنه: لما كان التوحيد هو أعظم حقيقة في عالم الوجود، وأن الرسول الأعظم ﷺ هو الذي تولى تبليغه وتعليمه بجميع حقائقه، فلابد أن جميع البراهين التي تثبت التوحيد، تكون بدورها براهين لإثبات رسالته، وأدلة على صدق نبوته، فمَن ذا غير محمد ﷺ الذي أدىّ الأمانة على أفضل وجه، وبلّغ الرسالة على أجمل صورة؟[55].
الثالث: التلازم بين الأركان الإيمانية، وشهود الكائنات:
”اعلم! إن بين الإيمان بالله، والإيمان بالنبيّ ﷺ، والإيمان بالحشر، والتصديق بوجود الكائنات تلازماً قطعياً، وارتباطاً للتلازم في نفس الأمر بين وجوب الألوهية، وثبوت الرسالة، ووجود الآخرة، وشهود الكائنات بدون غفلة“[56].
الدليل الرابع: إثبات نبوة الأنبياء تثبت نبوة محمد ﷺ:
قال رحمه الله: "ولما كانت النبوة محققة وثابتة في الجنس البشري، وأن مئات الألوف من البشر جاءوا فأعلنوا النبوة[57]، وقدّموا المعجزات برهاناً وتأييداً لها، فلا شك أن نبوة محمد ﷺ تكون أثبت وآكد من الجميع؛ لأن مدار نبوة الأنبياء، وكيفية معاملاتهم مع أممهم، والدلائل، والمزايا، والأوضاع التي دلت على نبوة عامة الرسل أمثال موسى وعيسى عليهما السلام توجد بأتم صورها، وأفضل معانيها لدى الرسول الكريم ﷺ. وحيث إن علة حكم النبوة وسببها أكمل وجوداً في ذاته ﷺ، فإنَّ حكم النبوة لا محالة ثابت له بقطعية أوضح من سائر الأنبياء عليهم السلام"[58].
المطلب الثاني: أسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون تقتضي نبوة محمد ﷺ :
ومن المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها أيضاً استدلاله على نبوة محمد ﷺ بأسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون، وفي هذا يقول: "يصح أن يقال: إن اسم الله "الحكم" و"الحكيم" يقتضيان بداهة نبوة محمد ﷺ ورسالته، ويدلان عليها ويستلزمانها.
نعم! مادام الكتاب البليغ بمعانيه ومراميه، يقتضي بالضرورة معلماً بارعاً لتدريسه، والجمال الفائق يقتضي مرآةً يتراءى فيها، ويُري بها جمالَه وحُسنه، والصنعةُ البديعة تستدعي منادياً داعياً إليها فلابد أن يوجد بين بني البشر- الذي هو موضع خطاب كتاب الكون .. رائدٌ أكمل، ومعلمٌ أكبر، ليرشد الناس إلى ما في ذلك الكتاب الكبير من حِكم .. لذا فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد ﷺ ورسالته.
ثم قال: إن أغلب الأسماء الحسنى؛ "الله، الرحمن، الرحيم، الودود، المنعم، الكريم، الجميل، الرب" وأمثالها، تستلزم الرسالة الأحمدية في أعظم تجلياتها وإحاطتها بالكون كله، استلزاماً قاطعاً لا ريب فيه. فمثلاً: إن الرحمة الواسعة التي هي تجلي اسم "الرحيم" تظهر بوضوح بمَن هو "رحمة للعالمين".. وإن التحبب الإلهي، والتعرف الرباني- اللذين هما من تجليات اسم "الودود" - يفضيان إلى نتيجتهما ويجدان المقابلة بــ حبيب رب العالمين.. "[59].
المطلب الثالث: تأثيره في العالم
من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها استدلاله على نبوة محمد ﷺ من خلال تأثيره في العالم، وهو وإن لم يصرح بهذا العنوان إلا أن الأمور التي ذكرت هنا تتفق معه، ولهذا سأذكر ثلاثة أمور للتدليل على ذلك:
الأول: سرعة انتشار دينه، وكثرة من صدقه على مر العصور:
قال المؤلف: "ثم انظر! كيف أحاط نورُهُ ودينُه بالشرق والغرب في سرعة البرق الشارق، وقد قَبِل بإذعان القلب ما يقرُب من نصف الأرض، ومن خُمس بني آدم هديةَ هدايته، بحيث تفدي له أرواحها. والسبب في ذلك أنه أصبح الشمس المعنوية للكون ..[60].
وقال أيضاً:"ولقد صدّق بنبوته مئات الألوف من الناس المتباينين في الفكر بمئات الألوف من الطرق"[61].
الثاني: كثرة ظهور العلماء والصالحين في أمته: يقول المؤلف: "فلنرجع القهقرى، ولننظر عصراً عصراً، كيف اخضرت تلك العصور واستفاضت من فيض هذا العصر؟ نعم، ترى كل عصر نمر عليه قد انفتحت أزاهيرُه بشمس عصر السعادة، وأثمر كلُ عصر من أمثال: أبي حنيفة، والشافعي، وأبي يزيد البسطامي، والجنيد، والشيخ عبد القادر الكيلاني، والإمام الغزالي، .. والإمام الرباني ونظائرهم ألوف ثمراتٍ منوراتٍ من فيض هداية ذلك الشخص النوراني"[62].
الثالث: توحيده ﷺ بالعبادة قلوبَ الموحدين: قال المؤلف: "إن النبوة في البشرية فذلكة الخير وخلاصة الكمال وأساسه.. فإن شئت فانظر إلى مثال واحد من بين ألوف الأمثلة على محاسن العبودية التي جاء بها النبي ﷺ وهو: أن النبي ﷺ يوحِّد بالعبادة قلوبَ الموحدين في صلاة العيد والجمعة والجماعة، ويجمع ألسنتهم جميعاً على كلمة واحدة. حتى يقابل هذا الإنسانُ عظمة الخطاب الصادر من المعبود الحق سبحانه بأصوات قلوبٍ وألسنةٍ لا تحد، وبدعواتها، متعاوناً متسانداً، بحيث يُظهر الجميع عبوديةً واسعةً جداً إزاء عظمة أُلوهية المعبود الحق فكأن كرة الأرض برمَّتها هي التي تنطق بذلك الذكر، وتدعو بذلك الدعاء، وتصلّى لله بأقطارها، وتمتثل بأرجائها الأمر النازل بالعزة والعظمة من فوق السموات السبع: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (البقرة: ٤٣).."[63].
