قراءة النبوة للكتاب المنظور: دراسة سيمـيائـية في فكر النورسي
قراءة النبوة للكتاب المنظور:
دراسة سيمـيائـية في فكر النورسي
الدكتور إسماعيل إبراهيم المشهداني
جامعة الموصل،كلية التربية، قسم اللغة العربية
إنّ الحمد لله، والصلاة والسلام على سيّد وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
يؤكد الأستاذ سعيد النورسي بأنّ النبوة: مفتاح الحقيقة، ويصفها بنواة أنبتت شجرةَ الإسلامية بأزاهيرها وثمراتها لأنها صنو القرآن، وشبهها بالشمس التي أثمرت أركان الإسلامية الأحد عشر، أي: الأركان الخمسة للإسلام والستة للإيمان، فالنبوة في البشرية فذلكة الخير وخلاصة الكمال وأساسه، وتعد مع التوحيد من مقاصد القرآن وعناصره الأصلية، ولأن النبوة مظهر لصفة الربوبية تكون جامعة وكلية([1]).
ويقصد بالكتاب المنظور: الكون الأكبر وما يحويه من حيوات وأنظمة، وهو الذي وقع عليه فعل القراءة النبوية متنمذجا بفكر الأستاذ النورسي القائل: إن هذا الكون كتاب على نحو عظيم، فوجه الأرض صحيفة، والشجرة كلمة، فكتاب كهذا لا يكون إلا من إبداع مقتدر متصف بالجمال والجلال والحكمة المطلقة. إنّ مجرد النظر إلى العالَم ومشاهدته يستلزم الإيمان، ولذا نقل عن الأنبياء تواتر تأملهم وتفكرهم في الكون وآياته، ذلك الكتاب المنظور الذي يعد آية من آيات الله عز وجل، ولذا عدَّ الرسولَ محمد ﷺ "ترجمان آيات كتاب الكون الكبير"([2]).
أما السيميائية: فتُعرّف بأنها دراسة (الإشارات/العلامات) في حياة البشر دراسة منهجية بوصفها علامات حاملة معنى([3])، والقدر المشترك في تحديد مفهوم السيميائية هو تعريفها بـ"نظرية العلامات"([4]). تهتم السيميائية بالعلامات وطبيعتها، وتحاول الكشف عن القوانين التي تحكمها وتفسّـر حقيقتها، وبهذا يتأكد لدينا أساسية حضور العلامة في السيميائية، وتعرف العلامة بأنها: وحدة ذات وجهين مترابطين، هما: التصور والصورة، وبالجمع بينهما يتبلور الدال والمدلول.
وقد عُرّب هذا المنهج بمسميات متعددة سنوحدها في دراستنا بـ(السيميائية) وهي علم العلامات([5])، و"في معناها الأكثر بداهة هي تساؤلات حول المعنى"([6])، وإن الإشارة في الفكر السيميائي تنطوي على صورة صوتية وتصور أو دال ومدلول، وأنّ هناك هوة بين الكلمات والأشياء، وبين الإشارات والمراجع، فالإشارات تدل على المفاهيم التي هي من أركان الفكر([7]). فعلم الدلالة يدرس علاقة العبارات بالأشياء الخارجية كموضوع مركزي، فالأشياء مستقلة عن اللغة تمام الاستقلال ([8]).
وقد يتساءل البعض لمَ دراسة فكر النورسي سيميائياً؟
والجواب: لأننا نتعلم من السيميائية أننا نعيش في عالم من العلامات التي تمكننا من فهم جميع الأشياء التي من حولنا([9])، فقد استطاعت السيميائية دراسة الصورة، لأنها علم يختص بدراسة الأنساق التواصلية اللسانية وغير اللسانية، ومن هنا نظرت إلى الصورة على أنها نسق مؤهل لإنشاء الدلالات كغيره من الأنساق، ومن ثم يمكن الاستعانة به في عملية التواصل، وذلك لوجود علاقة معللة تربط الصورة بالمرجع الخارجي الذي تحيل عليه([10]).
تتجلى العملية السيميائية في مستويين: أولها محاولتها تفسير العالم كأنه كتاب، وثانيهما تفسّر الكتاب كأنه عالم([11])، وسنفيد في بحثنا هذا من جهود المدرستين السيميائيتين الأمريكية والأوربية، متمثلتين بجهود الفيلسوف تشارلز بيرس والألسني فرديناند دوسوسير وغيرهما.
سنعدُّ -في بحثنا هذا- مظاهرَ الكون دوالا علامية يمكننا قراءة الفعل النبوي تجاهها متنمذجا بخطاب النورسي عن السماوات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والشمس والقمر..، والتي تعدّ نماذج الكتاب المنظور، وهذا ما سندرسه في بحثنا -بعونه تعالى- وفق المعطيات السيميائية التالية: الشفرة والدليل والأيقونة والرمز والعلامة التبادلية والتتابعية والإحالة العلامية والمؤشر.
1.شفرة الكتاب المنظور
الشفرة أو السنن: هي النظام الفكري المحدد للفهم، وبها نستطيع استخلاص معنى من حدث ما، وسيختلف تفسير الظواهر الطبيعية وفقا لها([12]).
يمكننا إيضاح شفرة الكتاب المنظور بحادثة انشقاق القمر المعجزة، والتي وقف عندها النورسي كثيرا في كتاباته، فهذه الحادثة المعجزة يمكن قراءتها بأكثر من وجه تبعا للشفرة المعيّنة، فهناك الشفرة العلمية التي تؤكد انشقاق القمر وتعده ظاهرة طبيعية، فقد نشرت وكالة الفضاء (ناسا) صورة للقمر، وعليه أثر شقٍّ طويل من أقصاه إلى أقصاه([13]). قال تعالى:﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾([14]).
