قواعد تطبيق السنة النبوية عند الإمام النورسي وعلاجها للخلاف بين الفرق والمذاهب الإسلامية

قواعد تطبيق السنة النبوية عند الإمام النورسي 
وعلاجها للخلاف بين الفرق والمذاهب الإسلامية

د.سالم حسن ذيبان            
مركز رسائل النور للدراسات والبحوث 
الخرطوم (السودان)           

مقدمة
بعث الله الأنبياء هداة وقدوة منيرين الطريق لمن تبع هداهم الى صراط الله المستقيم.
والأنبياء هم معصومون ابتعثهم الله برسالته العظيمة بعد أن رباهم وأدبهم لكي يدعو الناس إلى كل مايحقق عبودية العبد لله ليقوم بمهمة الاستحلاف على أكمل وجه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي" .
ومن هنا يتجلى أهمية الدور المنوط بالعلماء والدعاة والمربين لكي يتسنى لهم معرفة الوسيلة الأمثل للاقتداء وتنزيل تطبيق السنن النبوية بما يتناسب مع الحال والواقع وقبل كل شئ تعاليم السنة النبوية الشريفة.
لقد من الله على الأستاذ النورسي بالإخلاص والصدق والصبر ففتح له باب من نور الله فزاده بسطة في العلم وعرفه بأمراض الأمة فكتب قواعد هي ليست فكراً وإنما قبسات من نور القرآن الكريم والسنة النبوية، وهذا الشيء هو ما يميز هذه القواعد.
المبحث الأول: مقاصد الأستاذ في الكتابة عن إتباع السنة النبوية وفهم الأحاديث النبوية:
الأستاذ النورسي يتحدث عن الحقائق الإيمانية والسلوك والترقي ولكن من خلال منهج نبوي صحيح، وأيضاً يتكلم بتلاحق الأفكار ويذكر إستدلالات علماء أجلاء لهم بالله صلة وبرسول الله حسن إتباع، وينظر ويقيس ويعطينا دساتير واضحة ولكن فيها من السعة والشمول مايجمع شتات الأمة وفرقتها .
ولقد فهم الأستاذ واقع عصره وما وصل الحال فيه وهو ماأمكن أن نجمله بالآتي:
أولاً: أن الأستاذ يريد للأمة أن تتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وتقتدي به، وهو أمر أفنى الأستاذ حياته فيه، وكتب عن النبوة وإثباتها وعن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ومكانتها، وعن معجزاته الأحمدية الشريفة، ولم يترك باباً لمحبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلا ودل طلابه عليه.
ثانياً: الأستاذ النورسي يدرك أن: "هذه المسألة كتبت فيها الآف المجلدات في تفصيل هذه الحقائق إذ العارف تكفيه الإشارة"  ولكنه كتب لنا قطرة هي في الحقيقة بحر يكفي لسفينة الراشدين أن تبلغ مناها، فكثرة المجلدات لا تعني أنها عالجت المشكلة أو أنها أوجدت للداء العضال دواء ناجع، بل على العكس فبعض المؤلفات صبت الزيت على النار ونظرت للمسائل بقصور وتعجرف.
ثالثاً: الأستاذ النورسي يحث الأمة على إقتفاء السنة النبوية دونما تفريط أو إفراط ، وعدم الانهماك والإغراق في الجزئيات وإثارة الخلافات.
رابعاً: رأى الأستاذ أن كثيراً من الجماعات والعلماء اتخذت من هذه المسألة قاعدة لتصنيف الناس من حيث الإستمساك بالسنة أو بعيدين عنها على حد فهمهم، فصار الناس فيها فرقاً وتنازعوا ونسوا المغزى الأساسي من إتباع السنة، بل وتحدث في هذا الأمر حتى العوام من الناس.
خامساً: الأستاذ النورسي يعارض تناحر الفرق والطرق وخلافهم عن هذه الأمور، وتشتيت جهود الأمة وقعودها عن غاياتها، ويريد للأمة معرفة السبيل الأسنى في الإتباع. 
سادساً: لقد أدرك الأستاذ مخاطر الخلافات في مثل هذه الأمور وتشويهها صورة الإسلام حتى أصبح من يرغب بدخول الإسلام يخاف من هذه الأشياء ونفر كثيرون من الدين الإسلامي بسبب رؤيتهم لهذا الحال.
سابعاً: وجه الأستاذ جهده للتوفيق بين الآراء المتعارضة وخرج بفضل الله بما هو أوسط وأقوم.
ثامناً: تفطن الأستاذ للأسباب التي أوجدت مثل هذه الخلافات، فنوه لها وعالجها ولكن برفق ورأي سديد.
تاسعاً: رأى الأستاذ الناس يفتقدون لمعرفة فقه الأولويات وماذا ينبغي عليهم العمل به أولاً، وهو ما كتب عنه أيضاً في رسائله ونناقشه في المبحث الثالث.