المطلب الرابع: شهادة الآل والأصحاب والعلماء على نبوته:
من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها استدلاله على نبوة محمد ﷺ بشهادة الآل والأصحاب والعلماء، وبيان ذلك بالآتي:
الدليل الأول: شهادة آل محمد ﷺ، والذين هم كفو لآل إبراهيم عليه السلام في صلوات التشهد، يشهدون جميعاً وبالاتفاق، وباعتقادهم اليقيني، وبالكشفيات، والمشاهدات، وبالكرامات والإرشاد التي أظهروها في الأمة، فيصدّقون بإيمانهم الراسخ الرسالة المحمدية وصدق الرسول الكريم ﷺ[64].
الدليل الثاني: "شهادة الصحابة الكرام الذين هم أفضل الناس، وأسماهم منزلة بعد الأنبياء عليهم السلام. والذين أداروا العالم من الشرق الى الغرب بالعدل والقسطاس المستقيم بعد أن تنوّروا بنور محمد ﷺ في فترة قصيرة برغم كونهم بدوا ً وأميين. وظهروا على الدول العظمى، وغدوا أساتذة الأمم الراقية ذات الحضارات والعلم والسياسة، ومعلمين لها وسياسيين حكماء عادلين، فحوّلوا ذلك القرن إلى خير القرون وعصر السعادة. فإن إيمان هؤلاء الصحابة الكرام البالغ درجة عين اليقين شهادةٌ صادقة كلية على صدق محمد ﷺ وعلى أحقية رسالته"[65].
الدليل الثالث: إن ملايين العلماء المدققين، والمحققين الصديقين، ودهاة الحكماء المؤمنين.. والمجتهدين، والفلاسفة الدهاة من أمثال ابن سينا وابن رشد الذين آمنوا إيمانا منطقياً وعقلياً يشهدون على صدق هذا المعلم الأكبر، وصواب هذا الأستاذ الأعظم، وعلى أحقيّة كلامه ﷺ. فشهادتهم هذه حجة واضحة كالنهار على صدقه، وصواب رسالته.."[66].
المطلب الخامس: شهادة الكون على نبوته ﷺ:
من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها أيضاً استدلاله على نبوة محمد ﷺ بالكون، وهو يرى أن دليل الكون من الأدلة الآفاقية على صدق نبوة محمد ﷺ، وفي هذا يقول: "هذا الكون كما أنه يدل على صانعه، وكاتبه، ومصوره الذي أوجده، والذي يديره، وينظمه، ويتصرف فيه بالتصوير، والتقدير، والتدبير، كأنه قصر باذخ، أو كأنه كتاب كبير، أو كأنه معرض بديع، أو كأنه مشهر عظيم، فهو كذلك يستدعي لامحالة وجود من يعبّر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ، ويعلَم ويعلّم المقاصد الالهية من وراء خلق الكون،.. أي: يقتضي داعياً عظيماً، ومنادياً صادقاً، وأستاذاً محققاً، ومعلماً بارعاً، فالكون من حيث هذا الاقتضاء يدل ويشهد شهادة قوية وكلية على صدق النبي الكريم ﷺ وصوابه الذي هو أفضل من أتم هذه الوظائف والمهمات. وعلى كونه أفضل وأصدق مبعوث لرب العالمين. فيشهد الكون قائلاً: أشهد أن محمداً رسول الله"[67].
وقال أيضاً: "فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد ﷺ ورسالته"[68].
المطلب السادس: نظام عالم الحيوان يدل على نبوته:
من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها أيضاً استدلاله على نبوة محمد ﷺ بنظام عالم الحيوان، فهو يرى: "أن القدرة الأزلية التي لا تترك النملة من دون أمير، والنحل من دون يعسوب لا تترك البشر من دون نبي، من دون شريعة، نعم هكذا يقتضي سر نظام العالم"[69].
ومن إبداعاته الجميلة في هذا الباب حديثه عن البلبل، فهو يرى أن بلبل القرآن لبني آدم، والعندليب العظيم لنوع البشر محمد الأمين ﷺ، وفي هذا يقول -وهو يتحدث عن وظائف البلبل والغاية من خلقه-: "إن نغماته الحزينة وأصواته الرقيقة ليست شكاوى نابعة من تألمات حيوانية، بل هي شكر وحمد وثناء تجاه العطايا الرحمانية. وقس على البلبل؛ بلابل النحل، والعنكبوت، والنمل، والهوام، والحيوانات الصغيرة، فلكل منها غايات كثيرة في أعمالها، أدرج فيها ذوق خاص، ولذة مخصوصة، كمرتّب وكمكافئة جزئية، فهي تخدم غايات جليلة لصنعة ربانية بذلك الذوق. بمعنى أن لكل نوع من أنواع الموجودات بلبله الخاص به، فهو رئيس حلقة ذكر خاص بهم. بل حتى لنجوم السماء بلبلها الخاص بها، يشدو بأنواره، ويترنم بأضوائه.
ولكن.. أفضل هذه البلابل طراً، وأشرفها، وأنورها، وأبهرها، وأعظمها، وأكرمها، وأعلاها صوتاً، وأجلاها نعتاً، وأتمّها ذكراً، وأعمّها شكراً، وأكملها ماهية، وأحسنها صورة، هو الذي يثير الوجدَ، والجذب، والشوق في الأرض والسماوات العلى، في بستان هذا الكون العظيم، بسجعاته اللطيفة وتضرعاته اللذيذة، وتسبيحاته العلوية.. وهو العندليب العظيم لنوع البشر، في بستان الكائنات، بلبل القرآن لبني آدم، محمد الأمين، عليه وعلى أله وأمثاله، أفضل الصلوات وأجمل التسليمات"[70].
