موقـف النورسـي من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة
موقـف النورسـي من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين
والمتصـوفة في البحـث عن النبـوة من خـلال رسـئل النـور
-الموضوع يندرج ضمن المحور الثاني -
الدكتورة: آسيا شكيرب
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية
قسنطينة- الجزائر
مقـــدمة:
ترك بديع الزمان سعيد النورسي للأجيال من بعده إرثا فكريا متشعب الجوانب، يعكس عالما تتماوج فيه الأفكار والأحاسيس والمشاعر، في وحدة معرفية متشابكة الجذور، فكليات رسائل النور فيض معرفي علمي بثّ النورسي من خلاله كل ما استلهمه من نور القرآن الكريم من معاني الإيمان، بقصد إنقاذ الإيمان بإحياء معاني القرآن ومقاصده في النفوس والعقول والأرواح. ولعل اهتمام النورسي بمبحث النبوة له مبرراته الواقعية، فقد عاش في مرحلة زمنية مجّدت فيها القيم الغربية المادية النفعية، واعتلت عرش الفكر الإنساني، وقد سيطر الخوف على قلب النورسي، واعتصره الألم وهو يشهد وضع العالم الإسلامي، الذي استبدل المنهج الرباني بالفكر الوجودي. فانطلق ليثبت أن النور هو العودة إلى كتاب الله والتمسك بالسنة المطهرّة. ورأى أن للنبوة نورا ومقصدا من مقاصد القرآن الكريم، وانطلاقا من عمق معرفته وشمولية فكره كان للنورسي موقف خاص من كل منهج يحيد عن طريق الرؤية الصحيحة للنبوة، ولنا أن نتساءل كيف كان موقف النورسي من مناهج الفلاسفة واللاهوتيين والمتصوفة في البحث عن النبوة ؟؟
وقد اعتمدت في حل الإشكال على المنهج التحليلي الذي يعتمد على تفكيك الأفكار وإعادة بنائها، كما استعنت بالمنهج الاستقرائي، فهو ضروري في بناء الوحدات الأساسية لمنهج النورسي، وقد اعتمدت على مادة مصدرية متنوعة تتناسب ومطالب الموضوع، وقسمت البحث إلى مطالب وضحت من خلالها حقيقة النبوة لدى كل من الفلاسفة والمتصوفة واللاهوتيين، ثم أعقبتها بآراء النورسي:
- المطلب الأول: منهج الفلاسفة في بحثهم النبوة وموقف النورسي منه.
أولا: منهج الفلاسفة في بحثهم النبوة.
ثانيا: موقف النورسي من آراء الفلاسفة.
- المطلب الثاني: منهج اللاهوتيين في بحثهم النبوة وموقف النورسي.
أولا: منهج اللاهوتيين في بحثهم النبوة.
ثانيا: موقف النورسي من آراء اللاهوتيين.
- المطلب الثالث: منهج المتصوفة ومنهجهم في بحثهم النبوة وموقف النورسي.
أولا: منهج المتصوفة في بحثهم النبوة.
ثانيا: موقف النورسي من آراء المتصوفة.
- خاتمة.
المطلب الأول: منهج الفلاسفة في بحثهم النبوة وموقف النورسي منه من خلال رسائل النور.
- أولا: منهج الفلاسفة في بحث النبوة.
اهتم الفلاسفة الإغريق ببحث النبوة والعرافة حتى أن أفلاطون قد سمح لبيثيا عرافة معبد دلفي أن تؤدي وظيفتها في جمهوريته المثالية [1] ويشرح ديموقريطس Démocrite[2] كيف تظهر " الصور " التي من المحتمل أن تكون أجساد الآلهة نفسها، و يمتد أثرها على العقل، فيتكشف على الأحداث المستقبلية. [3] وكان أرسطو Aristote في مرحلته الأفلاطونية مقتنعا بأن العقل له القدرة على التخيل والعرافة بسبب خصوصية طبيعته التي تنتمي للعالم الروحاني، ثم في مراحل لاحقة، قال بأن النبوة والعرافة تحدث أثناء النوم[4]، وأن الحلم صورة ناتجة عن المخيلة التي تتعظم قوتها أثناء النوم على إثر تخلصها من أعمال اليقظة، والأحلام فهي لا تأتي من الله، فمن لديهم تجربة الرؤى الصادقة ليسوا هم الأفضل ولا الأحكم، بل هم الأكثر عرضة للأحزان.[5]
وقد حاول الفلاسفة المسلمون التوفيق بين النظرة الفلسفية للنبوة وبين الدين، أي بين العقل والنقل، بين لغة السماء ولغة الأرض، وحاولوا أن يشرحوا لغة السماء ويوضحوا كيفية وصولها إلى العالم الأرضي، فكوّنوا نظرية النبوة كمحاولة للتوفيق بين الفلسفة والدين، والفارابي كان أول من ذهب إليها، وهي تقوم على دعائم من علم النفس وما وراء الطبيعة، وتتصل اتصالا وثيقا بالآخلاق، فالفارابي يفسير النبوة تفسيرا سيكولوجيا، ويعدها وسيلة من وسائل الاتصال بين عالم الأرض وعالم السماء. [6] فعلى طريقة أفلاطون يرى الفارابي أن المدينة الفاضلة كل مرتبط الأجزاء كالبدن الواحد، ولابد أن يكون لكل فرد من أفراد المجتمع عمل خاص، وأسمى وأشرف الأعمال ما اتصل برئيس المجتمع، لأنه من المدينة الفاضلة كالقلب من الجسد، لهذا نجد الفارابي يعلق آماله على رئيس المدينة -كما علّق أفلاطون آماله على رئيس الجمهورية- وقد وضع له العديد من الشروط، وأضاف شرطا أبعده عن أفلاطون، وقرّبه من التعاليم الإسلامية، وهذا الشرط هو ضرورة أن أن يسمو رئيس المدينة إلى درجة العقل الفعّال الذي يستمد منه الوحي والإلهام. والعقل الفعّال[7] أحد العقول العشرة المتصرفة في الكون، وهو أيضا نقطة الاتصال بين العبد وربه، ومصدر الشرائع والقوانين الضرورية للحياة الخلقية والاجتماعية. [8]
ويرى الفارابي أن الاتصال بالعقل الفعّال ميسور من طريقين، طريق العقل وطريق المخيلة، أو طريق التأمل وطريق الإلهام، فبالنظر والتأمل يستطيع الإنسان أن يصعد إلى منزلة العقول العشرة، وبالدراسة والبحث ترقى نفسه إلى درجة العقل المستفاد حيث تتقبل الأنوار الإلهية.[9] وليست النفوس كلها قادرة على هذا الاتصال، فالأرواح القدسية وحدها القادرة على السمو لتخترق حجب الغيب وتدرك عالم النور[10].