أما الشفرة الإيمانية التي ينطلق منها النورسي في قراءته للكتاب فتؤكد: أن المولى سبحانه وتعالى شقَّ القمر المعلق في السماء والمرتبط مع الأرض بإشارة من عبده، فأظهر معجزته هذه، إثباتاً لرسالة ذلك العبد الحبيب، حتى أصبح كالفلقتين المنيرتين([15])، وهذه قراءة تختلف جذريا عن القراءة الأولى المكتفية بالرصد والمشاهدة، لأنها تتعمق السبيل وتؤكد المعجزة الخالدة التي أيّد بها الله تعالى نبيه ﷺ، قال تعالى:﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ([16])، وروى ابْن مَسْعُودٍ رضي الله تعالى قَالَ:"انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِﷺ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةً دُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اشْهَدُوا"([17])، فيعدّ ذلك الانشقاق من علامات قيام الساعة([18])، وإثبات للرسالة المحمدية، وهذا ما يؤكد التعالق الجوهري بين النبوة والكون معا.
إنّ انشقاق القمر معجزة لإثبات الرسالة المحمدية، وإظهار نبوته إلى الجن والإنس، كذلك المعراج هو معجزة عبوديته التي أظهرت محبوبيته إلى الأرواح والملائكة([19])، يجمع النورسي هنا بين معجزتين، تسمى الثانية فيهما بحادثة الإسراء والمعراج، والتي نقلها من كونها انتقالاً جسمانياً وروحانياً للسماوات العلا، إلى كونها معجزة عبودية ملؤها الحب، وهذا ما جعلها تستند لشفرة إيمانية تختلف جذريا عن الشفرة المادية التي تفسر الانتقال الفيزيائي للأجسام فقط.
جعل النورسي من حادثة انشقاق القمر علامة لصدق النبوة، وذلك بقوله: يوجد على صدق نبوة الرسول محمد ﷺ من الأدلة القاطعة الثابتة ما لا يعدُّ ولا يحصى، كظهور المعجزات على يديه، كانشقاق القمر الذي انشق إلى نصفين بإشارة منه كما نص عليه القرآن([20]). وعدّها من المعجزات الآنية: فأكدّ أنّ الخوارق النبوية الظاهرة أنواع، منها الحسيَّة التي أظهرها وقت التحدِّي والدعوى، كتكلم الحجر.. ([21]). فمعجزة (انشقاق القمر) تؤكد صدق النبوة ابتداء، ومن ثمّ تسهم في الانتقال الإيماني إلى الدائرة الإسلامية الرحبة عند شهادة العبد بالتوحيد. والمهم هنا في قراءة (شفرة الكتاب المنظور) انطلاق النورسي لتعزيز الشفرة الإيمانية في تفسير الظواهر المعيّنة، وهذه الشفرة ستكون مغايرة للشفرات العلمية والأسطورية.. وغيرها.
يجعل النورسي الكون كله تابعا للرسول الخاتم ﷺ، بقوله: فجميع المخلوقات آذانٌ صاغية له، بل المملكة برمّتها تصغى إليه، فانشقَّ بإشارته القمر وجاء لدعوته الشجرُ، ونزل سرعة بدعائه المطرُ، وأظلته الغمامة من الحرّ، وشبعَ من صاع طعامه مئات من البشر، وارتوى جيش كامل من أصحابه رضي الله عنهم من الماء النابع من بين أصابعه الخمسة المباركة عندما اشتد بهم العطش، وأنطقَ الله له الضبّ والظبي والذئب والجذع والذراع والجمل والجبل والحجر والمدر، وهذه معجزات نبوية لا يمكن تفسيرها إلا تفسيرا خارقا للعادة، عندها ستعجز المنطلقات العلمية والعادية عن تفسيرها.
كما يتحدث النورسي عن تسبيح الجبال مع نبي الله داود عليه السلام([22])، ولا يعدّها صدى صوتيا، بل يؤكد تعقيل الجمادات وإنطاقها، فالجبال مع داود ليست عاكسة للأصوات بل مرددة لها، وليست مرجعة للكلام بل قائلة له حقيقة. فالشفرة الإيمانية التي ينطلق منها النورسي هي التي حددت معالم القراءة النبوية، وغايرت بين الشفرات المتعددة.
2.دليل الكون المنظور:
تتسم علاقة الدال بالمدلول في (الدليل) بالواقعية الفعلية، ويتحقق الدليل: بأي شيء يؤدي وظيفته كعلامة اعتمادا على صلة السبب بالنتيجة، أو الشيء ومدلوله([23])، والنتيجة: هي استدلال مطابق لقواعد المنطق، وتنتج من العلاقة المنطقية التي تربط المبادئ بالقضية التي تنجم عنها([24])، فالدليل مكون من دال ومدلول، ويشكل صعيد الدوال العبارة، ويشكل صعيد المدلولات المحتوى([25]). سنستشهد لدليل الكون المنظور، بربط النورسي لحياة الكون بالرسالة المحمدية والقرآن، وذلك بقوله: ما دام الكون قد خُلق لأجل الحياة، وأنّ الحياة هي أعظم تجلٍّ وأجمل صنعة للحي القيوم سبحانه، فلابد أن تدلّ الحياة -التي في الكون- دلالة قاطعة على الحي الأزلي وعلى وجوب وجوده، فالحياة المحمدية -المادية والمعنوية- مترشحة من الحياة ومن روح الكون، بل إنّ حياة محمد ﷺ بشهادة آثارها، حياة لحياة الكون، والوحي القرآني بشهادة حقائقه الحيوية روح لحياة الكون وعقل لشعوره([26]). فلمخلوقات عالم البقاء علاقة قوية بنور رسول الله ﷺ، إذ بالنور الذي أتى به ستعمر الجنة ودار الآخرة بالجنّ والإنس، فالرسول الكريم محمد الأمين ﷺ وسيلة سعادة الدارين وحبيب ربِّ العالمين([27]).
يوضح هذا النص علاقة (الدال بالمدلول) في الدليل، المنظوية في علاقة السبب بالنتيجة، إذ يعدّ النورسي النبوة المتمثلة بالرسول محمد ﷺ والقرآن سبباً، والحياة نتيجة مترتبة على ذلك السبب.