المطلب السابع: الحياة تشهد لنبوته:
من المباحث المهمة التي تميز المؤلف بها استدلاله على نبوة محمد ﷺ بالحياة، فهو يرى أن حياة محمد ﷺ - المادية والمعنوية - حياة لحياة الكون، وفي هذا يقول:
"إن الحياة التي في الكون كمـا أنـها تدل - بصـورة قاطعـة - عـلى "الحي الازلي" سبحانه وتعالى، وعلى وجوب وجوده، تدل كذلك على شعاعات تلك الحياة الأزلية، وتجلياتها، وارتباطاتها، وعلاقاتها بأركان الإيمان مثل (إرسال الرسل) و(إنزال الكتب) وتثبتهما رمزاً. ولا سيما "الرسالة المحمدية" و"الوحي القرآني". إذ يصح القول، أنهما ثابتان قاطعان كقطعية ثبوت تلك الحياة، حيث إنهما بمثابة روح الحياة وعقلها. إن حياة محمد ﷺ - المادية والمعنوية - بشهادة آثارها حياة لحياة الكون، والرسالة المحمدية شعور لشعور الكون ونور له"[71].
المبحث الثالث: التحليل، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: أهمية دلائل النبوة، وضرورة بحثها:
قد يسأل سائل فيقول: ولماذا كل هذا الجهد الذي بذله المؤلف في إثبات نبوة محمد ﷺ؟ والجواب: أنه كان يرى أن النبوة مقصد من مقاصد القرآن الكريم، وأنها ضرورية للحياة البشرية ضرورة الغذاء والهواء والماء والضياء، بل يرى أنها ضرورية للحياة الكونية؛ "فكما تستلزم الشمس الضوء، ويستلزم الضوء النهار، فالحِكَم المبثوثة في آفاق الكون وجنباته تستلزم نبوة محمد ﷺ ورسالته"[72]، بل هي أكبر حقيقة في الكون.
وهو يرى أنها من الأهمية بمكان لنتائجها، وذلك لأن كل مسألة من مسائل السنة النبوية في حكم مؤشر البوصلة الذي يبين اتجاه الحركة في السفن، وهي كمفتاح مصباح يضيء ما لا يحصر من الطرق المظلمة المضرة، وأن أقصر طريق إلى الله، وأكثرها قبولاً لديه، وأقومها هي الطريق التي سلكها وبينها حبيب الله ﷺ، وأنها قد جمعت أصول الآداب وقواعدها، ومن يهجرها ويجافيها فقد هجر منابع الأدب وأصوله، وأنها أفضل دواء، وأنفعه للأمراض الروحية والعقلية والقلبية، ولا سيما الاجتماعية منها، وأن شعاعها لهو الإكسير النافذ، وهي كافية ووافية لمن يبتغي النور؛ فلا داعي للبحث عن نور في خارجها، وأن اتباعها هو أعظم مقصد إنساني، وأهم وظيفة بشرية، وأعظم قانون يتخذه المسلم أساساً في تنظيم حياته، وأن السنن النبوية كالحبال المتدلية من السماء، من تمسك بها نجا [73].
المطلب الثاني: منهجية المؤلف في تصنيف دلائل النبوة:
يرى المؤلف أن دلائل نبوة الرسول ﷺ قسمان: الأول: الحالات التي سُميت بالإرهاصات، وهي الحوادث الخارقة التي وقعت قبل النبوة ووقت الولادة.
الثاني: دلائل النبوة الأخرى وهذا ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: الخوارق التي ظهرت بعده ﷺ تصديقاً لنبوته.
ثانيهما: الخوارق التي ظهرت في فترة حياته المباركة ﷺ. وهذا أيضاً قسمان:
الأول: ما ظهر من دلائل النبوة في شخصه وسيرته وصورته وأخلاقه وكمال عقله.
الثاني: ما ظهر منها في أمور خارجة عن ذاته الشريفة، أي: في الآفاق والكون.
وهذا أيضاً قسمان: قسم معنوي وقرآني. وقسم مادي وكوني. وهذا الأخير قسمان أيضاً:
القسم الأول: المعجزات التي ظهرت خلال فترة الدعوة النبوية، وهي إما لكسر عناد الكفار أو لتقوية إيمان المؤمنين؛ كانشقاق القمر، ونبعان الماء من بين أصابعه الشريفة، وإشباع الكثيرين بطعام قليل، وتكلم الحيوان والشجر والحجر.. وأمثالها من المعجزات التي تبلغ عشرين نوعاً، كل نوع منها بدرجة المتواتر المعنوي، ولكل نوع منها نماذج عدة مكررة.
القسم الثاني: الحوادث التي أخبر عنها ﷺ قبل وقوعها - بما علّمه الله سبحانه - وظهرت تلك الحوادث وتحققت كما أخبر[74].
وواضح من هذا التصنيف أن المؤلف يستدل على صدق نبوته ﷺ بالدلائل الآفاقية، والدلائل الأنفسية، وفي هذا يقول: "واعلم! أنه كما تصدِّقه هذه الدلائل الآفاقية، كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدقّه الدلائل الأنفسية.."[75].
المطلب الثالث: خصائص منهجه في كتابة الدلائل:
إن علماء المسلمين تناولوا قضية ضرورة الرسالة العامة في كتاباتهم الفلسفية وكتبهم الكلامية، فقد جاء في شرح المواقف: "وقالت الفلاسفة إن البعثة واجبة عقلاً لما مر من أن النظام الأكمل الذي تقتضيه العناية الأزلية لا يتم بدون وجود النبي الواضع لقوانين العدالة"[76].
فالفلاسفة الإسلاميون خاضوا في قضية النبوة من شتى النواحي إثباتاً واكتساباً وصفات ومعجزة ولا ضير علينا أن نحيلها إلى أماكنها المحددة لها أي المراجع الفلسفية ككتابات الفارابي، وابن سينا [77]، وابن رشد وغيرهم.