المبحث الثاني: منابع السنة عند الإمام النورسي:
قسم الأستاذ النورسي السنة إلى منابع هي الفرائض والنوافل وعاداته (صلى الله عليه وسلم) .
ويقول الأستاذ النورسي إن إتباع كل نوع من أنواع السنة النبوية لايتسنى إلا لأخص الخواص ولكنه ممكن عن طريق النية والقصد والإلتزام والقبول. 
وهنا نجد الأستاذ قد بين أمراً هاماً وهو الإستطاعة فليس بمقدور كل مسلم أن يفعل كل السنن، ولكن استاذنا النورسي جزاه الله خيراً أعطانا بارقة أمل بنيل ولو شئ من الحظ والنصيب.
ويقول الأستاذ النورسي بأن الفرائض هي واجبة ومفصلة في القرآن والسنة ويترتب على تركها عقاب. 
واما عن النوافل فيبين لنا الأستاذ النورسي كلاماً حكيماً بقوله" فأهل الإيمان مكلفون بها حسب الأمر الإستحبابي وليس في تركها عقاب ولكن في إتباعها أجر عظيم، وفي تغييرها وتبديلها بدعة وضلالة وخطأ كبير". 
ثم يتطرق الأستاذ إلى عادات الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: "وأما عاداته (صلى الله عليه وسلم) وحركاته وسكناته السامية فمن الأفضل تقليدها وإتباعها وهي تصير العادات والآداب عبادة، وفي إتباعها حكمة ومصلحة سواءأ في الحياة الشخصية أو النوعية أو الإجتماعية". 
وعلى هذا النسق يقول الأستاذ في معرض هذا مبيناً عظم السير ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم "فالسعيد المحظوظ هم من له أوفر نصيب من هذا الإتباع للسنة الشريفة". 
ثم ختم الأستاذ النورسي حديثه بكلام بديع ومجمل عن البدع وفقه الله فيه لقول سديد، وعرف البدع بأنها: "إحداث الأمور في الأحكام العبادية وهي مردودة ولكن الأمور المستحدثة من قبيل الأوراد والأذكار كالتي عند المتصوفة فهي ليست ببدعة مادام أصلها القرآن الكريم والسنة (وهي بدعة حسنة). 
وهنا نستنتج أن الأستاذ وسطي المنهج مستقيم في الحكم على الجميع، نقي السريرة وهدفه الدعوة إلى الله بالحكمة وإستمالة الناس للصواب دونما تجريح، محققاً الآية الكريمة:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. 
ويستمر الأستاذ النورسي في إغاثتنا وبقدم قاعدة مهمة وهي اختيار النبي (صلى الله عليه وسلم) عدم الإفراط والتفريط  وإنما الإستقامة في جميع السنن النبوية الشريفة، وفي جميع أحواله الفطرية وفي جميع أحكامه الشرعية. 
وكعادته يقدم الأستاذ البراهين تلو البراهين وهنا مستدلاً بكلام الإمام الرباني السرهندي وهو من الذين لهم بالله معرفة وممن ساروا في الآفاق وبلغوا فيها مبلغاً لصدقهم مع الله فرأوا مالا يراه عامة الناس، والذي قال:" إن كل تلك الأذكار لاتساوي في نورانيتها الأذكار النبوية". 
فابنعام النظر فيما قالوه نجد كيف تبصر أولئك العلماء المحققين وبلغوا للناس سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبر وتلطف دونما تجريح ولا شتائم، سيراً على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال: " لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ وَلَا لَعَّانٍ وَلَا فَاحِشٍ وَلَا بَذِيءٍ" .
فهل صار تطبيق السنة في العبادات وغابت في السلوك والممارسات، فما أبلغ الظلم الذي تتعرض له السنة اليوم على يد المجحفين وقصيري النظر.
فسبحان من أفاض على الأستاذ النورسي فجعله يختزل علاج أسباب وصراعات الفرق والمذاهب والجماعات في هذه القواعد الوسطية النبوية النورانية.
ولعلنا نبسط الكلام ونوسعه لندلل لكل من لم يطمئن قلبه بعد ونقول، لعل البعض يظن أن الأستاذ تحيز إلى المتصوفة ووقف معهم، أو أنه متساهل غير أن المحقق يجد أن الأستاذ أنصف الجميع وكان مستقيماً ووسطاً، وهناك ما يدعم قواعد الأستاذ النورسي النورانية وسنتحدث عن بعض الأدلة.
فأولها إفتتاح الأستاذ النورسي لهذا الباب في كتاباته بحديث شريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم:" مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيد". 
فأهمية الفروض والواجبات لاتخفى على أحد ومن حافظ عليها نجى من عذاب النار كما يقول الأستاذ وهو الذي يريده كل مسلم، ومما يدعم كلام الأستاذ النورسي حديث أبوهريرة رضي الله عنه:" أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَالَ تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا" .