يضيف الفارابي أن الاتصال بالعقل الفعّال ممكن أيضا عن طريق المخيلة، وهذا ما يحدث للأنبياء، فكل إلهاماتهم وما ينقلون إلينا من وحي منزل أثر من آثار المخيلة ونتيجة من نتائجها، فالمخيلة تلعب دورا هاما، وتنفذ إلى نواحي الظواهر النفسية المختلفة، فهي متينة الصلة بالميول والنزوعية بما يستثيرها ويوجهها نحو غرض ما، وتغذي الرغبة والشوق بما يؤججهما ويدفعهما إلى السير في الطريق حتى النهاية، وبهذا يشير الفارابي إلى المخيلة المبدعة (imagination créatrice) التي تكلم عنها علماء النفس المحدثون، بجانب المخيلة المحافظة (imagination conservatrice) ومن الصور الجديدة التي تخترعها المخيلة تنتج الأحلام والرؤى.[11] فالفارابي يرى أن ميزة النبي أن تكون له مخيلة قوية تمكنه من الاتصال بالعقل الفعّال أثناء اليقظة وفي حال النوم، وبهذه المخيلة يصل إلى ما يصل إليه من إدراكات وحقائق تظهر على صورة الوحي أو الرؤى الصادقة، وليس الوحي شيئا سوى فيض من الله عن طريق العقل الفعّال.[12]
وخلاصة القول: إن النبي والحكيم عند الفارابي هما الشخصان الصالحان لرياسة المدينة الفاضلة، وكلاهما يحظى في الواقع بالاتصال بالعقل الفعّال[13] الذي هو مصدر الشرائع والقوانين الضرورية لنظام المجتمع، وأما الفارق بينهما ففي كون النبي يحظى بهذا الاتصال عن طريق المخيلة، والثاني عن طريق البحث والنظر. فالنبي والفيلسوف عند الفارابي يرتشفان من معين واحد ويستمدان علمهما من مصدر رفيع، والحقيقة النبوية والحقيقة الفلسفية هما على السواء نتيجة من نتائج الوحي، وأثر من آثار الفيض الإلهي على الإنسان عن طريق التخيل أو التأمل.[14] وعلى ذلك فالنبي لا يصل إلى الوحي عن طريق المخيلة فحسب، بل بما فيه من قوى عقلية عظيمة. [15]
ونستنتج من ذلك أن النبوة ضربا من المعرفة يصل إليها الناس على السواء. فبتأثير العقل الفعّال نبحث ونفكر وندرك الحقائق العامة، وبتفاوت أثره فينا تختلف درجاتنا ويفضل بعضنا بعضا، وإذا ما عظم إشراقه سما البعض إلى مرتبة الإلهام والنبوة. [16]
- ثانيا: آراء النورسي حول المنهج الفلسفي في فهم النبوة.
يرتكز منهج النورسي في الرد على الآراء المخالفة على التمعن ﰲ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ الكريم ﻟﻴﺘﺠﻬﺰ ﺑﺎلأﺩﻟﺔ الشافية، انطلاقا من يقينه بسمو ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﴰﻮﻟﻴﺘﻪ. فهو يرى أن مناهج المفكرين المختلفة أدت إﱃ ﻓﻘﺮ ﺍﻻﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻻﺑﺘﻌﺎﺩ ﻋﻦ ﻣﺎﻫﻴﺘﻬﺎ. ويرى أن لديه السلاح الأمثل الذي سينسي الأمة آلامها إذ يقول: "لقد تحملت آلامي الشخصية كلها، ولكن آلام الأمة الإسلامية سحقتني، إنني أشعر بأن الطعنات التي وجهت إلى العالم الإسلامي أنها توجه إلى قلبي أولاً ولهذا تروني مسحوق الفؤاد. ولكني أرى نوراً سينسينا هذه الآلام إن شاء الله"[17].
يرى النورسي أن الفلاسفة مجدوا العقل[18] ورأوا أنه السبيل الأوحد للوصول إلى المعرفة ﻭأﻧﻜﺮﻭﺍ ﺃﻱ ﻣﻮﻗﻒ ﺁﺧﺮ ﲡﺎﻩ ﻣﻌﲎ ﻭﻣﻐﺰﻯ ﺍﻟﻌﺎﱂ. وﻳﻨﺘﻘﺪ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ[19] ﻛﺜيرا ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻨﻔﺼﻞ ﻭﺗﺒﺘﻌﺪ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ، ﻭﻳﺘﻬﻢ أﻓﻼﻃﻮﻥ ﻭأﺭﺳﻄﻮ ﻭﺍﻟﻔﺎﺭﺍﰊ ﻭﺍﺑﻦ ﺳﻴﻨﺎ بأنهم "مهّدوا ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻟﻜﺜﲑ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﻮﺍﺋﻒ ﺍﳌﺘﻠﺒﺴﺔ ﺑﺄﻧﻮﺍﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻙ، أﻣﺜﺎل: ﻋﺒﺪﺓ الأﺳﺒﺎﺏ ﻭعبدة ﺍلأﺻﻨﺎﻡ ﻭﻋﺒﺪﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﻋﺒﺪﺓ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺘﻬﻴﻴﺠﻬﻢ ﺍلأﻧﺎﻧﻴﺔ ﻟﺘﺠﺮﻱ ﻃﻠﻴﻘﺔ ﰲ أﻭﺩﻳﺔ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻭﺍﻟﻀﻼﻟﺔ، ﻓﺴﺪﻭﺍ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﺍﱃ ﺍﷲ، ﻭغلّقوا أﺑﻮﺍﺏ ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻭﺍﻟﻀﻌﻒ ﻭﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﳊﺎﺟﺔ ﻭﺍﻟﻘﺼﻮﺭ ﻭﺍﻟﻨﻘﺺ ﺍﳌﻨﺪﺭﺟﺔ ﰲ ﻓﻄﺮﺓ ﺍﻻﻧﺴﺎﻥ، ﻓﻀﻠﻮﺍ ﰲ ﺃﻭﺣﺎﻝ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭﻻ ﳒﻮﺍ ﻣﻦ ﲪﺄﺓ ﺍﻟﺸﺮﻙ ﻛﻠﻴﺎ ﻭﻻ ﺍﻫﺘﺪﻭﺍ ﺍﱃ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﺍﻟﻮﺍﺳﻊ" [20]
نجد النورسي هنا يركز على الدور السلبي للفلاسفة اليونانيين والمسلمين على حد سواء، ويؤكد على أنهم فتحو الباب لسبل كثيرة أبعدت الناس عن سبيل عبودية الله تعالى، فإن كان الحصول على المعرفة وإدراك الحقائق متوفر عن طريق العقل الفعّال، فلا يكون للإنسان حاجة لله فعقله قادر على توفير ما يحتاجه. وهم بهذا القول عطلوا فطرة الإنسان. كما يؤكد النورسي على أنّ ﺍﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﺍﻟﺰﺍﺋﺪ ﻋﻦ ﺣﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﳜﻠﻖ ﻫﻮﻳﺔ إﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻻ ﲤﻠﻚ ﻗﻴﻤﺎ ﻭﻣﻌﺎﱐ أﻋﻠﻰ ﻣﻨﻬﺎ.