وأما تناول الرسالة المحمدية من الناحية الاستدلالية فخصصوا لها كتباً مستقلة، فالإمام الماوردي (ت450هـ) بكتابه أعلام النبوة، والإمام البيهقي(ت458هـ) بكتابه دلائل النبوة يأتيان في طليعة من اهتم بها من القدامى.
وأما في العصر الحاضر فقد عني به كثيرون أيضاً من أمثال الأستاذ أبو زهرة المصري، وسعيد حوى، ومحمد عطية الأبراشي، وغيرهم، فجميع هؤلاء تناولوا قضية الرسالة المحمدية من الناحية الاستدلالية وحاولوا جهدهم الاحتجاج عليها بالمعطيات العقلية، وأن يثبتوا صدق رسالة سيدنا محمد ﷺ بالبرهنة العقلية والمنطقية السديدة.
وأما المادة التي استعملها القدماء والمحدثون في هذا السياق فيمكن أن يجمع تحت خمس عناوين رئيسة وهي: إثباتها بالقرآن المعجز، وبالمعجزات التي أظهرها الله على يديه ﷺ التي تبلغ ألف معجزة على حد تعبير النورسي[78]، والبيهقي من قبله[79]، والإرهاصات، والسيرة الذاتية والشمائل الشريفة للذات المحمدية التي تجمع العجب العجاب من المحاسن الإنسانية، والكمالات الراقية التي لا تجمع في إنسان ما لم يمد بالمدد الإلهي، والعناية الربانية. والشريعة التي جاء بها، فهذه العناوين الخمس هي مادة الاستدلال والاحتجاج على الرسالة المحمدية من قديم الزمان.
وأما إذا قاربنا الإمام النورسي ولاحظنا تناوله لقضية إثبات الرسالة المحمدية عن كثب فنجده بحراً لا يدرك غوره، ونجد المادة التي استعملها في هذا الباب أغنى ما يكون جمعاً، وأكثر ما يكون استيعاباً، وأحسن ما يكون شمولاً[80]. ولا بأس أن أذكر بعض خصائص منهجه:
أولاً: إن المؤلف قد أضاف إضافات متميزة كانت حصيلة فكره النير، وفهمه الوقاد، من ذلك: استدلاله بحقائق الإيمان، وبأسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون، وبتأثيره في العالم، وبشهادة الآل والأصحاب والعلماء على نبوته ﷺ، وبشهادة الكون، وبنظام عالم الحيوان، وبشهادة الحياة.
ومن ذلك: حديثه عن شخصية النبي ﷺ الذاتية والمعنوية، وأنها من الأدلة الأنفسية التي تشهد على صدق نبوته ﷺ، وعلى الرغم من أن هذا الدليل قد تناوله الأقدمون، ومنهم الإمام الماوردي في كتابه أعلام النبوة، إلا أن المؤلف قد أضاف جديداً في الأفكار والأسلوب.
ثانياً: وواضح من خلال هذه الإضافات أن المؤلف أكثر من الاستدلال بالأدلة العقلية، لكنه استخرجها من القرآن، ولأن منكري النبوة لا يؤمنون بالقرآن كتاباً منزلاً من عند الله، وهذا يفسر لنا ما كان يراه من أن الواجب إثبات النبوة من الأدلة العقلية، لا من الأدلة النقلية[81].
ثالثاً: إن الدلائل التي استدل بها كانت متنوعة، وكانت شاملة، ويلاحظ أنه حشد لإثبات النبوة كل الأدلة والبراهين النقلية، والعقلية، والوجدانية، واستدل بالأدلة الآفاقية والأنفسية، واستفاد من معطيات العلوم التاريخية والاجتماعية والنفسية والتربوية والإدارية المعاصرة، وذلك لأن المؤلف كان يرى أن رسالته ﷺ عامة وشاملة لجميع الكائنات؛ لذا فله في أغلب أنواع الكائنات معجزات تشهد له[82].
رابعاً: تفسيره لبعض المعجزات: على الرغم من أن المعجزات التي تخص البركة في الطعام والماء من الأمور النقلية إلا أنه يبدي لها تفسيراً، ويبين الحكمة من وقوعها، ويستفيد منها في تدعيم مقصد إثبات النبوة، فهو يرى أن تلك المعجزات التي تخص البركة في الطعام تدل دلالة قاطعة على نبوة محمد ﷺ لعدة أسباب، وهي:
1- أنه ﷺ مأمور محبوب لدى ذلك الرحيم الكريم الذي يمنح الرزق ويخلقه.
2- وهو عبد كريم لديه بحيث يبعث له مستضافات مملوءة بأنواع من الرزقـ خلافاً للمعتاد من العدم ومن خزائن الغيب التي لا تنفد.
3-ومعلوم أن الجزيرة العربية شحيحة بالماء والزراعة، فبناء على هذه الحكمة، فقد ظهرت أهم المعجزات الأحمدية الباهرة ظهوراً في الطعام والماء.
4- فهذه المعجزات إنما هي بمثابة إكرام رباني، وإحسان إلهي، وضيافة رحمانية للرسول الكريم ﷺ، يكرمه حسب الحاجة، فهي إكرام أكثر من أن تكون دليلاً على النبوة. لأن الذين رأوا هذه المعجزات، كانوا مؤمنين إيماناً قوياً بالنبوة. فالمعجزة كلما ظهرت يتزايد الايمان ويتقوى، وهكذا تزيدهم هذه المعجزات نوراً على نور إيمانهم.
المطلب الرابع: أسلوبه:
استخدم المؤلف رحمه الله في حديثه عن دلائل نبوة محمد ﷺ أسلوباً جذاباً يشوق القارئ عند قراءته، مثل: رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وشعاعات من معرفة النبي ﷺ، والكلمات، واللمعات، والمكتوبات، واستعمل فيه مصطلح الإشارة البليغة تارة، والإشارة فقط تارة أخرى. وأكثر من الشواهد النقلية التي تثبت نبوته، ويلاحظ أنه استخدم الأسلوب الوجداني في كثير من المواطن، وأضرب على ذلك بعض الأمثلة:
1- عند حديثه عن المعجزات المتعلقة بالكف النبوية، قال المؤلف رحمه الله:
"لو سطرت هذه القطعة بماء الذهب، ورصّعت بالألماس لكانت جديرة حقاً!
