قراءة الأنبياء كتاب الكون من خلال رسائل النور
قراءة الأنبياء كتاب الكون
من خلال رسائل النور
أ.د. زياد خليل الدغامين
كلية الشريعة - جامعة آل البيت – الأردن
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى أله وصحبه ومن والاه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد،
فلعله ما أساء المسلمون في العصر الحاضر كما أساؤوا في منهج قراءة كتاب الكون، حيث نجم عن هذه الإساءة تخلف في مسيرة حياة الأمة، ونكوصها عن اللحاق بركب الأمم على الصعيد العلمي والتكنولوجي. ولعل هذه الإساءة مترتبة عن سوء قراءة كتاب الوحي أيضا، حيث قرئ قراءات محدودة لم تتجاوز في أحسن الأحوال الوصول بالقراءة إلى تحصيل الأجر والثواب بقطع النظر عن الفهم والعمل اللذين توجبهما القراءة الصحيحة لكتاب الوحي.
وعليه، فإن هذا البحث سيتوجه إلى إبراز منهج النورسي في بيان هدي الأنبياء صلوات الله عليهم في قراءة كتاب الكون من منظور رسائل النور، فقد بينت هذه الرسائل المقصود بالكون، ما هو، وما حقيقته، وما حكمة وجوده، وهل ثمة شبه بينه وبين الإنسان، وما غاياته وأهدافه؟
ويسعى هذا البحث أيضا إلى بيان المهام والوظائف المترتبة عن هذه القراءة. وبيان مفاتيح قراءة كتاب الكون، هل يقرأه المسلمون كما تقرأه أمم الشرق والغرب؟ أم لا بد من قراءة بمواصفات ومعايير خاصة تنبع من خصوصية هذه الأمة التي حملت الأمانة، وكانت خير أمة أخرجت للناس؟ وهل استطاعت العلوم والمعارف الحديثة أن تقف على قراءة كاملة للكون؟
وسنبرز في هذا البحث أهم قضايا قراءة الكون في نظر النورسي، ونجملها في النقاط الآتية:
- الكون في نظر النورسي
- مقاصد خلق الكون
- العلاقة بين القرآن والكون
- أثر العلوم المعاصرة في قراءة الكون
- قراءة الأنبياء وقراءة الفلاسفة الماديين
- منطلقات قراءة الكون
- الخاتمة وتشتمل على أهم نتائج البحث وتوصياته
- الكون في نظر النورسي
ينطلق النورسي في تعريف الكون من منطلق قرآني خالص، وعقيدة إيمانية راسخة جعلته يعرّفه تعريفاً فات كثيراً من العلماء والفلاسفة الوقوف عليه، وجعلته يحيط بشمول قلّ نظيره في كتب السابقين، فالكون في نظر النورسي كتاب، ومسجد، أما كون كتاباً فلأنه يعلّمنا بآياته التكوينية الدلالة على وجود الله سبحانه وعلى وحدانيته، ويشهد كذلك على جميع صفات الكمال والجمال والجلال للذات الجليلة. ويثبت أيضاً كمال ذاته الجليلة المبرأة من كل نقص، والمنزّهة عن كل قصور؛ ذلك لأن ظهور الكمال في أثرٍ ما، يدل على كمال الفعل الذي هو مصدره، كما هو بديهي، وكمال الفعل هذا يدلّ على كمال الاسم، وكمال الاسم يدل على كمال الصفات، وكمال الصفات يدل على كمال الشأن الذاتي، وكمال الشأن الذاتي يدل على كمال الذات - ذات الشؤون - حَدساً وضرورة وبداهة ... هذا الكون إنسان أكبر، يذكر ربَّه بصوت عالٍ، والأصوات الرقيقة لأجزائه وذراته كلها تدوي مع ذلك الصوت الهادر: لا إله إلا هو.([1])
ويبين أنه مادة عظيمة للقراءة، ويصفه بأنه كتاب مفتوح يحتاج إلى مطالعة للنظر في آفاقه.([2])
وأما كونه مسجداً فلأنّ جميع المخلوقات - ولا سيما السموات والأرض - منهمكة في ذكر وتهليل وتسبيح ينبض بالحيوية. وقد تسنم الكل وظائفهم بكل شوق ونشوة، وهـم ينجزونها بكل سعادة وامتنان.([3]) فاعتبار الكون مسجدا واعتبار كل مخلوق فيه بحكم مصلّ عابد لله الواحد يوضح الأبعاد التي يرمي إليها النورسي في قراءة الكون.
ولأنه مسجد عظيم تلهج كل مخلوقاته بتسبيح الله تعالى، ولم يخرج عن نظام هذا المسجد إلا مردة الإنس والجن، يقول النورسي: وهكذا فالكون يسبح خالقه الجليل متفقا، ويشهد على وحدانيته، مؤدياً بكمال الطاعة ما أنيط به من وظائف العبودية. إلا الإنسان الذي هو خلاصــة الكـون ونتيجته وخليفته المكرم وثمرته الــيانــعة، يقــوم بخلاف جميع ما في الكون وبضده، فيكفر بالله ويشرك به. فكــم هــو قبــيــح صنــيعه هـذا؟ وكــم يا ترى يــســتـحق عقـاباً عـلى مـا قــدمت يداه.([4])
وهو مسخر للإنسان ليمارس نشاطه المعنوي والمادي كاملاً، لقد جعل الحي القيوم سبحانه الإنسان مركزاً للكون، ومحوراً له، وسخّر الكون له فمدّ أمامه سفرة عظيمة عظم الكون لتتلذذ أنواع معداته المادية والمعنوية.([5])
هذا التعريف ذو دلالة واضحة تدل على أنّ الاتجاه الصحيح للقراءة ينبغي أن يتم وفق هذا التعريف، ذلك لأنّ تعريف الشيء فرع عن تصوره، فإذا ما تصورنا الكون على هذا النحو فإن قراءته ستكون قراءة آمنة مستقيمة ذات مقاصد جليلة. أما إذا قرئ الكون على أسس الفلسفة المادية وتخليطاتها، فإنها بدون شك ستكون قراءة شاذة مضطربة!
