واقع الإنسانية في ما بعد عصر النبوة مدخل للحديث عن دور العلماء ورثة الأنبياء
واقع الإنسانية في ما بعد عصر النبوة
مدخل للحديث عن دور العلماء ورثة الأنبياء
أ.د. سليمان عشراتي
المركز الجامعي بالبيّض/ الجزائر
ما كان الله ليضيع مخلوقاته، فيتركهم في هذه الحياة، هملا، بلا هداية علوية قارة، يواجهون المصير ويجابهون المستجدات التي تحدثها المدنيات، وتفرضها المتغيرات الحضارية والتاريخية، وهي في غالبيتها مستجدات ومتغيرات تحدو الإنسان إلى الافتتان بالأهواء، والأخذ بالخيارات السهلة والقرارات الآنية أو غير المتبصرة، الأمر الذي يجنح بالإنسانية إلى الحيدة عن القوامة الروحية والنكوص عن الحق اللذين رُشِّح الإنسان بهما إلى الاستخلاف في الأرض.
عاشت البشرية منذ أن وُجدت على ظهر الأرض محفوفة برعاية الله المجسدة واقعا وعن كثب في ما تعهدهم به من بعثات نبوية وتَنَزُّلاتٍ رسالية، وفي ما ظلوا يتداولونه من تعاليم السماء الموجهة إلى الأرض.
ولقد شاءت الإرادة الالهية - بعد أن سارت بالآدميين نحو استيفاء عوامل القوامة- أن تنهي ذلك النهج من العناية الرسالية المباشرة، فلم تعد البشرية تستقبل نبوءات الهية أو تتلقى كتبا سماوية.
لقد أكمل الله دينه للعالمين في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، واستوفى لهم الهداية، وشاء أن يتركهم يشقون الطريق مسترشدين بكتاب الله وسنة خاتم النبيئين، فهل يعني هذا أن البشرية بلغت حد الرشد والأهلية التي أرادها لها الخالق بحيث اقتضت لها المشيئة الالهية أن تسير مستمسكة بالحق المبين، ومسترشدة بتعاليم السماء التي انتهت إليها بواسطة التنزيل، من غير ما حاجة إلى حضور أنبياء ومرسلين.
بمعنى آخر، هل أن توقف البعثات السماوية يعني أن البشرية قد امتلكت –فعلا-الاهلية التي جعلتها تشب عن طوق التوجيه المباشر، أم أنه امتحان آخر جمعي-بعد امتحان آدم- أراد الله أن يبتلي به البشرية بعد ما حملها مسؤوليتها ومنحها حريتها في التزام الهداية واتباع الرشد في ضوء وصايا الإسلام، باعتباره دين العالمين؟
النبوة مقوم وجود وعامل استمرار وبقاء
وكما زود الله عبده (المخلوق الضعيف) بعوامل القوة وفي مقدمتها ملكة النسيان والأمل.. بالنسيان يتداوى من الجروح والليْعات، وبالأمل يتحدى الموانع والقهريات، كذلك هيأ الله مقوم النبوة، لتضطلع بدور المعلم، وسط كون مغلق الأكناف، مترامي المجاهيل، تغدو مساحات الإيمان فيه بمثابة الفتحات التي تنتشر منها الأنوار في باقي الأركان، بل لقد هيأها (النبوة) لتنهض أيضا بدور السند الوجودي الذي يعطي للحياة والأحياء مبرر الوجود والاستمرار.
النبوة مفتاح سلَّمه الله للآدمي يفتح به المغاليق.. وهي اعتراض على هُوج العواصف التي تمحق الإنسان، جراء عبوره مناطق الاضطراب والقنوط الروحي المتكاثرة على امتداد الطريق.
إن النبوة طوبوغرافية تموقع الإنسان طبق احداثياتها، وبنى مكانة جوارية له مع الأفق الأعلى.
الإنسان المادي العاصر الذي عاش خارج وهج النبوة، يتموضع في المركز، بل هو المركز والأنا المتضخم، المفصول عن الكون، الغافل عن مد علاقة مع القدر، فهو كائن يخبط في الضلالة، يسير مغترا بأسطورة غلبة العلم، مراهنا على العقل الغفل من الايمان ولذلك، ومهما ذهب هذا الإنسان(العقل) بعيدا في التطور، فإنه يرتد إلى ذاته، يعيد سؤال الحيرة لماذا؟ وإلى أين؟ ولا يزال الوجود يتقرح بسؤال الحيرة، وينخذل برعونة الصمت، ولن يجد من جواب شاف إلا في ما قررته النبوة.
النبوة أسطورة في نظر منكري الالوهية، لكنها يقين عند المؤمنين، لأن العقل (الناموس) الذي يسير الكون عقل مآلي بالحتمية، تجددي بالاطراد، وليس عقلا عدميا. فليس هناك شيء من أشياء الكون انبثق ثم انعدم تماما، كل شيء يحيا ويموت ثم ينبعث على صورة ما. والقدرة التي هيأت الوجود بدءا، هي ذاتها التي تهيئ الإعادة قطعا، لأن الانبثاق الوجودي ومفتاحه الإيماني (كن فيكون)، ترتبت عنه صيرورة لا تمضي إلى العدم، العدم معدوم في منطق المؤمن، بل صيرورة تمضي نحو الكمال والخلود، تلك هي مشيئة الله.
النبوة تلقين للتوحيد، وجواب حاسم من الفاعل الاول(الخالق) عن حيرة المخلوقين، إنها المنطق الذي تنسجم معه علة خلق الحياة، لأن العدم وضع عقيم، وفاعل الوجود هو علة الوجود.
وضْعُ ما بعد النبوة في الديانات الكتابية اليهودية والمسيحية والإسلام
تؤمن اليهودية بأن الإله -يهوة- قد أناط مصير شعبه المختار ببعثة المسيح الذي سيعيد الاعتبار والامتياز لبيت اسرائيل، ويرسي دعائمه، ويبوئه المكانة على رأس العالمين، سيدةً، ومخصوصة بأفضال يهوة.
وإذا كانت عقيدة اليهود قد انعقدت على الايمان بمجيء المسيح الذي يلم شعثهم، ويجمع شتاتهم، فإن اليهودية من جهتها تعيش التوقف على صعيد توالي بعثات النبوة، فمنذ يوحنا المعمدان لم يخاطبها يهوة، بعد أن ظل الوسط اليهودي لا يخلو في أي عهد من نبي أو متنبئ، بل وكان الأنبياء الكثر أحيانا يتعايشون في البيئة الواحدة.
ومن جهة أخرى نعلم أن شريعتهم قد جعلت الوراثة الدينية تسترسل في اللاويين، سلالة هارون، فهي السلالة التي تتوارث مرفق الفتوى ووظيفة التشريع، لكن هذا التشريع يخص اليهودية حصرا، باعتبار اليهودية دينا قوميا مغلقا.
إن صِلةُ الأرض بالسماء فيما يخص الشعب اليهودي، موصولة على الصعيد العملي، من خلال الاجتهاد الذي يمارسه كبار الربيين، لكن هذه الصلة لا تتسع لأبعد من شؤون الشعب المختار[1].
والمجتهد اليهودي يمارس وظيفة النبوءة على اعتبار حيازته العلم، أو بكون خبرة أسلافه القدامى انتهت إليه.
ونجد المسيحية من جهتها قد بنت رؤيتها إلى الحياة والمستقبل على هذا المصير الرجوعي الذي سيكون للمسيح المصلوب.
إذ سيعود ابن الله ليقيم المملكة التي يتآلف في كنفها الذئب والخروف، وتحيي المخلوقات الرخاء السرمدي تحت راية يهوة. لكن، وإلى أن يعود المسيح، فإن المسيحية بتقسيماتها المتعددة، تظل موصولة بهيكل المؤسسة الكنسية، أو البابوية..
من جهته الإسلام الذي اختتم حقبة النبوءات، لم يعتمد بديلا مشخصا يحل محل النبوءة، إذ نراه أخلى الأفق بين العباد وخالقهم، ولم يقم سلطة أو وصاية على باب الله، إنما أودع المسلمين الكتاب والسنة، وجعل التمسك بهما تمسكا بالموثق، والحيدة عنهما حيدة عن الموثق، لكنه أسند مهمة عملية وتبليغية للعلماء حين جعلهم ورثة للأنبياء.
خاتمية الرسالة الإسلامية وطدت مبدأ الوراثة النبوية
أحوال كثيرة وأعمال عديدة طفق يجسدها المسلمون منذ فجر الإسلام، تعكس معنى الوراثة وحقيقتها، من ذلك مثلا وثبة سيدنا أبي بكر الصديق في التصدي للردة، وتصفيتها بكل الوسائل، رغم الرجاحة العددية والتفوق المددي الذي كان للمعسكر المرتد.
لقد كان الباعث على تلك الوثبة هو الإيمان بالحق، والتصديق بالرسالة، والائتمان عليهما، وكلها عوامل تدفع إلى تفعيل مبدإ الوراثة المعنوية، وإعمال ركن المسؤولية التي تجعل المسلم يفتدي الوديعة المحمدية، بكافة أنواع التضحيات، والذود عنها بكامل البسالة، وذاك ما قام به الصدِّيقُ، ما أن رأى قوى الشر تنقلب على وديعة النبي: الإسلام الحنيف.
وقل مثل ذلك عن جملة أعمال للخلفاء الراشدين والصحابة الميامين، إذ لبثوا يتصدون للوقائع والمستجدات بروح الوراثة الايمانية، وطفقوا يعالجون الطوارئ والاشكالات بإحساس المسؤولية الشخصية، والاخلاص الباتِّ، معولين على ما أنشأته فيهم تربية الرسول، وملازمة القرآن، من روح تماهوا بها في الإسلام قلبا وقالبا، بحيث أضحى الإسلام مجسدا فيهم، وأضحوا هم مجسدين في الإسلام، سواء بسواء.
لقد واجهوا الحياة بقلوب عامرة بالإيمان، وصنعوا المآثر والفتوحات بما اكتسبوا من اقتدار قرآني، وظلوا يتجاوزن المعضلات بالاجتهاد والاستخارة، ويمضون إلى العلا بما تمليه عليهم التسديدات القلبية، فكانوا بكل ذلك الإخلاص وارثين، الحائزين على المكرمات..
يقول النورسي:
"إن الصحابة الكرام والتابعين وتابعي التابعين (رضي الله عنهم) ممن لهم أرفع المراتب، وحظوا بالولاية الكبرى، قد تلقت جميع لطائفهم حظها من القرآن مباشرة، فأصبح القرآن لهم مرشدا، حقيقيا وكافيا، وهذا يعني ويدل على أن القرآن مثلما يعبر عن الحقائق في كل زمان، فإنه يفيض بفيوضات الولاية الكبرى إلى من هو أهل لها في كل وقت"[2].
لقد مكنهم التواصل الروحي العميق مع الإسلام، أن يظهروا كل ذلك القدر من المحبة والتعظيم للنبي، فعاشوا بعد ارتحاله صلى الله عليه وسلم إلى بارئه عز وجل، وكأنهم لا يزالون في حضرته، يستنون بسنته، ويقتدون بقدوته، فكانت من ثمة وراثيتهم الروحية والمعنوية لشريعته.
لقد لبثوا طيلة العهد الذهبي (زمن الخلفاء الراشدين) موصولين بسنته، يأتمرون بأوامرها ونواهيها، بحيث ظلت في النوازل هي حاديهم إلى اليُمْن، ودافعهم إلى الخير، ومسددهم إلى النجاحات، الأمر الذي أثمر تلك الاحوال من التوفيقات والبركات على صعيد الفتوح المدنية، والانجازات الهيكلية، والاجتهادات التشريعية..
وحتى تلك الاجتهادات التي جانبت السداد، كانوا فيها من أصحاب الأجر الواحد، إذ كان حاديهم هو تحصيل الخير.. لقد سدد بعضهم -كما يقول النورسي- بمقتضى العزيمة، وبعضهم الآخر بمقتضى الرخصة [3]، فكان من ثمة ذلك الخلاف بينهما، لكن الأجر موصول لذا وذاك، بالنظر إلى أن الخلاف لم يكن على الهدف الإيماني، وإنما كان نتيجة اختلاف زاوية النظر بينهم، وتفاوتٍ في التقدير.
ولقد تصرمت العهود على أمتنا، وهي لا تجد طريقا للتجدد والانبعاث من رقدات الانحطاط التي تكبس عليها، إلا بالعودة في كل مرة إلى دينها.
ودور علماء الأمة وربانييها، ثابت في هزهزتها، ودفعها إلى الحركة والحياة، كلما غيبها الوهن.
لماذا الوراثة النبوية؟
لا ريب أن من شأن تمادي الزمان أن يراكم الشوائب على نصاعة وجه الشرائع، ولما كان الإسلام، دين سيدنا محمد، هو خاتمة الاديان، وأن نبيه هو تاج الرسل ومسك ختام سلاسل الأنبياء المبعوثين إلى هذه الأرض، كان من الحكمة الالهية أن هيأ للأمة –والإنسانية- ما يضمن سدادها عبر الأزمان والدهور، إذ أودعها كتاب ربها وسنة نبيها محمد (ص)، وأضفى على العلماء الصالحين صبغة الوراثة الروحية (العلماء ورثة الأنبياء).
فالوصي الروحي المؤتمن على الامة-بعد النبي- هو الكتاب والسنة، يضاف إليهما العالم المجدد الذي أعلن الرسول الكريم أنه يبعث على رأس القرن.
ذلك أن الكتاب والسنة على عهد البعثة ونزول الرسالة، إنما تجسدا في كيان حي هو شخص النبي، وبرحيل شخص النبي بقيت ريادة الأمة وقيادتها الروحية والشرعية منوطة بالكتاب والسنة، ولَمَّا كانت عُرى الإسلام في النفوس عرضة للتراخي أو يلحقها الفتور والخفوت بمرور الزمن، كانت الحاجة ملحة إلى ضمان بعثها في القلوب دوريا، وإحياء جذوتها في النفوس مرحليا، من هنا كانت أهمية الامام القرني مجدد الشريعة الذي أشار إليه الرسول (يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد للأمة دينها أو كما قال عليه السلام).
ومما لا ريب فيه أن الشخص المَعنِي بتجسيد هذه الإناطة الجليلة والجسيمة لا يكون إلا عالي الطراز، مستوفيا لفضائل روحية ودعوية ترقى به إلى الجدارة التي تؤهله لأن يمثل صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، وأن يكون بحق وريثه الروحي والشرعي.
بوظيفة التجديد تستمر الوظيفة النبوية المعنوية التي يمضي العلماء الربانيون في النهوض بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، (العلماء ورثة الأنبياء)..
وإن معنى استرسال الوظيفة النبوية بعد أن سد الله باب البعثات السماوية، لا يدل إلا على اكتمال الناموس للعالمين، وانفتاح الأفق في وجه الإنسانية كي تعيش الحياة المكرمة بالإيمان، ضمن حدود الإسلام..
فبانقطاع البعثات، تكفل المولى –عز وجل- بضمان أسباب التنوير والهداية السماوية، فأسند للعلماء الكُمَّل، باعتبارهم ورثة الأنبياء، مهمة تجديد الدين، إذ بتجديد الدين تنضبط وتائر الحياة، وتطرد المسيرة البشرية على ايقاع شرع الله السمح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
من هنا يتبدى استمرار صلة المسلمين والإسلام بالله، إذ لا يخلو قرن من ظهور مجدد، يستظهر ويقرأ الرسالة بما يقتضيه التقادم وكرور العهود وتبدل الاجيال، من تجلية وتغطية شرعية تثبت الاصول، وتدمج التفريعات والمضمومات في موقعها من الكليات.
من يتصدى للاستشراءات والشذوذات والكبائر بعد انقضاء عصر النبوة؟
لا ريب أن حديثنا عن النبوة اليوم هو حديث في التاريخ، وقد تغدو أهمية موضوع النبوة راجحة إذا نحن عاينا صلة هذه الآلية العلوية التي انحسرت ظلالها عن عالمنا الأرضي منذ خمسة عشر قرنا، وربطناها بواقعنا الروحي والمدني اليوم بعد تصرم كل هذه القرون.
وإذا كنا نرى أن الفكر الحداثي السائد بالبلاد التي تزدهر فيها التكنولوجيا والعلم التقني، قد زحزح الدين إلى خارج دائرة الجدِّيات، فالمؤكد أن الشعور الإنساني حتى في تلك البلاد، ما زال يبدي من أحوال الاستجابات الروحية ما يثبت غيبية الإنسان.
هناك ظواهر ولدها واقع اللاإيمان، نراها تتسع، منها مثلا ظاهرة حرق الجثامين في المجتمعات الغربية التي جرت أحوالها منذ القدم على دفن الموتى وتخصيص المقابر لهم.
لا ريب أن عملية الحرق هي تدبير ثقافي أفرزته وضعية اللاإيمان التي أحدثتها توجهات الفكر والثقافة والتعليم المتبع في دول شتى من بلاد الغرب، بل وفي بلاد كثيرة من العالم.
وإنها ظاهرة تندرج ضمن تحولات انتكاسية متزايدة، لا تفتأ تتكاثر تبعا لإمعان المدنية الراهنة في خط سيرها المبتعد عن الدين.
إن حرق الجثة هو امتهان للآدمي الذي لا تنتهي تكريميته بمجرد الوفاة كما ينص الدين.
وإنه امتهان يترابط مع امتهانات أخرى ناتجة عن ترديات لا تحصى (منها زواج المثليين[4]) تولدها مدنية العصر، كانت حرية لو أن العصر عصر نبوءات، بأن ترى السماء تتدخل لردعها ورد الأمور إلى نصابها من السداد.
وواضح أننا نلمس -حتى في هذا المستوى من اللاإيمان- حيرة بَعدية، وقنوطا وجوديا، وصبغة روحانية لا تؤكد إلا أن مرور الكائن البشري بمرحلة الحياة إلى الموت، ما هو بالحادثة الغفل والمجردة من الغائية، وإنما هو حادثة لها بعديتها ومآلها الاستمراري ومستقبليتها الغيبية وكل ذلك ألحت على التدليل عليه النبوة.
إن ما يروج اليوم في وساط الغرب من تبني خيار حرق الجثمان ورمي رماده أو خزنه، أو ما شاكل ذلك، لهو ظاهرة تحمل خطابا روحيا يريد المعني صاحب الجثمان أن يعبر عنه.
قد يكون وراء الظاهرة سبب لاقتصادي[5]، قد يكون لمجرد التأثر بالظاهرة على اعتبارها معطى من افرازات ثقافة هذا العصر المادي. قد تكون تعبيرا من تعبيرات العبث التي تصطبغ بها مساحات من حياتنا المعاصرة..
لكن المؤكد أن الظاهرة تنطوي على حقيقة صادمة موصولة بما يعيشه الإنسان اللاديني من انسداد روحي يلح عليه إلى ما بعد الموت.
ترى ما عسى الإنسانية أن تفعله إزاء هذه الانحطاطات التي بات فكر العصر ينافح عنها، ويحمل العالمين على اعتناقها حملا؟
ما البديل الفعال عن مرفق النبوة الذي كان في الازمنة القديمة ينهض بالتقويم والتسديد وإعادة الأمور إلى نصابها؟
لا ريب أن مهمة كل هذا تعود إلى العلماء العاملين.
ولا ريب أن أمتنا الإسلامية الحاملة لدين الله إلى العالمين، قد نكبت في هذا الزمن ولا زالت تنتكب في عقيدتها وكرامتها وفي وجودها وأوطانها، الأمر الذي يجعلها في نظر ذاتها ونظر العالمين أمة بلا شأن، بلا حول والا طول، عاجزة عن تحصين ذاتها، متخلفة في الفكر والبصيرة عن أن تفعِّل كتابها ومقومات الوقاية لديها، فهي من ثمة تتلقى التدنيس بدل أن تنهض بالذود عن نفسها وعن العالم بما أُأْتُمِنَتْ عليه من مأمورية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إن القرآن أَحَلَّ المسلمين (وهم من أجناس الأرض كلها) بحيث ينوبون في دور نشر الصلاح والاصلاح عن النبوة.
ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمدت صف العلماء الربانيين للنهوض بأمر الكتاب والسنة، أي بوظيفة النبوة، بعد انقضاء نهج البعثات السماوية إلى الأرض.
ولقد ظلت أمتنا تشهد على مدى قرون الانحطاط المتعاقبة، ظهور ربانيين، أوفوا حق النيابة عن رسول الله بما قدموا من خدمة للامة، وما نهضوا به من منافحة عن الإسلام.
ولا ريب أن من طلائع من أوقف حياته على المدافعة عن الإسلام والمسلمين في عصرنا الراهن، الامام النورسي.
العصر الراهن تنفتح فيه الطريق أمام الوراثة، وتضحى الولاية[6] وظيفة بعث واِحياء، تتجسد كراماتُها على أرض الواقع
الوراثة تجسيد للاستخلاف، فالعالم الداعية المجدد، هو خليفة النبي في الوظيفة الترشيدية، والجماعة الصالحة قد تكتسب من الرجحان الشرعي ما يسمو باجتهادها إلى مرتبة العصمة والتوفيق، لأن يد الله مع الجماعة، والعالم المجدد هو –بالفعل- مجسد للوراثية، فحضوره بمثابة المعادل الموضوعي لحضور النبي الخاتم الجامع المبلغ لرسالة الختم الجامعة . ومهمته النداء والحداء بالأمة كي تتواثق من جديد مع العقيدة، وتحيي تعاليمها كما تجسدت على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ولقد حاول النهوض بمهمة الوراثة في بعض أطوار الأمة، صفٌّ ممن أصطلح على تسميتهم (أولياء)، إذ كان التمحيص الذي عرك الأمة شاقا، بحيث لبثت تستمد أسباب الاستمرار من جهة مظان الاعتقاد في الولاية وفي كرامات متقمصيها، أحياء وأمواتا، عن صدق أو زيف، منزلقة في نهاية المطاف نحو الاسطورة، في غفلة عما يكمن في الدين من قوة مثورة، ومسددة..