"إن تسبيح الحصى وخشوعه في كفه ﷺ.. وتحول التراب والحصيات فيها كقذائف في وجوه الأعداء حتى ولّوا مدبرين بقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ﴾ (الأنفال: ١٧) وانفلاق القمر فلقتين بأصبع من الكف نفسها كما هو نص القرآن الكريم: ﴿ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر: ١)، وفوران الماء كعينٍ جارية من بين الأصابع العشرة، وارتواء الجيش منه، وكون تلك اليد بلسماً للجرحى وشفاء للمرضى.. ليبيّن بجلاء: مدى بركة تلك اليد الشريفة، ومدى كونها معجزة قدرة إلهية عظيمة.
لكأن كف تلك اليد: زاوية ذكر سبحانية صغيرة بين الأحباب، لو دخلها الحصى لسبّح وذكر، وترسانة ربانية صغيرة تجاه الأعداء لو دخلها التراب لتطاير تطاير القنابل، وتعود صيدلية رحمانية صغيرة للمرضى والجرحى، لو لامست داء لغدت له شفاء.
وحينما تنهض تلك اليد تنهض بجلال فتشق القمر شقين بإصبع منها. وإذا التفتت التفاتة جمال فجّرت ينبوع رحمة يَدفُق من عشر عيون تجري كالكوثر السلسبيل.
فلئن كانت يد هذا النبي الكريم ﷺ موضع معجزات باهرة إلى هذا الحد.. ألا يدرك بداهةً: مدى حظوته عند ربه، ومبلغ صدقه في دعوته، ومدى سعادة أولئك الذين بايعوا تلك اليد المباركة؟[83].
2- وفي تعليقه على امتثال الأشجار لأوامره ﷺ ، يقول:
"تُرى إذا عَرفت الأشجار رسول الله ﷺ وعرَّفَته وصدَّقَتْ رسالته وسلّمت عليه، وزارته، وامتثلت أمره كما رأينا في الأمثلة المذكورة آنفاً ـ فكيف لا يَعرف ولا يؤمن به ذلك البليد الجماد الذي يسمي نفسَه إنساناً؟ أليس هو عارٍ عن العقل والقلب؟ أفلا يكون أدنى من الشجر اليابس، وأتفه من الحطب الذي لا يستحق إلا إلقاءه في النار؟[84].
المطلب الخامس: ذكره لقواعد وضوابط نافعة في فهم الدلائل خصوصاً، وفي فهم السنة عموماً:
ذكر المؤلف في رسالة المعجزات مقدمة مهمة تتضمن ستة أسس لفهمها بصورة سليمة، وإزالة أي غبش يمكن أن يحدث من الاطلاع عليها، وهي وإن كانت ترتبط بنوع الأخبار الغيبية التي تتعلق بالحوادث التي ستصيب الآل والأصحاب من بعده ﷺ ، وما ستلقاه أمته في مُقبل أيامها من المعجزات، إلا أنها قواعد وضوابط نافعة جداً في فهم السنة عموماً، وقد قمت باختصارها، ومن أراد التوسع فعليه الرجوع إلى المصدر.
الأساس الاول: إن جميع أحوال الرسول الكريم ﷺ وأطواره يمكن أن تكون دليلاً على صدقه وشاهداً على نبوته، إلاّ أن هذا لا يعني أن تكون جميعها خارقة للعادة؛ فلو كان ﷺ في جميع أفعاله خارقاً للعادة، خارجاً عن طور البشر، لما تسنّى له ان يكون أسوةً يُقتدى به؛ لذا ما كان يلجأ إلى إظهار المعجزات إلا بين حين وآخر، عند الحاجة، إقراراً لنبوته أمام الكفار المعاندين.
الأساس الثاني: إن الرسول الكريم ﷺ بشر، فهو يتعامل مع الناس انطلاقاً من بشريته هذه. وهو كذلك رسول، وبمقتضى الرسالة هو ناطق أمين باسم الله تعالى ومبلّغ صادق لأوامره سبحانه، فرسالته تستند إلى حقيقة الوحي. ولهذا لا يُنظر إلى جميع تفاصيل كل حديث شريف بمنظار الوحي المحض. ولا يُتحرى عن الآثار السامية للرسالة في معاملاته ﷺ وأفكاره التي تجري بمقتضيات البشرية. وحيث إن بعض الحوادث يوحى إليه وحياً مجملاً ومطلقاً وهو بدوره يصوّره بفراسته الشخصية أو حسب نظر العرف العام، لذا يلزم أحياناً التفسير وربما التعبير لهذه المتشابهات والمشكلات التي ينطوي عليها ذلك التصوير[85].
الأساس الثالث: القسم الأعظم مما نقل الينا من دلائل النبوة ومعجزات الرسول ﷺ هو: بالتواتر الصريح أو المعنوي أو السكوتي، وقسم منها بخبر الآحاد، إلا أنه ضمن شروط معينة، ممحّضة اُخذ وقُبل من قبل أئمة الجرح والتعديل من أهل الحديث النبوي فأصبحت دلالته قطعية كالتواتر.
الأساس الرابع: إن قسماً من حوادث المستقبل الذي أخبر عنه الرسول ﷺ هو حوادث كليّة، تتكرر في أوقات مختلفة، وليس بحادثة جزئية مفردة. فالرسول ﷺ قد يُخبر عن تلك الحادثة الكلية بصورة جزئية مبيناً بعض حالاتها، حيث إن لمثل هذه الحادثة الكلية وجوهاً كثيرة، فيبين ﷺ في كل مرة وجهاً من وجوهها. ولكن لدى جمع هذه الوجوه من قبل راوي الحديث في موضع واحد، يبدو هناك ما يشبه الخلاف للواقع.
الأساس الخامس: لم يكن الرسول الأعظم ﷺ يعلم الغيب ما لم يُعلّمه الله سبحانه، إذ لا يعلم الغيب إلا الله فهو ﷺ يبلغ الناس ما علّمه الله اياه.