- مقاصد خلق الكون
الوقوف على مقاصد خلق الكون وأسرار وجوده يعين –كذلك- على قراءته قراءة صحيحة هادية إلى الحق، ومبيّنة وظيفة الإنسان فيه. ولهذه المقاصد ينبغي أن يقرأ الكون، ويبين قراءة الأنبياء له. يقول رحمه الله: "إن هذا الكون قد زُيِّن بحِكَمٍ ومصالح شتى ضمن انتظام كامل لا نقص فيه، وان تلك الأنظمة البديعة والحِكَم السامية النابعة من تلك الحكمة المعجزة المحيطة بالكون قد أدرجت بمقياس اصغر، حتى في اصغر كائن حي وفي أصغر بذرة..([6]) وقد أوجده الله لغايات سامية، ومقاصد جليلة، إظهارا لكماله.([7]) ومن أبرز هذه المقاصد:
- إثبات التوحيد والوحدانية المطلقة لله الخالق سبحانه وما له من أسماء وصفات:
توجهت معظم رسائل النور إلى بيان هذا المقصد في كل مناسبة، يقول رحمه الله: إن جميع الموجودات من الذرّات إلى السيارات كل منها برهان نيّر على وجوب وجوده سبحانه، وهو الواجب الوجود والقدير المطلق، فكل سلسلة من السلاسل الموجودة في العالم دليل قاطع على وحدانيته.([8])
ويرى أن قراءة كتاب الكون لتدلل على وحدانية الخالق، بل إن الكون لا يفهم إلا ليعرّف بخالقه سبحانه، فيقول: إنّ القرآن الكريم إنما يبحث عن الكائنات استطراداً، للاستدلال على ذات الله وصفاته وأسمائه الحسنى، أي يُفهم معاني هذا الكتاب، كتاب الكون العظيم كي يعرِّف خالقه.([9]) إن هذا الكون مظهر لجميع تجليات الأسماء الحسنى.([10])
إنّ هذا الكون العظيم وما فيه من مصابيح مضيئة، وقناديل متدلية يبين بوضوح سلطان هذا المعرض العظيم والمهرجان الكبير، ويعرّف منوّره ومدبّره البديع وصانعه الجليل، بشهادة هذه النجوم المتلألئة، ويحببه إلى الجميع بالتحميد والتسبيح والتقديس بل يسوقهم إلى عبادته سبحانه.([11]) فهو شاهد صدق على وحدانية الخالق سبحانه.
هذا الكتاب يدل على الخالق سبحانه، ويفهم معنى الله أكبر، ويعلم التقديس بـ سبحان الله، ويحبب الله إلينا بثناء الحمد لله.([12])
والخلاصة التي يقررها النورسي أن الأرض التي هي بمثابة قلب الكون، قد أصبحت مَشْهَرَاً لعجائب مصنوعات الله البديعة، ومحشراً لغرائب مخلوقاته الجميلة، وممراً لقافلة موجوداته الوفيرة، ومسجداً لعباده المتراصين صفوفاً عليها، ومقراً لأداء عباداتهم.. هذه الأرض تظهر من شعاع التوحيد ما يملأ الكون نوراً وضياءً.([13])
ويعدّ الشرك كذباً وافتراءً وتطاولاً على نظام الوجود كله، ويؤكد أن لا مجال للشرك في هذا الكون، فيقول: إنّه لا مكان للشرك قط في هذا الكون الشاسع العظيم الذي أبدعه الصانع القدير الحكيم بقدرته وحكمته؛ لأن وجود منتهى النظام في كل شيء لن يسمح بالشرك أبداً، فلو تدخلت أيدٍ متعددة في خلق شيء ما لبان التفاوت والاختلال في ذلك الشيء.([14])
نعم؛ ان الشرك استهانة بشعة بالكون، وتعدّ عظيم عليه، وحطّ من قيمته وتهوين من شأنه، لإنكاره حكمة الخلق وردّه وظائف المخلوقات، تلك الوظائف الجليلة.([15]) لأنّ العالم الأكبر، أي: الكون كله، والإنسان وهو العالم الأصغر ومثاله المصغر، يظهران معاً دلائل الوحدانية المسطّرة في الآفاق والأنفس بقلم القدر والقدرة.([16])
- إثبات الحشر والآخرة
إثبات الحشر بوصفه مقصدا أعظم لوجود هذا الكون من القضايا الرئيسة في رسائل النور، فوجود الحشر كوجود الكون، فمن أنكر وجود الآخرة أنكر وجود الكون، قال رحمه الله: الذي يريد أن ينكر الآخرة عليه أن ينكر وجود هذا الكون أولاً بجميع ما فيه من حقائق، وإلا فالكائنات مع حقائقها المتأصلة فيها تكذِّبه بألوفٍ من الألسنة، وتثبت له انه الكذّاب الأشر.([17])
ويبين أن مسألة الحشر حقيقة راسخة قوية بحيث لا يمكن أن تزحزحها أيّة قوة مهما كانت حتى لو استطاعت أن تزيح الكرة الأرضية وتحطمها، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقرّ تلك الحقيقة بمقتضى أسمائه الحسنى جميعها وصفاته الجليلة كلها. وان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم يصدّقها بمعجزاته وبراهينه كلها. والقرآن الكريم يثبتها بجميع آياته وحقائقه. والكون يشهد لها بجميع آياته التكوينية وشؤونه الحكيمة.([18]) فمؤدّى هذا الكون إلى زوال، وليس فيه ما يمكن أن يكون خالدا، أو يتصف بصفات الخلود، فزواله مؤذن ببداية حياة آخرة. وهو أمر يشهد له نظام الكون والموجودات كلها.