والسؤال المطروح هنا، هل يقصد النورسي الحياة المادية أم المعنوية؟
ليرجح الجواب المعنوية فيها، إذ تواجه الحياة المادية معوقتين تخصان الرسول والكون معا، فالقرآن أثبت إمكانية فقد الرسول ﷺ ماديا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..﴾ ([28])، وكذلك أثبت الواقع. أما الكون فيرتسم ماديا أيضا، لأنه موجود وفق مسارين، أي أنّ فيه نجدين معا.
ولذا يُحمل كلام النورسي عن الحياة على الوصف المعنوي، فالرسالة والقرآن كلاهما حياة للكون وإيجاد له. وهذا انطلاق من الكتاب المسطور القائل:﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ([29]).
وفسّر النبي الحياة والموت، بكون الإيمان حياة كما أنّ الكفر موت، في الحديث الذي روته: أم خالد بنت الأسود عندما دخلت على النبي ﷺ فقال:(من هذه؟) فقالوا:أم خالد بنت الأسود فقال: (الحمد لله الذي يخرج الحي من الميت) يعني المؤمن من الكافر([30])، وكانت امرأة صالحة ومات أبوها كافرا.
فكما كانت رسالته سبباً لإيجاد دار الامتحان هذه فإنّ عبودية الرسول ﷺ لله تعالى أصبحت سبباً لخلق تلك الدار السعيدة الأبدية. وتعال لنتجرد من قيود الزمان، ولنذهب بأفكارنا إلى عصر النبوة، وبخيالنا إلى تلك الجزيرة العربية كي نحظى بزيارته، وهو يزاول وظيفته بكامل عبوديته انظر كيف أنه سبب السعادة بما أتى به من رسالة وهداية، وهو الداعي لإيجاد تلك السعادة، أنه يدعو إلى السعادة الأبدية في صلاة كبرى شاملة، حتى أن الجزيرة العربية بل الأرض برمّتها، كأنها تصلي مع صلاته، وتبتهل إلى الله بابتهاله الجميل([31]).
يؤكد النورسي أنّ الرسالة المحمدية سبب لوجود (دار الامتحان) كما أنّ عبودية الرسول ﷺ لله تعالى أصبحت سبباً لخلق دار السعادة كما يُعدّ هو سببا للسعادة. ويثنّي النورسي في كلامه هذا السعادة ويجعلها دنيوية وأخروية، وكلاهما يتحققان بالفعل الرسالي الخاتم. ويرادف النورسي العبادة بالسعادة، وهذه قمة التسامي الشامل، لأنه يبعد صفة المشقة والصعوبة المرتبطة بالعبادة عنها، ليستعيظ عن ذلك بالإحلال المتبادل بينهما، ليشكل بنية الترادف بين العبادة والسعادة.
وهذا ما يفسر اقتداء الأرض بالرسول ﷺ إماما ومبتهلا، بوصفها أحد أهم معالم الكتاب المنظور، فالأرض مركز الكون وحاملة الرسالات السماوية ومبعث الأنبياء والرسل عليهم السلام، ويشكّل اقتداؤها به ﷺ ملمحا أساسيا في انقياد الكون الطوعي للنبوة.
ومن جهة مماثلة يجعل النورسي المقام المحمود الذي وعد به الرسول محمد ﷺ نتيجة لخلق الكتاب المنظور، وذلك في قوله: إنّ المقام المحمود طرف وغصن من حقيقة عظمى، وهو ثمرة لأعظم نتيجة لخلق الكون. أما طلب تلك الثمرة وذلك الغصن والطرف، فهو طلب تحقيق تلك الحقيقة العامة الشاملة العظمى وحصولها، ومجيء العالم الباقي الذي هو أعظم غصن من شجرة الخلق وطلب تحققه. وطلب تحقق القيامة والحشر الذي هو أعظم نتيجة للكون وطلب انفتاح دار السعادة. فيتذكر المرء أنَّه -بهذا الطلب والسؤال- يشترك في العبودية البشرية والأدعية الإنسانية التي هي أهم سبب لوجود دار السعادة والجنة الخالدة([32]).
عندها سيكون العالم والحياة وما فيها من عبودية وأدعية سببا والمقام المحمود والجنة نتيجة يسعى إليها الإنسان في حركة دائبة متواصلة. فتتسم علاقة (العالم/الحياة) بـ(المقام المحمود/الجنة) في (الدليل) بالفعلية والتحقق، لأنه أدى وظيفته كعلامة اعتمادا على صلة المقام المحمود بدار السعادة والجنة الخالدة.
3.الكتاب المنظور أيقونة الهية:
الأيقونة: هي أي شيء يؤدي وظيفته كعلامة انطلاقا من سمات ذاتية تشبه المرجع أو المشار إليه([33]). وهي نمط من العلامات في ترتيب بيرس، حيث توجد علاقة تماثل صورية بالمرجع الملموس، وتحيل على الموضوع الذي تسجله اعتمادا على ما تمتلكه من مميزات، وتشير لتماثل العلامة لبعض مظاهرها([34]). تقوم الايقونة على مبدأ المشابهة بين العلامة ومدلولها أو مرجعها. وسندرس الايقونة بوصفها مصطلحا سيميائيا، وسنبعدها عن المفهوم الوثني.