وبالتالي فالأستاذ النورسي يؤكد أن الله يريد من عباده أولاً المحافظة على الفرائض والواجبات، وقد كتب الأستاذ عن هذا كثيراً ليبين للناس مكانة الفرائض كالصلاة والزكاة والحج، فمكانة الصلاة وعظمة الوقوف بين يدي الله وإستحضار معيته ومخاطبته نالت كثيراً من اهتمامه، متدرجاً في هذا على حسب قابليات الناس، وكان مما صرح به كثيرون لي بأنهم وجدوا عند الأستاذ ماأراح نفوسهم ورقى مدارجهم فيما بعد، ألا وهو قول الأستاذ النورسي: ("فياأخي حذار أن تقول أين صلاتي من حقيقة تلك الصلاة؟ "إذ كما تحمل نواة التمر في طياتها صفات النخلة الباسقة، الفرق فقط في التفاصيل والإجمال.كذلك صلاة العوام-من هم أمثالي وأمثالك-فيها حظ من ذلك النور وسر من أسرار تلك الحقيقة، إلخ كلامه رضي الله عنه) . لقد ترفق الأستاذ بطلابه فأرتقوا وتحنن لهم وتقرب فشمروا إلى المعالي، حافظوا على الفروض والسنن وتتبعوا العادات النبوية بالترقي والتدرج.
وأما فيما يخص السنن النوافل فهي تقرب لله كما يروي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي:" مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَه" .
والأستاذ النورسي كلامه واضح في هذا الأمر وهو مع عدم تبديلها وتغييرها، وهو سني الإتباع في هذا .
وأما بخصوص عاداته صلى الله عليه وسلم، فللأستاذ النورسي شواهد كثيرة من السنة النبوية تدعم كلامه المستفيض الذي أفاض فيه وأجاد، فعن عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: (رَأَيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ بِسْمِ اللهِ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَيْهَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ثُمَّ حَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَكَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ مِمَّ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ يَعْجَبُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَيَقُولُ عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي) .
والإمام علي سليل بيت النبوة وإبن عم رسول الله وزوج إبنته فاطمة البتول وخليفته وسيد الأولياء، فكيف لا يكون له حظ من هذا.
ودليل آخر في هذا الباب، فعن مُجَاهِدٍ قَالَ: (كُنَّا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَمَرَّ بِمَكَانٍ فَحَادَ عَنْهُ فَسُئِلَ لِمَ فَعَلْتَ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا فَفَعَلْتُ) .
وسيدنا عبدالله بن عمر هو من أكثر الصحابة تشدداً في إتباع السنة، وهو إبن الفاروق عمر، وحظه من هذا الإتباع كثير.
وأما عن البدع في الأذكار وهي المسألة التي أسهب الناس في الحديث عنها وتفرقوا جماعات واختلفوا، فقاعدة الأستاذ لها شواهد عديدة تؤيدها:
ففي سنن أبي داود عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَال: قَال النَّبِى صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ: كَيْفَ تَقُولُ فِى الصَّلاَةِ ؟ قَال: أَتَشَهَّدُ وَأَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ، أَمَا إِنِّى لاَ أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلاَ دَنْدَنَةَ مُعَاذ، فَقَالَ النَّبي صلى الله عليه وسلم: أنا ومعاذ حَوْلَهَا نُدَنْدِن" .
من خلال هذا الحديث يتبين للمستقصي عن مدى تعظيم الأستاذ وطلابه للبعد الأخروي، فقد ركز الأستاذ على البعد الأخروي (الهدف النجاة من النار) وكرر الأستاذ الحديث عنها في رسائل النور وجعلها تتكرر في الجوشن مراراً وفي أذكار مابعد الصلاة وذلك لأن الآخرة حاضرة معه ومع طلابه، بل جعل تذكرهم للموت والآخرة بلسماً لمن يعاني من إستيلاء الدنيا وزخارفها على قلبه .