إنّ حقيقة كمالات هذا الكون وآياته التكوينية الحكيمة وجميع حقائقه المرتبطة بالحقائق الإنسانية تدل دلالة قاطعة على وجود الآخرة وعلى تحققها وتشهد شهادة صادقة على مجيء الحشر وانفتاح أبواب الجنة والنار.([19])
ج. إثبات النبوة
تنبهت رسائل النور إلى أهمية وجود قارئ يكون أسوة في قراءة هذا الكون، وجعل سلسلة النبوة هي ذلك القارئ الحقيقي الذي يتأهل للأسوة والقدوة، وجعل من نبوة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم تلك الأسوة الحسنة في القراءة، فوجود الكون يقتضي وجود تلك السلسلة من الأنبياء: يقول رحمه الله: كما أن هذا الكون يدل على صانعه وكاتبه، ومصّوره الذي أوجده، والذي يديره، ويرتبه، ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير ... فهو كذلك يستدعي لا محالة وجود من يعبّر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ، ويعلم ويُعلّم المقاصد الإلهية من وراء خلق الكون، ويعلّم الحكم الربانية في تحوّلاته وتبدّلاته، ويدرّس نتائج حركاته الوظيفية، ويعلن قيمة ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات، أي: يقتضي داعياً عظيماً، ومنادياً صادقاً، وأستاذاً محققاً، ومعلماً بارعاً، فأدرك السائح أن الكون - من حيث هذا الاقتضاء - يدل ويشهد على صدق هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصوابه الذي هو أفضل من أتمّ هذه الوظائف والمهمات وعلى كونه أفضل واصدق مبعوث لرب العالمين.([20]) فبه صلى الله عليه وسلم يقتدى في قراءة كتاب الكون.
إن محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي استقبل مظاهر ربوبية رب العالمين، وسرمدية ألوهيته، وآلائه العميمة التي لا تعد ولا تحصى، استقبلها بعبودية كلية وتعريف لربه الجليل. هذا النبي الكريم ضروري كضرورة الشمس لهذا الكون؛ إذ هو أستاذ البشرية الأكبر.([21]) فهو المعلم، وهو القارئ الحقيقي لنظام الكون ومفردات وجوده، والكاشف عن أسراره و طبيعة علاقاته.
د. إثبات مقصد الشكر وتحقيق العبودية لله رب العالمين
أضاف النورسي رحمه الله مقصداً آخر من مقاصد خلق الكون، وهو القيام بحق الشكر، فقال: مثلما يبيّن القرآن الحكيم أن الشكر نتيجة الخلق والغاية منه، فالكون الذي هو بمثابة قرآن كبير مجسّم يُظهِر أيضاً أن أهمّ نتيجة لخلق الكائنات هي الشكر.([22]) أي شكر المنعم سبحانه على نعمائه وآلائه.
إنّ المعجزة الكبرى للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم ذو البيان المعجز، تتجلى فيه حقيقة تعليم الأسماء بوضوح تام، وبتفصيل أتم، ويبين الأهداف الصائبة للعلوم الحقة وللفنون الحقيقية، ويُظهر بوضوح كمالات الدنيا والآخرة وسعادتهما، فيسوق البشر إليها ويوجهه نحوها، مثيراً فيه رغبة شديدة فيها، حتى انه يبين بأسلوب التشويق أن "أيها الإنسان! المقصد الأسمى من خلق هذا الكون هو قيامك أنت بعبودية كلية تجاه تظاهر الربوبية، وان الغاية القصوى من خلقك أنت هي بلوغ تلك العبودية بالعلوم والكمالات.([23])
هذه أبرز المقاصد التي خلص إليها النورسي رحمه الله -إضافة إلى التعريف الذي ذكره- تحدّد معالم القراءة الحقيقية للكون وغاياتها، فلا مجال للهو والعبث في هذا الوجود. وكما أنّ القرآن معلم، كذلك الكون هو معلم، وكذلك النبوّة علمت الإنسان المنهج الأقوم في هذه القراءة، التي تتوجه أساساً إلى إثبات هذه المقاصد، وبذلك يمتاز النورسي بهذا البيان للمقاصد الكونية من حيث مواجهته الفلسفة الإلحادية التي تقرأ كتاب الكون قراءة صماء بكماء بعيداً عن هذه المقاصد، حيث اشتغلت بالصنعة عن الصانع، وبالخلق عن الخالق جلّ جلاله!
- العلاقة بين القرآن والكون
القرآن والكون كتابات عظيمان من كتب الله سبحانه، أحدهما مسطور والآخر منظور، ولا يفهم أحدهما إلا في ضوء الآخر، ولا يقرأ إلا بوجوده. قال رحمه الله: "إنّ القرآن الكريم المقروء هو أعظم تفسير وأسماه، وأبلغ ترجمان وأعلاه لهذا الكون البديع، الذي هو قرآن آخر عظيم منظور([24]) ومقصد هذا التفسير هو بيان تناسق الصنعة الإلهية في الكون.([25]) فإذا كان القرآن تفسيراً لكتاب الكون فكيف يقرأ كتاب الكون بعيداً عنه!