وسنمثّل لدراسة الايقونة بحديث النورسي عن دور النبوة في الكتاب المنظور، وذلك بقوله: لقد تبدل وضع العالم بنور النبي ﷺ وتبيّنت حقيقة الإنسان والكون وماهيتهما بذلك النور، وانكشفت بذلك الضياء، فظهر أنّ موجودات هذا الكون مكاتيب صمدانية تستقرئ الأسماء الحسنى، ومأمورات -ذات معنى ومغزى- تليق بالبقاء. فلولا ذلك النور لظل الكون مستوراً تحت ظلام الأوهام، محكوماً عليه بالفناء المطلق والعدم، تافهاً دون معنى ونفع، بل كان عبثاً وسدى ووليد الصدفة، ولهذا السرِّ فإنّ كل شيءٍ في الأرض والسماء، من الثرى الى الثريا يستضيء بنوره ويبدي علاقته به([35]). ففي هذا النص يجعل النورسي النور النبوي أيقونة كونية، فبه تمّ التبدّل المرجو من الأسوأ الى الأحسن، كما تبينت حقيقة الانسان والكون معا، لأنّ الإنسان قطب الكون الأول. فالأيقونة تُظهر مبدأ التشابه بين النبوة متمثلة بالرسول الخاتم ﷺ والهداية المبددة لظلام الأوهام والفناء المطلق والعدم، والعبثية والسدى.
ومن موقع آخر يشابه النورسي بين تلازم الكون وخالقه تعالى، ورسوله ﷺ بتلازم الضوء للشمس، وذلك بقوله: يلزم أن يكون لهذا الكون البديع ولصانعه القدوس مثل هذا الرسول الكريم ﷺ، كلزوم الضوء للشمس. لأنه كما لا يمكن للشمس إلاّ أن تشع ضياءً كذلك لا يمكن للألوهية إلاّ أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام ([36]). فكما أنّ الضوء صدور عن الشمس فكذلك الكون المقتدي بالرسول ﷺ صدور عن الله تعالى. فالنبوة هي المظهرة لمعطيات الألوهية وتعاليمها السمحة، كما أنها تحقيق فعلي للنص القدسي متجسد بإنسان، ولذا وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها الرسول ﷺ عندما سألها سَعْد بن هِشَام عن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَت: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ([37]). وهذا ما شكل بنية المشابهة الأيقونية بين الدال والمدلول.
إنّ ماهية الكون وقيمته ومزاياه تتحقق بالنور الذي أتى به محمد ﷺ وبه تُعلم وظائف موجوداته ونتائجها ومهماتها وقيمتها، وبه يكون الكون بأسره عبارة عن مكاتيب إلهية بليغة وقرآن ربّاني مجسّم ومعرض آثار سبحانية مهيب. إذ لولا نوره لاتخذ الكون ماهية خراب مخيف ذات أخلاط متشابهة واضطرابات متعاقبة يتردى في خضم ظلمات العدم والعبث والزوال والفناء([38]).
مع الإثبات يتعدى النور المحمدي إلى ثلاثة مفاعيل كونية، هي: ماهيته وقيمته ومزاياه. وهذا ما أسس لمفهوم الأيقونة القائمة على التماثل بين الدال والمدلول، أي بين النبوة متمثلة بالرسول الخاتم ﷺ والكتاب المنظور ومعطياته الكونية. ويتنبأ النورسي بالكون المستقبلي، وذلك بقوله: سيكون الكون بأسره عبارة عن مكاتيب إلهية بليغة وقرآن رباني مجسّم ومعرض آثار سبحانية مهيب، ويشكل هذا بنية المماثلة بينهما ليؤسس مفهوم الأيقونة الكونية القائمة على الطوعية والانقياد للممارسات النبوية الكريمة. إنّ مفهوم المماثلة المنبثق عن مصطلح الأيقونة السيميائي، يتأسس في تحويل النبوة النصَّ إلى عمل وممارسة، ولذا كان النبي ﷺ قدوة لأنه دعا إلى الله تعالى بفعله قبل قوله، وممارساته قبل نصه.
4.رمز النبوة في الكتاب المنظور:
الرمز: مصطلح بيرسي يعادل الإشارة الدالة الاعتباطية عند دي سوسير([39])، وهو: "علامة عشوائية عرفية"([40])، ويتوافر على علاقة واقعية أو حقيقية بين الدال والمدلول. وسنمثل لرمز النبوة في الكتاب المنظور السيميائي بخطاب النورسي الآتي:
ما دام مالك الملك قد اختار الأرض من الكون، واختار الإنسان من الأرض، ووهب له مكانة سامية، وأولاه الاهتمام والعناية، واختار الأنبياء والأولياء والأصفياء من بين الناس، وأكرمهم بالمعجزات والتوفيق في الأعمال، واصطفى من بين هؤلاء المحبوبين إمامَهم ورمزَ فخرهم واعتزازهم ألا وهو محمد ﷺ، فنوّر بنوره نصف الكرة الأرضية ذات الأهمية، وخُمس البشرية ذوي الأهمية طوال قرون عدة([41]).
يَعدُّ النورسي في نصه المتقدم الرسولَ محمد ﷺ رمزاً بمفهومه الواقعي والحقيقي، وقد أضفى عليه مبدأ الاصطفاء والاختيار أو الاجتباء، وهذه هي مقومات الرمز النورسي، على عكس الرمز البيرسي القائم على الاعتباطية العشوائية. فالواقعية والحقيقة سمتا الرمز النورسي في توصيف الرسول محمد ﷺ، فهو المؤسس للتطابق والتماثل بين الدال والمدلول، ولذا عُدّ رمزا علاميا ذا خصوصية وتفرد.
ما دام الكون قد خُلق لأجل الحياة، وأنّ الحياة هي أعظم تجلّ وأكمل نقش وأجمل صنعة للحي القيوم جلّ جلاله، وما دامت حياته السرمدية الخالدة تظهر وتكشف عن نفسها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، إذ لو لم تكن هناك رسل ولا كتب لما عُرفت تلك الحياة الأزلية، فكما أنّ تكلم الفرد يبين حيويته وحياته كذلك الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم يدلون على ذلك المتكلم الحي. فلابد أنّ الحياة التي في الكون تدل دلالة قاطعة على (الحي الأزلي) سبحانه وعلى وجوب وجوده، كما أنَّ شعاعات الحياة الأزلية وتجلياتها تتعلق مع أركان الإيمان مثل: (إرسال الرسل) و(إنزال الكتب) وتثبتهما رمزاً، ولا سيما الرسالة المحمدية والوحي القرآني. إذ يصح القول: إنهما ثابتان كقطعية ثبوت الحياة، فهما بمثابة روح الحياة وعقلها([42]).