وهناك دليل آخر، ففي الأثر عن الإمام محمد بن واسع: " أنه كان يدعو الله كل يوم بدعاء خاص، فجاءه شيطان وقال له: يا إمام ! أعاهدك أني لن أوسوس لك أبدا، ولن آتيك ولن آمرك بمعصية ، ولكن بشرط أن لا تدعو الله بهذا الدعاء ، ولا تعلمه لأحد . فقال له الإمام: كلا ! سأعلمه لكل من قابلت وافعل ما شئت. هل تريد معرفه هذا الدعاء ؟ كان يدعو فيقول: " اللهم إنك سلطت علينا عدوا عليما بعيوبنا، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم ، اللهم آيسه منا كما آيستـه من رحمتك ، وقَنِّطه منا كما قَنَّطـته من عـفوك ، وباعــد بيننا وبينه كما باعـدت بينه وبين رحمتك وجنتك" .
فنص الدعاء أعلاه لم يرد عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولكن معناه صحيح ولم يشنع أحد من المتشددين على الإمام محمد بن واسع، والأستاذ النورسي كتب كلاماً عجيباً عن الاستعادة والحكمة منها، وجعل الاستعادة من الشيطان في أذكار ما بعد الصلاة ثابتاً، وأوصى به طلابه لكي يحصنوا أنفسهم من وساوس الشيطان. 
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يصيبه اليأس من العباد في بعض الأزمان والأحيان، فقال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" .
ومن الشواهد الأخرى أيضا وهو من الأدعية المشهورة التي درج الناس عليها ولم ينكرها كبار المتشددين على الناس، "ما أخرجه هبة الله الطبري اللالكائي في كرامات الأولياء بسنده عن أنس قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يكنى أبا معلق، وكان يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكاً ورعاً، فخرج مرة فلقيه لص مقنع بالسلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك. قال: ما تريد إلا دمي شأنك بالمال. قال: أما المال فلي، فلست أريد إلا دمك. قال: أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات. قال: صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، وكان من دعائه في آخر سجدة أنه قال: يا ودود، ياذا العرش المجيد، يا فعالاً لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام، والملك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات. قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني فرسه، فلما أبصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله، ثم أقبل. فقال: قم. قال: من أنت بأبي أنت وأمي، فقد أغاثني الله تعالى بك اليوم. قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت الله بدعائك الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجيجاً، ثم دعوت بدعائك الثالث. فقيل: دعاء مكروب، فسألت الله عز وجل أن يوليني قتله" .
قال أنس: فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له، مكروباً كان أم غير مكروب، وسيدنا الحسن البصري روى الحديث عن أنس رضي الله عنه.
ومن هذا نجد أن هذا الصحابي أخرج لنا دعاءاً هو من زبدة المأثورات والأوراد النبوية ولم ينكر أنس رضي الله عنه هذا بل أوصى به.
ولعل كلام سيدنا عمر عن البدعة الحسنة، فيه من سعة الإسلام ورحمته الكثير مما نحتاجه هذه الأيام للتخفيف من الإساءة والتشنيع على الناس ونسيان أهمية التوحد والإعتصام.فقد أورد البخاري في صحيحه هذا الحديث:
حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ وَاللهِ إِنِّي لَأَرَانِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي تَقُومُونَ يَعْنِي آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ" .
فالحديث ثابت في البخاري، وهناك حديث آخر يسند ويؤيد فعل عمر رضي الله عنه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بعْدَهُ كُتِب لَه مثْلُ أَجْر من عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وزر من عَمِلَ بِهَا ولا يَنْقُصُ من أَوْزَارهِمْ شَيْءٌ" .
فمن هذا نخلص أن الأستاذ لايحرج ولايشنع على الناس في أدعيتهم وأورادهم، سيراً على سنة رسول الله وصحابته الأخيار في هذا، ولكنه جعل للأوراد النبوية مكانة ووصى بها، والأستاذ لا يريد لهذا الأمر الجزئي أن يكون سبباً للخلاف والتنافر مقدمين إياه على أولويات الوحدة والتناصر.