وتتأكد أهمية هذه العلاقة حين يبين النورسي أن القرآن يحوّل الكون إلى كتاب ناطق، فيرى أنّ القرآن الكريم ببياناته القوية النافذة يمزّق غطاء الألفة وستار العادة الملقى على موجودات الكون قاطبة .. فيكشف القرآن بتمزيقه ذلك الغطاء حقائق عجيبة لذوي الشعور، ويُلفت أنظارهم إلى ما فيها من دروس بليغة للاعتبار والعظة، فاتحاً كنزاً لا يفنى للعلوم أمام العقول.([26]) ويرسخ في أعماق المؤمن إحاطة ربوبيته سبحانه بكل شيء، ويريه تجلياتها المهيبة في الآفاق والأنفس.([27])
لقد أنقذ قراء تاريخ الأمم السالفة وحوادث العالم مما يطرأ عليها من الخرافات والافتراءات والأكاذيب، وأرشدهم إلى أحداث الماضي ووقائع الكون النيرة.([28])
والقرآن الكريم يأمر بالتفكر في الكون([29])
كذلك، فإنّ كتاب الكون يفسّر آيات القرآن الكريم، يقول رحمه الله: "إن كتابَ الكونِ المشهود بآياته الشؤونية تفسّر تلك الآيات القرآنية، وتقرِّبُها إلى فهمك بإراءة كثيرٍ من نظائرها المشهودة لعينك، في تلافيف اختلاف الليل والنهار، وفي معاطفِ تحولِ الفصول والأعصار".([30]) وهو تفسير منهجي يجعل من قراءة الكون بعيدا عن القرآن قراءة ذات مقاصد دنيا.
ويبين آثار القراءة ويدعو إلى الانتفاع بها في واقع سلوك الإنسان، فيقول: "إن القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا، فلننصت إليه! ولنتنّور بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم؛ حتى يكون لساننا رطباً بذكره وتلاوته!([31])
ومن الأمور البديعة التي أوردها النورسي في أوجه علاقة القرآن بالكون، أن أحكام القرآن الكريم مرتبطة بالكون ارتباطا وثيقا، وضرب مثلا بذلك في الاقتصاد والنهي عن التبذير والإسراف، وهذا حكم قرآني مبني على الحكمة، والحكمة مهيمنة على نظام الكون، وهي تجلّ أعظم لاسمه الحكيم. وكذا العدالة، والطهر، وهما مظهر لتجلي اسمه العدل، والقدوس. ثم قال: اعلم أن "العدالة والاقتصاد والطهر" التي هي من حقائق القرآن ودساتير الإسلام، ما أشدها إيغالا في أعماق الحياة الاجتماعية، وما أشدها عراقة وأصالة. وأدرك من هذا مدى قوة ارتباط أحكام القرآن بالكون، وكيف أنها مدّت جذوراً عميقة في أغوار الكون فأحاطته بعرىً وثيقة لا انفصام لها. ثم إن إفساد تلك الحقائق ممتنعٌ كامتناع إفساد نظام الكون والإخلال به وتشويه صورته. ([32])
ويؤكد النورسي قضية في غاية الأهمية وهي أن كتاب الكون يتجدد كما يتجدد كتاب الوحي بوفرة المعاني والحكم والأسرار، فيقول: إن أسماء الله الحسنى لها تجليات لا تحد ولا تحصر، فتنوع المخلوقات إلى أنواع لا تحصر ناشئ من تنوع تلك التجليات غير المحصورة... بمعنى ان تلك الأسماء تقضى بتجدد كتاب الكون، أي تجدد الموجودات آناً فآناً، باستمرار دون توقف،([33])
- أثر العلوم المعاصرة في قراءة الكون
يوظف النورسي رحمه الله العلوم المعاصرة في قراءة الكون ويبين أنّها كالمجسات في اكتشاف النظام الذي تسير عليه الكائنات، فكل نوع من أنواع الكائنات قد خصّ بعلم أو في طريقه إلى ذلك، لذا يُظهر كلُ علمٍ ما في نوعه من انتظام ونظام بكلية قواعده، لأن كل علم في الحقيقة عبارة عن دساتير وقواعد كلية. وكلية القواعد تدل على حسن النظام؛ إذ ما لا نظام له لا تجري فيه الكلية. فالإنسان مع انه قد لا يحيط بنفسه بالنظام كلّه إلا انه يدركه بجواسيس العلوم، فيرى أن الإنسان الأكبر - وهو العالم - منظمٌ كالإنسان الأصغر سواءً بسواء. فما من شيء إلا ومبني على أسس حكيمة، فلا عبث، ولا شيء سدىً."([34]) وثمرة هذه العلوم هي الدلالة على خالق الكون، قال رحمه الله: "وهكذا فإنّ كل علم من العلوم العديدة جداً، يدل على خالق الكون ذي الجلال - قياسا على ما سبق - ويعرّفه لنا سبحانه بأسمائه الحسنى، ويعلّمه إيانا بصفاته الجليلة وكمالاته، وذلك بما يملك من مقاييس واسعة، ومرايا خاصة، وعيون حادّة باصرة، ونظرات ذات عبرة.([35])
وتطبيقاً لمبدأ الجمع بين القراءتين يدعو النورسي رحمه الله إلى مزج العلوم الكونية الحديثة ودرجها مع العلوم الدينية([36]) ولا بد من فتح طريق لجريان العلوم الكونية الحديثة إلى المدارس الدينية، بفتح نبع صافٍ لتلك العلوم بحيث لا ينفر منها أهل المدارس الدينية، ولقد قلت مراراً بأن فهماً خطأً وتوهماً مشؤوماً قد أقاما – لحد الآن - سدّين أمام جريان العلوم.([37])
ويحذر النورسي- في الوقت نفسه - من العلوم المادية القادمة من الغرب ويصفها بأنها ضارّة، إلا للضرورة وللحاجات، وللصنعة، واستراحة البشر.([38]) وهذا ليس نكرانا لأهمية تلك العلوم، بل هو يوظفها توظيفا تنقضي به مصالح البشر المادية، وسبب هذا التحفظ أنها اشتغلت بالخلق عن الخالق. وضلت بإيثار الصنعة عنه جل جلاله.