"الأساس السادس: إن أحوال الرسول ﷺ وأوصافه قد بُيّنت على شكل سيرة وتاريخ. إلا أن أغلب تلك الأحوال والأوصاف تعكس بشريته فحسب، إذ إن الشخصية المعنوية لتلك الذات النبوية المباركة رفيعة جداً، وماهيته المقدسة نورانية إلى حدّ لا يرقى ما ذُكر في التاريخ والسيرة من أوصاف وأحوال إلى ذلك المقام السامي والدرجة الرفيعة العالية[86].
الخاتمة: في نتائج البحث
- توصل البحث إلى أن دلائل نبوة محمد ﷺ في رسائل النور بلغت اثنتي عشر دليلاً، خمسة منها تابع الأستاذ النورسي غيره، وهي: القرآن الكريم. وشخصية النبي ﷺ الذاتية والمعنوية. والمعجزات التي أكرمه الله بها. والإرهاصات، أي: الخوارق التي ظهرت قبل النبوة. والشريعة التي بعث بها.
وعلى الرغم من أن هذه الأدلة قد تناولها الأقدمون، إلا أن المؤلف قد أضاف جديداً في الأفكار والأسلوب. ففي دليل القرآن الكريم، يرى المؤلف أن القرآن بجميع معجزاته معجزة للرسول ﷺ. وأنه وحده يظهر ألفاً من البراهين على نبوته ﷺ.
وفي دليل شخصية النبي ﷺ الذاتية والمعنوية على نبوته يرى المؤلف أن الله جعل رسالته شمساً معنوية للكون، وأنه ﷺ كالشمس دليل بنفسها، وأنه أعطي قوة نفسية في تبليغ الحق، وإظهار الحقيقة، وقدرة فائقة على تغيير العادات الاجتماعية، وأن تربيته كانت راسخة، ودساتيرها تنقش في جباه العصور وصحائف الأقطار، وقد ظهر ذلك جلياً في تربيته لأصحابه، وأن خطابه تسمعه العصور جميعاً، وأنه قد ثبت صدقه في سيرته، وصلاته، وتضرعاته، ودعائه، وحتى في صورته.
وفي دليل المعجزات التي أكرمه الله بها: يرى المؤلف أنها بمجموعها الكلي كانت ثابتة قطعية كقطعية ثبوت دعوى النبوة، وأنها كانت كثيرة جداً، فاقت الألف، وقد ذكر منها ما يقارب من ثلاث مئة شاهد. وكانت متنوعة جداً، ويعلل ذلك بأن رسالته كانت عامة وشاملة لجميع الكائنات، وقد جاءه من كل طائفة مَن يرحب بمقدمه ويهنؤه بلسانه الخاص، ابتداء من الحجر والماء والشجر والإنسان، وانتهاء بالقمر والشمس والنجوم، فكأن كلاً منها يردد بلسان الحال: أهلاً ومرحباً بمبعثك.
وقد ظهرت عبقرية المؤلف في حسن تصنيفها، وتقسيم أنواعها، وترتيبها، وضم النظير إلى نظيره، وتفسيره لبعضها.
- انفرد المؤلف بذكر دلائل أخرى، بلغت سبعة، وتعد من الإضافات العلمية المتميزة في مباحث دلائل النبوة، وهي: حقائق الإيمان. وأسماء الله الحسنى، وتجلياتها في الكون. وتأثيره في العالم من خلال سرعة انتشار دينه، وكثرة من صدقه على مر العصور، وكثرة ظهور العلماء والصالحين في أمته، وتوحيده ﷺ بالعبادة قلوبَ الموحدين. وشهادة الآل والأصحاب والعلماء. وشهادة الكون. ونظام عالم الحيوان. والحياة. كل ذلك أدلة صادقة على نبوته.
- اتضح من البحث أن المؤلف أكثر من الاستدلال بالأدلة العقلية، لكنه استخرجها من القرآن، ولأن منكري النبوة لا يؤمنون بالقرآن كتاباً منزلاً من عند الله، وهذا يفسر لنا ما كان يراه من أن الواجب إثبات النبوة من الأدلة العقلية، لا من الأدلة النقلية.
- إن الدلائل التي استدل بها كانت متنوعة، وكانت شاملة، ويلاحظ أنه حشد لإثبات النبوة كل الأدلة والبراهين النقلية، والعقلية، والوجدانية، واستدل بالأدلة الأنفسية، والآفاقية الكونية ومن خلالها ظهرت أكثر إبداعاته، واستفاد من معطيات العلوم التاريخية، والاجتماعية، والنفسية، والتربوية، والإدارية المعاصرة.
- استخدم المؤلف رحمه الله في حديثه عن دلائل نبوة محمد ﷺ أسلوباً جذاباً يشوق القارئ عند قراءته، مثل: رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وشعاعات من معرفة النبي ﷺ، والكلمة، كما في الكلمة: 19، و31، واللمعة، كما في اللمعة: 11، و30، والمكتوب، كما في المكتوب التاسع عشر، واستعمل فيه مصطلح الإشارة البليغة تارة، والإشارة فقط تارة أخرى، وأكثر من الشواهد النقلية التي تثبت نبوته، ولم يستخدم أسلوب الأبواب والفصول والمباحث.
- ذكر قواعد وضوابط نافعة جداً في فهم الدلائل خصوصاً، وفي فهم السنة عموماً لا سيما عند حديثه عن الأخبار الغيبية المستقبلية، فقد ذكر ستة أسس تعد مقدمات لتوضيح هذه الحقائق.
-------------------------
المراجع:
- إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، للنورسي، ط: 1، إسطنبول، (1334) هـ.
- الجامع لمحمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر، طبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، ط: 2، 1395 هـ - 1975.
- دلائل النبوة، للبيهقي، دار الفكر – بيروت، ط1، 1418-1997.
- الشعاعات، للنورسي، تعريب إحسان قاسم صالحي. دار سوزلر للنشر، ط:5، إسطنبول- 2008.
- شرح المواقف للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، مصورة مطبعة السعادة مصر، 1325-1907.
