دلالة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) على الوحدانية الإلهية من منظور رسائل النور
دلالة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم)
على الوحدانية الإلهية من منظور رسائل النور
د. هادي رضوان
جامعة كردستان - ايران
تمهيد
إن مقاصد القرآن الأساسية عند بديع الزمان النورسي أربعة وهو يعتقد أن هذه المقاصد معلومة لدى المحققين. فتفسير النورسي للقرآن الكريم يدور حول هذه الأربعة: إثبات الصانع الواحد والنبوة والحشر الجسماني والعدل. والمقصد الأول يخص الدلائل على الصانع والنبي محمد- صلى الله عليه وسلم- أحد براهينه. ولهذا يتجلى اهتمام النورسي بالسنة النبوية من زوايا مختلفة تدل في إطارها الشمولي على منزلة السنة النبوية في المعرفة والتربية في فكره.
يتحدث النورسي عن شأن وقيمة نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم- وما لها من دلالة على تكريم الإنسان في هذه المرحلة الأخيرة من عمر البشرية. فقد بين أن الإنسان قد ترقى بها من حضيض الحيوانية الذي هوى إليه بعجزه وفقره وبعقله الناقل لأحزان الماضي ومخاوف المستقبل، ترقى إلى أوج الخلافة بتنور ذلك العقل والعجز والفقر. فانظر كيف صارت أسباب سقوطه من عجز وفقر وعقل أسبابَ صعوده بسبب تنورها بنور هذا الشخص النوراني ولو لم يوجد ذلك الشخص لسقطت الكائنات والإنسان وكل شيء إلى درجة العدم لا قيمة لها ولا أهمية[1].
وفي هذا الإطار أراد النورسي أن يوظف كل معارفه الصوفية الإشراقية والكلامية الفلسفية في تصور أهمية النبوة وقيمتها في الحياة الإنسانية ويخص نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم- بالذكر لأهميتها في هذه المرحلة من حياة الإنسان وهو آخر عهد للإنسان بالرسالات الإلهية[2].
ونبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- يعد في منظومة النورسي الفكرية من أجلى وأصدق البراهين على التوحيد. فرسالة الرسول الأكرم برهان على الوحدانية الإلهية كما أن شخصيته أيضاً برهان. والكاتب في هذا المقال يسعى في إلقاء الضوء على هذا الجانب المهم من فكر النورسي الذي بينه في مواضع كثيرة من رسائل النور.
1ـ أهمية النبوة عند النورسي
إن للنبوة كما أشرنا مكانة عظيمة في رسائل النورسي. فهي المقصد الثاني من المقاصد الأساسية التي نزل القرآن الكريم لإثباتها. والقرآن عند النورسي يتوخى هذه العناصر مجتمعة لا ينفك بعضها عن بعض. فلا تجد سورة ولا آية بل ولا كلمة إلا وهي مضمنة هذه العناصر الأصلية. فكما تتراءى هذه المقاصد الأربعة في كل القرآن، كذلك قد تتجلى في سورةٍ سورةٍ بل قد يلمح بها في كلامٍ كلامٍ بل قد يرمز إليها في كلمةٍ كلمةٍ. لأن كل جزء فجزءٍ كالمرآة لكلٍ فكلٍ متصاعداً[3].
والنورسي أراد أن يفسر كل القرآن على هذا الأساس وإن لم يوفق إلا لتفسير سورة الفاتحة وثلاث وثلاثين آية من سورة البقرة في كتابه القيم (إشارات الإعجاز) ولا يخفى أن سائر رسائل النورسي أيضاً يعد تفسيراً للقرآن الكريم.
وتتجلى أهمية النبوة عند النورسي حينما يسميها هو البرهان الأصغر كما يسمي نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم- البرهان الأكبر. فهو يرى أن الإنسان يتمايز من سائر الحيوانات في ثلاث نقاط: 1- إدراك الإنسان وكشفه عن الترتيب في الأشياء 2- استعداد الإنسان غير المتناهي وآماله ورغباته غير المحصورة وأفكاره وتصوراته غير المحدودة وقوته الشهوية والغضبية غير المحددة 3- اعتدال مزاج الإنسان ولطافة طبعه وميله إلى الزينة أي ميله الفطري إلى العيش اللائق بالإنسانية[4].
ثم يقول النورسي: "فإذا علمت هذه الجهات الثلاث من تمايز الإنسان عن سائر الحيوانات، أنتج لك بالضرورة أن النبوة المطلقة في نوع البشر قطب بل مركز ومحور تدور عليه أحوال البشر.... دقق النظر إلى الجهة الأولى أنه لما لم يكف ميل الإنسان الطبيعي وسوق إنسانيته وقصر نظره واختلاط الأوهام في طريق عقله احتاج البشر أشد الحاجة إلى مرشد ومعلم فذلك المرشد هو النبي. ثم تدبر في الجهة الثانية.... فعدم كفاية هذا القانون البشري الحاصل نتيجة تلاحق الأفكار والتجارب التدريجية لإنماء بذور ثمرة استعدادات الإنسان، احتاج إلى شريعة إلهية حية خالدة تحقق له سعادة الدارين معا.... فالذي أتى بالشريعة هو النبي"[5].
2ـ دلالة الرسول الأكرم – صلى الله عليه وسلم- على التوحيد
يتجلى اهتمام النورسي بالسنة النبوية من زوايا مختلفة تدل في إطارها الشمولي على منزلة السنة النبوية في المعرفة والتربية في فكر النورسي. فهو يعتبر النبي الآية الكبرى للقرآن العظيم وهو خاتم ديوان النبوة ولذلك يبدأ النورسي المقصد الثاني من رسالته "صيقل الإسلام" بهذه الكلمة: "اللهم صل على سيدنا محمد الذي دل على وجوب وجودك"[6] وهو كما أشرنا يسمي نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- البرهان الأكبر. فالمسلم الذي لا يعرف محمداً – صلى الله عليه وسلم- ولا يصدق به فلا يعرف الله سبحانه ولا يعرف الآخرة كذلك[7].
وفي الكلمات عندما يشير النورسي إلى ما يعرف لنا ربنا – وهو عنده ثلاثة معرفين أدلاء عظام- يتحدث عن النبي – صلى الله عليه وسلم- ويقول: "لو لم يوجد هذا الشخص لسقطت الكائنات والإنسان وكل شيء إلى درجة العدم لا قيمة ولا أهمية لها. فيلزم لمثل هذه الكائنات البديعة الجميلة من مثل هذا الشخص الخارق الفائق المعرف المحقق. فإذا لم يكن هذا فلا تكن الكائنات إذ لا معنى لها بالنسبة إلينا"[8].
ثم إن ما أتى به النورسي في هذا المجال يدل على أن النبي –صلى الله عليه وسلم- يكون دليلاً على وجود الله تبارك وتعالى بوجهين: بشخصيته المعنوية وبدعوته وهدايته:
"اعلم أن هذا النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم- المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهود بشؤونه العلوية كما أنه برهان ناطق صادق على الوحدانية ودليل حقٍ بدرجة حقانية التوحيد، كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية بل كما أنه بدعوته وبهدايته سبب حصول السعادة الأبدية ووسيلة وصولها، كذلك بدعائه وعبوديته سبب وجود تلك السعادة الأبدية ووسيلة إيجادها"[9].
2ـ1ـ دلالة رسالته
يرى النورسي أن الألوهية لا تكون بلا رسالة، ولهذا يأتي بأدلة متعددة دالة على ضرورة إرسال الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- وهو أعظم الرسل قاطبة. يقول: "نعم يلزم أن يكون لمثل هذا الكون البديع ولصانعه القدوس مثل هذا الرسول الكريم كلزوم الضوء للشمس، لأنه كما لا يمكن للشمس إلا أن تشع ضياءً كذلك لا يمكن للألوهية إلا أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام. فهل يمكن أن لا يرغب جمال في غاية الكمال في إظهار نفسه بوسيلة ودليل يعرفه؟ أم هل يمكن أن لا يطلب كمال في غاية الجمال الإعلان عنه بواسطة يلفت الأنظار إليه؟ أم هل يمكن أن لا تطلب سلطنة كلية لربوبية عامة شاملة إعلان وحدانيتها وصمدانيتها على مختلف الطبقات بوساطة مبعوث ذي جناحين؟ أي ذي صفتين: صفة العبودية الكلية، فهو ممثل طبقات المخلوقات عند الحضرة الربانية وصفة الرسالة والقرب إليه، فهو مرسل من لدنه سبحانه إلى العالمين كافة. أم هل يمكن لصاحب جمال مطلق أن لا يروم أن يشهد هو ويُشهد خلقه محاسن جماله ولطائف حسنه في مرايا تعكس هذا الجمال؟ أي بواسطة رسول حبيب، فهو حبيب لتودده إلى الله سبحانه بعبوديته الخالصة وهو رسول حبيب لأنه يحبب الله سبحانه إلى الخلق بإظهار جمال أسمائه الحسنى"[10].
فالنورسي يرى أن هذا كله ودلائل كثيرة أخرى تدل على ضرورة رسالة محمد –صلى الله عليه وسلم- بل هذه الرسالة نفسها برهان قوي على وجوب الله وتوحيده سبحانه.
وهو في البحث عن هذه الضرورة متأثر بالفكر الصوفي الذي يرى أن الحقيقة المحمدية اصل الكائنات وسبب خلق العالم:
"إن محمداً – صلى الله عليه وسلم- الذي استقبل مظاهر ربوبية رب العالمين وسرمدية ألوهيته وآلائه العميمة التي لا تعد ولا تحصى، استقبلها بعبودية كلية وتعريف لربه الجليل، هذا النبي الكريم ضروري كضرورة الشمس لهذا الكون، إذ هو أستاذ البشرية الأكبر ونبيها الأعظم وفخر العالم القمين بخطاب (لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك) وكما أن حقيقته – أي الحقيقة المحمدية- هي سبب خلق العالم ونتيجته وأكمل ثمراته كذلك تحقق بها وبالرسالة الأحمدية الكمالات الحقيقية للكائنات قاطبة"[11].
و النورسي في كثير من المواضع في رسائل النور يتحدث عن خاتم ديوان النبوة على أنه هو البرهان الثاني من البراهين الثلاثة التي تدل على توحيد الله عز وجل ولكنه في "نقطة من نور معرفة الله جل جلاله" من كتاب المثنوي العربي النوري يعد محمداً –صلى الله عليه وسلم- البرهان الأول ويقول:
"إن مقصودنا ومطلوبنا ﴿لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُ القَيومُ﴾[12]، فمن بين براهينه التي لا تعد نورد هنا أربعة: البرهان الأول هو محمد –صلى الله عليه وسلم-....". ثم يتحدث عن دلالة رسالة هذا الرسول الكريم ويقول: "تلك المعجزة بالرسالة والإسلام فمن حيث الرسالة تتضمن شهادة أعظم إجماع وأوسع تواتر لجميع الأنبياء – عليهم السلام- ومن حيث الإسلام تحمل روح الأديان السماوية كلها وتصديقها المستند إلى الوحي. فالرسول الكريم يبين للبشرية جمعاء وجود الله ووحدانيته في جميع أقواله الصادقة المصدقة بمعجزاته الباهرة وبشهادة الأنبياء – عليهم السلام- وتصديق الأديان كلها. فهو يظهر ذلك النور باسم المصطفين الأخيار من البشرية الذين اتحدوا في هذه الدعوة. تُرى هل يمكن أن يتسلل الباطل إلى مثل هذه الحقيقة الباهرة التي تنال هذا القدر من التصديق وتبصرها العيون النافذة في الحقائق فتراها واضحة جلية خالصة لا شائبة فيها؟ كلا ثم كلا"[13].
و بديع الزمان -كما رأينا في هذه الفقرة- يأتي على سبيل الاختصار بأدلة متعددة على صدق نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم- لتكون هي أقوى وأجلى برهان على توحيد الله تبارك وتعالى. وفي "المكتوبات" يرى أن هذه الأدلة القاطعة لا تعد ولا تحصى ولكنه أتى بتسع منها[14]:
- أولها: اتصافه – صلى الله عليه وسلم- بجميع السجايا الفاضلة والخصال الحميدة حتى شهد بذلك غرماؤه وظهور المعجزات منه.
- ثانيها: كون القرآن الذي بيده –صلى الله عليه وسلم- معجزاً من سبعة أوجه وإن الأمين على كلام الله والمترجم الفعلي له والمبلغ لهذا النبأ العظيم إلى الناس كافة وهو الحق بعينه والحقيقة بذاتها لا يمكن أن يصدر منه كذب قط ولن يكون موضع شبهة أبداً.
- ثالثها: إنه –صلى الله عليه وسلم- قد بعث بشريعة مطهرة وبدين فطري وبعبودية خالصة وبدعاء خاشع وبدعوة شاملة وبإيمان راسخ لا مثيل لما بعث به ولن يكون وما وجد أكمل منه ولن يوجد.
- رابعها: إجماع الأنبياء – عليهم السلام- واتفاقهم على الحقائق الإيمانية نفسها هو دليل قاطع على وجود الله سبحانه وعلى وحدانيته وهو شهادة صادقة أيضاً على صدق هذا النبي –صلى الله عليه وسلم- وعلى رسالته.
- خامسها: إن وصول آلاف من الأولياء إلى الحق والحقيقة وما نالوا من الكمالات والكرامات وما فازوا من الكشفيات والمشاهدات ليس إلا بالاقتداء بهدي دساتير هذا النبي –صلى الله عليه وسلم- وبتربيته.... فهم يشهدون بالإجماع على صدق هذا النبي الكريم.
- سادسها: إن ملايين العلماء المدققين الأصفياء والمحققين الصديقين ودهاة الحكماء المؤمنين.... يثبتون الوحدانية التي هي الأساس لدعوته ويصدقونها متفقين ببراهينهم القاطعة، فإنهم يتفقون كذلك ويشهدون على صدق هذا المعلم الأكبر.
- سابعها: إن الجمع العظيم الذين يطلق عليهم الآل والأصحاب الذين هم أشهر بني البشر.... إن تحري هؤلاء وتفتيشهم وتدقيقهم لجميع ما خفي وما ظهر من أحوال هذا النبي الكريم وأفكاره وتصرفاته..... ثم تصديقهم بالاتفاق والإجماع أنه هو أصدق من في الدنيا حديثاً وأسماهم مكانة وأشدهم اعتصاماً بالحق والحقيقة، فتصديقهم هذا الذي لا يتزعزع مع ما يملكون من إيمان عميق إنما هو دليل با هر كدلالة النهار على ضياء الشمس.
- ثامنها: إن هذا الكون مثلما يدل على صانعه وكاتبه ومصوره الذي أوجده... فهو كذلك يستدعي لا محالة وجود من يعبر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ وحكم ويعلم المقاصد الإلهية من وراء خلق الكون.
- تاسعها: لا جرم أن أحب مخلوق لدى ذلك المتستر بالغيب وأصدق عبدٍ له هو من كان عاملاً خالصاً لمقاصده المذكورة آنفاً ومن يحل السر الأعظم في خلق الكون ويكشف لغزه ومن يسعى دوماً باسم خالقه ويستمد القوة منه.