- قراءة الأنبياء وقراءة الفلاسفة الماديين
شكلت قراءة كتابي الوحي والكون محوراً مهما في رسائل النور، واكتسبت أهمية كبيرة؛ نظراً للتحدي الكبير الذي شكلته القراءة الخاطئة لهذين الكتابين، خصوصا قراءة كتاب الكون الذي ضلت بقراءته الفلسفة الغربية، ومن أجل هذا كثر حديث النورسي عن القراءة الخاطئة للكون التي قامت بها الفلسفة الغربية فضلت، وأضلت كثيراً من الخلق.
وفي عرض مقارنته بين سلسلة النبوة والدين وسلسلة الفلسفة يبين النورسي أن بونًا شاسعاً بين هاتين السلسلتين، في فهم الكون وقراءته، فالفلسفة أضفت على الكون كآبة فصار مقبرةً شاسعة موحشة، وميدان إعدامات مخيفة، ولكن النبوّة جعلته روضة من رياض النور... وتضخم (الأنا) في نظر الفلسفة الغربية بوصفه أحد مقروءات هذا الوجود فكان يدل على نفسه بنفسه، وأن وجوده حقيقة وليس ظلاً، وأنه مالك حقيقي ... وبدأت تتحدث عن مظاهر الوجود علـى هـذه الصــورة فتـقول: ما أجمل هذا! بـدلاً من: ما أجمـل خـلـق هذا!!([39])
ولقد اعتقد عظماء الفلسفة وروادها ودهاتها، أمثال أفلاطون وأرسطو وابن سينا والفارابي - بناء على تلك الأسس الفاسدة - بأن الغاية القصوى لكمال الإنسانية هي "التشبّه بالواجب"! أي بالخالق جلّ وعلا، فأطلقوه حكماً فرعونياً طاغياً، ومهّدوا الطريق لكثير من الطوائف المتلبسة بأنواع من الشرك، أمثال: عَبدة الأسباب وعَبدة الأصنام وعبدة الطبيعة وعبدة النجوم، وذلك بتهييجهم "الأنانية" لتجري طليقة في أودية الشرك والضلالة، فسدّوا سبيل العبودية إلى الله، وغلّقوا أبواب العجز والضعف والفقر والحاجة والقصور والنقص المندرجة في فطرة الإنسان، فضلوا في أوحال الطبيعة وما نجوا من حمأة الشرك كلياً ولا اهتدوا إلى باب الشكر الواسع. وتقضي أن معناه في ذاته، ويعمل لأجل نفسه.. المتلبسة بأنواع من الشرك، امثال: عَبدة الأسباب وعَبدة الأصنام وعبدة الطبيعة وعبدة النجوم ... هكذا نظر الأنبياء والمرسلون عليهم السلام، ومَن تبعهم من الأصفياء والأولياء، إلى "أنا "بهذا الوجه. وشاهدوه على حقيقته هكذا. فأدركوا الحقيقة الصائبة، وفوّضوا الملك كله إلى مالك الملك ذي الجلال، واقرّوا جميعاً، ان ذلك المالك جل وعلا لا شريك له ولا نظير، لا في ملكه ولا في ربوبيته ولا في ألوهيته، وهو المتعال الذي لا يحتاج إلى شيء، فلا معين له ولا وزير، بيده مقاليد كل شيء وهو على كل شيء قدير. وما" الأسباب "إلاّ أستار وحُجب ظاهرية تدل على قدرته وعظمته.. وما" الطبيعة " إلاّ شريعته الفطرية، ومجموعة قوانينه الجارية في الكون، إظهاراً لقدرته وعظمته جل جلاله.([40]) وتحقيقا للعبودية([41]) فأي قراءة للكون لا تحقق العبودية لله تعالى هي قراءة منحرفة مخالفة لنهج الأنبياء.
ويؤكد ضرورة النبوة لضبط القوانين الجارية في نظام الكون، فيقول: إنّ النبوة التي هي قطب المصالح الكلية ومحورها ومعدن حياتها ضرورية لنوع البشر. فلو لم تكن النبوة لهلك النوع البشري. إذ كأنه ألقي من عالم مختل إلى عالم منظم، فيخل بالقوانين الجارية العامة.([42]) لأن النبوة تفسر حقيقة ذلك النظام والانتظام في الوجود وتسنده إلى خالقه الحقيقي وليس إلى الصدفة كما زعم الفلاسفة الماديون وغيرهم.
إنّ وظيفة النبوة لا تقتصر على تعليم العلوم الإلهية والسمو بعالم الروح، بل لتلقّن العلوم الإلهية والحكمة الربانية، فجمع فيهم سلطنة الدنيا الســـعــيــدة وســعادة الآخـــرة الخــالـدة.([43]) كما في شأن يوسف عليه السلام.
إن أكبر تزوير ارتكبته الفلسفة هو أنها ضخمت وجود الإنسان حتى عادلته بوجود الله، ولم تر أنه مخلوق ضعيف، خلق للعبادة، فتاهت بذلك عن رؤية الحق. وإذا ضلّت في قراءة أعظم موجودات الكون وهو الإنسان، فإنّ ضلالها كبير في قراءة بقية أفراد الوجود الكوني. فجاء الأنبياء والمرسلون ليعلموا البشر كيف تقرأ مفردات الوجود.
