منهج الإمام النورسي منهج نبوي في معالجة الأزمات الاجتماعيَّة الإخلاص نموذجاً
منهج الإمام النورسي منهج نبوي في معالجة الأزمات الاجتماعيَّة
الإخلاص نموذجاً
حسن عبدالله حمد النيل عبدالله
معهد العلوم والبحوث الإسلامية
جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا
الخرطوم-السودان
تمهيد:
الحمد لله الذي ارتضى الإسلام لعباده شريعة ومنهج حياة، وأكمل لهم الدّين وأتمّ عليهم النّعمة، وجعل العلماء ورثة الأنبياء وخصّهم بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ والصلاة والسّلام على سيّدنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه الشرفاء، وكلّ من آمن بدعوته واتّبع سنّته إلى يوم الدين.
أمَّا بعد..فلم تزل رسائل النور مستمرة فيضاً، دفّاقةٌ بالعطاء، مدرارٌ للخير، مبشّرٌ بالخيرية لكل من قطع بها سبلاً، وأقام بها سلوكًا، وأنار بها مجتمعًا.
فكان من تمام نعم الله على أمّة الإسلام أن قيّض لها رجالاً يذودون عن حِياضها ويحفظون دينها أكثر مما يحمون به أنفسهم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلًا، فسطّروا لنا أسفارًا غدت خير ميراث أقام به خلفَهم.
فظهر في المحيط الإسلامي علماء أجلاء بفضل اجتهادات أبانوا عِظم شريعة الإسلام وخُلودها، وأبرزوا مزاياها وارتباطها بكلّ قريب وبعيد في دنيا النَّاس، وحبسوا حياتهم للعلم والعمل به، وإعلاء كلمة الإسلام، فخطّوا لنا كتباً تحوي ذخائر علمهم، في موسوعات ومصنَّفات، ومختصرات، ويعدّ الشيخ بديع الزمان النورسي واحداً من العلماء البارزين في القرن الماضي، من خلال ما خلّفه من تراث فكري ذو طابع خاص يفتقر إلى من يرفع عنه غشاوة الغموض التي تكتنف هذه الشخصية العلمية التي بلغت من العلم شأوًا كبيرًا، وإنّ رجلًا يحوز ثقة أمّة فتُعتمَد كتبُه، رجل بلغ الغاية!".
وسدًّا لفراغ تلك الثغرة، وضبابية الرؤية حول تراث هذه الشخصيَّة خصوصًا ومدرسته النورانيَّة عمومًا، كان لزامًا على المنصفين من الطلبة والباحثين المعاصرين أن يبادروا إلى نفض الغبار عن كتبه، لإضفاء القول الفصل إزاءَها إذ الحكمُ على الشيء فرع عن تصوُّره.
اهتم النورسي في رسائله بالتركيز على إصلاح البنية الداخليَّة للإنسان لأجل تشكيل الروح على نحو حيوي وجذري يخلق في الإنسان هويته الحقيقة خلقاً، ويزرع في داخله شعوراً فياضاً علوياً يتزين بطلب رضاء الله والصفاء والإخلاص والفداء، فهي المشاعر الإيمانيَّة التي تضرب بجذورها في لحمة الحياة والتي لا تعرفها أي مدنيَّة ماديَّة، لأنَّها ليست متاعاً مادياً ولا مظهراً لنظريات خادعة ولهذا ربط النورسي كل ذلك بالعمل الحيوي، لأنَّ ميدان أفكاره هو الحياة ذاتها، ومن ثم تظهر في الأفعال وتنبض بها سيماء الوجوه.