المبحث الثالث: الأولويات التي يراها الأستاذ النورسي ويدعو لها ويراها مقدمة على ماعداها:
1.أن تحيا الأمة بالإيمان وحقائقه وممارسته وتترقى في مدارج السلوك تبعاً للرسول صلى الله عليه وسلم .
2.أن تسعى الأمة لتقديم الإسلام للبشرية الضامئة له نقياً صافياً بأساليب جاذبة، متجنبين كل ما ينفر منه وأولها عدم إلتزامنا به وثانيها تجنب الإفراط والتفريط، حاملين مبادئه سلوكاً وممارسة في أخلاقنا، كما يقول الأستاذ:" ولو أننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارم أخلاق الإسلام وكمال حقائق الإيمان لدخل أتباع الأديان الأخرى في الإسلام جماعات وأفواجا، بل ربما رضخت دول العالم وقاراته للإسلام" .
3.أن تبقى الآخرة حاضرة أمام أعيننا ورابطة الموت لا تغيب عن أذهاننا، حتى لا تعمينا الغفلة . 
4.على قادة الأمة وخطبائها وعلمائها توجيه الناس إلى العيش بالإسلام واقعاً وتجنب كل ما يدعو إلى الفرقة والتناحر، فصحيح أن اختلاف الأمة رحمة ولكنه الخلاف من أجلها وليس نقضا لعرى الوحدة والإعتصام لقوله تعالى:﴿ ‏وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾  وقوله عز من قائل:﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا ﴾ .
5.على خطباء الأمة إستخدام الأحاديث النبوية في مكانها وشرحها وتبسيطها لعموم الناس بما ينفع ويوحد.فمثلاً حديث (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ)  درجت العادة أن يقال في إفتتاحية كثير من الخطب وأتخذ من البعض ظاهرياً قانوناً للتفرقة والعزل والإقصاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من هذا، والأستاذ النورسي يقول في شرح الحديث أعلاه:" فإن عدم استحسان تلك الدساتير بمحدثات الأمور، أو ايجاد البدع التي تشعر كأن تلك الأمور ناقصة-حاش لله-ضلال ليس له مستقر إلا النار" ، ويقول أيضاً في مكان آخر:"لاينبغي الحكم على الشيء بظاهره إذ من شان المحقق سبر أغوار الموضوع والتجرد من المؤثرات الزمانية والغوص في أعماق الماضي ووزن الأمور بموازين المنطق ووجدان منبع كل شئ ومصدره" . ولعمري فإن رؤية الأستاذ مختلفة تماماً عما يروج له بعض المتشنجين والمتشددين. 
6.توجيه الامة للمزج بين العلم الديني والعلوم المادية، حتى يحيا المتعلمون ربانيين، يعرفون الله، ويحققون للأمة مقاصدها كما يرضى الله، كما يقول الأستاذ: "ضياء القلب هو العلوم الدينية ونور العقل هو العلوم الحديثة فبامتزاجهما تتجلى الحقيقة فتتربى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى والحيل والشبهات في الثانية" . والأستاذ يعلم جيداً مدى تأثر الناس بالعلوم الحديثة وإن عدم وجود بوصلة العلوم الدينية تفقد الإنسان الصراط المستقيم وتتلقفه الأهواء.
7.توجيه أهل العلم والمعرفة للناس بأن يحيوا بالشريعة وهو مقصد سعادة الدنيا والآخرة .
إن أكبر جناية ترتكبها الأمة هي الفرقة والاختلاف، والوحدة والاعتصام هو الأولى، فهل من المنطق الاختلاف في مشروعية أذكار كتبها عالم صالح لدرجة تفسيقه وتكفيره وسبه هو وأتباعه، ونسيان فريضة شرعية وأمر نبوي بالوحدة والإعتصام ففي أيهما الإتباع النبوي أوجب.
8.التنوع مكسب وفي هذا الاختلاف رحمة، وقد وجد الأستاذ النورسي طلاباً له كثير من الأحناف ولم يأمرهم أن يصبحوا شافعيي المذهب مثله، وفي إخلاصه هذا جعل الله تحقق المقاصد الكبرى للدين والشريعة على يديه، ومن ينظر لطلاب النور وبركة مساعيهم في تركيا وكل الدنيا يدرك مدى الفكر السامي الذي يوجههم والإستقامة التي تقودهم وقد أصبح تنوعهم مصدر قوة وليس مصدر ضعف.
9.الدعوة إلى الإجتهاد القائم على الوعي العميق بأمور الدين بحيث يستخلص من امور الشرع، بعض الأحكام التي تناسب ما يستحدث في المجتمعات من تطورات علمية أو أحداث اجتماعية جديدة، والأستاذ هنا يبرز لنا مدى التطور الذي يطرأ على المجتمعات وكيف للعلماء ان يتعاملوا معه .
10.عدم الزج بالعوام في البحث في هذه المسائل وهذا خطر كبير إذ كيف للعوام أن يعرفوا هذه الأمور .
11.لابد للنقاشات أن تبتعد عن العناد، وأن تجري في جو من الإنصاف، وأن تتسم بالشمولية، أن تكون المذاكرة في المسائل المتخصصة بين من هم أهل للمناقشة، أي أن نأخذ بعين الاعتبار مسألة السياق والمقام .
12.لا يجوز بحث المسائل الإيمانية الدقيقة بشكل مناقشات جدلية دون ميزان، ولا أمام جماعة من الناس، إذ تتحول الأدوية عندئذ إلى سموم ، لأنها دون ميزان ، فتضر المتكلمين والمستمعين معاً . وإنما يجوز ذلك عند فراغ البال وسكون القلب وتوفر الإنصاف عند الباحثين، وتداولاً فكرياً ليس إلاّ .
13.الإهتمام بالقضايا الجوهرية، فالنورسي يقول: "من لم يجد اللب ينهمك في القشر" ، وقد أسرف الناس في هذا حتى نسوا فعل الفرائض والسنن وانهمكوا بنقد من أسموهم بالمبتدعة وأشعلت فتن وحروب وتفرقت الأمة وتخلفت.