لقد عرفنا سابقا أن الفيلسوف والنبي كلاهما يتلقيان المعرفة من العقل الفعّال، ونجد النورسي ينطلق من أرضية فكرية خصبة ليعقد مقارنة بين النبوة والفلسفة، فيقول بأن الفرق بينهما مثل الثريا والثرى، فالنبوة تهدف إلى رفع الإنسان من وهدة الثرى إلى أعلى عليين، لتلحق روحه إلى رب العالمين، أما الفلسفة فهي سجن رهيب لروح الإنسان، تجعله في خضم الأسباب المادية والأطماع الروحية، والفارق الرهيب بين نتائج كل من المسلكين تكون في نظرة كل منهما إلى جوهر الإنسان وأسرار " أنا" [21] التي أودعها الله فيه.[22]
فتعامل الأنبياء مع الإنسانية ينبع من فهمهم الصحيح لما تحمله "أنا" من أسرار إلهية، فهم يحاولون أن يبرزوا ما فيها من أنوارها وتلك هي الرسالة السامية التي بعثوا من أجلها. أما الفلسفة فتتعامل مع "أنا" بالمعنى الاسمي، تاركة وظيفتها الفطرية مما يولد في الإنسان الشرك والشرور والضلالات ويبعده عن رب الأرضين والسماوات." [23]
ويرى النورسي أن في تاريخ البشرية منذ سيدنا آدم - عليه السلام- إلى الوقت الحاضر، تيارين عظيمين وسلسلتين للأفكار،كأنهما شجرتان ضخمتان أرسلتا أغصانهما وفروعهما في كل صوب، أحدهما: سلسلة النبوة والدين؛ وثانيهما سلسلة الفلسفة والحكمة. "فمتى كانت هاتان السلسلتان متحدتين وممتزجتين، في أي وقت أو عصر إستجارت الفلسفة بالدين وانقادت إليه، وأصبحت في طاعته، انتعشت الإنسانية بالسعادة وعاشت حياة اجتماعية هنيئة، ومتى ما انفرجت الشقة بينهما وافترقتا، احتشد النور والخير كله حول سلسلة النبوة والدين، وتجمعت الضلالات كلها حول سلسلة الفلسفة" [24] ويبدو من كلام النورسي أنه لا يقف ضد الفلسفة حين تتحد بالدين.
ويرى النورسي أن الفلسفة نظرت إلى الأنا بالمعنى الاسمي، أي أنها تقول أنا يدل على نفسه بنفسه، وهذا يقتضي أن معناه في ذاته، ووجوده أصيل، أي له ذاتية خاصة به. وقد اعتقد رواد الفلسفة ودهاتها - على حد تعبر النورسي- أمثال أفلاطون وأرسطو وابن سينا والفارابي، بأن الغاية القصوى لكمال الإنسانية هي التشبه بالواجب، أي الخالق جلّ وعلا، فأطلقوه حكما فرعونيا طاغيا. بينما الذين هم في مسار النبوة حكموا حكما ملؤه العبودية الخالصة لله وحده، وقضوا أن الغاية القصوى للإنسانية والوظيفة الأساسية للبشرية هي التخلق بالأخلاق الإلهية، أي السجايا السامية التي يأمر بها الله سبحانه وتعالى، وأن يعلم الإنسان عجزه فيلوذ برحمة الله تعالى، ويلمس نقصه فيسبح ويقدس كماله تعالى. فالفلسفة العاصية للدين قد ضلت ضلالا بعيدا، وصار الأنا ماسكا بزمام نفسه، مسرعا إلى نوع من أنواع الضلالة، فنبتت شجرة زقزم على قمة هذا الوجه من "أنا" غلطت بضلالها نصف البشرية وحادت بهم عن سواء السبيل. [25]
ومما تقدم يمكن القول أن النورسي اعتنى بالرّد على المنهج الفلسفي في نظرته للنبوة، حرصا منه على أن لا تُساوى هذه المنّة الإلهية، بالإدراكات البشرية، فردّ بعناية فائقة على حصول المعرفة عن طريق العقل الفعال لدى الفلاسفة.
المطلب الثاني: منهج اللاهوتيين في بحثهم النبوة وموقف النورسي منه من خلال رسائل النور.
- أولا: منهج اللاهوتيين في بحث النبوة.
النبي في اللاهوت المسيحي إنسان يتكلم باسم الله ليطلع على إرادته، وفي الجيل المسيحي الأول كان هناك مسيحيون ملهمون من الله خلفوا أنبياء العهد القديم في الإرشاد. [26]
وأول نبي في العهد الجديد هو يوحنا المعمدان، ويرى اللاهوتيون النصرانيون أنه أعظم الأنبياء، لأنه جاء ليهيء الطريق أمام المسيح. [27] ويقرن اللاهوت النصراني مفهوم النبوة بمفهوم العهدين القديم " العهد القديم" و" العهد الجديد"، فمن الناحية النظرية لم يختلف تعريف النبي عن مفهوم اليهود له، فالنبي هو الذي ينبئ بالأحداث المستقبلية، ويكون واسطة بين يهوه وشعبه [28]، لكن من الناحية الواقعية، فالله خاطب الناس عن طريق ابنه الوحيد والأقنوم الثاني من الأقانيم المقدسة، الذي بنزوله وافتدائه البشرية بدأ معه عهدا جديدا، فالنبوة وصلت ذروتها في المسيح نفسه، فهو الابن الذي أعلن الأب وتمم مشورته [29]. ويرى اللاهوتيون أن الله كلم البشرية في إبنه الذي هو بهاء مجده " وقد كلمنا الآب في الأيام الأخيرة في ابنه الذي.. هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته"[30]، وقد اعترفت الجموع بأنه نبي، وهذا بسبب الأعمال العظيمة التي رأوه يقوم بها[31] أما أهم نبوءات المسيح فتتمحور حول النبوءة حول اقتراب ملكوت الله، ونبوءات عن خراب أورشليم والهيكل، ونبوءة مجئء ابن الإنسان في مجد أبيه. [32]
ومن الواضح أن اللاهوت النصراني يفرق بين نبوة المسيح " يسوع" – حسب التعبير اللاهوتي- والتي تشير إلى كون المسيح هو النبي ومحور النبوة، الذي حلّ في التاريخ البشري لينفذ خطة خلاصية، ونبوة رسله – رسل المسيح - [33] التي تتلخص في كونهم القادة الروحيين في المجتمعات النصرانية الأولى، وقد وهبهم المسيح كل المواهب بما فيها النبوة[34]، كما كانوا يقومون بخدمة التعليم والوعظ، وإنشاء الكنيسة، وكانت أقوالهم من الروح القدس مباشرة. [35]
ويمكن القول أن اللاهوت النصراني أغلق باب النبوة بمفهومها العام، ووضع إطارا لاهوتيا خاصا لمفهوم النبوة، يجعل من المسيح الإله الإبن هو محور النبوة.