ومن هذا المنطلق الأسمى لبناء الذاتيَّة من الداخل، تدعو رسائل النور إلى بناء المجتمع بناء صحيحاً، فتدعو إلى تأمين الراحة العامَّة والهدوء الاجتماعي، رافضة جميع حركات الهدم والتمزيق، لأنَّها تؤصل الحركية الإيجابيَّة الفعَّالة، مناهضة جميع الحركات السلبية بتقوية أواصر المحبة والأخوة والترابط والتراحم في بنية المجتمع، وتدعو بقوة إلى الاتحاد والامتزاج، ومن ثم تحارب بضراوة كل دعاوى وأفكار الفرقة التي حاولت إخماد روح الأخوة التي هي أخص خصائص الدعوة القرآنيَّة، ومن ثم فهي تضع قواعد لبناء الأُمة في مقابل دعاوى القبلية والقوميَّة والعنصريَّة والمّلية السلبيَّة والشعوبيَّة. ([1])
تتعدد في رسائل النور الإشارات والتعبيرات الواضحة الداعيَّة إلى نبذ الخلافات والنزاعات التي تنشب نتيجة العناد والحسد والنفاق والحقد، وتدعو إلى التضامن والتعاضد فانتشار سلوك الحسد والرياء والبغض والنفاق...، من شأنه التأثير في عمل المسلم، لا من جهة عدم قبول الله تعالى لعمله فقط، ولكن من جهة تدني قيمته وتسببه في انحطاط المسلمين كذلك؛ إذاً كلما انتفى الإخلاص عن العمل تعرض صاحبه للإحباط والبطلان المؤدي إلى الانسلاخ عن الدين الصحيح.
ودعى النورسي إلى التمسك بروح الدّين، من الإخلاص لله والصدق ومحبة الآخرين والصبر على الإبتلاء والتوكل على الربّ والإكثار من الصلاة والخوف بل والبكاء من خشية الله وحده والتناصح والتواضع والحث على مقاومة ابليس والحذر من الغش والحسد وابتغاء غير وجه الله وزلات اللسان والفوضى والنزاع والتحزّب وظلم الأخرين....وغيرها.
ويقول الأستاذ النورسي إن أخطر جهة من الأنانيَّة هي الحسد والغيرة، فإذا لم يكن العمل خالصاً لله وحده فإن الحسد يتدخل فيفسد العمل، وترك دواعي الحسد والمنافسة والأحاسيس النفسية التافهة، وترك ما يتصور خطأ أنَّه من العزة والكرامة.
اهتم الأستاذ النورسي بكشف وتعرية وفضح وتحليل ما يمكن أن نسميه بالصفات الأخلاقية السلبية، وهو في هذا يكشف عن إيمانه بالصفات الأخلاقية الإيجابية من ناحية ويكشف أيضا عن تمسكه بها، ويدعوا إلى الأخذ بها في نفس الوقت.
ومن النماذج التي اتخذها النورسي في حل أفات المجتمع الدعوة إلى "الإخلاص" وقد أفراد له في رسائله بابا خاصاً في "جزء اللمعات"، ودعي إلى ضرورة ترسيخ سره في الذات، لأنَّ فقدانه ضياع لخدمة أسرار القرآن، وفقدان للسعادة الأبدية لأجل مطامع دنيوية زائلة كالرياء والإعجاب بالنفس.
فنجاة الإنسان في إخلاصه لله تعالي، فهو الشفرة المعنوية لخدمة آيات الله تعالى والظفر بأسرارها وكسب الإخلاص يأتي برابطة الموت التي تنفر من الرياء وتربط الإنسان بالإخلاص، كما أن الإخلاص يعطى النفس حضوراً وسكينة.
إذاً علينا أن ننمي بداخلنا الإخلاص، كي نصل إلى السلام الحقيقي بكل ما أُمِّنّا عليه في أجسادنا أو بمن نحن مسؤولون عنهم، سلام مع الله عز وجل والنفس والإطار المحيط بنا سواءً كان الأسرة أم المجتمع.
يقول بديع الزمان: "إن إصابة الأمة في قلبها إنَّما هو من ضعف الدين ولن تنعم بالصحة إلا بتقوية الدين"([2]) لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ([3])، وقَال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ([4])، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾.([5]) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ ([6]) قيل: أراد بالإحسان الإخلاص، وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام معا.
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِه).([7])
ومعنى الإِخلاص هو تصفية أي شيء من الشوائب التي فيه، والشوائب في العقائد وفي الأعمال تفسد الإِتقان والإِخلاص، وإياكم أن تفهموا أن أحداً لا تأتي له هذه المسألة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ " قَالَ: "وَسَمِعْته يَقُولُ: تُوبُوا إلَى رَبِّكُمْ فَوَاَللهِ إنِّي لَأَتُوبُ إلَى رَبِّي - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - مِائَةَ مَرَّةٍ فِي الْيَوْم "([8]).