يذهب النورسي إلى عدّ الأنبياء والرسل علامة سيميائية في الكون، وذلك بقوله: الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم يدلُّون على ذلك المتكلم الحي. عندها سيتحول الأنبياء وكتبهم إلى رمز سيميائي بذلك الإثبات النورسي. ولا بدّ لذلك الإثبات من تأكيدٍ ليكون حقيقة واقعية يؤكدها البرهان، فكما تعدُّ الحياة عند الجميع ثابتة لا ينازع فيها أحد، فكذلك النورسي يعدّ الرسالة المحمدية والوحي القرآني ثابتين قطعياً كقطعية ثبوت الحياة.
5.علامة الكتاب المنظور (التبادلية/التتابعية):
إنّ أية علامة يوجد في شفرتها جزء من قائمة تبادلية، ضمن المحاور الآتية:
1.نظام من العلامات التي تربطها بإشارات أخرى من خلال التشابه والاختلاف. 2.تشابه الكلمات صوتيا. 3.ترابط الكلمة تبادليا مع المترادفات والمتضادات. 4.ترابط الكلمات في الجذر نفسه.
فيشير التبادل إلى ارتباط كلمة بكلمات أخرى، أما التتابع فيشير إلى: علاقة الكلمة بالكلمات الأخرى، وتوصف الوظائف التتابعية بالخطية. أي يعدّ التتابع أفقيا والتبادل عموديا([43]).
وسنقرأ النص النورسي الخاص بالكتاب العظيم (المسطور/المنظور) قراءة سيميائية من جهة العلامة التبادلية:
فيما يخص المحور الأول يطلق على القرآن والكون لفظ الكتاب، فالأول مسطور والثاني منظور، وقد طرفها الأول بنية التشابه كما أسس طرفها الثاني بنية الاختلاف. ولا يقف التشابه إلى هذا الحد بل يتجاوزه عندما يَعدُّ الأستاذ سعيد النورسي الكون البديع: قرآناً عظيما منظورا([44]). وفيه ترسيخٌ لأمرين:
الأول: يعزز القراءة التي لها أهمية كبرى في حياة الأمة وتنميتها. والثاني: تبيين التشابه بين القرآن الكريم والكون، فكلاهما صدور عن خالق عظيم واحد أحد، ويقتضي المنبع الواحد التشابه.
وقد تأتت أهمية الكتابين من كاتبهما، ولذا يقيم النورسي علاقة دائمة بين الكتابين وخالقهما، وينتقد ناظري الكون بمعزل عن مبدعه وخالقه. فيصف الفلسفة بأنها ضالة عن الحقيقة، فقد كان عليها "أن تنظر إلى كتاب الكون نظرتها إلى الحروف- الدالة على كاتبها -فقد نظرت إليها بالمعنى الاسمي، أي أن الموجودات قائمة بذاتها، وبدأت تتحدث عنها على هذه الصورة فتقول: ما أجمل هذا! بدلاً من: ما أجملَ خلق هذا، سالبة بهذا القول الجمال الحقيقي للشيء، فأهانت بإسنادها الجمال إلى الشيء نفسه جميع الموجودات". فالكتابان يشيران إلى الله تعالى، ويضيف النورسي: ولكم "أن تقدّروا مدى دلالة كتاب الكون الكبير العظيم الذي في كلِّ كلمة منه معان جمّة وحِكم شتى، ومدى دلالة هذا القرآن الأكبر المجسم وهو العالم، على بارئه سبحانه وعلى كاتبه جلَّ وعلا"([45]).
أما ما يخص المحور الثاني: (تشابه الكلمات صوتيا) فيتضح في ثنائية (المسطور/المنظور) المتوافقة، فقد أحال التشابه الصوتي الكتابَ إلى علامة سيميائية تبادلية.
أما المحور الثالث في العلامة التبادلية: (ترابط الكلمة مع المترادفات والمتضادات) فنجد الكتابين (المسطور/المنظور): مترادفين في خصائصهما كالإبداع والإعجاز والمنبع الواحد والتوافق والإحالة..، ومتضادين في كون الأول كلام الله غير مخلوق والثاني مخلوق.
وتتوضح العلامة التبادلية في المحور الرابع: بـ(ترابط الكلمات في الجذر نفسه) فيشتق القرآن والكون من الجذر نفسه (كتب) وكلاهما كتاب، فالقرآن كتاب مسطور كما أن الكون كتاب منظور، فالله تعالى هو "الذي كتب هذا الكون بشكل كتاب، حتى سجّل تاريخ حياة كل شجرة في كل بذر من بذورها، ودوّن وظائف حياة كل عشب ومهام كل زهر في جميع نواها"([46]) ،فكلاهما مشتقان من الجذر نفسه.
من زاوية أخرى يشابه النورسي بين الكتابين، لوجود التشابه الصوتي بينهما، وهذا ما يؤسس لترادف الكتابين واشتقاقهما من جذر واحد. وذلك لوجود آية عظمى كامنة فيهما، وهذه الآية هي الرسول الخاتم ﷺ، فعلى الرغم من الاختلاف الإحالي بينهما، لكنهما متشابهان، ليس في المنبع فقط بل المحتوى والجوهر. ويتجلى ذلك بقوله:" إنّ أعظم آية في كتاب الكون الكبير، وأعظم اسمٍ في ذلك القرآن الكبير..والدالّ على سلطان ربوبية الله، والكشّاف الحكيم للغز الكائنات، هو سيدنا محمد الأمين ﷺ، الذي ضم الأنبياء جميعاً تحت جناح الرسالة، وحمى العالم الإسلامي تحت جناح الإسلام، فحلّق بهما في طبقات الحقيقة متقدماً موكبَ جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وجميع الأولياء والصدّيقين، وجميع الأصفياء والمحققين، مبيّناً الوحدانية واضحة جلية بكل ما أوتي من قوة، فاتحاً طريقاً سوياً إلى عرش الأحدية، دالاً على طريق الإيمان باللّه، مثبتاً الوحدانية الحقة"([47]). كما يَعدُّ النورسي: الرسولَ محمدا الأمين ﷺ الفردَ الأكمل والجامع للكمالات الإنسية، لأنّ الإنسان وحده هو المؤهل للرُّقي([48]). فالرسول الخاتم محمد ﷺ هو آية الكونين وجوهر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، ومكمن النبوة لأنه ضمّ الأنبياء جميعاً تحت جناح رسالته، وهو الفرد الأكمل والجامع للكمالات في الكتابين المنظور والمسطور.