- ثانيا: موقف النورسي من النبوة في فكر اللاهوتيين.
في الحقيقة لم يُفصّل النورسي في النبوة لدى اللاهوتيين كما فعل مع الفلاسفة والمتصوفة، لكن في محاولة لاستقراء موقفه من العقائد النصرانية[36] يمكننا بناء تصور عام، إنطلاقا من كون النبوة في اللاهوت النصراني عبارة عن خطاب الله الناس عن طريق ابنه الوحيد والأقنوم الثاني من الأقانيم المقدسة.
ويبدو من خلال تفسير النورسي لبعض آيات القرآن الحكيم التي ترسخ وحدانية الله، نفيه ألوهية المسيح، وبنوته، ففي قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [37] هناك نفي للولد والوالدية، ونفي المحال لا فائدة منه في الظاهر، " لذا فلا بد أن يكون المراد من نفي الولد والوالدية اللذين لهما خصائص الجسمانية، هو نفي الألوهية عن كل من له ولد ووالد وكفو، وبيان عدم لياقتهم للألوهية." [38]. ويضيف النورسي توضيحا آخر للآية الكريمة بقوله: " فالله منزه عن كل رابطة تتعلق بالموجودات تُشم منها رائحة التوليد والتولد، وهو مقدس عن كل شريك ومعين ومجانس، وإنما علاقته بالموجودات هي الخلاقية، فهو يخلق الموجودات بأمر (كن فيكون) بإدراته الأزلية وباختياره. وهو منزه عن كل رابطة تنافي الكمال، كالإيجاب والاضطرار والصدور بغير اختيار.. فالله أزلي، أبدي، أول وآخر، لا نظير له ولا كفو ولا شبيه، ولا مثيل ولا مثال في أية جهة كانت، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وإنما هناك (المَثَل) (ولله المثل الأعلى) الذي يفيد التشبيه في أفعاله وشؤونه فحسب." [39]
من الملاحظ أن النورسي يستعمل مصطلح الولدية للدلالة على المصطلح اللاهوتي البنوة[40]، وفي هذا تأكيد على أن معنى البنوة يقتضي الولدية لا محالة. وفي انتفاه الولدية أو البنوة ينهار صرح النبوة المسيحية، فالمسيح ليس ابن الله ولا الأقنوم الثاني من الأقانيم النصرانية، وبالتالي لم يعد للمفهوم اللاهوتي للنبوة أي دلالة بانتفاء ألوهية وبنوة المسيح.
يركز النورسي على مسألة الوسائط، إدراكا منه بأن أي وسيلة تتوسط بين الله وعبده هي في الحقيقة حجاب يحول دون التوحيد الخالص، وقد شدّد النورسي على ضرورة التفرقة بين الأسس التي يقوم عليها الإسلام والأسس التي تقوم عليها النصرانية الحاضرة، ويقول أن الإسلام دين توحيد " يسقط الوسائط والأسباب، ويكسر الأنانية ويؤسس العبودية الخالصة" [41] فأساس " الإسلام محض توحيد، لا يسند تأثيرا حقيقيا إلى الأسباب والوسائط، ولا يعطيها قيمة بجهة الإيجاد والمقام. وأما النصرانية فإنها قبلت فكرة الولديّة. فلذلك تعطي الوسائط والأسباب قيمة، ولا تكسر التكبّر. حتى إنّها تسند جلوة من الربوبية إلى أحبارهم ورهبانهم، فصاروا مصداقا لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [42] فذلك يحافظ من يكون في أعلى المراتب حسب الدّنيا من النصارى، على كبره وغروره" [43]. وفي الحقيقة النورسي أبدع في قوله: "وأما النصرانية فإنها قبلت فكرة الولديّة. فلذلك تعطي الوسائط والأسباب قيمة " فالابن أو الولد حلّ بين البشر ليفتدي نفسه عن الخطيئة الأولى، وهذا يعني أن النصارى قد قبلوا فكرة الخلاص بالواسطة، فالواسطة الفدائية تقدح في التوحيد الخالص، فمن تمام الألوهية المغفرة دون حاجة لوسائط، وهنا أيضا نلمح نفيا لوساطة وألوهية المسيح، وبالتالي نفيا لنبوته حسب المفهوم اللاهوتي.
ويمكن القول أن النورسي لم يكن في ردّه على ألوهية وبنوة المسيح، متوجها لنقد منهج اللاهوتيين في رؤيتهم للنبوة، لكن أدلته المستعملة في الرّد على ألوهية وبنوة المسيح، تصلح لبناء رد معرفي قوي.
المطلب الثالث: منهج المتصوفة في بحثهم النبوة وموقف النورسي منه من خلال رسائل النور.
- أولا: منهج المتصوفة في بحثهم النبوة.
إن النبوة عند المتصوفة هي " قبول النفس القدسي حقائق المعلومات والمعقولات عن الله تعالى بواسطة جوهر العقل الاول المسمى جبريل تارة وبروح القدس أخرى، والرسالة تبليغ تلك المعلومات "[44] وقد اختلفت آراء المتصوفة في الفرق بين النبوة والولاية[45]، فالبعض يرى أن الولاية جزء من النبوة، يقول الفرغاني: "أما الولاية فهي التصرف في الخلق بالحق، وليست في الحقيقة إلا باطن النبوة، لأن النبوة ظاهرة الأنباء، وباطنها التصرف في النفوس بإجراء الأحكام عليها. والنبوة مختومة من حيث الأنباء، إذ لا نبيّ بعد محمد صلى الله عليه وسلم، دائمة من حيث الولاية والتصرف" [46]. ويقول حيدر الآملي: "وفي الحقيقة: الولاية هي باطن النبوة ، والفرق بين النبي والرسول والوليّ أن النبي والرسول لهما التصرف في الخلق بحسب الظاهر والشريعة ، والولي له التصرف فيهم بحسب الباطن والحقيقة ومن هذا قالوا: النبوة تنقطع , والولاية لا تنقطع أبدا " [47]والبعض ساوى بينهما، يقول ابن عجيبة: " وكل ما قيل في جانب النبوة يقال مثله في جانب الولاية" [48] "وما وقع من التفرق والاختلاف في جانب النبوة يقع في جانب الولاية سنة ماضية" [49] " ما قيل في منكري خصوصية النبوة يقال في منكري خصوصية الولاية إذا اشتغل بأذاهم" [50] ويقول أيضا: " ما قيل للرسول ص من تعديد النعم عليه، واستقراره بها، يقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفا بحرف، فيقال له: ألم نوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجت إلينا، أو وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولا لا حاملا، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناس عنا، فإن مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة، فإن فرغت من الدعوة والتذكر، فاتعب نفسك في العكوف في الحضرة، فإذا فرغت من كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق" [51] ويقول لسان الدين الخطيب: "الولاية أن يتولى الله الواصل على حضر قدسه، بكثير مما تولى به النبي ص من حفظ وتوفيق وتمكين واستخلاف وتصريف، فالولي يساوي النبي في أمور منها: العلم من غير طريق العلم الكسبي، والفعل بمجرد الهمة، فيما لم تجر به العادة أن يفعل إلا بالجوارح والجسوم، مما لا قدرة عليه لعالم الجسوم... والولي يأخذ المواهب بواسطة روحانية نبيه، ومن مقامه يشهد، إلا ما كان من الأولياء المحمديين، فإنه لما كان نبيهم جامعا لمقامات الأنبياء، وأوصل إليهم أنوارهم من نور نبيهم الوارث، وبواسطته فإنه هو الذي أعطي جميع الأنبياء والرسل مقامهم في عالم الأرواح، ثم شاركت الأولياء والأنبياء في الأخذ عنه". [52] والبعض الآخر فضّل الولاية على النبوة، يقول ابن عربي: " مقام النبوة في برزخ فوّيق الرسول ودون الولي" [53]. ويظهر مما تقدم اختلاف المتصوفة في المفاضلة بين النبوة والولاية.