وينفي الإخلاص الشرك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: 'إن الله - تبارك وتعالى - يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكي، يا أيها الناس، أخلصوا أعمالكم لله، فإن الله - تبارك وتعالى - لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم؛ فإنها للرحم، وليس لله منها شيء'. وروى الدارقطني قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم البزار، ثنا أبو حاتم الرازي، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم وقال المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين فختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا وعنده([9]).
أدرك بديع الزمان عن وعي وبصيرة أن إيمان المسلم في العصر الحديث ينقصه توهج هذا الإخلاص الصادق وسره. وإن أقوى الحوافز التي يمكنها أن تدفع الإنسان إلى الإتقان والإجادة في كل شيء، وإلى البعد عن كل ما يضر بذاته أو بالمخلوقات، هو ارتباطه بمصدر الهداية الذي يهبه الإخلاص والسعي إلى إرضاء الخالق سبحانه، ومن هنا كان اهتمام النورسي بجانب الأخلاق في بناء الحضارة، تلك الأخلاق التي تستمد من عقيدة الإسلام فتكون أثراً للإيمان بكافة معانيه فالذي يجعل الإنسان يحرز الإخلاص هو تفكره في أن الدافع إلى العمل هو الأمر الإلهي لا غير، ونتيجته كسب رضاه.([10])
وقد قال سعيد بن جبير: الإخلاص: أن لا يشرك في دينه، ولا يرائي في عمله أحداً. وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وقال ابن معاذ: تمييز العمل من الذنوب، كتمييز اللبن من بين الفرث والدم. وقال البوشنجي: هو معنى لا يكتبه الملكان، ولا يفسده الشيطان، ولا يطلع عليه الإنسان، أي لا يطلع عليه إلا الله. وقال رويم: هو ارتفاع عملك عن الرؤية. وقال حذيفة المرعشي: أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن([11]).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الإِخْلاصِ لِلَّهِ وَعِبَادَتِهِ لا شَرِيكَ لَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَارَقَهَا وَاللهُ عَنْهُ رَاضٍ "([12])
إن الإخلاص إذاً واسطة الخلاص ووسيلة النجاة من العذاب، فالعداء والعناد يزعزعان حياة المؤمن المعنوية فتتأذى سلامة عبوديته لله، إذ يضيع الاخلاص ! ذلك لأنَّ المعاند الذي ينحاز إلى رأيه وجماعته يروم التفوق على خصمه حتى في اعمال البر التي يزاولها. فلا يوفق توفيقًا كاملاً إلى عمل خالص لوجه الله. ثمَّ إنَّه لا يوفق أيضاً إلى العدالة، إذ يرجح الموالين لرأيه الموافقين له في احكامه ومعاملاته على غيرهم.. وهكذا يضيع اساسان مهمان لبناء البر الإخلاص والعدالة بالخصام والعداء ([13])
إن الله سبحانه وتعالى الذي هو ربنا وربكم لا يفضل أحداً على أحدٍ إلا بالعمل الصالح المخلص لوجه الله.. ولذلك فنحن نضع الإخلاص أولاً وقد يكون العمل واحداً أمام الناس.. هذا يأخذ به ثوابا وذلك يأخذ به وزرا وعذابا فالمهم هو أن يكون العمل خالصا لله. ([14])
واذا ما كان ثمة غرور وانانية في النفس يتوهم المرء نفسه محقاً ومخالفيه على باطل فيقع الاختلاف والمنافسة بدل الاتفاق والمحبة، وعندها يفوته الاخلاص ويحبط عمله ويكون اثراً بعد عين. ([15])
الإِخلاص لا تحدده لوائح ولا قوانين إنما يحدده الحق سبحانه وتعالى فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سَأَلْتُ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِخْلَاصِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ :سَأَلْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ عَنِ الْإِخْلَاصِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ: سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِبَادِي »([16])
فهم النورسي أن الاخلاص يجعل وعي الإنسان ونفسه وحركته منسجمة مع مراد الله وقوانين وسننه وبالتالي تتحقق فاعليته التجديدية فيكون خليفة صالحا نورانيا. ([17])
فالإخلاص هو ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ ([18]) بيان لهذه الصبغة، وهي القيام بهذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة، لأن "العبادة "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، ولا تكون كذلك، حتى يشرعها الله على لسان رسوله، والإخلاص: أن يقصد العبد وجه الله وحده، في تلك الأعمال، فتقديم المعمول، يؤذن بالحصر([19]).
وهو مرآة التجلي تعكس ما تعكس من أنوار وأسرار ذلك أن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين، فيكتسب بذلك قيمة تجعله لائقاً بالجنة لأنَّ الإيمان يربط الإنسان بصانعه الجليل، ويربطه بوثاق شديد، ونسبة إليه فالإيمان إنَّما هو انتساب، لذا يكتسب الإنسان بالإيمان قيمة سامية من حيث تجلي الصنعة الإلهية فيه، وظهور آيات نقوش الأسماء الربانية على صفحة وجوده. ([20])
فنجاة الإنسان في إخلاصه لله تعالى، فهو الشفرة المعنوية لخدمة آيات الله تعالى والظفر بأسرارها وكسب الإخلاص يأتي برابطة الموت التي تنفر من الرياء وتربط الإنسان بالإخلاص، كما أن الإخلاص يعطى النفس حضوراً وسكينة. وفى الإخلاص تدعيم لرابطة الأخوة التي تطورت عند النورسي فصارت" فناء في الأخوان" بما يعني أن يفني كل منا في الأخر، فينسى كل منا حسياته لأجل الآخرين، أنَّه منطق الأخوة في الله ([21])
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إِلَهَ إِلا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ دخل الجنة»([22]) وقوله: «خالصًا من قلبه» هذا ينفي الشرك؛ لأن الإخلاص ينافي الشرك ومن ترك العمل فهو مشرك لأنَّه عابدٌ للشيطان ولأنه معرض عن دين الله ؛ ومن أعرض عن دين الله كفر.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى- « نَّ رَبَّكُمْ رَحِيمٌ، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَةٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةٌ أَوْ مَحَاهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلا هَالِكٌ » ([23]).
ونعرف أن الحق يجزي الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف ذلك إلى سبعمائة ضعف، لأنَّ كل فعل تلازمه طاقة من الإِخلاص في نفاذه، فكأن الحق قد وضع نظاماً بأن الحسنة بعشر أمثالها، ثم بالنية المخلصة تبلغ الأضعاف إلى ما شاء الله. وقد وضع الحق هذا النظام؛ لأنه جل وعلا يريد للحسنة أن تُفعل، وينتفع الغير بها، فإن كان فاعلها حريصاً على الأجر الزائد فهو يقدمها بنية مخلصة، ويقول الحق لنا: " مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ "([24])
ويقول أيضاً: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ...﴾ ([25]) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم« اللهم إنِّي أستغفرك من كل عمل أردتُ به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك»([26])
إذاً نحن مضطرون إليه،كما قال النورسي بل مكلفون به تكليفاً، وأحوج ما نكون إلى ترسيخ سر الإخلاص في ذواتنا، إذ لو لم نفز به لضاع منا بعض ما كسبناه من الخدمة المقدسة حتى الآن، ولما دامت واستمرت خدمتنا، ثم نحاسب عليها حساباً عسيراً، حيث نكون ممن يشملهم النهي الإلهي وتهديده الشديد في قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً﴾ ([27]) بما أخللنا بالإخلاص فأفسدنا السعادة الأبدية، لأجل مطامع دنيوية دنيئة، مقيتة، مضرة، مكدرة، لا طائل من ورائها ولا فائدة، إرضاء لمنافع شخصية جزئية تافهة أمثال الإعجاب بالنفس والرياء، ونكون أيضاً من المتجاوزين حقوق إخواننا في هذه الخدمة، ومن المعتدين على نهج الخدمة القرآنية، ومن الذين أساءوا الأدب فلم يقدروا قدسية الحقائق الإيمانية وسموها حق قدرها. ([28])
الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية، وهو قولك إياك نعبد وإياك نستعين ومن كان في مقام الزهد كانت طهارته من الدنيا حلالها وحرامها، ومن كان في مقام الإخلاص كانت طهارته من الالتفات إلى أعماله، ومن كان في مقام المحسنين كانت طهارته من الالتفات إلى حسناته، ومن كان في مقام الصديقين كانت طهارته من كل ما سوى الله، وبالجملة فالمقامات كثيرة والدرجات متفاوتة كأنها غير متناهية، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ ([29])
قال النورسي: الاخلاص؛ الذي هو أساس مسلكنا، فالاخلاص هو الذي يمنعنا عن ذلك، لأن في زمن الغفلة هذا، ولا سيما من يحمل أفكارًا موالية إلى جهة معينة، يحاول أن يجعل كل شئ أداة طيعة لمسلكه، بل يجعل حتى دينه واعماله الأخروية وسائل لذلك المسلك الدنيوي. بينما الحقائق الايمانية والخدمة النورية المقدسة تأبى أن تكون وسيلة لأي شئ كان في الكون، ولا يمكن أن تكون لها غاية الا رضى الله سبحان. وفي الحقيقة، إنَّه من الصعوبة بمكان، الحفاظ على سر الاخلاص في خضم الصراعات المتنافرة للتيارات الحالية، ومن العسير الحيلولة دون جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، لذا أفضل علاج لهذا هو الاستناد إلى العناية الالهية وتفويض الأمر إلى توفيق رب العالمين بدلاً من الاستناد إلى قوة التيارات الحالية.
قال ابن القيم: (في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه وقدره ومعانقة الصبر على ذلك إلى يوم لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه وداوم ذكره وصدق الإخلاص له ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد هذه الفاقة أبدًا) ([30])
وأخيراً أن الإخلاص لله في عبادته هو ثمرة الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.
جعلنا الله وإياكم من عباده المؤمنين الصالحين، ورزقنا الإخلاص في القول والعمل، وتقبل منا هذا العمل، ووفقنا لما يحبه ويرضاه، إنَّه تعالى سميع مجيب.
---------------------------
([1]) النورسي، اللمعات ص 174.
([2]) النورسي، صيقل الإسلام، 532.
([3]) سورة البينة، الآية (5).
([4]) سورة الزمر، الآية (3).
([5]) سورة الزمر، الآية (14).
([6]) سورة النحل، الآية (90).
([7]) صحيح البخاري، باب الحرص على الحديث، ج /1، ص193، حديث رقم 99.
([8]) صحيح مسلم، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، ج/6، ص216، حديث رقم (4870).
([9]) صحيح البخاري باب قوله ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، حدثني يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسه عن المنهال عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس تحفة الأشراف، ح/4، ص452.
([10]) النورسي، اللمعات، ص 137.
([11]) أبوحيان التوحيدي، البحر المحيط، ج/،2 ص51.
([12]) الحاكم، المستدرك، باب تفسير سورة التوبة، ج/2، ص362. حديث رقم (3277).
([13]) النورسي، المكتوبات، ص350.
([14]) تفسير الشعراوي، ج/2، ص266.
([15]) النورسي، اللمعات، ص 228.
([16]) ذكره الغزالى في إحياء علوم الدين. ( ضعيف ) كما في السلسلة الضعيفة للألباني ج/2،ص630.
([17]) النورسي، اللمعات، ص199.
([18]) سورة البقرة، الآية (138).
([19]) تفسير السعدي، ج/1، ص68
([20]) النورسي، الكلمات، ص 348.
([21]) النورسي، اللمعات، ص 245.
([22]) صحيح مسلم، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل الله له الوسيلة، ج/2، ص328، حديث رقم (578).
([23]) صحيح مسلم، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب، ج/1، ص322، حديث رقم (186).
([24]) سورة الحديد، الآية (11).
([25]) سورة البقرة، الآية (245).
([26]) أخرجه الديلمى، كنز العمال، حديث رقم(5126).
([27]) سورة البقرة، الآية (42).
([28]) النورسي، اللمعات، ص242.
([29]) سورة الروم،، الآية30.
([30]) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ج/3، ص164.