- الشفاء لابن سينا، تحقيق الأب قنواتي وسعيد زايد، نشر الجمهورية العربية المتحدة.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، دار المعرفة - بيروت، 1379.
-المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت،ط:2، 1392.
- الكلمات، للنورسي، تعريب إحسان قاسم صالحي. دار سوزلر للنشر، ط: 5، إسطنبول – 2008.
- اللمعات، للنورسي، تعريب إحسان قاسم صالحي. دار سوزلر للنشر، ط: 1، إسطنبول -2008.
- مسند أحمد بن حنبل، تحـ: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط:1، 1421.
-المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمسلم بن الحجاج النيسابوري، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
- المثنوي العربي النوري، للنورسي، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، ط:3، شركة سوزلر للنشر، القاهرة 2003.
- المكتوبات، للنورسي، تعريب إحسان قاسم صالحي. دار سوزلر للنشر، ط:5، إسطنبول - 2008.
- المقاصد القرآنية عند الأستاذ النورسي ومقصد الرسالة نموذجاً، للدكتور محمد خليل جيجك، المنشور ضمن بحوث ندوة فقه المقاصد والحكم في فكر بديع الزمان النورسي، ط1، 1430- 2009، شركة سوز- إسطنبول.
- الوفا بتعريف فضائل المصطفى لابن الجوزي، دار المعرفة- بيروت.
-------------------------
[1] وهو أحد كبار العلماء المعاصرين، ولد في قرية نورس من ولاية بتليس، في شرقي تركيا سنة (1293هـ-1877م) وتوفي سنة (1379هـ-1960م) وقد ظهر نبوغه العلمي والدعوي والتربوي من خلال رسائل النور التي تعد تفسيراً للقرآن الكريم عالج من خلالها الأوضاع السائدة في عصره، وقد كتب أغلبها باللغة العثمانية لغة المخاطبين في تركيا آنذاك، وقام الأستاذ إحسان قاسم الصالحي بترجمتها إلى اللغة العربية، وظهرت في تسعة مجلدات، وهي: الكلمات، والمكتوبات، واللمعات، والشعاعات، في مئة وثلاثين رسالة.
وقد كتب حول المؤلف ورسائل النور عدد كبير من الكتب والدراسات والبحوث الجامعية وغيرها، وأقيم عدد من المؤتمرات والندوات العالمية، ولهذا لم أر ضرورة في إفراد مبحث عن المؤلف ورسائله.
[2]اللمعات 536.
[3] ص 165-174 بعنوان: مقدمة في تحقيق النبوة، وقد صدرت الطبعة الأولى سنة (1334) هـ، في إسطنبول.
[4] وقد صدرت الطبعة الأولى سنة ( 1340)هـ، في إسطنبول..
[5] وهي رسالة باللغة التركية، وما أدري هل ترجمت إلى العربية أم لا ؟ .
[6] رسالة الشعاع السابع ص: 166-173، ورسالة الشعاع الخامس عشر، ص: 654-173.
[7] انظر الإشارة الثامنة عشرة من المكتوب التاسع عشر، ص 260.
[8] الشعاعات 313
[9] المكتوب التاسع عشر، ص 119. أما وجوه إعجازه فقد بينها في رسالة "اللوامع".
[10] المكتوب التاسع عشر، ص 122.
[11] انظر خاتمة الكلمة الخامسة والعشرين، ص: 506.
[12] انظر ذلك في المكتوب التاسع عشر - ص: 114
[13] انظر الإشارة السابعة عشرة من رسالة المعجزات الأحمدية من المكتوبات، ص: 226.
[14] انظر الشهادة الثالثة من الشعاع الخامس عشر، ص:665.
[15] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الأولى من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر. ولبيان معنى الشخصية المعنوية ينظر الإشارة الثانية من الكلمة العاشرة، وقطعة من ذيل رسالة المعجزات في المكتوب التاسع عشر، ص: 271.
[16] انظر الشهادة الخامسة عشرة من الشعاع الخامس عشر، ص:667.
[17] انظر الوفا بتعريف فضائل المصطفى لابن الجوزي (ص: 260)
[18] المكتوبات، ص 118. والحديث أخرجه الترمذي في جامعه، برقم (2485) وقال: "هذا حديث صحيح" .
[19] أخذت هذه الأدلة الثلاثة من الإشارة البليغة التاسعة عشرة في رسالة المعجزات الأحمدية، ص: 246-247، والعناوين مستنبط من نصوص المؤلف.
[20] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة السابعة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.
[21] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الثامنة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر..
[22] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة التاسعة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.
[23] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الرابعة والخامسة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.
[24] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الثانية عشرة، والثالثة عشرة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.
[25] انظر الشهادة الأولى من الشعاع الخامس عشر، ص:665.
[26] المكتوبات، ص 118.
[27] وقد كرر الإشارة إلى هذا الموضوع في عدة أماكن من رسالة المعجزات الأحمدية، فانظرها في المكتوبات: ص148، و152، و153، و154، و155، و156، و157، و158، و159، و160، و162، و163، و167، و168، و170، و171، و172، و175، و178، و182، و184، و193-194، و202، و228. وسيجد الباحث من خلال هذه البحوث الإشارة إلى قواعد مهمة في علوم الحديث، لا سيما دفاعه عن قبول خبر الآحاد، يسر الله جمعها ليستفيد منها الباحثون في السنة النبوية وعلومها.
[28] انظر دلائل النبوة للبيهقي، 1/10، وفتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (6/582ــ 583) والمنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (1/2) .
[29] الإشارة البليغة الثالثة من المكتوب التاسع عشر ص 118. وانظر المكتوبات، ص:207.
[30] انظر الإشارة السابعة عشرة من رسالة المعجزات الأحمدية، ص: 228. ثم أحال على رسالة "المعراج" وهي الكلمة الحادية والثلاثون.
[31] ذكره في الإشارة البليغة السابعة من المكتوب التاسع عشر، ص: 148.
[32] ذكره في الإشارة الثامنة من المكتوب التاسع عشر، ص: 157.