لقد وهمت الفلسفة الحديثة حين تصوّرت أن "القوانين المعنوية" التي تشاهد آثارها في ربط أنظمة الكون البديع، والنابعة من "الحكمة" البالغة للبارئ المصور سبحانه، تتصورها كأنها قوانين مادية، فتتعامل معها في أبحاثها كما يتعامل مع المواد، والأشياء الجامدة.([44])
إنّ قراءة حقيقة جادة للكون تدل على عظمة الربوبية وتدل عليها.([45]) وهذا من أهم مقاصد قراءة كتاب الكون. ويؤكد النورسي أن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن والأنبياء يدلون بشهادتهم إلى أن تجليات الأسماء الحسنى - ذات الجلال والجمال - الظاهرةَ آثارُها في هذه الدنيا، وفي العوالم كافة، ستدوم دواماً اسطعَ وأبهرَ في أبد الآباد.. وان تجلياتها - ذات الرحمة - وآلاءها المــشاهدة نمـاذجــها في هذا العـالم الفاني، ستثمر بابهى نور واعظم تألق، وستبقى دوماً في دار السعادة...([46])
إن من أكبر الحقائق التي ينبغي قراءتها في هذا الكون، هي الرسالة المحمدية؛ لأنها السراج المنير للعالمين كليهما.([47]) فهي من أهم مقروءات هذا الوجود؛ لأنها كشفت عن أسرار الحياة، وطرق الوصول إلى الحياة الباقية الخالدة في الآخرة.
- القراءة التوحيدية الاستكشافية للكون
ينطلق النورسي من التوحيد المطلق لله تعالى في قراءة الكون، فهو الذي يحل طلسم الكون([48]) وهذا التوحيد " ليس تقريرياً، ولا تلقينياً، ولا تقليدياً، ولا ترديدياً، بل استكشافياً.. فيه ما في الاستكشاف من متعة ومغامرة ومعاناة، فهو يأخذنا - عبر خواطره - في جولة استكشافية في أغوار النفس الإنسانية، ويدور بنا في أنسجة الروح والفكر والضمير، ثم يزيح التراب عن ذاكرة الكون الموؤدة تحت ركام علوم العصر، ويستنطقها لتحدثنا عن بصمات "التوحيد"، وتدلنا على آيات الاله الواحد الذي لا يقبل الشريك.. ولا يتركنا إلا ونحن قد اكتشفنا "التوحيد" والتقيناه في أشد الأشياء الكونية والنفسية بداهةً، فينبثق في صميم أفئدتنا انبثاقا، وينغرس بشكل عفوي في أعماق أرواحنا وضمائرنا، فيهز هذا التوحيد الاستكشافي أعماق النفس، ويفعم الذهن بطاقات الذكاء، ويشدُّ في الوجدان أجهزة التلقي عن الكون والحياة، فيستمر المسلم كشافاً رائداً لأعمق الحقائق - في الكون والإنسان - في ديمومة لا تتوقف حتى تتوقف حياته.. فيزيد فهماً، ويتسع وعياً ويخصب وجوداً وحياةً.([49])
إنّ الإيمان بالله تعالى قد حول الكون إلى مسجد أكبر، فيصبح منوراً مؤنساً، ذا حياة وشعور، وبذلك يذوق المؤمن شعاعاً من لذة الحياة الباقية، أما الفلسفة والعلم الماديان فقد حوّلا الكون إلى ظلام بارد لا حياة فيه.([50])
إنه "بسر التوحيد يُفهم أنّ الكون برمته كتاب صمداني ينطوي على معاني عميقة غزيرة... فلولا التوحيد لانكسفت جميع مزايا الكون وكمالاته المذكورة آنفاً، ولانقلبت تلك الحقائق السامية الراقية إلى أضدادها".([51]) إن كل ذرة تشهد بلسان عجزها على وجود القدير المطلق، وتشهد بإظهارها الانسجام التام مع نظام الكون العام على وحدانية الخالق سبحانه وتعالى.([52])
"ألق نظرةً على كتاب الكون الكبير تَرَ أنه يقرأ على الكون كله، ختمَ الوحدة بوضوح تام، بقدر عظمته وسعته ذلك لأن هذه الموجودات كأجزاء معمل منتظم، وأركان قصر معظم، وأنحاء مدينة عامرة، كُّل جزءٍ ظهير للآخر، كل جزء يمدّ يد العون للآخر، ويجدّ في إسعاف حاجاته. والأجزاء جميعاً تسعى يداً بيد بانتظام تام في خدمة ذوي الحياة، متكاتفة متساندة متوجهة إلى غاية معينة في طاعة مدبّر حكيمٍ واحدٍ.([53]) فالانتظام في آيات كتاب الكون يدلل على تلك الوحدة والواحدية التي تعنى بذلك الانتظام.([54])
أنه بالوحدة والأحدية يتحول جميعُ الكون بمثابة جنودٍ مستنفرين لذلك الواحد الاحد، وموظفين مسخّرين له. وبمجيء الآخرة ووجودها تتحقق كمالاته وتصان من السقوط وتسود عدالته المطلقة، وتنجو من الظلم، وتُنزّه حكمته العامة وتبرأ من العبث والسفاهة، وتأخذ رحمتُه الواسعة مداها، وتُنقذ من التعذيب المشين. وتبدو عزته وقدرته المطلقتان وتُنقَذان من العجز الذليل. وتتقدّس كل صفة من صفاته سبحانه وتتجلى منزّهة جليلة.([55])
- الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة في قراءة كتاب الكون
يرى النورسي رحمه الله أنّه لا بد من قارئ بارع يقرأ هذا الكون قراءة هادية قاصدة، وهذا القارئ لا يتمثل إلا في سلسلة النبوة، وهذه السلسلة تمثلت في شخص الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يصفه النورسي بأنّه "ترجمان آيات الكون".([56]) وهو القدوة والأسوة في هذه القراءة، وكأني بالنورسي يخطر بباله تلك الخرافات التي علقت بأذهان الناس، ولحقت ببعض مظاهر الكون نتيجة وفاة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد؛ فإذا رأيتموهما فصلوا، وادعوا، حتى يكشف ما بكم".([57]) إنّ الصلاة والدعاء مواقف يتخذها المسلم من هذه الظاهرة؛ لأنها مذكرة بانهيار الكون، ومنذرة بقيام الساعة!