خاتمة
الأستاذ بديع الزمان النورسي يريد لكل مسلم ومؤمن أن يحب الله ورسوله ويتبعه على قدر إستطاعته ولا يطلب من أحد أو جماعة التخلي عن مسلكها وطريقتها، ولكن يطلب منها الإخلاص وعدم إنكار وجود الآخر ، فليس بقسوة النقد وكثرة الهجاء يكثر أتباع المسلك أو الطريقة وفي هذا يقول الأستاذ النورسي:"إن الحرص يتلف الإخلاص ويفسد العمل الأخروي؛ لانه لو وُجد حرص في مؤمن تقي لرغب في توجه الناس وإقبالهم إليه، ومن يرقب توجه الناس وينتظره لا يبلغ الإخلاص التام قطعاً ولا يمكنه الحصول عليه" ، فما الفائدة بمسلك أو طريقة لايعمرها الإخلاص وبكثرة من الأتباع مشحونين بالبغض على غيرهم، ماذا لو اطلع الله عليهم في ليلة النصف من شعبان، لقد تساوى حالهم مع حال المشرك الذي لاينظر الله إليه ولا يغفر له، فهل أدرك علماء الامة وفقهاؤها الخطر العظيم الذي هم عليه والمسئولية التي على عاتقهم.

 

---------------------------

قائمة المراجع والمصادر
1.القرآن الكريم.
2.صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى1422ه
3.صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، المحقق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، بدون رقم الطبعة وسنة الطبع.
4.سنن أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية صيدا بيروت، بدون رقم الطبعة وسنة الطبع.
5.مسند الإمام أحمد، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون،  مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 2001.
6.إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، دار المعرفة – بيروت، بدون رقم الطبعة وسنة الطبع.
7. أدب الاملاء والاستملاء، عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي، المحقق ماكس فايسفايلر،  دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى 1981. 
8. سعيد النورسي، كليات رسائل النور:
اللمعات، ترجمة احسان قاسم الصالحي،  دار سوزلر، الطبعة الخامسة 2008 
صيقل الإسلام، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الرابعة2004
سيرة ذاتية، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الخامسة 2008
الكلمات، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الرابعة 2004
الشعاعات، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الرابعة 2004
المكتوبات، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، الطبعة الرابعة 2004
9.يقظة الأمة، خديجة النبراوي، دار سوزلر للنشر، الطبعة الاولى، 1998 
10 .النورسي رجل الحوار والإقناع، أبو بكر العزاوي، أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض، مقال من موقع نور أونلاين.  
  

 

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة