معرفة الله تعالى وأثرها على العمل الإيجابي من خلال رسائل النور
معرفة الله تعالى
وأثرها على العمل الإيجابي
ــ من خلال رسائل النور ــ
للإمام النورسي
أ . م . د : عادل عبد الله حمد
دكتوراه في العقيدة والفكر الإسلامي
أستاذ مساعد في كلية العلوم الإسلامية
جامعة صلاح الدين / أربيل
الملخص
العقيدة هي الأساس الذي قام عليه الأديان السماوية كافة ، بل هي الحد الفاصل بين الأيمان والشرك ، وبها تحافظ المجتمعات على هويتها وثقافتها واستقلالها .
أما بالنسبة إلى العقيدة الإسلامية فأنها تتميز عن غيرها بكونها هي الحق الذي يوائم مع الفطرة السليمة ، والعقول المستقيمة، لأنها ربانية المصدر ، سهلة المأخذ ، لا يشوبها غلو ولا جفاء ، لذلك لا جرم إن كانت منجية في الدنيا من الاضطراب ، وفي الآخرة من العذاب .
وبما أن الإيمان بالله تعالى هي مدار العقيدة ومغزاها ، فقد جعل الله تعالى معرفته لكل مطلوب سبباً وطريقاً سهلاً يوصل إليه ، وجعل الإيمان به تعالى من أعظم المطالب وأِشرفها ، لأن معرفته تعالى روح الإيمان وأصله وغايته ، فكلما ازداد العبد معرفةً بخالقه وأسمائه وصفاته ازداد إيمانه ، وقوي يقينه ، ومن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه الله تعالى لا محالة ([1]) .
وقد ذهب الإمام النورسي ( رحمه الله ) إلى أن الإيمان بالله تعالى ومعرفته تعدُّ من أشرف الغايات وأعلاها مرتبة الذي يستطيع الإنسان أن يدركها في حياته ، فيقول : " اعلم يقيناً أن اسمى غاية للخلق ، وأعظم نتيجة للفطرة الإنسانية هو : الإيمان بالله ، واعلم إن أعلى مرتبة للإنسانية ، وأفضل مقام للبشرية هو : معرفة الله التي في ذلك الإيمان ، واعلم إن أزهى سعادة للإنس والجن ، وأحلى نعمة هو : محبة الله النابعة من تلك المعرفة ، واعلم أن اصفى سرور لروح الإنسان ، وانقى بهجة لقلبه هو اللذة الروحية المترشحة من تلك المحبة .
أجل ! إن جميع أنواع السعادة الحقة ، والسرور الخالص ، والنعمة التي ما بعدها نعمة ، واللذة التي لا تفوقها لذة ، إنما هي في معرفة الله ، في محبة الله ، فلا سعادة ، ولا مسرة ، ولا نعمة حقاً بدونها " ([2]) .
ولا شك أن معرفة الله تعالى ومحبته يجب أن يتجلى على عمل العبد الإيجابي في تصرفاته وتعامله في حياته اليومية ، وذلك بالتسامح والرأفة والمحبة مع محيطه والإحسان إليهم .
وهذا العمل الإيجابي الذي دعا إليه الإسلام يتجلى بكل وضوح في حياة وسيرة بديع الزمان النورسي مع مجتمعه وتلاميذه ، فيقول : " لقد ضحيت حتى بآخرتي في سبيل تحقيق سلامة إيمان المجتمع ، فليس في قلبي رغب في الجنة ولا رهب من جهنم، فليكن سعيد بل ألف سعيد قرباناً ليس في سبيل إيمان المجتمع التركي البالغ عشرون مليونا فقط ، بل في سبيل إيمان المجتمع الإسلامي البالغ مئات الملايين . ولئن ظل قرآننا دون جماعة تحمل رايته على سطح الأرض فلا أرغب حتى في الجنة إذ ستكون هي أيضاً سجناً لي ، وإن رأيت إيمان أمتنا في خير وسلام فإنني ارضى أن اُحرق في لهيب جهنم ، إذ بينما يحترق جسدي يرفل قلبي في سعادة وسرور " ([3]) .
المقدمة
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } ([4]) ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله وعليه وسلم ، وعلى آله وصحبه الكرام ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أمَّا بعد :
فأن مسألة معرفة الله تعالى في العقيدة الإسلامية من أهم وأكبر مباحثها ، وذلك لكثرة ما وقع التنازع بين الملل والنحل، والقرآن الكريم في آيات كثيرة دعا الإنسان إلى معرفة خالقه عن طريق التفكر والتدبر في سنن الكون ونظامه الدقيق ، ودعا إلى التعمق في أثار قدرته تعالى على خلقه .
فمعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هو أساس العمل وقاعدتها وأصلها ، لأن عبادة الله تعالى موقوفة عليها ، فمن لا يعرف ربه حق معرفته فلا يفرده بالعبادة ، ولا تتم هذه المعرفة إلاَّ بالتفكر والتعلم لما دلت عليه أسماء الله الحسنى من المعاني واستشعارها في القلب .
ويرى الإمام بديع الزمان النورسي المعرفة الإلهية بأنها ليست قصة خيالية مجردة عن معناها ، بل لها دلالاتها وأبعادها ، وعدَّها من أهم الغايات التي خلق الإنسان من أجلها ، ورأى أن من عرف الله عز وجل حق المعرفة ، وقدره حق قدره ، وأقام الفرائض المفروضة عليه، واجتنب المناهي المنهية عليه ، وأحل الحلال معتقداً حله ، وحرم الحرام معتقداً تحريمه ، وهو في كل ذلك يرجو رضا الله تعالى ورحمته، ويخشى عقوبته طيلة حياته ، فهو المؤمن حقاً ، له من ربه مغفرة وأجر عظيم .
ومن الجدير بالذكر أن مجدد العصر الإمام النورسي خاض في رسائل النور مسألة معرفة الله تعالى على ضوء منهج القرآن الكريم بأسلوب سهل مقنع ، بعيداً عن تعقيدات علم الكلام ، لأنه رأى أن دلالة القرآن الكريم على معرفة الله تعالى شمس ساطع لا يحتاج إلى أدلة أخرى ، ولذلك عدَّ ( رحمه الله ) المعرفة الربانية من خلال كتاب الله تعالى من أبرز نتائج الاستقامة على الدين ، وأساساً لكل علم والحكمة ، وفي هذا الصدد يخاطب النفس فيقول : " إن كنت ترومين الحصول على علم الحقيقة والحكمة الحقة ، فاظفري بمعرفة الله ، إذ حقائق الموجودات كلها إنما هي أشعة اسم الله الحق ، ومظاهر أسمائه الحسنى ، وتجليات صفاته الجليلة " ([5]) .
وهذه المعرفة الإلهية ، والقيم النبيلة ، والأخلاق النيرة الحميدة الذي دعا إليها الأستاذ النورسي (رحمه الله ) سبق أن تمسك بها المسلمون مع رسول الله صلى الله وعليه وسلم
في عصر الرسالة ، فتمكنوا من خلالها نشر روح التسامح والأخوة على العالم الإسلامي ، فأصبح لهم السيادة والريادة على القوى العظمى ، ليس لقوتهم القتالية والعسكرية فحسب ، بل لإيمانهم وما بذلوه من خدمة والعمل الإنساني مع الشعوب المحررة .
وفيما يتعلق بالعمل الإيجابي فقد حمل الإمام المجدد على أكتافه هموم أمته ومشاكلها طيلة حياته ، محللاً أسباب ضعفها وتخلفها، باحثاً عن وسائل قوتها ونهضتها ، وقد تحرى عن هذه الأسباب بتمعَّن في القرآن الكريم ، ووجد الجواب الشافي والكافي في ينابيعه المباركة ما يرشده إلى علاج الحاضر ، وبناء المستقبل على أساس علمي رصين وبشكل أفضل .
واستشعاراً بهذه الأهمية الملحة نجد أن الأستاذ النورسي في كثير من المناسبات من رسائله حث طلابه ودعاهم إلى المشاركة في العمل البناء الجاد أقتداءاً بسيرة الأنبياء عليهم السلام والصحابة الكرام رضي الله عنهم ، وطلب منهم في الوقت نفسه الابتعاد عن كل مظاهر العمل السلبي ، وعلمهم أنه كيف صبر لسنوات طويلة على البلاء والأذى من أجل الحفاظ على أمن الأمة واستقرارها ، فيقول : " إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام ، والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بما هو موكول أمره إلى الله ، إننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي ... لا إنني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول ، ذلك من أجل السعي للعمل الإيجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله ، بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل إقتداءاً بنبي الله جرجيس عليه السلام ، وبالصحب الكرام رضي الله عنهم الذين قاسوا كثيراً في غزوة بدر وغزوة أحد " ([6]) .
أهمية الموضوع :
- تظهر أهمية هذا الموضوع في مدى اهتمام الباحثين به ، وبما أن موضوع البحث يتعلق بالدين الإسلامي ويتناول جانباً من جوانب رسائل النور للإمام النورسي ( رحمه الله ) فأنه اكتسب أهميته ، لأن شرف الموضوع بمتعلقه ، وليس هناك شرف أكبر من خدمة الدين الإسلامي الحنيف والدفاع عنه .
- تُعَدُّ مسألة العمل الإيجابي من قضايا الساخنة في عصرنا الحالي ، حيث أن أنظار العالم موجه إلى العالم الإسلامي لكون أحداث العنف وأعمال الشنيعة في كل بقاع المعمورة ترتبط باسم المسلمين ، والإسلام في غنى عنها .
الهدف من الموضوع :
- يهدف هذا البحث المتواضع إلى إلقاء الضوء على الموضوع : ( معرفة الله تعالى وأثرها على العمل الإيجابي من خلال رسائل النور للإمام النورسي رحمه الله ) ، وإن ما يفعله بعض المسلمون من الأعمال السلبية غير الحميدة لا علاقة لها بالإسلام .
- حث الناس ولفت أنظارهم إلى سماحة الإسلامي وعظمته ، إذ أن الإسلام دعا إلى العمل الإيجابي واحترام والتعايش السلمي الديني بين جميع الأديان والثقافات منذ أكثر من 1400 سنة .
- دعوة المسلمين إلى قراءة رسائل النور والاستفادة منها بعمق ، حيث تعدُّ كتب كليات الرسائل من أهم المصادر الذي عالج قضايا العصر الحساسة برؤيا علمية واضحة ، من غير التعصب والتشدد لمذهب أو طائفة معينة .
ثالثاً :خطة البحث :
اقتضت المادة العلمية تقسيمه على مقدمة يقفوها مبحثين ، فنتائجه ، فمصادره ومراجعه .
تكلمت في المبحث الأول عن موقف المتكلمين من معرفة الله تعالى ، وخصصت المبحث الثاني لأثر معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي . وختمتُ الدراسة بخاتمة ذكرت فيها أهم نتائج البحث .
وختاماً أعتذر عمَّا بدر مني من خطأ أو تقصير ، وأرجو من الله العليم الحكيم أن يلهمنا الصواب ، وان يسدد خطانا ، وأرجو أيضاً أن يكون عملي هذا موافقاً لخدمة ديننا الحنيف ، ويساهم في نشر رسائل النور وخدمتها بشكل هادف ، ويجعله الله تعالى ذخيرة في حسناتي ، إنه سميع مجيب .
المبحث الأول
موقف المتكلمين من معرفة الله تعالى
إن معرفة الله تعالى أمر غيبي مبني على ثبوت الخبر بالدليل، وهو أصل المعارف والعقائد الدينية ، وعليه يتفرع وجوب كل واجب من الواجبات الشرعية ([7]) ، يقول الإيجي :"وقد اختلف في أول واجب على المكلف... فالأكثر ومنهم الشيخ أبو الحسن الأشعري على أنه معرفة الله تعالى ، إذ هو أصل المعارف والعقائد الدينية ، وعليه يتفرع وجوب كل واجب من الواجبات الشرعية " ([8]) .
واعتبروا أن معرفة الله تعالى هي الغاية الأساسية من خلق الإنسان ، والهدف الأسنى من استخلافه على كوكب الأرض ، ومن أجل هذه الغاية المقدّسة فطره رب العالمين على حب المعرفة ، وزوده بما يَحْفِزُهُ إليها ، ويدفعه نحوها من لطائف الحدس والحسّ والشعور والخيال ، ومن فوقها كلّها ملكة العقل والإدراك ، لكي يسعى لامتلاكها والارتقاء بنفسه إليها ([9]) .
ويرى الأستاذ النُوْرْسي أن الإنسان إنما جيء به إلى هذا العالم لأجل أمر واحد وهو : معرفة الله تعالى والدعاء والتضرع إليه ، فيقول : " أذن فلقد جيء بهذا الإنسان إلى هذا العالم لأجل أن يتكامل بالمعرفة والدعاء ؛ لأن كل شيء فيه موجَّه إلى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعداد ، فأساسُ كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنها ونورُها وروحها هو (معرفة الله تعالى) ، كما أن اُسَّ هذا الأساس هو : الإيمان بالله جل وعلا " ([10]) .
وبناء عليه فقد قسم العلماء معرفة الله تعالى على قسمين :
(1) معرفة وجود ومعاني ، وهذا هو المطلوب من العباد .
(2) معرفة كنه وحقيقة ، وهذا غير المطلوب من أحد من خلقه ، لأنه مستحيل أن يعرف كنه وحقيقة ذاته تعالى ، فهو مما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فالمطلوب أذن معرفة الذات بالوجود ، ومعرفة الصفات بالمعاني ، والاعتقاد الجازم بأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ([11]) .
والمعرفة لا تحصل إلاَّ بالنظر في عظمة الله تعالى وقدرته على خلقه، لذا فإن أول ما يجب على الإنسان هو : النظر في آثار عظمة الله تعالى وسلطانه ، لأن مالم يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب ، فإذا نظر وصل إلى الغاية التي خلق من أجلها وهي معرفة الله تعالى ([12]) .
وقد اقتتطف الأستاذ النورسي من ثمار القرآن الكريم آية كريمة على وجوب المعرفة على كل الإنسان ، وهو قول الله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِنسَ إلاّ لِيَعْبُدون } ([13]) ، فاستنبط منها أسراراً جليلة ، وحكماً بالغة ، فيقول : " يفهم من أسرار هذه الآية الجليلة: إن حكمة مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا والغاية منه ، هي: معرفة خالق الكون سبحانه ، والأيمان به ، والقيام بعبادته ، كما أن وظيفة فطرته ، وفريضة ذمَّته ، هي : معرفة الله والإيمان به ، والتصديق بوجوده وبوحدانيته إذعاناً ويقيناً " ([14]) .
ويلحظ مما سبق أن المتكلمين والإمام النورسي ألزموا الناس بالبحث والنظر عن وجود الله تعالى أولاً ، وإن أول شيء أوجبوه هي معرفته عز وجل على اختلاف في بدايات المعرفة ، وذلك لوجوبها بأدلة من المصدرين الشريفين ([15]) .
ومن الجدير بالذكر أن بديع الزمان الإمام النورسي خالف منهج المتكلمين في طريقة استدلالهم على معرفة الله تعالى ، وذهب إلى أن معرفة الله المستنبطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة ، لأنه لا يوصل الإنسان إلى الإيمان اليقيني في ما يتعلق بمعرفة الله تعالى ووحدانيته ، بل أن الطريق الصحيح في ذلك هو منهج القرآن الكريم الذي لا يشوبه شائب ، فيقول :" إن معرفة الله المستنبطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة ، ولا تورث الاطمئنان القلبي ، في حين إن تلك المعرفة متى ما كانت على نهج القرآن الكريم المعجز ، تصبح معرفة تامة وتسكب الاطمئنان الكامل في القلب ... والمعرفة المستقاة من القرآن الكريم تمنح الحضور القلبي الدائم ، فضلاً عن أنها لا تقضي على الكائنات بالعدم ولا تسجنها في سجن النسيان المطلق ، بل تنقذها من الإهمال والعبثية وتستخدمها في سبيل الله سبحانه ، جاعلة من كل شيء مرآة تعكس المعرفة الإلهية وتفتح في كل شيء نافذة إلى المعرفة الإلهية " ([16]) .
وهذا الرأي من الإمام النورسي لم يكن بدعاً وخروجاً عن المألوف ، بل هو رأي سبق إليه كبار العلماء ، يقول الإمام الغزالي : " فأما معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله ، فلا يحصل من علم الكلام ، بل يكاد أن يكون الكلام حجاباً عليه ومانعاً منه ، وإنما الوصول إليه بالمجاهدة " ([17]) .
ولم يكن اختيار الإمام النورسي لمنهج القرآن الكريم في الاستدلال على معرفة الله تعالى والمسائل العقدية نابعة عن عدم الاطلاع على المناهج الأخرى ، بل أنه قد اختارها بعد دراستها والتمعن فيها ، وقد توصل إلى نتيجة مفادها : أن الاستدلال بالقرآن الكريم في تقرير المسائل الإيمانية من أوضحها وأجلها ، وسمى دليله هذا بالعناية والاختراع ، وهو يتفق في هذا الاستدلال مع ابن رشد ([18]) ( رحمهما الله تعالى ) ، فيقول : " إن أصول العروج إلى عرش الكمالات وهو معرفة الله جلّ جلاله أربعة :
أولها : منهاج علماء الصوفية، المؤسس على تزكية النفس والسلوك الإشراقي .
ثانيها : طريق علماء الكلام المبني على الحدوث والإمكان.
هذان الأصلان وإن تشعبا من القرآن الكريم ، إلاَّ أن فكر البشر قد أفرغهما في صور أخرى فأصبحتا طويلة وذات مشاكل .
ثالثها : مسلك الفلاسفة.
هذه الثلاثة ليست مصونة من الشبهات والأوهام.
رابعها : المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة ، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه وأقربه إلى الله وأشمله لبنى الإنسان . ونحن قد اخترنا هذا الطريق. وهو نوعان:
الأول: دليل العناية :
إن جميع الآيات الكريمة التي تعدد منافع الأشياء، تومئ إلى هذا الدليل وينظم هذا البرهان ، وزبدة هذا الدليل: رعاية المصالح والحكم في نظام العالم الأكمل ، مما يثبت قصْد الصانع وحكمته وينفي وهْمَ المصادفة ... فان شئت فراجع القرآن الكريم، تجد دليل العناية بأكمل وجه، في وجوه الممكنات، لأن القرآن الكريم الذي يأمر بالتفكر في الكون ، يعدّد أيضاً الفوائد ويذكّر بالنعم الإلهية .. فتلك الآيات الجليلة مظاهر لهذا البرهان ، برهان العناية .
الثاني: دليل الاختراع :
إن الله تعالى قد أعطى كل فرد وكل نوع ، وجوداً خاصاً ، هو منشأ آثاره المخصوصة ، ومنبع كمالاته اللائقة ، فلا نوع يتسلسل إلى الأزل ، لأنه من الممكنات ، فضلاً عن أن حدوث قسم منها مشاهد وقسم آخر يراه العقل بنظر الحكمة . إن انقلاب الحقائق محال ، وسلسلة النوع المتوسط لا تدوم ،أما تحول الأصناف فهو غير انقلاب الحقائق" ([19]) .
ولاشك أن منهج القرآن الكريم في الدعوة إلى الله تعالى ومعرفته هو المنهج الذي اعتمد عليه رسول الله صلى الله وعليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وفي هذا الصدد يقول الإمام النورسي : " إن أقوى منهج من بين المناهج المؤدية إلى معرفة الله ، كعبة الكمالات ، وأكثرها استقامة ، هو المحجة البيضاء التي سلكها صاحب المدينة المنورة صلى الله وعليه وسلم ، ذلك المنهج الذي ترجمه لسانه الصادق المبارك العاكس كالمرآة لما في قلبه الشريف - الذي هو كمشكاة مطلة على عوالم الغيب - فهو صلى الله وعليه وسلم روح الهداية، واصدق شاهد حي وافصح برهان ناطق واقطع حجة على الصانع الجليل؛ إذ من حيث الخليقة، ذاته برهان باهر، ومن حيث الحقيقة لسانه شاهد صادق .نعم! أن محمداً صلى الله وعليه وسلم حجة قاطعة على وجوده تعالى وعلى النبوة وعلى الحشر وعلى الحق وعلى الحقيقة " ([20]) .
وفيما يتعلق بأسباب المعرفة فأنها تكون بأمور عدة ، نذكر منها :
- النظر والتفكر في مخلوقاته عز وجل ، ففي القرآن الكريم آيات كثيرة تأمر الإنسان وتحثه يتدبر وينظر إلى آثار عظمة الله تعالى وقدرته قال الله تعالى: { أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } ([21])، وقوله تعالى: { فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }([22]) ، وقوله تعالى : { قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ }([23]) ، وقال عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا } ([24]) ، وقوله تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }([25]) ، فدلت الآيات الكريمات أن الفكر في دلائل معرفة الله تعالى وعظمته وقدرته واجب على كل مكلف .
- ومن أسباب معرفة العبد ربه النظر في آياته الشرعية وهي الوحي الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فينظر في هذه الآيات وما فيها من المصالح العظيمة التي لا تقوم حياة الخلق في الدنيا ولا في الآخرة إلا بها ، فإذا نظر فيها وتأملها وما اشتملت عليه من العلم والحكمة وجد انتظامها موافقتها لمصالح العباد عرف بذلك ربه عز وجل كما قال الله تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } ([26]).
- ومنها ما يلقى الله عز وجل في قلب المؤمن من معرفة الله سبحانه وتعالى حتى كأنه يرى ربه رأي العين ([27]) ، روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أن سيدنا جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله وعليه وسلم عن الإحسان ، ؟ فقال : [ ما الْإِحْسَانُ قال أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لم تَكُنْ تَرَاهُ فإنه يَرَاكَ ] ([28]) .
المبحث الثاني
أثر معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي
إن أهم قضية قررها القرآن الكريم ودعا إليها النبي r هي الدعوة إلى الله تعالى ، وتأسيس التوحيد في قلوب العباد على أساس معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته ، وإخراج ما يضاد ذلك من العقائد الباطلة ، والظنون السيئة الفاسدة ، ثم عبادته تعالى وحده عن علم به وبحقه .
وكما أن الرشد والسداد في كل نشاط إنساني مرجعها إلى معرفة الله تعالى معرفة صحيحة ، والعمل بموجب تلك المعرفة ، فكلما كان في معرفة الله تعالى خلل عند الفرد أو الجماعة ، كان في سلوكها وهدايتها خلل بقدره ، فهناك تلازم وثيق بين الاعتقاد وبين السلوك البشري ، فصلاح وهداية النشاط البشري عائد إلى صلاح الاعتقاد ، وفساده راجع إلى فساده ([29]) .
وكان الأستاذ النورسي ( رحمه الله ) كثيراً ما يوصي طلابه ويحثهم على العمل الإيجابي ، ويدعوهم إلى التسامح والتصافح ، والعفو عن أخطاء المخطئين والسياسيين ، وينهاهم عن ترك كل ما يخالف المبادئ السمحة التي دعا إليها الإسلام الحنيف ، فيقول : " إخواني ! إن مرضي قد اشتد كثيراً ، ولعلي أتوفى قريباً ، أو امنع من المكالمة كلياً - كما كنت امنع أحياناً منها - لذا فعلى إخوتي في الآخرة أن يتجاوزوا عن الهجوم على أخطاء بعض المخطئين المساكين ، وليعدّوها من قبيل أهون الشرين ، وليقوموا بالعمل الإيجابي دائماً ، لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا ، ولأن العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر ، ومادام قسم من السياسيين لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل مسامحون قليلاً ، لذا انظروا اليهم كـ أهون الشرين ، ومن اجل التخلص من اعظم الشر فلا تمسوهم بضرر بل حاولوا أن تنفعوهم " ([30]).
وفيما يأتي نسلط الضوء على أثر معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي من خلال رسائل النور وكالآتي :
1 - حصول الأمن والأمان :
إن من آثار معرفة الله تعالى حصول الأمن والأمان ، وعصمة الدماء والأموال والأعراض ، فمن يؤمن بالله تعالى ويحقق لوازمها ومقتضياتها ، فأنه يأمن على نفسه ، ويأمنه غيره ، ممن يعيش في المجتمع ، لأنه يعرف ما يحل له فيأخذه ، ويحرم ما عليه فيتركه ، فيكف عن الاعتداء والظلم والعدوان ، وهضم حقوق الآخرين ، تفاعلاً مع عقيدته التي تملى عليه ذلك ، فتحل في المجتمع المحبة والموالاة في الله تعالى ، والتعاون على الخير والمودة ، ونصرة المظلوم ، وكف الظالم ، يقول الله تعالى : { اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ([31]) .
ومن الجدير بالذكر أن الأمن نعمة ربانية عظيمة تدوم وتزيد بالشكر والعرفان ، وتحرم بالكفر والعصيان ، يقول الله تعالى : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد } ([32]) .
وقد انطلق بديع الزمان النورسي في ذلك من مسلَّمة منطقية مُضمَّنها أن تحقيق الأمن والأمان نعمة ربانية وعد الله تعالى بها عباده الصالحين ، وهيأهم لحمايتها ، وهذه القناعة جعلته ينذر حياته لنشر الأمن واستتبابه ، وإسعاد الناس في جميع ربوع وطنه ([33]) ، فيقول : " ليهلكني الله ثلاث مرات إن لم أكن قد خدمت الأمن العام لهذا البلد أكثر من ألف مدير أمن ، وأكثر من ألف مدعٍ عام " ([34]) .
ولم يكن هذا الموقف والدعوة من مجدد العصر الإمام النورسي شعارات أو كلمات عابرة لكسب الرأي العام أو الحصول على مكاسب دنيوية ، بل كانت مواقف وطنية نابعة من حسها الإيماني والوجداني والوطني ذكرها في مناسبات ومواطن عدة من رسائله لتعم بها الفائدة ، ولكي يقتدى به المسلمون والأجيال القادمة ، وحسبنا أن نذكر موقفاً من مواقفه ودعواته ، فيقول : " أما نحن طلاب النور، فإننا نسعى لمعاونة الإدارة ، وإقرار الأمن والنظام ، وإحراز السعادة للأمة والوطن " ([35]).
وقد لاقت هذه الدعوة من الإمام النورسي صدى كبيراً بين الناس ، وكانت كافية في نشر الأمن وأستتابتها في أرجاء الدولة التركية ، وإلجام أفواه المحرضين وأصحاب النفوس الضعيفة وأرباب المصالح الذين يحاولون نشر الفوضى في المجتمع والأخلال بأمنها وسلمها الوطني ، فيقول : " على الرغم من وجود قوى معنوية رهيبة تحاول الإخلال بالأمن والنظام ، وعلى الرغم من فعالياتهم ونشاطهم في البلاد كافة … لم يستطيعوا الإخلال بالأمن ، وما سبب ذلك إلاّ ستمائة ألف من نسخ رسائل النور، وخمسمائة ألف طالب من طلابها ، وقد أصبحوا كقوة معنوية مساندة للأمن ليصدوا تلك القوى الهدامة الرهيبة "([36]).
لقد اقتنع الإمام النورسي منذ بداية أمره بأن تحقيق الطمأنينة للأمة ، وحفظ الأمن للوطن مأتىً عظيم لا يتأتى إلاّ بإعداد العدة الكافية لذلك ، وقد حدد ( رحمه الله ) سبل إنقاذ الأمة من حافية الهاوية إلى برّ الأمان ، فيقول : " هناك خمسة أسس ضرورية لإنقاذ هذه الأمة ، وهذا الوطن ، ونجاتهما من الفوضى والإرهاب ، ومن المخاطر العظيمة : الأول : الرحمة ، والثاني : الاحترام ، والثالث : الأمن والثقة ، والرابع : اجتناب المحرمات ، والتمييز بين الحرام والحلال ، والخامس : الطاعة ، وترك التسيب " ([37]) .
ويلحظ أن هذه الأسس الخمسة التي دعا إليها الإمام النورسي هي بمثابة ركائز أساسية للنظام في البلاد ، والمساس بها يعني : المساس بالوطن والأمة ، وإن من تدبر القرآن الكريم على مُكث وعلم ومعرفة ، يتضح له هذه المفاهيم بكل الوضوح ، ويتجلى له أن أقصر الطرق إلى تحقيق الأمن ، وأيسر السبل إلى تثبيت الأمان والاستقرار هو التمسك بكتاب الله تعالى ([38]) .
2 - العُجب والتكبر :
إن تطهير القلب من مرض العُجب والتكبر يكمن في الإيمان القلبي القائم على معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلا، وأفعاله العظيمة الحكيمة ، فإذا استشعر العبد عظمة الله تعالى وكبريائه وجلاله ، وبالمقابل استشعر ضعفه وذله وفقره وحاجته إلى ربه ، فإن ذلك من أعظم البواعث على ابتعاده عن التكبر وجنوحه إلى التواضع ، لأن مقياس المؤمن الكامل هو التواضع لله تعالى ، أمَّا غير المؤمن أو الشخص الناقص فيرى نفسه مختلف عن الآخرين ، أو أنه أفضل منهم ، وقد عدَّ الأستاذ النورسي هذا التكبر والعُجب إذا وجد في الإنسان صغراً وليس كمالاً ، فيقول " إن مقياس العظمة في الكاملين هو التواضع ، أما الناقصون القاصرون فميزان الصُغر فيهم هو التكبر " ([39]).
وأيضاً الإنسان إذا كمل توكله على الله تعالى واستشعر أن النعمة التي هو بها -وغيرها من الخير الذي يأمله والشر الذي يحاذره- بيد الله تعالى وحده ، حمله هذا العلم على ترك الاعتداد بنفسه أو قوته أو جاهه أو غناه ([40]).
يقول الإمام النورسي : " فيا أيها الإنسان ! اذا آمنتَ بالله وحدَه وأصبحتَ عبداً له وحدَه ، فُزتَ بموقعٍ مرموقٍ فوق جميع المخلوقات. أما اذا استنكفتَ من العبودية وتجاهلتَها فسوف تكون عبداً ذليلاً أمام المخلوقات العاجزة ، واذا ما تباهيتَ بقدرتك وأنانيتك ، وتخلّيتَ عن الدعاء والتوكل ، وتكبرّتَ وزِغتَ عن طريق الحق والصواب، فستكون أضعفَ من النملة والنحلة من جهة الخير والإيجاد ، بل أضعف من الذبابة والعنكبوت. وستكون أثقلَ من الجبل وأضرّ من الطاعون من جهة الشر والتخريب " ([41]).
3 - طمأنينة القلب :
إن من آثار معرفة الله تعالى على الفرد تخصب القلب بالخير في عقائده وعواطفه وإراداته ، كما أنها عامل في توازن القلب واستقراره ، وكلما كانت معرفته أكمل ، كان حظه من ذلك أكبر ، وذلك أن لكل اسم من أسماء الله تعالى عبودية خاصة ، وأثراً معيناً في القلب والفكر والسلوك .
لأن أصل معرفة العبودية أن تكون مبنية عَلَى الافتقار إِلى الله تعالى ، لأن القلوب لا تطمئن ولا تهدأ ولا تسكن ولا ترتاح إلا بأن تعرف الله تعالى وأن تعبده عَزَّ وَجَلَّ ، فإن من لم يعرف الله عَزَّ وَجَلَّ حق المعرفة ، ويعبده حق العبادة كان فيه من الشقاء والألم ، والنكد والنغص بقدر جهله بالله تعالى ([42]) .
وعليه فأن معرفة لله تعالى واعتقاد أنه متصف بالصفة الكمال يحدث أثراً كبيراً في القلب ، فالقلب باستشعاره لمعنى عظمته تعالى يتفاعل ويتجاوب مع ذلك المعنى ويتأثر به ، وينبعث لموجبه ، محبة أو خوفاً ، رغبة أو رهبة ، أو تعظيماً وإجلالاً ، أو توكلاً ورجاء ([43]).
فأكمل الناس عبودية لربه : المتعبد بجميع الأسماء والصفات ، لأن قلب الإنسان لا يشعر بالاطمئنان ولذة العبادة إلاَّ من خلال معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته التوقيفية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ([44]) .
وقد استشعر الإمام النورسي بهذه اللذة الروحانية في حياته ، ويمكن أن نلتمسها في سلوكه وكلامه بكل وضوح ، فيقول : " إن قلب الإنسان مثلما ينشر الحياة إلى أرجاء الجسد ، فالعقدة الحياتية في الوجدان - وهي معرفة الله - تنشر الحياة إلى آمال الإنسان وميوله المتشعبة في مواهبه واستعداداته غير المحدودة ... إذن فالوجدان يطل على الحقائق بذاتها من هاتين النافذتين ، فيرى هيمنة النظام على العالم كله ، والخالق الكريم ينشر نور معرفته ويبثها في وجدان كل إنسان من هاتين النافذتين .. فمهما أطبق العقل جفنه ، ومهما أغمض عينيه ، فالفطرة تراه وعيون الوجدان مفتحة دائماً ، والقلب نافذة مفتوحة " ([45]).
4 - الحقد والحسد :
إن لمعرفة الله تعالى أثر كبير في سلامة القلب واتزان التفكير والسلوك ، والابتعاد عن الحقد والحسد ، كما أن لها أثراً مهماً في طمأنينة القلب وتوكله وركونه إلى ربه، وتسليمه لشرعه، راضياً بقدره، واثقاً بعدله وحكمته، مطمئناً إلى عفوه ومغفرته عند زلته وتوبته ، يقول الإمام النورسي : " إن الذين يملأ قلوبهم الحقد والعداوة تجاه إخوانهم المؤمنين إنما يظلمون أنفسهم أولاً، علاوة على ظلمهم لإخوانهم ، وفضلاً عن تجاوزهم حدود الرحمة الإلهية ، حيث أنه بالحقد والعداوة يوقع نفسه في عذاب أليم، فيقاسي عذاباً كلما رأى نعمة حلّت بخصمه ، ويعاني ألماً من خوفه . وإن نشأت العداوة من الحسد فدونه العذاب الأليم، لأن الحسد أشد إيلاماً للحاسد من المحسود حيث يحرق صاحبه بلهيبه ، أما المحسود فلا يمسه من الحسد شيء ، أو يتضرر طفيفاً "([46]).
وقد بيِّن لنا الأستاذ النورسي سبل علاج هذا المرض الخطير ، وذكر في مستهل كلامه : أن من يحسد محسوده كأنه يعترض على قسمة الله تعالى وقدره فيقول : " علاج الحسد هو: أن يلاحظ الحاسد عاقبة ما يحسده، ويتأمل فيها، ليدرك إن ما ناله محسوده من أعراض دنيوية ، من مال وقوة ومنصب ـ إنما هو أعراض زائلة فانية ، فائدتها قليلة، مشقتها عظيمة . أما اذا كان الحسد ناشئاً من دوافع آخروية ، فلا حسد أصلاً. ولو تحرك عرق الحسد حتى في هذه الأمور، فالحاسد أما أنه مراء، يحبط حسناته الآخروية في الدنيا ، أو أنه يسئ الظن بمحسوده فيظلمه . ثم أن الحاسد في حسده يسخط على قدر الله ، لأنه يحزن من مجيء فضل من الله ورحمته على محسوده ، ويرتاح من نزول المصائب عليه، أي كأنه ينتقد القدر الإلهي ويعترض على رحمته الواسعة ، ومعلوم أن من ينتقد القدر كمن يناطح الجبل، ومن يعترض على الرحمة الإلهية يُحرم منها " ([47]) .
5 - الأنانية وحب النفس :
إن من النصائح الناصعة والإرشادات النيرة التي سجلها بديع الزمان النورسي لتلامذته هو ابتعادهم عن روح الأنانية وحب النفس ، وقد ذكر الإمام المجدد أنه أول درس الذي تلقاه من القرآن الكريم هو التخلي عن هذا المرض ، فمن يعرف الله حق معرفته ، ويؤمن بصفاته وأسمائه لا يقدم إلاَّ على فعل الخير ، فيقول :" إخواني ! ربما أموت قريباً ، فان لهذا العصر مرضاً داهماً ، وهو الأنانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة ، إن أول درس من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم ، هو التخلي عن الأنانية وحب النفس ، حتى يتم إنقاذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي ، ولله الحمد والمنة ، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي ، فهناك الكثيرون ممن يضحون بإنانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية " ([48]) .
ويعرض لنا الأستاذ محمد فتح الله كولن روح المحبة والتسامح التي كان يتسم بها الإمام النورسي ( رحمه الله ) ، وأنه ما دعا بالسوء حتى على الذين ظلموه وآذوه طيلة حياته ، بل دعا الله تعالى أن يغفر لهم ، فيقول : " أما داعي القرن العشرين- أي بديع الزمان سعيد النورسي- الذي نفي من بلده وكأنه شرير ، والذي قضى حياته متنقلاً من سجن إلى سجن ، فإنه لم يدع على من ظلمه ، بل دعا الله أن يغفر لهم ، وأن ينقذوا إيمانهم ، فضرب لهم مثلاً رائعاً في الحلم ، فيا ليت الذين أتوا من بعده استطاعوا فهم سر حلمه هذا " ([49]) .
6 - التوكل على الله تعالى :
التوكل على الله تعالى ثمرة من ثمرات معرفته ، فكلما كان العبد بالله أعرف ، كان توكله عليه أقوى ، فيتوكل على الله في مغفرة الذنوب ، وفي حصول الرزق ، والإحسان ... وإذا تبين أن التوكل على الله وثقة العبد واطمئنانه إلى ربه ومليكه ومدبره يمثل حصناً حصيناً يحمي الله به العبد ، فيكون راسخ الإيمان قوياً ثابتاً عند الابتلاء وفي مجابهة الفتن والمغريات التي تستهدف زعزعة دينه...إذا تبين ذلك ، فإن القلق الناتج عن عدم التوكل على الله عند من قام في قلبه مرض الريب والنفاق ، يكون دافعاً إلى موالاة غير المسلمين والركون إليهم والتعاون معهم على نشر الفكر الخبيث والتخطيط والمكر ([50]) .
فبالتوكل تحصل قوة القلب وشجاعته ، وعدم الرهبة من المخلوقين ، والتعلق بهم ، والعمل الجاد في الحياة ، ثقة بالله ، وتعرضاً لتوفيقه وتسديده ، وهذا التعلق بالله يورث الإخلاص في الأعمال كلها لله وحده ، وعدم النظر إلى المخلوقين ، ولا مدحهم ولا ذمهم ، أو إعطاؤهم ومنعهم ، فأمره كله لله ، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ، ولا سكون إليها بل يخلع السكون إليها من قلبه ، ويلبسه السكون إلى مسببها ([51]) .
ويصف الإمام النورسي مثل الإنسان الذي يتوكل على الله تعالى بإيمانه ، وبين الذي يتجاهل ذلك ، فيقول : " أن الإيمان نورٌ وهو قوةٌ أيضاً ، فالإنسان الذي يظفر بالأيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكائناتِ ويتخلصَ من ضيق الحوادثِ، مستنداً إلى قوةِ إيمانه فَيبحرُ متفرجاً على سفينة الحياة في خضم أمواج الأحداث العاتية بكمال الأمان والسلام قائلاً: تَوكَّلتُ على الله، ويسلّم أعباءه الثقيلةَ أمانةً إلى يدِ القُدرةِ للقدير المطلق، ويقطعُ بذلك سبيلَ الدنيا مطمئنّ البال في سهولةٍ وراحةٍ حتى يصل إلى البرزخ ويستريح، ومن ثم يستطيع أن يرتفعَ طائراً إلى الجنة للدخول إلى السعادة الأبدية . أما اِذا ترك الإنسان التوكل فلا يستطيع التحليقَ والطيرانَ إلى الجنة فحسب بل ستجذبه تلك الأثقالُ إلى أسفلَ سافلين ، فالإيمان إذن يقتضى التوحيد، والتوحيد يقود إلى التسليم، والتسليم يحقق التوكل، والتوكل يسهل الطريق إلى سعادة الدارين " ([52]) .
7 - المعية مع الله تعالى :
من آثار معرفة الله تعالى وتوحيده على الإنسان شعورهم بمعية الله تعالى معهم في كل زمان ومكان ، فالعبد بتوحيده لله تعالى حقق أمراً مهماً هو أن يكون عبداً لله تعالى وحده ، ولا يقبل إلاَّ أمره ، ولا يجيب إلاَّ نهيه ، ولا يسعى إلاَّ إلى رضوانه ، فكل الطاعات والعبادات تكون لله الواحد الأحد ، يقول الله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } ([53]) .
ويصور لنا الأستاذ النورسي حاجة البشر إلى المعية مع الله تعالى للوقف أمام تحديات الأشرار وكيدهم ، فيقول :" إن الإنسان لدى انحيازه إلى جانب التخريب بالكفر والعصيان، يسبب دماراً رهيباً بعمل جزئي، فان أهل الإيمان محتاجون إذن، تجاه هؤلاء المخربين، إلى عناية إلهية عظيمة، لأنه إذا تعهّد عشرة من الرجال الأقوياء بالحفاظ على بيت وتعميره، فان طفلاً شريراً في محاولته إحراق البيت، يُلجئ أولئك الرجال إلى الذهاب إلى وليّه بل التوسل إلى السلطان. لذا فالمؤمنون محتاجون أشد الحاجة إلى عنايته سبحانه وتعالى للصمود تجاه هؤلاء العصاة الفاجرين " ([54]).
8 - محبة الله تعالى :
أن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته توجب محبته تعالى في القلوب ، وتوجب أيضاً خشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له ، إذ أن النفوس قد جبلت على حب الكمال والفضل ، فإذا تحققت محبة الله تعالى في القلوب انقادت الجوارح بالأعمال ، وتحققت الحكمة التي خلق العبد من أجلها وهي عبادة الله تعالى ، وهذا هو عين سعادة العبد ، ولا سبيل إلى هذه السعادة إلى بمعرفة خالقه وأسمائه وصفاته ، والتفقه بمعانيها ، وأحكامها ، ومقتضياتها ([55]).
وقد بيِّن الإمام النورسي أهمية معرفة الله تعالى ومحبته بالنسبة إلى الإنسان ، حيث عدَّها من أعظم وأسمى الغايات التي خلق الإنسان من أجلها، فيقول :"اعلم يقيناً أن اسمى غاية للخلق، واعظم نتيجة للفطرة الإنسانية.. هو (الإيمان بالله ) .. واعلم إن أعلى مرتبة للإنسانية، وافضل مقام للبشرية.. هو (معرفة الله) التي في ذلك الإيمان.. واعلم أن أزهى سعادة للإنس والجن، وأحلى نعمة.. هو (محبة الله) النابعة من تلك المعرفة.. واعلم أن اصفى سرور لروح الإنسان ، وانقى بهجة لقلبه .. هو (اللذة الروحية) المترشحة من تلك المحبة .
أجل! إن جميع أنواع السعادة الحقة، والسرور الخالص، والنعمة التي ما بعدها نعمة، واللذة التي لا تفوقها لذة، إنما هي في (معرفة الله) .. في (محبة الله) . فلا سعادة، ولا مسرة، ولا نعمة حقاً بدونها. فكل من عرف الله تعالى حق المعرفة، وملأ قلبه من نور محبته، سيكون أهلاً لسعادة لا تنتهي، ولنعمة لا تنضب، ولأنوار وأسرار لا تنفد، وسينالها إما فعلاً وواقعاً أو استعداداً وقابلية . بينما الذي لا يعرف خالقه حق المعرفة، ولا يكنّ له ما يليق من حب وود، يصاب بشقاء مادي ومعنوي دائمين، ويظل يعاني من الآلام والأوهام ما لا يحصر " ([56]).
9 - زيادة الإيمان :
تعد معرفة الله تعالى من أعظم أسباب زيادة الإيمان ، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة، والإنابة، والتقديس، والتعظيم للباري جل وعلا ، يقول تعالى : {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ } ([57]) .
ومعرفة الله تعالى تثمر زيادة الإيمان لدى المؤمنين ، وبحسب معرفة الإنسان بربه، يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه، ازداد إيمانه، وكلما نقص نقص ، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك : تدبر صفاته وأسمائه في القرآن الكريم ([58]) .
ولما كان سبحانه يحبّ أسماءه وصفاته كان أحبّ الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها ، والاتصاف بهذه الصفات والأسماء الحسنى يزيد الإيمان ويغرسه في قلب المؤمن ، يقول الأستاذ النورسي : " إن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين فيكتسب بذلك قيمةً تجعلُه لائقاً بالجنة، بينما يتردّى بظلمةِ الكفر إلى اسفل سافلين فيكون في وضعٍ يؤهّلُه لنار جهنم ، ذلك لأنّ الإيمان يربطُ الإنسان بصانعهِ الجليل، ويربطه بوثاق شديد ونسبةٍ إليه، فالإيمان إنما هو انتساب ؛ لذا يكتسب الإنسان بالأيمان قيمة سامية من حيث تجلِّي الصنعةِ الإلهية فيه، وظهورِ آيات نقوشِ الأسماء الربانية على صفحةِ وجوده. أما الكفرُ فيقطع تلك النسبةَ وذلك الانتسابَ، وتغشى ظلمته الصنعةَ الربانية وتطمِس على معالمها، فَتنقُص قيمةَ الإنسان حيث تنحصر في مادّته فحسب؛ وقيمةُ المادة لا يُعتدّ بها فهي في حكم المعدوم، لكونها فانية، زائلة، وحياتُها حياةٌ حيوانيةٌ مؤقتة "([59]) .
10 - القوة واليقين :
أن من آثار معرفة الله تعالى على عباده اجتماع القلوب على الحق ، ووحدة الكلمة والصف ، وبذلك تحصل القوة للمسلمين ، والانتصار على أعدائهم ، والثبات أمام التيارات والأفكار الباطلة المعادية للإسلام والمسلمين .
ولا شك أن هذه القوة واليقين لا تحصل إلا من خلال معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته والعمل بمقتضاها ، فمن عرف ربه تمام المعرفة تحقق لنفسه ولمجتمعه هذه الآثار الحسنة العظيمة ، فمعرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته يورث قوة اليقين بانفراده تعالى بتصريف شؤون الخلق وانفراده بذلك لا شريك له، وهذا مما يحقق صدق التوكل على الله تعالى في جلب المصالح الدينية والدنيوية ، وفي ذلك فلاح العبد ونجاحه في الدنيا والآخرة ([60]) .
وكان بديع الزمان الأستاذ النورسي كثيراً ما يدعو طلابه والمسلمين إلى الوحدة والاتحاد والتآخي والتوادّ والتحاب ، ونبذ الخلافات والمنازعات ، وتجنب التفرقة ، والبعد عن الحركات المتطرفة ، لأنها تضعف شأنهم ، وتهز كيانهم ، لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ([61]) ، وكان يحذر من إثارة الاختلافات التي يحاول الأعداء نشرها بين المسلمين أفراداً وشعوباً ودولاً ، مستغلين بعض حالات الضعف والتخلف والجهل والغفلة ، وكان دائم الهتاف : "أيها العالم الإسلامي، إن حياتك في الاتحاد، وإن موتك في الفرقة والاختلاف " ([62]) .
11 - تزكية النفوس :
إن تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة الله تعالى وصفاته ، فالشريعة المنزلة من عند الله تعالى تهدف إلى إصلاح الإنسان ، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته يعصم من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويعين على الصبر، فإذا عرف العبد خالقه ، واستحضر معانيها أثّر ذلك فيه تأثيراً كبيراً ، وامتلأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.
يقول الإمام النورسي : " فالإنسان جيء إلى هذا العالم لأجل أن يتكامل بمعرفة الله تعالى ؛ لأن كل شيء فيه موجَّه إلى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعداد . فأساسُ كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنها ونورُها وروحها هو (معرفة الله تعالى) كما أن اُسَّ هذا الأساس هو الإيمان بالله جل وعلا " ([63]) .
12 - الابتعاد عن العواطف الفاسدة :
أن المؤثر الأول في تخليص القلب من العواطف الفاسدة هو عمرانه بالتوحيد والإيمان ، إذ به تقوى محبته لربه ، وتزداد خوفاً ورجاؤه له ، وأن الطريق إلى ذلك هو معرفة الله تعالى بأسمائه وأفعاله ، واستشعار القلب لذلك ، ثم عبادته تعالى بهذه المعرفة الصحيحة.
ذلك أن النفوس قد تهفو إلى العواطف الفاسدة وإلى مقارفة المعاصي ، فتذكر أن الله تعالى يبصرها ، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه ، فتنزجر ، وتجانب المعصية ([64]) .
ويرى الأستاذ النورسي أن الذي يؤمن بالله تعالى هو الذي يفوض أمره إلى خالقه في الأمر كله ، وبالتالي يبتعد عن العواطف الفاسدة التي يقيتها الشارع الحكيم والناس جميعاً ، ويعتقد بأنه يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة من قبل معبوده ، فيقدم على أفعال الحميدة الحسنة ، وفي المقابل يتجنب الأهواء الفاسدة ، فيقول : " إن الذي يتحدث عن القدر والجزء الاختياري إن كان ذا إيمان كامل ، مطمئن القلب ، فأنه يفوّض أمر الكائنات كلها، ونفسه كذلك ، إلى الله سبحانه وتعالى، ويعتقد بأن الأمور تجري تحت تصرفه سبحانه وتدبيره ... ويظل في دائرة العبودية ويرضخ للتكليف الإلهي ويأخذه على عاتقه . وينظر إلى القدر في الحسنات والفضائل الصادرة عنه، لئلا يأخذه الغرور، فيشكر ربه بدل الفخر، ويرى القدر في المصائب التي تنزل به فيصبر " ([65]) .
بل أنه (رحمه الله) ذهب إلى أبعد من هذا ، ورأى أن إدارة مائة من المفسدين أصعب من إدارة ألوف الصالحين ، لأنه يصعب تنظيم شؤونهم وضبط أمرهم ، فيقول : " إن إدارة مائةٍ من الفاسقين الذين فسدت أخلاقهم وتزلزل اعتقادهم ، أصعب من إدارة ألوف من المتدينين ، فأهل الإسلام لا يحتاجون إلى التشويق على الحرص على الدنيا ، بل يحتاجون إلى تنظيم مساعيهم ، والتعاون ، والأمنية بينهم ، وما هي إلاّ بالتقوى " ([66]) .
ووجد الأستاذ النورسي أن العلاج لكل داء يوجد دواءه الشافي في القرآن الكريم ، والعودة إليه وتطبيقه قولاً وعملاً ، يقول : "لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة لله .. وفيه حث كبير على الفضيلة ـ خلا تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي، وفيه دعوة كبيرة إلى تبادل العواطف، وحسن المقاصد، والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعجب والغضب، وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهود حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم، لا لعنهم. ويكفي جميع تلك الأقوال الجامعة، المملوءة حكمة ورشداً؛ لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن. إنه أبصر كلّ شيء " ([67]) .
الخاتمة
- إن أهم قضية قررها القرآن الكريم ودعا إليها النبي r هي الدعوة إلى الله تعالى ، وتأسيس التوحيد في قلوب العباد على أساس معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته ، فهي مدار العقيدة الإسلامية ومغزاها ، وروح الإيمان وأصله وغايته .
- خاض بديع الزمان الإمام النورسي في رسائل النور مسألة معرفة الله تعالى على ضوء منهج القرآن الكريم بأسلوب سهل مقنع ، بعيداً عن التعقيدات علم الكلام ، ورأى أن دلالة القرآن الكريم على معرفة الله تعالى شمس ساطع لا يحتاج إلى بيان أو أدلة أخرى .
- مفهوم المعرفة الإلهية عند الإمام بديع الزمان النُوْرْسي ليست قصة خيالية مجردة عن معناها ، بل لها دلالاتها وأبعادها ، وعدَّها من أهم الغايات التي خلق الإنسان من أجلها .
- الرشد والسداد في كل نشاط إنساني مرجعها إلى معرفة الله تعالى معرفة صحيحة ، فكلما كان في معرفة الله تعالى خلل عند الفرد أو الجماعة ، كان في سلوكها وهدايتها خلل بقدره ، فصلاح وهداية النشاط البشري عائد إلى صلاح الاعتقاد ، وفساده راجع إلى فساده .
- كرس الإمام سعيد النورسي حياته لأعمال الإيجابية في سبيل خدمة مجتمعه والأمة الإسلامية ، وحاول إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل الراهنة ، يوافق روح العصر الحديث ، ويلبي متطلبات الحياة الاجتماعية من منظور إسلامي .
- أثبت مجدد العصر بديع الزمان من خلال مؤلفاته وخدمات التي قام بها لمجتمعه أن النظام الإسلامي ذات أهداف واضحة ، وهي عبارة عن منظومة من القيم التي لا يمكن تجزئتها أو التخلي عنها أو استبدالها أو مقارنتها بنظم أخرى .
- كان الأستاذ النورسي ( رحمه الله ) كثيراً ما يوصي طلابه القيام بالعمل الإيجابي والعفو عن أخطاء المخطئين والسياسيين ، وينهاهم عن ترك كل ما يخالف المبادئ السمحة التي دعا إليها الإسلام الحنيف .
- إن من آثار معرفة الله تعالى على عباده حصول الأمن والأمان ، وعصمة الدماء والأموال والأعراض ، فمن يؤمن بالله تعالى ويحقق لوازمها ومقتضياتها ، فأنه يأمن على نفسه ، ويأمنه غيره ممن يعيش في المجتمع ، فتحل في المجتمع المحبة والموالاة في الله تعالى ، والتعاون على الخير والمودة ، ونصرة المظلوم ، وكف الظالم .
- لم يكن دعوة الإمام النورسي إلى إقرار الأمن في المجتمع شعارات أو كلمات عابرة لكسب الرأي العام أو الحصول على مكاسب دنيوية ، بل كانت مواقف وطنية نابعة من حسها الإيماني والوجداني والوطني ذكرها في مناسبات ومواطن عدة من رسائله لتعم بها الفائدة ، ولكي يقتدى به المسلمون والأجيال القادمة .
- التوكل على الله تعالى ثمرة من ثمرات معرفته ، فكلما كان العبد بالله أعرف ، كان توكله عليه أقوى ، فبه تحصل قوة القلب وشجاعته وعدم الرهبة من المخلوقين ، والتعلق بهم ، والعمل الجاد المثمر في الحياة .
- معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته يورث قوة اليقين بانفراده تعالى بتصريف شؤون الخلق ، وهذا مما يحقق صدق التوكل على الله تعالى في جلب المصالح الدينية والدنيوية ، وفي ذلك فلاح العبد ونجاحه في الدنيا والآخرة .
- إن لمعرفة الله تعالى أثر كبير على العمل الإيجابي ، وعلى سلامة القلب واتزان التفكير والسلوك ، والابتعاد عن الحقد والحسد ، كما أن لها أثراً مهماً في طمأنينة القلب وتوكله وركونه إلى ربه ، وتسليمه لشرعه ، راضياً بقدره ، واثقاً بعدله وحكمته ، مطمئناً إلى عفوه ومغفرته عند زلته وتوبته .
- إن من النصائح الناصعة والإرشادات النيرة التي سجلها بديع الزمان النورسي لتلامذته هو ابتعادهم عن روح الأنانية وحب النفس ، وقد ذكر الإمام المجدد أنه أول درس الذي تلقاه من القرآن الكريم هو التخلي عن هذا المرض ، فمن عرف الله حق معرفته ، وآمن بصفاته وأسمائه لا يقدم إلاَّ على العمل الإيجابي .
- إن من آثار معرفة الله تعالى على العمل الإيجابي اجتماع القلوب على الحق ، ووحدة الكلمة والصف ، والانتصار على أعداء الدين، والثبات أمام التيارات والأفكار الباطلة المعادية للإسلام والمسلمين .
----------------------------
(1) ينظر : شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة : 2.
([2]) المكتوبات : المكتوب (20) : 2/ 273 .
([3]) سيرة ذاتية : الباب الثاني (10) : 9 / 516 .
([4]) سورة الأنعام : 1 .
([5])الكلمات : الكلمة ( 26) 1 / 547 .
([6]) سيرة ذاتية : الباب الثاني (10) : 9 / 532 .
([7]) شرح العقيدة السفارينية : 1/ 107 .
([8]) المواقف : 1 / 165 .
([9]) الصور والمرايا : 1 / 36 .
([10]) الكلمات : الكلمة (23) : 1/355 .
([11]) شرح العقيدة السفارينية : 1/ 108 .
([12]) ينظر : صب العذاب على من سب الأصحاب : 357 .
([13]) سورة الذاريات: 56 .
([14]) الشعاعات : (الشعاع : 7) : 2 / 129 .
([15]) ينظر : مظاهر التشبه بالكفار في العصر الحديث وأثرها على المسلمين : 122 .
([16]) المكتوبات : المكتوب (26) : 2/411 .
([17]) إحياء علوم الدين : 1 / 23 .
([18]) ينظر : مناهج الأدلة في عقائد الملة : 25 .
([19]) صيقل الإسلام : المحاكمات ( المقالة : 3 ) : 8 / 112 .
([20]) صيقل الإسلام : المحاكمات ( المقالة : 3 ) 8 / 124 .
([21])سورة الأعراف : 185.
([22]) سورة الروم : 50.
([23]) سورة يونس :101.
([24]) سورة سبأ : 46.
([25]) سورة آل عمران : 102.
([26])سورة النساء : 82.
([27])شرح ثلاثة الأصول : 44 .
([28])أخرجه البخاري في صحيحه : كتاب : الإيمان ، بَاب : سُؤَالِ جِبْرِيلَ النبي r : 1/27 ، رقم الحديث (50) .
([29]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 361 .
([30]) السيرة الذاتية : الباب الثاني (10) 9 / 536 .
([31]) سورة آل عمران : 103 .
([32]) سورة إبراهيم : 7 .
([33]) ينظر : فلسفة الأمن والأمان عند الإمام بديع الزمان : 9 .
([34]) اللمعات : اللمعة (27) 3/ 364 .
([35]) الشعاعات : الشعاع (14) 4 /534 .
([36]) الملاحق : ملحق أميرداغ (2) : 7 / 348 .
([37]) الملاحق : ملحق قسطموني : 7 / 201 .
([38]) ينظر : فلسفة الأمن والأمان عند الإمام بديع الزمان :13 .
([39]) الكلمات : الكلمة ( 33) : 1/ 856 .
([40]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 441 .
([41]) الكلمات : الكلمة : (23) : 1 / 360 .
([42]) ينظر : شرح العقيدة الطحاوية : 65 .
([43]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 474 .
([44]) ينظر : مدارج السالكين : 1/452.
([45]) صيقل الإسلام : المحاكمات ( المقالة الثالثة ) : 8 / 112 .
([46]) المكتوبات : المكتوب : (22) : 2 / 329 .
([47]) المكتوبات : المكتوب : (22) : 2 / 329 .
([48]) سيرة ذاتية : الباب الثاني (10) 9 / 537 .
([49]) النور الخالد : ( محمد مفخرة الإنسانية ) 261 .
([50]) ينظر: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 498.
([51]) استانبول : (95 ) 1 / 264 .
([52]) الكلمات : الكلمة (23) : 1 / 352 .
([53]) سورة الأنعام :163.
([54]) الكلمات : الكلمة (26) : 1 / 536 .
([55]) ينظر : أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : 122 .
([56]) المكتوبات : المكتوب (20) : 2 / 273 .
([57]) سورة محمد :17.
([58]) ينظر : العبودية مسائل وقواعد ومباحث : 3 .
([59]) الكلمات : الكلمة (23) : 1 / 348 .
([60]) ينظر : أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : 122 .
([61]) سورة الحجرات :10.
([62]) استانبول (98) : 2 / 149 .
([63]) الكلمات : الكلمة (23) : 1 / 355 .
([64]) ينظر : أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : 415 .
([65]) الكلمات : الكلمة (26) : 1 / 536 .
([66]) المثنوي العربي النوري : ( زهرة من رياض القرآن الكريم ) : 6 / 273 .
([67]) إشارات الإعجاز : 272 ، نقلاً : الكونية الأخلاقية : 12 .
_____________________
قائمة المصادر والمراجع
- أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة : عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع : ط(1) دار النشر : عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة 1423هـ / 2003م
- إحياء علوم الدين : محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ( ت 550هـ) دار المعرفة ، بيروت .
- استانبول : (95 ) : على ذيل المكتبة الشاملة .
- إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه) ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة 2014م .
- أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : نخبة من العلماء ، ط(1) الناشر : وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة ، السعودية 1421هـ .
- الجامع الصحيح المختصر: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي (ت256هـ ) تحقيق: مصطفى ديب البغا ، ط (3) دار ابن كثير , بيروت 1407هـ 1987م .
- السيرة الذاتية : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه) ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة 2014م .
- شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة : سعيد بن علي بن وهف القحطاني ، راجعه : الشيح عبدالله عبدالرحمن الجبرين ، سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني (4) ، مؤسسة الجريسي ، الرياض .
- شرح العقيدة السفارينية (الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية) : محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني ( ت 1181هـ) تحقيق: أبو محمد أشرف بن عبدالمقصود، مكتبة أضواء السلف، الرياض 1998م .
- شرح العقيدة الطحاوية : ابن أبي العز الحنفي (ت 792 هـ) ط (4) دار المكتب الإسلامي، بيروت 1391هـ .
- شرح ثلاثة الأصول : محمد بن صالح العثيمين (ت 1206ه) ، أعداد : فهد بن ناصر ، دار الثريا للنشر 1422ه / 2001م .
- الشعاعات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه) ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة 2014م .
- صب العذاب على من سب الأصحاب : أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن أبي الثناء الألوسي (ت 1342هـ).
- الصور والمرايا في تراث النورسي الفكري والوجداني : أديب إبراهيم الدباغ .
- صيقل الإسلام : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه) ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة 2014م .
- العبودية مسائل وقواعد ومباحث : عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف ، ط(1) دار النـشر: مدار الوطن للنشر 1420 هـ - 1999 م .
- فلسفة الأمن والأمان عند الإمام بديع الزمان : أ.د. ميمون باريش .
- الكلمات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه) ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة 2014م .
- اللمعات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه) ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة 2014م .
- المثنوي العربي النوري : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه) ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7) ، دار سوزلر ، القاهرة 2014م .
- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ، ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ) تحقيق: محمد حامد الفقي ، ط(2) دار الكتاب العربي ، بيروت 1393 هـ 1973م .
- مظاهر التشبه بالكفار في العصر الحديث وأثرها على المسلمين : أشرف بن عبد الحميد بارقعان .
- المكتوبات : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه) ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة 2014م .
- الملاحق : (كليات رسائل النور) : بديع الزمان سعيد النّورسي (ت 1379ه) ، إعداد و ترجمة : إحسان قاسم الصالحي ط( 7)، دار سوزلر ، القاهرة 2014م .
- مناهج الأدلة في عقائد الملة: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي (ت595هـ) تحقيق: محمود قاسم، ط2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ، 1969م.
- المواقف : عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ( ت 753هـ) تحقيق: عبد الرحمن عميرة ، ط(1) دار الجيل ، بيروت 1417هـ 1997م .
- النور الخالد : ( محمد مفخرة الإنسانية ) : محمد فتح الله كولن : ط (6) دار النيل ، مصر 1432ه 2011م .