لا جرم، أن أحب مخلوق لدى ذلك المستتر بالغيب، وأصدق عبدٍ له هو مَن كان عاملاً خالصاً لمقاصده المذكورة آنفاً، ومَن يحل السر الأعظم في خلق الكون ويكشف لغزه، ومن يسعى دوماً باسم خالقه ويستمد القوة منه ويستعين به وحده في كل شيء فينال المدد والتوفيق منه سبحانه. ومن ذا يكون هذا غير محمد القرشي عليه الصلاة والسلام.([58])
ويبين الرسول أن كل مظاهر هذا الكون تشهد له صلى الله عليه وسلم كما يشهد لها بدلالتها على وحدانية الله تعالى.([59]) يذكر النورسي: ان الرسول الأكرم قد قال ليلة المعراج في الحضرة الإلهية باسم جميع الكون بدل السلام: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله" قالها، باسم البشرية جمعاء،.... ثم يقول: فعندما كنت اقرأ في التشهد "التحيات.." خطرت معانيها الكلية على روحي فتحولت فجأة - في خيالي- عناصر دنياي الخاصة من تراب و ماء و هواء و نور، إلى أربعة ألسن كلية ذاكرة. كل منها يذكر بأحواله: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله" بملايين بل ببلايين بل بما لا يعد ولا يحصى من المرات.([60])
ويفهم النورسي قضية أخرى في هذا السياق، وهي أن القراءة الراشدة تقتضي أن يكون هدي الله ورسوله الموجِهين للقراءة الصحيحة القاصدة قائماً في هذا الوجود، فمصير الكون مرتبط بهما،" فإذا ما فارق نور الرسالة المحمدية الكون وغادره مات الكون وتوفيت الكائنات، وإذا ما غاب القرآن وفارق الكون، جَنّ جنونه وفَقَدت الكرة الأرضية صوابَها، وزال عقلُها، وظلت دون شعور، واصطدمت بإحدى سيارات الفضاء، وقامت القيامة.([61]) لأن البشر عندها سيتخبطون في عشواء، ويهبطون في مهواة من الأهواء.
3. العمل بموجب السنن الإلهية في الكون
ينبه النورسي رحمه الله إلى أهمية العمل بموجب سنن الله في الكون، وهي قوانينه الكاشفة عن الحكم والأسرار التي ينتظم بها، ([62]) ويبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعمل بالسنن الإلهية.([63]) وهو قدوة في ذلك. وفيه تحقيق للعبودية، وتحقيق للكمالات المعنوية والمادية من رقي وحضارة.
إن اتباع السنن الإلهية يمكن أن يحول الدنيا الواسعة إلى مدينة عظيمة.([64])
4. قراءة الكون تستلزم الإيمان
يقرن النورسي بين قراءة الكتابين للوصول إلى مقصد الإيمان، فيوجه النظر إلى كتاب الوحي الذي تتضمن كل كلمة من كلماته كتاباً خُطّ بقلم دقيق، والذي تحت كل حرف من حروفه قصيدة دُبجت بقلم رفيع. ثم يوجه النظر إلى كتاب الكون الذي تتضمن كل صحيفة فيه كتباً كثيرة، لا بل كل كلمة منها كتاباً، وكل حرف منها قصيدةً.. فوجه الأرض صحيفة، وما أكثر ما فيها من كتب، ثم يخلص إلى القول: إنّ كتاب كهذا ما يكون إلا من إبداع قلم صاحب قدرة متصف بالجمال والجلال والحكمة المطلقة. أي أن مجرد النظر إلى العالَم ومشاهدته يستلزم هذا الإيمان، إلاّ مَنْ أسكَرته الضلالة!. ([65])
إن الإيمان هو نور الكون والوجود..([66])
إن العين التي تقرأ وتطالع كتاب الكون ينبغي أن تشاهد معجزات الصنعة الربانية في الوجود، وكأنها نحلة بين أزاهير الرحمة الإلهية في بستان الأرض، فتقطّر من شَهْد العبرة والمعرفة والمحبة نور الشهادة إلى القلب المؤمن.([67])
5. قراءة معجزات الأنبياء في ضوء الرقي المادي
القضية المحورية في قراءة الأنبياء للكون، كان على اعتبار أن الكون مظهر لتجلي أسماء الله الحسنى، وأنهم المنادون والشاهدون بحق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين على خزائن رحمة الله الأخروية وكنوز إحساناته في عالم البقاء، وتجليات أسمائه الحسنى التي تنكشف كلياً في دار السعادة.([68])
إنّ الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمة الهدى يُقتدى بهم، في رقيهم المعنوي. ويبين في الوقت نفسه أن الله قد وضع بيد كلٍ منهم معجزة مادية، ونَصَبهم روّاداً للبشرية وأساتذة لها في تقدمها المادي أيضا. أي انه يأمر بالاقتداء بهم وإتباعهم إتباعا كاملاً في الأمور المادية والمعنوية ([69])
نعم، إن القرآن الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدود النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعد نهاياتها، وغاية ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف، فهو بهذا يعيّن أبعد الأهداف النهائية لها ويحددها، ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضّها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها إليها. إذ كما إن الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل أيضاً حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله.([70])
وبذلك يظهر أن قراءة الأنبياء للكون قد حققت نوعين من الرقي: الرقي المعنوي بالوصول إلى الكمالات الروحية التي ترقى بإنسانية الإنسان. والرقي المادي بالوصول إلى كل أسباب الراحة من منتجات العلوم والتكنولوجيا.