- ثانيا: موقف النورسي من النبوة عند المتصوفة.
يفرق النوسي بين الصوفية كنهج روحاني، وبين الفكر الصوفي المتطرف، ويرى أنه لا يمكن الحكم على الصوفية بسيئات مذاهب ومشارب أطلقت على أنفسها ظلما اسم الطريقة، وربما اتخذت لها صورة خارج دائرة التقوى بل خارج نطاق الإسلام. [54] ويرى أن الطريقة لها نتائج سامية سواء منها الدينية أو الأخروية أو الروحية، فهي من الوسائل الإيمانية التي توسع من دائرة الأخوة الإسلامية بين المسلمين وتبسط لواء رابطتها المقدسة في أرجاء العالم الإسلامي.[55]
ويقف النورسي وقفة المفكر الموضوعي، الذي لا يقبل الانحرافات الفكرية أو العقدية، ويرى أن الاعتقاد بأرجحية الولاية على النبوة من المزالق الخطيرة في الفكر الصوفي، وقد شدد النكير على من يرى اقتراب مقام الولاية من مقام النبوة فضلا عن أن يكون أعلى منها، يقول في هذا الخصوص: " إن الورطة التي يسقط فيها سالكون من الطرق الصوفية – ممن لا يتبعون السنة النبوية على الوجه الصحيح- هي اعتقادهم بأرجحية الولاية على النبوة" ويقول النورسي: " ولقد أثبتنا مدى سمو النبوة على الولاية وخفوت ضوء الأخيرة أمام نور النبوة الساطع في الكلمة الرابعة والعشرين والكلمة الحادية والثلاثين من كتاب الكلمات " [56]، وبأسلوب غاية في الفرادة يقارن النورسي بين ضوء الولاية ونور النبوة، وهذا في معرض كلامه عن المعراج النبوي، يقول النورسي: "المعراج النبوي مظهر رفيع سام للولاية الأحمدية، ظهر تفوق جميع الولايات وبرفعة وعلو يسمو عليها جميعا، إذ إنه تشرف بمكالمة الله سبحانه وتعالى ومناجاته باسم رب العالمين وبعنوان خالق الموجودات"[57].
يشبه النورسي ضوء الولاية برجل يمسك مرآة تجاه الشمس، فالمرآة تلتقط حسب سعتها نورا وضياء، فيكون الرجل ذا علاقة مع الشمس بنسبة تلك المرآة، ويمكنه أن يستفيد منها فيما إذا وجهها إلى غرفته المظلمة، بيد أن استفادته من الضوء تنحصر بمقدار قابلية المرآة على ما تعكسه من نور الشمس وليس بمقدار عظم الشمس. أما نور النبوة فيشبهه برجل يجابهه الشمس مباشرة، ويشاهد هيبتها، ويدرك عظمتها، ثم يصعد على جبل وينظر إلى شعشعة سلطانها الواسع المهيب، ويقابلها بالذات دون حجاب. [58]
فالصورة الأولى: تبين درجات الغالبية العظمى للولايات السائرة في ظلال الأسماء الحسنى والصفات الجليلة ومراتبها نابعة من هذا القسم، والصورة الثانية: تبيّن سر المعراج الأحمدي، فولايته مبدأ لرسالته، وباطن المعراج ولاية، إذ عرج من الخلق إلى الحق تعالى، وظاهر المعراج رسالة إذ يأتي من الحق سبحانه وتعالى إلى الخلق أجمعين.[59]
وبعد أن ردّ النورسي على من يرى أن الولاية أفضل من النبوة، يرد على من يقول أن الأولياء أفضل من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وبين أن للصحابة الكرام خواص متميزة من الصحبة النبوية، بحيث لا يمكن للأولياء أن يبلغوا مرتبتهم فضلا عن أن يتفوقوا عليهم.[60] " فالصحبة النبوية إكسير عظيم لها من التأثير الخارق ما يجعل الذين يتشرفون بها لدقيقة واحدة ينالون من أنوار الحقيقة ما لا يناله من يصرف سنين من عمره في السير والسلوك" [61]
أشار النورسي إلى المتطرفين من أهل التصوف الذين يظنون خطأ أن الإلهام بمرتبة الوحي، واعتبارهم الإلهام نوعا من أنواع الوحي، وقال بأن هذا المسلك خطير جدا، فالوحي سام عال وساطع وضاء وكلي شامل، بينما الإلهام جزئي وخافت. [62]
ويكمن القول أن ما قدّمه النورسي في بيان شفوف مرتبة النبوة على مرتبة الولاية هو في حقيقته مجمل ما قرره علماء العقيدة من أهل السنة والجماعة في الموضوع، وقد كان منهجه التمثيلي مساعدا في توضيح الفوارق الكامنة بين النبوة والولاية.
خاتمة:
- اعتبر بديع الزمان النورسي أن شمس النبوة حقيقة ثابتة لا يمكن أن يستغني عنها العالم المعنوي، كما لا يمكن أن يستغني العالم المادي عن الشمس المادية الملموسة، لهذا لا نجده يهتم في رسائل النور بالتعاريف اللغوية أو الاصطلاحية للنبوة، بل ركّز على وظائفها الحقيقية ومعانيها الجوهرية المتصلة بمهمة الأنبياء والرسل، وحاول تتبع كل الصور والمفاهيم الخاطئة عن النبوة.