أما التتابع فيشير إلى: علاقة الكلمة بالكلمات الأخرى، وتوصفُ الوظيفة التتابعية بالخطية. فيعدّ التتابع أفقيا والتبادل عموديا. ويمكننا ايضاح هذه العلامة بالمثلث الآتي:
فالله تعالى كاتب الكتابين العظيمين (المسطور/المنظور) وله دور الفاعل لهما معا، فيأخذ في الكتاب الأول دور المتكلم وفي الكتاب الثاني دور الخالق، وهذا ما أسس بنية (التشابه/الاختلاف) فيهما، فسِمات تشابه الكتابين كثيرة ومتعددة، في حين ينفرد الاختلاف في (الكلام/الخلق) الإلهي.
وكمثال للتتابع يحضر الكون شاهداً للإيمان: فمثلما السَّمواتُ والفضاء والأرض تشهد على وحدانيتك وعلى وجودك، فالبحار والأنهار والجداول والعيون أيضاً تشهد على وُجُوب وُجُودِك وعلى وحدانيتك([49]). ليكون الكون بسمائه وفضائه والأرض والبحار والأنهار والجداول والعيون على علاقة بوحدانية الله وشاهدة له بالإيمان.
ويمثل النورسي لتصديق ومشاركة الكون للأنبياء في العبادة بقوله: يدعو آدم عليه السلام لحاجةٍ شديدة عظيمة عامة بحيث تشترك معه -في دعائه- الأرضُ بل السماء بل كل الموجودات، فيقولون بألسنة الأحوال: نعم يا ربنا تقبّل دعاءه فنحن أيضاً مع جميع ما تجلّى علينا من أسمائك نطلب حصولَ ما يطلبه([50]). وهذا مثال للتتابع المشترك، عندما تشاركُ كل الموجودات من أرض وسماء، أبا البشر عليه السلام في دعائه: تأمينا وحصولا.
ويقتضي حديثنا عن علامة الكتاب المنظور (التبادلية/التتابعية)، الحديث عن الإحالة في الكتاب المنظور أيضا، لوجود اندماج سيميائي بينهما، ويقصد بالإحالة: أنّ لكل علامة موضوع تشير إليه، وإنّ الكلمات تكتسب معانيها من البنية التبادلية أي من كلمات أخرى في اللغة([51]).
فالحاكمية الإلهية المطلقة تردّ الشرك بشدة مهما كان نوعه، ومن هنا نرى القرآن الكريم يفيض في بيان التوحيد الخالص ويردّ الشرك بشدة. فكما اقتضت الحاكمية الإلهية التوحيد والوحدانية بقطعية تامة، كذلك النظام المتقن والانسجام البديع المشاهدان في الكون -ابتداء من النجوم والنباتات والحيوانات والأرض والمعادن وانتهاء بالجزئيات والأفراد والذرات- كل منهما شاهدُ عدلٍ وبرهان على تلك الوحدانية، إذ لو كان هناك نفوذ لغير الواحد الأحد، لفسد هذا النظام البديع، واختل هذا التوزان المحكم المشاهَد في الكون، فصدق الله العظيم القائل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ([52])،من أجل هذا السرّ العظيم نرى القرآن الكريم يذكر التوحيد بكل حرارة وشوق، ويكرر ذكره بكلِّ حلاوة وذوق، وأن الأنبياء والعلماء يجدون بغيتهم ومنتهى سعادتهم في أفضل ما قالوه: "لا إله إلاّ هو"([53]).
انطلاقا من معنى الإحالة: أنّ لكل علامة موضوع تشير إليه، يؤكد النص النورسي هذا أنّ معالم الكون أجمع (النجوم والنباتات والحيوانات والأرض والمعادن والجزئيات والأفراد والذرات..) تشير إلى التوحيد بكل ما يعنيه من إخلاص وتجرّد وإفراد الله بالعبادة والتوكل والطلب. ويعدُّ النورسي التوحيدَ سبباً للتوازن الكوني والانتظام والتناسق، وهو بذلك يستنطق النص القرآني المؤكد للتوحيد، ويعدّ استشهاده بالآية دليلا له، ومن هنا يمكننا بيان الإشارة الإحالية في النص النورسي المتابع للنص القرآني وفق المربع السيميائي الآتي:
فتوحيد الله يتوافق مع (النظام والتوازن) المستغرق للكتاب المنظور، ويصل إلى أن يكون سببا لهما. في حين يتناقض التوحيد مع الفساد والاختلال الكوني، ويشير التناقض إلى العلاقة القائمة بين الإثبات والنفي، عندما يكون أحدهما نفيا للآخر، وبنحو أخص يشير التناقض: إلى ضرب تعارضي قائم بين الكلية الموجبة والجزئية السالبة، وبين الكلية السالبة والجزئية الموجبة، أو قضية تجمع عناصر متمانعة. أما التضاد فيشير إلى موضوعين يتعارضان ويزدادان تنافرا في الوعي من خلال التعارض، ويطلق على مفهومين يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف ويمكن الإحساس بتعاكسهما حدسيا([54]). في حين يتوافق الشرك مع (الفساد والاختلال) لأنه سبب لهما، يتناقض الشرك مع نظام وتوازن الكون، وهذا ما أسس لتضاد (النظام والتوازن) من جهة و(الفساد والاختلال) من جهة أخرى.