الخاتمة والتوصيات
الحمد لله الذي وفق وأعان على إتمام هذا البحث، وأخلص إلى النتائج التي توصل إليها، وأجملها في النقاط الآتية:
- الكون مخلوق عظيم تتجلى فيه أسماء الله الحسنى، وهو مسجد كبير تسبح فيه المخلوقات بحمد الله تعالى. وهو مسخر للإنسان، هذا التعريف يحدد الاتجاه الصحيح في قراءة كتاب الكون.
- تحدد في ضوء رسالات الأنبياء مقاصد خلق الكون. وأعظم هذه المقاصد الدلالة علة التوحيد وإثبات الآخرة والنبوّة والحشر، والقيام بحق شكر الله تعالى.
- القرآن والكون كتابان لله تعالى يفسر أحدهما الآخر، ولا يمكن فهم أحدهما إلا في ضوء الآخر، وهما كتابان متجددان بالحكم والأسرار الإلهية.
- العلوم المعاصرة تتساند مع هدايات الوحي وعلومه في الدلالة على أن هذا الكون مخلوق لله الواحد جلّ جلاله.
- قراءة الأنبياء للكون قراءة توحيدية هادية إلى مقاصد جليلة، وقراءة الفلسفة المادية قراءة إلحادية باطلة.
- ثمة منطلقات رصينة استخلصها النورسي من هدي الأنبياء في قراءة الكون، من أبرزها أن التوحيد منطلق وغاية في الوقت نفسه في قراءة الكون، وأن هدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم منطلق آخر في هذا القراءة، كذلك العمل بالسنن الإلهية، وتفعيل قانون السببية. واستثمار معجزات الأنبياء.
وأهم توصية يمكن أن أتقدم بها لهذا المؤتمر الكريم هي: ضرورة إعداد كتب علمية منهجية في العقيدة والثقافة الإسلامية وعلم التربية والأخلاق تدرس في المدارس والجامعات التركية من خلال رسائل النور، فتعليم العقيدة الإيمانية نموذج واضح، فالطالب لا يتعلم العقيدة بصورتها الجافة كما هي في كتب المتكلمين وعلماء الكلام، ولكن يتعلمها بدلالاتها المشاهدة من خلال تجلي أسماء الله الحسنى في هذا الوجود. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
--------------------------
[1] الكلمات، ص 342، 520.
[2] الملاحق – ملحق أميرداغ 1، ص 285.
[3] الكلمات، ص 30، ص 499.
[4] الكلمات، ص 838.
[5] اللمعات، ص 593-594.
[6] اللمعات، ص 534.
[7] الكلمات، ص 65.
[8] الكلمات، ص 723.
[9] المكتوبات، ص 269.
[10] الكلمات، ص 204.
[11] الكلمات، ص 177.
[12] الكلمات، ص 178.
[13] الكلمات، ص 812.
[14] اللمعات، ص 531.
[15] الشعاعات، ص 15.
[16] الكتوبات، ص 301.
[17] اللمعات، ص 527.
[18] الكلمات، ص 96.
[19] الشعاعات، ص 286.
[20] الشعاعات، ص 171. وانظر: الكلمات، ص : 113.
[21] الشعاعات، ص 654. وانظر : اللمعات، ص 537.
[22] المكتوبات، ص469.
[23] الكلمات، ص 292.
[24] الكلمات، ص133، ص 143.
[25] الكلمات، ص 151.
[26] الكلمات، ص 150.
[27] الكلمات، ص 533. والشعاعات، ص 310.
[28] المكتوبات، ص 243.
[29] صيقل الإسلام، ص 124.
[30] المثنوي العربي النوري، ص 447.
[31] الكلمات، ص 30.
[32] انظر: اللمعات، ص 526.
[33] المكتوبات، ص 109، 373.
[34] المثنوي العربي النوري، ص 426.
[35] الشعاعات، ص 260.
[36] صيقل الإسلام، ص 428.
[37] صيقل الإسلام، ص 430.
[38] المثنوي العربي النوري، ص 216.
[39] الكلمات، انظر: الصفحات: 143، 640-641.
[40] الكلمات، ص 640-641.
[41] المثنوي العربي النوري، ص 329.
[42] صيقل الإسلام ، ص 140.
[43] الكلمات، 486.
[44] اللمعات، ص 282.
[45] الكلمات، ص 202.
[46] الكلمات، ص 108.
[47] الشعاعات، ص 313.
[48] الكلمات، ص 26. هذا إلى جانب القرآن الكريم، فهو الذي يحل طلسم الكون كذلك، فالقرآن مصدر الإيمان والتوحيد، فلا مشاحة في الاصطلاح. انظر: الكلمات، ص 153.
[49] المثنوي العربي النوري، ص 15.
[50] الشعاعات، ص 328.
[51] الشعاعات، ص 14.
[52] الكلمات، ص 333.
[53] الكلمات، ص 338.
[54] انظر: اللمعات، ص 530.
[55] الكلمات، ص 113.
[56] انظر: الكلمات، ص 30، ص 43.
[57] رواه البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس.
[58] المكتوبات، ص 285.
[59] انظر: المكتوبات، ص 251.
[60] انظر: الملاحق – ملحق أمير داغ 2، ص 408،411- 413.
[61] اللمعات، ص 568. وانظر : الكلمات، ص :9 11.
[62] انظر : صيقل الإسلام، ص 531.
[63] صيقل الإسلام، ص 65.
[64] الكلمات، ص 283.
[65] الكلمات، ص 60.
[66] المثنوي العربي النوري، ص 136.
[67] الكلمات، ص 24.
[68] الكلمات، ص 109.
[69] الكلمات، ص 279.
[70] المصدر السابق نفسه.