- إن القارئ لرسائل النور يرى أن الإمام النورسي انتقد المنهج الفلسفي المادي والعقلي في بحثه عن النبوة، وركّز كثيرا على الدور السلبي للفلسفة التي تبعد عن سبيل عبودية الله تعالى، وردّ على الفلاسفة بخصوص تلقي المعرفة والإدراك عن طريق العقل الفعّال، وبيّن بكل براعة أن الإنسان لن يكون في حاجة لله ما دام عقله قادر على توفير ما يحتاجه. كما أكّد على أنّ ﺍﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﺍﻟﺰﺍﺋﺪ ﻋﻦ ﺣﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﳜﻠﻖ ﻫﻮﻳﺔ إﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻻ ﲤﻠﻚ ﻗﻴﻤﺎ ﻭﻣﻌﺎﱐ أﻋﻠﻰ ﻣﻨﻬﺎ.
- أما منهج اللاهوتيين الذين رفضوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، قناعة منهم بكون أن المسيح الإله نزل ليخلص البشرية من الخطيئة بموته على الصليب، فلا ضرورة تقتضي ارسال الأنبياء بعد خلاص المسيح الكفاري، وقد ركز النورسي وقفة العارف المفكر الناقد إزاء هذا المنهج اللاهوتي.
- وأما منهج المتصوفة في البحث عن النبوة، فقد أفضى بهم للقول بأفضلية الولي عن النبي، ولأن هذه الدعوى ذات صلة وثيقة بالعقيدة، حرص النورسي على ردها وفق منهج علمي يستند على الحجج والأدلة.
- إن المتتبع لمنهج النورسي في دراسته للنبوة والرّد على التفسيرات المختلفة من قبل الفلاسفة واللاهوتيين والمتصوفة، يجد أن معرفته عميقة لمفهوم النبوة وما يتبعها من قيم ومبادئ ونظم ومعطيات. وهو يعمد للمنهج التحليلي التنقيبي، يفكك القضايا المختلفة ثم يبحث عن أسرارها ومقاصدها وثمارها بالتركيز على حاجة البشرية جمعاء للنبوة في شتى المجالات.
------------------------------
[1] A.J. Heschel : The prophets, ( New York, 1971), vol 2, p 236
[2] ديموقريطس الأبديري، فيلسوف يوناني، (ت نحو سنة 370 ق.م)، أسس مدرسة أبدير سنة 420 ق.م، من مصنفاته: "فيثاغورس أو: تصرف الحكيم" و"في الفضيلة" و"في جهنم"، وقد فقدت سائر مصنفاته حوالي القرن الثالث بعد الميلاد. ( محمد أحمد منصور: موسوعة أعلام الفلسفة، ط1، ( الأردن، عمّان: دار أسامة، 2001م)، ص 455- 456).
[3] Points de vue philosophiques au sujet de la prophétie (nubuwwat), Encyclopédie philosophique Routledge, traduction persane de Mahmûd Zâr‛î Balashtî, pp. 123-127, Date de publication :05/11/2011 (www.tahoor.fr/Home/ViewArticle/168 )
[4] لأرسطو رسالتان صغيرتان تتعرض لموضوع النبوة وهما " رسالة الأحلام " " Traité des Rêves و"رسالة التنبؤ " la divination par le sommeil وهما تحتويان على ملاحظات دقيقة في علم النفس، كما أنهما الدعامة الأولى التي قامت عليها نظرية الأحلام والنبوة الفلسفية. (إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ط3، ( القاهرة: دار المعارف، 11976م)، ج1، ص 94-96).
[5] Points de vue philosophiques au sujet de la prophétie, Ibid, op cit.
[6] إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ج1، 73 – 74
[7] يرى الفارابي أن عقل الانسان يكوّنه عقل مفارق يطلق عليه العقل الفعال، فليس لهذا العقل الاخير تأثير مباشر على الجسم، انما يتحقق تأثيره لما هو على شاكلته من العقل الانساني. فكما يقرر الفارابي ان العقل الفعال مختص بكمالات الانسان العقلية، ذلك انه يمنح الانسان قوة ومبدءاً يمكّنه من ان يسعى من تلقاء نفسه الى سائر ما يبقى له من الكمالات (الفارابي: السياسة المدنية، (طبعة انتشارات الزهراء)، ص 71-73)
[8] أبو نصر الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة، ( بيروت: دار المشرق، 1986م)، ص 57-58
[9] المصدر نفسه، ص 46
[10] يقول الفارابي: " الروح القدسية لا تشغلها جهة تحت عن جهة فوق، ولا يستغرق الحس الظاهر حسها الباطن، و قد يتعدى تأثيرها من بدنها إلى أجسام العالم و ما فيه، و تقبل معلومات من الروح و الملائكة بلا تعليم من الناس." (الفارابي: الثمرة المرضية في بعض الرسالات الفارابية، تحقيق: عماد نبيل، ( بيروت: دار الفارابي، 2011م)، ص 75
[11] إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ج1، ص 77
[12] الفارابي: المدينة الفاضلة، ص 51-52 يتفق أغلب الفلاسفة المسلمين مع الفارابي فهم يرون أن حقيقة النبوة عبارة عن نفس جامعة لعوالم كمالية ثلاثة، هي قوى الاحساس والتخيل والتعقل، وقد قُدّر ان يكون للنبي عقل مستفاد يتصل بالعقل الفعال، واقتضى هذا التقدير أن يتساوى النبي والفيلسوف في الاتصال وكسب المعرفة. حيث كلاهما يتصل بالعقل الفعال المتمثل من الناحية الدينية بجبريل، وهو الذي له الأفضلية باعتباره يمثل مصدر المعلومات النبوية وغير النبوية. فالتفضيل وفقاً لهذه الرؤية انما يكون بحسب ما عليه الكائن من الرتبة الوجودية وليس باعتبار ما له علاقة بالقيم المعيارية والاخلاقية كالذي يراه النظام المعياري (أبو الحسن عبد الله بن سينا : المبدأ والمعاد، (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافي، 1984م)، ص116-120؛ ومحمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي: الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، (مطبوعات جامعة مشهد)، ص340-344 ؛ وأبو حامد الغزالي: مقاصد الفلاسفة، تحقيق: محمود بيجو، ط1، (مطبعة الصباح، 2000م،)، ص380-381.)