[33] المكتوب التاسع عشر، ص: 160.
[34] انظر الإشارة التاسعة من المكتوب التاسع عشر، ص: 163.
[35] ذكره في الإشارة العاشرة من المكتوب التاسع عشر، ص: 168.
[36] المكتوب التاسع عشر، ص: 169-170.
[37] الاشارة الحادية عشرة من المكتوب التاسع عشر، ص: 172.
[38] الاشارة الثانية عشرة من المكتوب التاسع عشر، ص: 175-178.
[39] الإشارة الثالثة عشرة من المكتوب التاسع عشر، ص: 178.
[40] الاشارة الرابعة عشرة.
[41] ذكره في الشعبة الأولى من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 194.
[42] ذكره في الشعبة الثانية من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 198.
[43] ذكره في الشعبة الثانية من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 200.
[44] ذكره في الشعبة الثانية من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 202
[45] ذكره في الشعبة الثالثة من الإشارة الخامسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 203.
[46] القسم الأول من الإشارة السادسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 208.
[47] (1818 - 1891) وذلك في كتابه (إظهار الحق) الذي يعدّ من أدق الدراسات النقدية للتوراة والإنجيل، انظر كتاب: "أكبر مجاهد في التاريخ الشيخ رحمت اللّه الهندي". ترجمه من الأردية أحمد حجازي السقا.
[48] المكتوب التاسع عشر، ص: 219.
[49] القسم الثاني من الإشارة السادسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 219.
[50] والهاتف هو الصوت العالي الذي يُسمَع ممن لا يُرى شخصه.
[51] انظر القسم الثالث من الإشارة السادسة عشرة، من المكتوب التاسع عشر، ص: 224.
[52] الإشارة السابعة عشرة من رسالة المعجزات الأحمدية، ص: 227 .
[53] الشهادة الأولى من الشعاع الخامس عشر، ص:665.
[54] انظر الشهادة الثانية من الشعاع الخامس عشر، ص:657.
[55] اللمعات، ص:553
[56] المثنوي العربي النوري, ص:86.
[57] قال أبو ذر: (قلت: يا رسول اللّه كم وفى عدّة الأنبياء؟ قال: (مائة الف وأربعة وعشرون ألفا، الرسلُ من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً) رواه أحمد في مسنده (36/ 619) رقم(22289).
[58] المكتوبات، ص 118، وانظر أيضا الدليل الرابع من الشعاع السابع، ص:169.
[59] انظر المسألة الثانية من اللمعة الثلاثين، ص:516. ففيها بحث قيم حول علاقة أسماء الله الحسنى بالكون.
[60] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة السادسة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر، ص:254.
[61] انظر الإشارة البليغة الثانية من المكتوب التاسع عشر، ص: 119.
[62] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الثالثة عشرة من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.
[63] المذكِّرة التاسعة من اللمعة السابعة عشرة، ص:185. وانظر رسالة زهرة من المثنوي العربي النوري، ص:279.
[64] الشهادة التاسعة من الشعاع الخامس عشر، ص:662. وانظر أيضا الدليل السابع من الشعاع السابع، ص:169. والمكتوبات، ص:278.
[65] الشهادة العاشرة من الشعاع الخامس عشر، ص:662. وانظر أيضا الدليل السابع من الشعاع السابع، ص:169. والمكتوبات، ص:278.
[66] الدليل السادس من الشعاع السابع، ص: 170. والمكتوبات، ص:278. وانظر الشهادة الحادية عشرة من الشعاع الخامس عشر، ص:662.
[67] الشهادة الرابعة عشر من الشعاع الخامس عشر، ص:665. والمكتوبات، ص:279. وانظر أيضاً النقطة الثالثة من الكلمة الثامنة عشرة، ص: 249. وينظر المثنوي العربي النوري، ص:66.
[68] وينظر المسألة الثانية من اللمعة الثلاثين اللمعات 516.
[69] انظر اللوامع من الكلمات 1/843، انظر رسالة نوى الحقائق الممطبوع في آخر مجلد المكتوبات، ص:611.
[70] انظر الكلمة الرابعة والعشرين - ص: 402 .
[71] اللمعات ، ص:547
[72]للمعات 536.
[73] هذه المعاني مقتبسة من رسالة للمؤلف بعنوان: "مرقاة السنة وترياق مرض البدعة" وهي اللمعة الحادية عشرة من اللمعات، ص:74- 90.
[74] المكتوب التاسع عشر - ص: 117
[75] انظر رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وهي الرسالة الثانية من المثنوي العربي النوري، ص: 55. وأدرجت كذلك ضمن الكلمة التاسعة عشرة، وهي الرشحة الثانية من الذيل الأول للمكتوب التاسع عشر.
[76] شرح المواقف للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، 8/230.
[77] راجع الشفاء لابن سينا، 1 /441-443.
[78] المثنوي، ص66.
[79] دلائل النبوة، للبيهقي، 1/13.
[80] انظر المقاصد القرآنية عند الأستاذ النورسي ومقصد الرسالة نموذجاً، أ.د. محمد خليل جيجك، ص: 160.
[81] انظر إشارات الإعجاز، ص: 310-312.
[82] المثنوي، ص66.
[83] المكتوبات، ص:181.
[84] المكتوب التاسع عشر، ص: 160.
[85] مثال ذلك: سمع الناس - ذات مرة - وهم جلوس عند الرسول ﷺ دوياً هائلاً فقال الرسول ﷺ موضحاً الحدث: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا»". - قلت: هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (2844).
قال الأستاذ النورسي: ولم تمض ساعة حتى جاء الجواب، إذ أتى أحدهم يقول: إن المنافق المشهور الذي ناهز السبعين من عمره قد مات وولّى إلى جهنم وبئس المصير، فكان هذا تأويلاً للتشبيه البليغ الذي ذكره الرسول ﷺ.
فيبحث عن تخريجه، والذي في صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب. فزعم أن رسول الله ﷺ قال: بُعثت هذه الريح لموت منافق، فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات".
[86] انظر الإشارة البليغة الرابعة من المكتوبات، ص: 122-130.