فصلاح النظام الكوني البديع وتحقق التوازن المحكم في الكتاب المنظور، يشير إلى رسوخ مفهوم التوحيد في العالم وتمكنه في الوجود، فعندما تكون دلالة التوحيد في (صلاح النظام البديع/تحقق التوازن المحكم) في الكون، تكون دلالة الشرك (فساد النظام البديع/اختلال التوازن المحكم) في الكون أيضا، وفق مفهوم البنية التبادلية للكلمات الأخرى في اللغة.
يريد النورسي من الإنسان إمعان النظر في الكون، ليجد مكمن عظمته صادرة عن خالقه تعالى، فليس ثمة فوضى ولا تسيّب، والكون كله بأجزائه ومكوناته ينطلق من الحكمة والإتقان الإلهي.
6.مؤشر الكتاب المنظور:
تكون العلامة مؤشرا حين يكون هناك ارتباط وجودي بين الإشارة وما تدل عليه، فمثلا تعدُّ الآثار مؤشراً للحضور([55]). ويعني الأثر بحكم البرهنة المعقدة: وجود صنف من الفاعلين المؤثرين تركوا ذلك الأثر، ويحدد الأثر مكانة وصفات ووجود المؤثر([56]).
يمكن في مؤشر الكتاب المنظور أن يشير الكون أجمع إلى الخالق العظيم، وقد سُئل أحدهم ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله إنّ أثر الأقدام لتدل على المسير. فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدلُّ ذلك على وجود اللطيف الخبير؟([57]).
يبدأ النورسي في تعداد مفردات الكون الشاسع وأجزائه المتنوعة ليجعلها شاهدة عليه تعالى، ومؤكدة على صدق نبوة محمد ﷺ، فالنور أو الضوء إنما هو للإعلان عن مصنوعات الله سبحانه، أي أنّ الضوء مسخّر من لدن خالق حكيم، وانظر إلى الرياح والينابيع والجداول والأنهار، وتأمل في تفجرها من الأرض أو الجبال. وأنظر إلى أنواع الأحجار والأزهار والأثمار والطيور والسُحب الثقال والسماء وتمعن في القمر وأجرام السماء .. وهكذا يفتح كُلّ ما ذكرناه من العناصر الكلية نافذة واسعة جداً تبيّن وجود الله سبحانه وتظهر وحدانيته، وتعلن عن كمال قدرته وعظمة سلطانه. فالكون جميعاً والموجودات كافة ناطقة بالتوحيد، فدلائل التوحيد وأصداؤه شواهد عدل لا تنقطع ولا تنتهي أبداً في الكتاب المنظور([58]).
فرغم الظهور الجلي للآيات الكونية القاطعة على وحدانية الله وعظمته، فقد زاغ عنها الكثيرون، ولذا أسهب النورسي في تعداد تلك الآيات العظيمات ليرسخ الإيمان في النفوس ويقويه في القلوب، فقد تحدث القرآن عن أناس استمعوا للنبي ﷺ ورأوا الآيات ومع ذلك لم يؤمنوا بدعوته: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا..﴾ ([59])، وهذا هو سبيل الكافرين، على عكس المؤمنين الذين ترشدهم تلك الآيات إلى الإيمان بالله وحده، وقد تناصت أبيات أبو العتاهية مع نص النورسي المتقدم:
|
فَيا عَجَبا كَيفَ يُعصى الإِلَـ |
|
ـهُ أَم كَيفَ يَجحَدُهُ الجاحِدُ؟! |
|
وَلِلَّهِ في كُلِّ تَحريكَةٍ |
|
عَلَيـنا وَتَــسكيـنَـةٍ شـاهِــدُ
|
|
وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ |
|
تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ الواحِدُ([60]) |
ويماثل النورسي شهادة الأنبياء بإشارة الكون وشهادته، وذلك بقوله:
"يَا رَبَّ العالمين! يَا إله الأولين والآخِرين! يَا رَبَّ السَّمواتِ والأرضين!
لقد علمتُ بتعليم الرّسُولِ الأكرم ﷺ وبدرس القُرآن الحكيم وآمنت أنه: مثلما السَّمَاء والفضاء والأرض والبر والبحر والشَّجر والنبات والحيوان.. تَعرفُك بأفرادها وأجزائها وذراتها، وتشهد على وُجودِكَ وعلى وَحدتك، وتدلُ عليهما وتشير، فإنّ الأنبياء والأولياء والأصفياء.. يشهدون ويخبرون بوجوب وجودك ووحدانيَتك وأحدِيتك إخباراً قاطعاً". فوصفَ الأولى بالدلالة والإشارة التي ماثلها بالشهادة التوحيدية. ليأخذا معا دور فاعل الشهادة والقائم بها، وإن كانت هذه الشهادة الثنائية للتوحيد تنفرد وتتقابل عندما: يدلُّ الكون ويشهد شهادة كلية على رسالتة النبي الكريم ﷺ وصدقه وعلى كونه أفضل مبعوث لله ربِّ العالمين([61]). عندئذ سيتحول الكتاب المنظور من كونه معززا بشهادة نبوية ليشهد للوحدانية، إلى تفرد شهودي لإثبات صدق النبي الكريم ﷺ، وهذا هو ملمح الانتقال الثنائي إلى الوحدة.
ولهذه الغاية يحضّ النورسي الإنسان إلى إمعان النظر في سيمياء الأرض ويرشده الى دوام التفكر والنظر، ويخاطبه بقوله: "أمعن النظر في ملامح الأرض وسيمائها، وفي مطرزات تعاريجها، ونقوش انحناءات سطحها، والتواءات جسمها، ولاحظ شكلها وألوانها الزاهية المتنوعة بتنوع تربتها، والتي تتسم بالحكمة والإبداع، وتثير الحيرة والإعجاب فدونك الأنهار والسواقي والبحار والجداول وسفوح الجبال"([62])، وإنها جميعا تشير الى الخالق تعالى.