[13] فما دام الانسان مرتبط بألوهة العقل الفعال فإن حركته الكمالية تكون من حيث الاتصال وحتى الاتحاد بهذا العقل الكلي. فالادراك إنما يكون لما هو شبيه له كما يقول الفلاسفة من امثال ابن سينا، ومن ثم فان علاقة الاتصال تكون بين المتشابهين، او انها تفضي الى حالة الاتحاد التي هي أعظم واشد من حالة الشبه؛ كالذي عليه صدر المتألهين وعليه فان الاتصال او الاتحاد بالعقل الفعال هو ميزة كل من الفيلسوف والنبي. (غلام حسين ابراهيمي ديناني: القواعد الفلسفية العامة في الفلسفة الإسلامية، (لبنان : دار الهادي للطباعة و النشر و التوزيع،2007م)، ج2، ص330-332)
[14] إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ص 100- 101.
[15] يقول الفارابي: النبوة مختصة في روحها بقوة قدسية تذعن لها غريزة عالم الخلق الأكبر، كما تذعن لروحك غريزة عالم الخلق الأصغر، فتأتي بمعجزات خارجة عن الجبلة والعادات، ولا تصدأ مرآتها ولا يمنعها شيء عن انتقاش ما في اللوح المحفوظ من الكتاب الذي لا يبطل، وذوات الملائكة التي هي الرس، فستبلغ مما عند الله إلى عامة الخلق" (الفارابي: الثمرة المرضية، ص 72.)
[16] إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، ص101,
[17] صيقل الإسلام: بديع الزمان النورسي، ترجمة : إحسان قاسم الصالحي، ط1، (إسطنبول: دار سوزلر ،1995م)،ص 546.
[18] ينكر النورسي كثيرا على الفلاسفة غلوهم في تمجيد العقل قائلا : " اعلم أيها المتفلسف المرجح للعقل على النقل، فتؤوّل النقل بل تحرّف، إذ لم يسعه عقلك المتفسخ بالغرور والتغلغل في الفلسفات ... " و يقول في موضع آخر: " قد شاهدت ازدياد العلم الفلسفي في أزدياد الأرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي. فالأمراض المعنوية توصل إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية توّلد أمراضا قلبية " (بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: المثنوي العربي النوري، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي؛ ط1، (القاهرة: شركة سوزلر، 1995م، ص 158، ص190.)
[19] أكّد النورسي على " أن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور وتصفعها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المضرة وحدها، وليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسم الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، وتعين الأخلاق والمثل الانسانية، وتمهّد السبل للرقي الصناعي، هي في وفاق ومصالحة مع القرآن الكريم، بل هي خادمة لحكمة القرآن، ولا تعارضها، ولا يسعها ذلك؛ لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.
أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلة للتردي في الضلالة والإلحاد والسقوط في هاوية المستنقع الآسـن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الانسان الى الغفلة والضلالة بالسفاهة والله. وحيث أنه يعارض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائق المعجزة للقرآن الكريم، فان رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضال من الفلسـفة في اغلب أجزائها وذلك بنصبها موازين دقيقة، ودساتير رصينة، وبعقدها موازنات ومقايسات معززة ببراهين دامغة. فتصفعها بصفعاتها الشديدة، في حين أنها لا تمس القسم السديد النافع من الفلسفة". بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور- الملاحق في فقه دعوة النُّور -، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ( القاهرة : شركة سوزلر،1999م)، ص286-287؛ وانظر؛ بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور- اللُّمعات-، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي،( القاهرة : شركة سوزلر، 2002م)، ص 176.
[20]بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور- الكلمات-، ترجمة : إحسان قاسم الصالحي، ط3، ( القاهرة: سوزلر للنشر، 2000م)، ج1،ص 642
[21] " أنا " عند النورسي مفتاح الكنوز المخفية للأسماء الإلهية الحسنى، فهو بحد ذاته طلسم عجيب، وبمعرفة ماهيته ينحل ذلك الطلسم العجيب وينكشف ذلك المعمى الغريب "أنا" ويتفتح بدوره لغز الكون وكنوز عالم الوجوب. وينكشف " أنا " من خلال قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب/ 72)، فمن الخزينة العظمى لهذه الآية الجليلة، يشير النورسي لجوهرة واحدة من جواهرها، وهي أن الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، لها معان عدّة، ولها وجوه كثيرة، فمعنى من تلك المعاني، ووجه من تلك الوجوه، هو "أنا ". فأنا بذرة نشأت منها شجرة طوبى نورانية عظيمة، وشجرة زقوم رهيبة، تمدان أغصانهما وتنشران فروعهما في أرجاء عالم الإنسان من لدن آدم عليه السلام إلى وقتنا الحاضر (بديع الزمان النورسي: الكلمات، ص 636- 637). والواضح من تفسير النورسي للأنا، هو الأنا الإنساني العام، الذي تحمّل الأمانة، لكن هناك أنا سلك مسلكا نورانيا وآخر اتبع سبل الضلال. ويسترسل النورسي في تفسير " أنا" فيقول: "إن الله عزّ وجل وضع أمانة هي " أنا " الذي ينطوي على إشارات ونماذج يستدل بها على حقائق أوصاف ربوبيته الجليلة وشؤونها المقدسة. أي يكون " أنا " وحدة قياسية تعرف بها أوصاف الربوبية وشؤون الألوهية، والوحدة القياسية لا يلزم أن يكون لها وجود حقيقي، فهو لا يحمل معنى في ذاته، بل يدل على معنى في غيره، كالمرآة العاكسة، والوحدة القياسية، وآلة الانكشاف، وأما المعنى الحرفي فهو شعرة حساسة من حبل وجود الإنسان الجسيم، وخيط رفيع من نسيج ثوب ماهية البشر، وهو حرف ألف في كتاب شخصية بني آدم، ( بديع الزمان سعيد النورسي: أنا – ذات الإنسان وحركات الذرات بين الفلسفة والدين- من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ط1، ( القاهرة، 2004م)، ص 18-21).
[22] خديجة النبراوي : النبوة وضرورتها للإنسانية - بحث مستقى من رسائل النور للنورسي -، ( سوزلر للنشر، 2000م)، ص 72
[23] المرجع نفسه، ص72.
[24] النورسي : الكلمات، ص 639.
[25] الكلمات، ص 641-642
[26] صبحي حموي اليسوعي: معجم الإيمان المسيحي، أعاد النظر فيه من النَّاحية المسكونيَّة الأب : جان كوربون، ط2، (بروت:دار المشرق، 1998م)، ص503.
[27] راجع : إنجيل متى: 3/11؛ مرقس: 1/7؛ لوقا: 3/16؛ يوحنا: 1/15،2730؛ أعمال الرسل: 13/35.
[28] sous la direction de A.D’Alés: Le dictionnaire Apologétique de la foi Catholique , 4éme édition; )Paris: Gabriel Beauchésne éditeur,1911( , tome4, p386.
[29] يوحنا : 1/18
[30] رسالة إلى العبرانيين: 1/1-3
[31] مجلس التحرير: القس منيس عبد النور، القس فايز فارس، القس أندري زكي، والقس أنور زكي : دائرة المعارف الكتابية، ط3، ( القاهرة: دار الثقافة، 2012م)، ص19.