وكل هذا يدل على أهمية برهان رسالة المصطفى – عليه الصلاة والسلام- على توحيد الباري جل وعلا عند النورسي. فإذا كانت الرسالة الإلهية بهذه القوة وإذا كانت تدل عليها من الدلائل ما لا يعد ولا يحصى- على حد تعبير النورسي- فلا عجب من أن تكون نفسها من أقوى البراهين على وجود الله-تبارك تعالى-
2-2- دلالة شخصيته
هذه هي الجهة الثانية من برهان محمد- صلى الله عليه وسلم- على توحيد الله تبارك وتعالى التي تحدث عنها النورسي وعدها جانبا مهماً من البرهان، بحيث لو تفكر الإنسان فيها وتعمق لأذعن بالتوحيد ولم يبق عنده شك. يقول النورسي:
"ثم انظر إليه من جهة شخصيته(عبوديته) تره مثال المحبة الرحمانية وتمثال الرحمة الربانية وشرف الحقيقة الانسانية وأنور أزهر ثمرات شجرة الخلقة... فهل يمكن للنفس والشيطان أن يناقشا بلا مغالطة في مدعيات مثل هذا الشخص لاسيما في دعوىً هي أساس كل مدّعياته وهو( لا إله إلا الله) بجميع مراتبها؟"[15] .
ثم يتحدث النورسي بطريقته الصوفية الإشراقية الخاصة به عن هذه الشخصية العظيمة في خضم من العاطفة الصادقة النابعة من قلب سليم:
" اعلم إن ذلك البرهان الناطق له شخصية عظيمة. فإن قلت: ما هو ؟ وما ماهيته؟ قيل لك: هو الذي لعظمته المعنوية صار سطح الأرض مسجده ومكة محرابه والمدينة منبره وهو إمام جميع المؤمنين يأتمون به صافين خلفه وخطيب جميع البشر يبين لهم دساتير سعاداتهم ورئيس جميع الأنبياء يزكيهم ويصدقهم بجامعية دينه لأساسات أديانهم.... وقطب في مركز دائرة حلقة ذكر تركبت من الأنبياء والأخيار والصديقين والأبرار المتفقين على كلمته الناطقين بها... فكأن على كل دعوىً من دعاويه خواتم جميع الكاملين إذ بينما تراه قال : ( لا إله إلا الله) وادًعى التوحيد فإذا نسمع من الماضي والمستقبل من الصفين النورانيين- أي شموس البشر ونجومه القاعدين في دائرة الذكر- عين تلك الكلمة فيكرونها ويتفقون عليها مع اختلاف مسالكهم وتباين مشاربهم فكأنهم يقولون بالإجماع: (صدقت وبالحق نطقت) "[16] .
و يذكر النورسي ثلاثة أدلة على عظمة الشخصية المعنوية لهذا النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم-
الأول: أن ثواب جميع الحسنات التي ينالها جميع أفراد الأمة وعلى مدى جميع العصور مكتوب مثله في صحيفة حسناته، لأنه -عليه السلام- هو السبب لكل هذه الحسنات الصادرة عن الأمة والسبب كالفاعل.
الثاني: إن بذرة الشجرة الوارفة للإسلام ومنشأها وحياتها ومنبعها إنما هي حقيقة الماهية المحمدية.
الثالث: إن الإنسان يمثل أعظم مقصد من المقاصد الإلهية في الكون وهو المؤهل لإدراك الخطاب الرباني وقد اختاره سبحانه من بين مخلوقاته واصطفى من بين الإنسان المكرم من هو أكمل وأفضل وأعظم إنسان بأعماله وآثاره الكاملة[17].
هذا لأن الاستناد في مفهومه البسيط قد بني عند النورسي على ما بين الخالق ومخلوقاته – ومحمد أشرف مخلوقاته- من علاقة بها ينتسب المخلوق إلى خالقه نسبة يعتمد عليه في وجوده وحركته في الوجود ويتعلق به تعلقاً لا انفكاك له ولا انفصال، تماماً كتعلق العلة بمعلولها والسبب بمسببه وهو انتساب قهري وتعلق حتمي فإذا انقطع ذلك الانتساب وترك المخلوق بلا سند ولا استناد ترتب عليه من المشكلات ما يصل إلى حد الامتناع العقلي[18] فـ( مادام الكون موجوداً بالفعل ولا يمكن انكاره فلا يمكن أن ينكر كذلك ما هو بمثابة ألوانه وزينته وضيائه وإتقانه وأنواع حياته وأشكال روابطه من الحقائق المشهورة كالحكمة والعناية والرحمة والجمال والنظام والميزان والزينة وأمثالها من الحقائق... فمادام لا يمكن إنكار هذه الصفات والأفعال فلا يمكن إنكار موصوف تلك الصفات ولا يمكن إنكار فاعل تلك الأفعال ونور شمس تلك الأضواء أعني ذات الله الأقدس جل جلاله الواجب الوجود الذي هو الحكيم الرحيم الجميل الحكم العدل....و كذا لا يمكن إنكار من هو مدار لظهور تلك الصفات والأفعال بل من هو مدار لعرض كمالاتها بل تحقق تجلياتها، ذلكم الرسول الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- الرائد الأكبر والمعلم الأول والداعية الأعظم وكشاف طلسم الكائنات والمرآة الصمدانية وحبيب الرحمن"[19].
و في موضع آخر يسمي النورسي هذا الدليل بالدليل الأنفسي ويقول: " واعلم أنه كما تصدقه هذه الدلائل الآفاقية، كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدقه الدلائل الأنفسية؛ إذ اجتماع أعالي جميع الأخلاق الحميدة في ذاته بالاتفاق وكذا جمع شخصيته المعنوية في وظيفته أفاضل جميع السجايا الغالية والفضائل النزيهة وكذا قوة إيمانه بشهادة قوة زهده وقوة تقواه وقوة عبوديته... وكذا كمال وثوقه بشهادة مسيره وكمال جديته وكمال متانته وكذا قوة أميته في حركاته بشهادة قوة اطمئنانه ... تصدقه كالشمس الساطعة في دعوى تمسكه بالحق وسلوكه الحقيقة"[20].
3- برهان بديع
إن أكبر حقيقة في الدنيا في رأي بديع الزمان هي حقيقة الإيمان وحقيقة التوحيد. فالوجود كله- في منظومة تفكير بديع الزمان- ليس إلا مثل آلة نسيج تنسج حقيقة التوحيد وتنقش المعاني الإلهية نقشة نقشة وزخرفة زخرفة. ولهذا فإن النورسي يستعين لكل ما لديه لإثبات هذه الحقيقة ومنه ثقافته الفلسفية والكلامية.
وفي هذا الإطار يتحدث النورسي عن البرهان اللمي والبرهان الإني. فالدليل اللمي استدلال بالمؤثر على الأثر كما أن الدليل الإني عكسه، فهو استدلال بالأثر على المؤثر أو دلالة المعلول على العلة أو المسبب على السبب؛ لهذا يعد الدليل الأني استدلالاً تصاعدياً من الأسفل إلى الأعلى، من الآفاق والأنفس إلى خالقها. ونظراً لتلك الصلة الواضحة بين المقدمات والنتائج اعتبر هذا الدليل من أسلم الأدلة وهذا ما يبرر اعتماد أغلبية من المتكلمين على هذا الدليل بمختلف أشكاله[21].
يكثر النورسي من توظيف هذا الدليل بأشكاله المختلفة ومؤلفاته طافحة بذكر هذا النوع من الأدلة، تجده في مجمل الأدلة الآفاقية والأنفسيه على تعبير النورسي، فجعله عمدته في أدلة الامكان وأدلة الحدوث في أشكالها الشهيرة بالعناية والاختراع.
استدل النورسي بالبرهانين اللمي والإني لإثبات التوحيد والنبوة، حين جعل الكلمة الأولى من كلمتي الشهادة دليلاً على الثانية كما أن الثانية دليل على الأولى أيضاً.
يقول النورسي في المثنوي العربي النورسي:" وكذا فاعلم أنه (لا إله إلا الله) بكل براهينه المذكورة يستلزم (محمد رسول الله)، فمحمد رسول الله كما يتضمن من الإيمان خمسة أركانه، كذلك هو مظهر ومرآة للصفة الربوبية، فبهذا السر صار قريناً موازياً لـ( لا إله إلا الله) في ميزان الإيمان فتأمل"[22].
فالكلمة الثانية برهانٌ إنيٌ على التوحيد والكلمة الأولى برهانٌ لميٌ على النبوة. ويشير في المكتوبات إلى سر هذه المقارنة بعبارة أخرى ويقول:
" تسألون يا أخي في رسالتكم عن كفاية ( لا إله إلا الله) فحسب، أي من دون ذكر (محمد رسول الله) في جعل المرء من أهل النجاة: إن جواب هذا السؤال طويل إلا أننا نقول الآن : إن كلمتي الشهادة لا تنفك إحداهما عن الأخرى ولا تفترقان، بل تثبت إحداهما الأخرى وتتضمنها، فلا تكون إحداهما إلا بالأخرى. وحيث إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- هو خاتم الأنبياء عليهم السلام ووارث جميع المرسلين، فلا شك إنه في مقدمة كل الطرق الموصلة إلى الله وفي رأسها، فليست هناك طريق حقة ولا سبيل نجاة غير جادته الكبرى وصراطه المستقيم"[23].
نتيجة البحث
يمكن أن نلخص نتائج هذا البحث المختصر في ما يلي:
1ـ تعد نبوة محمد- صلي الله عليه وسلم- من أهم البراهين الدالة على التوحيد عند النورسي، فالبراهين التي تعرف لنا ربنا ثلاثة: كتاب الكون وبرهان محمد ومعجزة القرآن، هذا ما أتى به النورسي في أكثر رسائله وفي بعض المواضع يأتي النورسي بهذا البرهان قبل كتاب الكون ومعجزة القرآن ويعُده البرهانَ الأولَ.
2ـ إن لبرهان محمد- صلى الله عليه وسلم- في اثبات التوحيد جهتين: جهة رسالته وجهة شخصيته (عبوديته) وكلتا الجهتين تثبت الوحدانية الإلهية على سبيل الضررة.
3ـ إن في مقارنة كلمتي الشهادة إشارة إلى كون واحدة منها دليلاً صادقاً على الأخرى، فالكلمة الأولى (أشهد أن لا إله إلا الله) برهان لمي على الرسالة والكلمة الثانية (أشهد أن محمداً رسول الله) برهان إني على الوحدانية وهذا أسلوب رائع للنورسي ولم يسبق إليه حسب تقديرنا.
------------------------------
1ـ بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، ط5، 2008م، ص260.
2ـ زياد خليل الدغامين، من قضايا القرآن والإنسان في فكر النورسي، نظرة تجديدية و رؤية إصلاحية، لا تا، ص122-123.
3ـ ينظر: هادي رضوان، بديع الزمان النورسي و نظرية النظم عنده، مجلة الدراسات الإسلامية، الجامعة الإسلامية العالمية، باكستان، العدد الأول، المجلد الثامن والأربعون، صفر-ربيع الثاني1434، ص12.
4ـ بديع الزمان سعيد النورسي، صيقل الإسلام، ترجمة وتحقيق إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، ط5، 2008م ص137.
5ـ نفس المصدر، ص138-139.
6ـ نفس المصدر، ص135.
7ـ نفس المصدر.
8ـ بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، ط5، 2008م ، ص255.
9ـ نفس المصدر، ص255.
10ـ نفس المصدر، ص63.
11ـ بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، ط5، 2008م، 654-655.
12ـ سورة البقرة، الآية255.
13ـبديع الزمان سعيد النورسي، المثنوي العربي النوري، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، ط5، 2008م، ص421-422.
14ـ ينظر: النورسي، الشعاعات، ص166- 171 و المكتوبات، ص274-279.
15ـ النورسي، المكتوبات، ص254.
16ـ نفس المصدر، ص250-251.
17ـبديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، ط5، 2008م ، ص534-535.
18ـ ينظر:الشفيع الماحي أحمد، البعد العقدي في فكر النورسي، لاتا، ص10.
19ـ النورسي، اللمعات، ص517-518.
20ـ النورسي، المكتوبات، ص252.
21ـ عماد جيدل، بديع الزمان النورسي و إثبات الحقائق الإيمانية (المنهج و التطبيق)، لاتا، ص156.
22ـ النورسي، المثنوي العربي النوري، ص123.
23ـ النورسي، المكتوبات، ص429.