وبهذا نكون قد أنهينا بحثنا: قراءة النبوة للكتاب المنظور وفق المنهج السيميائي والذي استغرق المصطلحات الآتية: الشفرة والدليل والأيقونة والرمز والعلامة التبادلية والتتابعية والإحالة العلامية والمؤشر، فتمّت دراسة الكتاب المنظور سيميائياً.
والحمد لله أولا وآخراً على منّه وآلائه.
---------------------------
([1]) ينظر: اللمعات، بديع الزمان سعيد النورسي، تر:إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط2، القاهرة ،1993 :194، والمثنوي العربي النوري،بديع الزمان سعيد النورسي، تر:إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط1، القاهرة، 1995 :123، 176.
([2]) الكلمات،بديع الزمان سعيد النورسي، تر:إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط1، القاهرة،1993: 43، 60.
([3]) ينظر: السيمياء والتأويل،روبرت شولز، تر:سعيد الغانمي،المؤسسة العربية للدراسات، ط1، عمان، 1994 :13-14.
([4]) السيميائيّة وفلسفة اللغة، أمبرتو إيكو،تر:د.أحمد الصمعي، دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت-لبنان،2005 :44.
([5]) العلاماتية وعلم النص، منذر العياشي، المركز الثقافي العربي، ط1، المغرب، 2004: 13.
([6]) مفاهيم السيميائيات، سعيد بنكراد، مجلة علامات، ع17، 2004: 85.
([7]) ينظر:السيمياء والتأويل:52.
([8]) مبادئ في علم الأدلة، رولان بارت، تر: محمد البكري، دار الحوار للنشر والتوزيع،ط2، اللاذقية-سورية ،1987 :14.
([9]) ينظر:أسس السيميائية، دانيال تشاندلر، تر: د.طلال وهبه، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2008 :43.
([10]) العلامة الايقونية والتواصل الإشهاري، د.محمد حاين، الملتقى الخامس (السيمياء والنص الأدبي)،الجزائر، 2008: 205-206.
([11]) السيميائيات الواصفة: المنطق السيميائي..، أحمد يوسف، الدار العربية للعلوم، ط1، بيروت-لبنان، 2005 :56.
([12]) ينظر:السيمياء والتأويل:248.
([13]) ينظر:دلائل النبوة،د. منقذ بن محمود السقار،د.م.ط:62.
([14]) سورة فصلت:53.
([15]) الكلمات:706.
([16]) سورة القمر:1.
([17]) صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير،ط1، دمشق-بيروت، 2002 :1228.
([18]) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، علي الواحدي، تح: صفوان داوودي، دار القلم، ط1، دمشق، 1995: 1045.
([19]) الكلمات:149 .
([20]) الشعاعات، بديع الزمان سعيد النورسي، تر: إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط2، القاهرة،1993 :166-167.
([21]) إشارات الإعجاز في مظانّ الإيجاز، النورسي، تر: إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر، ط2، القاهرة، 2002 :178.
([22]) ينظر: المثنوي العربي النوري:65، 330. والشعاعات:167. واللمعات:125. والكلمات:286.
([23]) دليل الناقد الأدبي..، د.سعد البازعي ود.الرويلي ، المركز الثقافي العربي، ط3، الدار البيضاء ،2002 :180-181.
([24]) موسوعة لالاند الفلسفية، اندريه لالاند، تر: خليل أحمد، منشورات عويدات، ط2، بيروت،2001 :1/214-215.
([25]) مبادئ في علم الأدلة:66.
([26])ينظر:الكلمات:118-120.
([27])المكتوبات، بديع الزمان سعيد النورسي،تر: إحسان الصالحي، شركة سوزلر للنشر،ط3، القاهرة،2001: 391-392 .
([28])سورة آل عمرآن: 144.
([29])سورة الروم:19.
([30])المعجم الكبير، سليمان الطبراني، تح: حمدي عبد المجيد، مكتبة العلوم والحكم، ط2، الموصل، 1983 :25/95.
([31])ينظر:الكلمات:73.
([32]) الشعاعات:131-132.
([33]) ينظر: السيمياء والتأويل:242.
([34]) معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، د.سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني،ط1، بيروت، 1985 :44.
([35]) ينظر:الكلمات:74.
([36]) ينظر:م.ن:62.
([37]) مسند الإمام الحافظ أحمد بن حنبل، بيت الأفكار الدولية، د.ط، الرياض،1998 :1887.
([38]) الشعاعات:666.
([39]) السيمياء والتأويل:247.
([40]) دليل الناقد الأدبي:181.
([41]) الكلمات:112.
([42]) اللمعات:567، والكلمات:118-119.
([43]) ينظر: السيمياء والتأويل:242-243.
([44]) الكلمات:143.
([45]) ينظر: الكلمات: 143 ،177-178.
([46]) الشعاعات:299.
([47]) الكلمات: 343 .
([48]) المكتوبات:396.
([49])الشعاعات: 54.
([50])الكلمات:261.
([51])السيمياء والتأويل:241.
([52])سورة الأنبياء:22.
([53])ينظر: اللمعات:550-553.
([54]) موسوعة لالاند الفلسفية:1/222-224.
([55]) السيمياء والتأويل:249-250.
([56]) السيميائيـّة وفلسفة اللغة:102.
([57]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تح: سامي السلامة، دار طيبة، ط2، المملكة العربية السعودية ،1999 :1/197 .
([58]) ينظر: الكلمات: 805-807.
([59]) سورة الأنعام:25.
([60]) ديوان أبي العتاهية، دار بيروت، د.ط ،1986 :122.
([61]) ينظر: الشعاعات:63، 666.
([62]) الكلمات:811.