[32] دائرة المعارف الكتابية، ص 19-20.
[33] كلمة الرسل تستعمل للدلالة على تلاميذ المسيح الإثنى عشر، الذين اختارهم المسيح ( متى: 10/2)، ليكونوا رفاقه المقربين (مرقس: 3/14)، وشهوده على العالم (أعمال الرسل: 1/8)، ولا سيما شهود قيامته (أعمال الرسل: 1/ 22)، ومعلني بشارته (متى: 28/19)، وأركان الكنيسة (رؤيا يوحنا: 21/14)، وبعد ارتداد يهوذا الاسخريوطي، ضُمّ متّيا إلى مجموعة الرسل (أعمال الرسل: 1/26)، ولم يضم الرسول بولس إلى الرسل لكنه أعلن نفسه رسول المسيح بحكم رسالة تسلّمها مباشرة من المسيح القائم من الموت (رسالة إلى أهل غلاطية: 1/16) أرسله بها إلى الوثنيين (أعمال الرسل 26/18)، وفي الشرق أطلقوا كلمة رسول على تلاميذ المسيح من الجيل الأول، وتعني كلمة رسول بوجه عام وعصريّ كلّ مسيحي يعمل بغيرة على نشر الإيمان وتقدّم إخوته الروحي. (صبحي حموي اليسوعي: معجم الإيمان المسيحي، ص 234).
[34] رسالة بولس إلى أهل كورنثوس : 1/ 3، 4، 19، 31)
[35] دائرة المعارف الكتابية، 20-21.
[36] الشيء الملاحظ أن النورسي يستعمل مصطلحين أحدهما النصرانية وثانيهما العيسوية، وحسب تتبعنا لمنهجه، لاحظنا أنه يقصد بالنصرانية الديانة النصرانية أو المسيحية، أما العيسوية، فيقصد بها شخص المسيح المعنوي، يقول النورسي : " يظهر الدين العيسويّ الحقيقي الذي هو عبارة عن الشخصية المعنوية لعيسى عليه السلام، أي ينزل من سماء الرحمة الإلهية. فيتصفى دين النصرانية الحاضرة، أمام تلك الحقيقة ويتجرّد عن الخرافات والمحرّفات ويتحد بحقائق الإسلام" ( المكتوبات، ص 97)
[37] الإخلاص / 3-4
[38] الكلمات، ص 478
[39] المصدر نفسه، ص 479
[40] يعتقد النصارى أن الله إله واحد لا يتجزأ، جوهر واحد، في ثلاثة أقانيم، الله الأب، الله الإبن، الله روح القدس. (صبحي حموي اليسوعي: معجم الإيمان المسيحي، ص 163)
[41] المكتوبات، ص573
[42] التوبة/31.
[43] المكتوبات، ص 422
[44] حيدر الآملي: جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ط1، ( بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، 2005م)، ص450-451.
[45] الولاية في اللغة الإمرة، زالولاية بمنزلة الإمارة، وتأتي بمعنى القرب والدنووهي ضد العداوة وتتضمن النصرة، المحبة، المتابعة، التقرب والصداقة. ((أبو بكر محمد بن دريد: جمهرة اللغة، ط2، (بيروت: دار الصادر، 1345هـ)، ج1، ص188؛ محمد بن أحمد الأزهري: تهذيب اللغة، (القاهرة: دار الكتاب العربي، 1967م) ج15، ص448-449؛ القاموس المحيط، ط2، (بيروت : مؤسسة الرسالة، 1987م)، ص1732))، والولاية في اصطلاح أهل السنة تدور حول القرب من الله تعالى ومحبته ونصرة دينه ومتابعة طاعته في أمره ونهيه، والإخلاص في ذلك كله، والولي هو الذي يتولى ربه وخالقه بالطاعة، ويتولاه ربه بالحفظ والتأييد والنصرة والمعية الخاصة كما جاء في قوله تعالى : ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يونس /62-63)، فالولي هو كل من كان مؤمنا تقيا، وأفضل الأولياء هم الأنبياء والرسل يتفاضل على خلق بعدهم بحسب إيمانهم وتقواهم، والصحابة أفضل الأمة (ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الله وأولياء الرحمن، ص 102). أما الولاية عند المتصوفة فقد تقاربت معانيها، وتصب جميعها في معنى الحفظ والعناية مع تحصيل الكرامات، ويعرفها الخطيب البغدادي بقوله: " الولاية أن يتولى الله الواصل على حضر قدسه، بكثير مما تولى به النبي صلى الله عليه وسلم من حفظ وتمكين واستخلاف وتصريف." (لسان الدين الخطيب : روضة التعريف بالحب الشريف، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، (الدمام، المملكة العربية السعودية: دار الفكر العربي)، ص519 )، أما الخزّار فيعرف الولاية بقوله : " إذا أراد الله أن يوالي عبدا من عبيده فتح باب ذكره، فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجالس الأنس به، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفه عنه الحجب وأدخله دار الفردانية، وكشف له عن الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو وحينئد صار العبد زمنيا فانيا، فوقع في حفظه" ( أبو القاسم عبد الكريم القشيري: الرسالة القشيرية، ( بيروت: دار الكتب العلمية، 2001م)، ص118). ويعرفها الجرجاني بقوله: " الولي هو من توالت طاعته من غير أن يتخللها عصيان، وهو العارف بالله وصفاته بحسب ما يمكن، والمواظب على الطاعات المجتنب المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات" ( علي بن محمد بن علي الجرجاني : التعريفات، ط1، ( بيروت : دار الكتاب العربي)، ص 329.
[46] إحسان إلهي ظهير: التصوف المنشأ والمصادر، ( لاهور، باكستان: إدارة ترجمان السنة)، ص 126
[47] إحسان إلهي ظهير: التصوف المنشأ والمصادر، ص122.
[48] أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الإدريسي الشاذلي: البحر المديد، ط2، ( بيروت : دار الكتب العلمية، 2002م)، ج7، ص 334
[49] ابن عجيبة: البحر المديد، ج6، ص546
[50] المصدر نفسه، ج 7، ص 389
[51] المصدر نفسه، ج8، ص492
[52] لسان الدين الخطيب : روضة التعريف بالحب الشريف،ص 519-520
[53] أبو المواهب عبد الله الشعراني: الطبقات الكبرى، ط1، ( بيروت : دار الكتب العلمية، 1997م)، ج1، ص68.
[54] المكتوبات، ص 573
[55] المصدر نفسه، ص 573
[56] المصدر نفسه، ص 588
[57] الكلمات، الكلمة الحادية والثلاثون، ص 669
[58] المصدر نفسه، ص 269-270
[59] المصدر نفسه، ص 970-971
[60] المكتوبات، ص 588
[61] الكلمات، ص 573
[62] المكتوبات، ص 589