وإذا كان عصرنا الراهن قد تجاوز بفكره وثقافاته مقوم الولاية كما ظلت أجيال العصور السابقة تتمثلها وتعتنقها، فلا ريب أن مفهوم الولاية لم يلغ من ضمير الأمة ومن واقعها، إنما أخذ مدلولا آخر، وانبنى على وظيفة غير التي كانت له.. فالعمل المثمر الذي ينهض به الداعية القرآني، حين يستوفي حظوظ المقبولية الإلهية، يحوِّلُ القائمَ به إلى مصباح نور، وإلى رمز ومرجعية، يجتذب الجموع بلا هرج أو مرج، يلمسون في رحابه البركات، ويستقون من ينابيع ما يدلل عليه ويدعو إليه الفيوضات والخيرات، وهو ما تجسد في سيرة النورسي ومن سار على نهجه.. إذ طريق الوراثية مفتوح في وجه الأفذاذ القرآنيين، فهم العلماء ورثة الأنبياء الذين لا يخلو منهم عصر.
النورسي العالم المجدد الوارث.
حديث النورسي عن تجربته الدعوية وجهاده الأليم، يتضمن الحديث عن حياة العالم المجتهد الوارث لمأمورية التبليغ.
وإذا كان النورسي قد لبث ينعت نفسه بدلال القرآن وخادمه، فلا شك أنه كان يعبر- تحت هذه الصفة- عما يجد من رحابة وانعتاق وتحرر كان يستمدها من تلك الصبغة النورانية التي ميزت علاقته بالوحي وبآيات المنزول القدسي.
فبطفوح أعماقه بأنوار القرآن، اكتسب تلك الصفة المفارقة التي يجدها المؤمن حين تعرج به الحقائق الايمانية إلى مقام اليقين، صفة قوامها الخشوع والعبودية التي لا شائبة فيها حيال الله من جهة، والقوة والعزة والتأدب في التواصل مع سائر المخلوقات من جهة ثانية، بحيث يمحي من نفسه كل اعتبار آخر يخالط ما استقر في نفسه للخالق من عظمة وسلطان مطلقين.
يقول النورسي في المكتوبات:
خادم القرآن الصادق، مهما كان من عامة الناس، إلا أنه يبلّغ أوامر القرآن الكريم باسم القرآن نفسه إلى أعظم إنسان من دون تردد ولا إحجام، ويبيع جواهر القرآن الثمينة جدا لأغنى إنسان روحا بافتخار واعتزاز واستغناء، من دون تذلل وتوسل.
إن هذا الاعتداد الذي يرْشَحُ من هذا التصريح، إنما يعرب عن حال وطيدة من الرسوخ كانت روح النورسي تستشعرها في علاقتها بالقرآن، إذ كانت تلك الروح بمثابة الشجرة المنغرسة في أرضية التنزيل، تتبادل معها الحماية والتماسك ومقاومة الانجراف. لقد كان النورسي يتفاعل مع القرآن وينفعل به على نحو ما يتفاعل الوارث بإرثه والوصي بوديعته.. لا غرو في ذلك، فإن النورسي كان على إدراك عارم بمسؤولية القرآنيين إزاء الأمة والملة، وبخطورة ما أوجبته عليهم منزلتهم بوصفهم علماء ورثة الأنبياء.
ولأنه كان يوقن بأن روحه قد تشربت روح القرآن، فقد مضى يحكم رابطته مع القرآن في ضوء ما يقتضيه الإيمان والطلائعية من واجب النهوض بالوصاية والحماية والاحتضان الأمومي للقرآن.
الوراثة الروحية
ومن الثابت أن الوراثة الروحية تظل في وظيفتها الترشيدية لصيقةً بالمصدر الأم، لا تتجاوزه، فوراثة النبوة تعني أن هناك داعية استوفى على نحو صميم، قوامة الاخلاص والصديقية، وتأهل لأنْ ينهض بمسؤولية تلقين الشرع، وإحياء العقيدة، وحفْز الناس إلى أن يوطدوا صلتهم بالدين، وكل ذلك يتم عن طريق بعث روح تمثل التعاليم الأصلية، كتابا وسنة، وتعزيز ثقافة الاهتداء بالسنة، والنظر بمنظارها، فاتِّباع الكتابِ باعتباره المعين القدسي الفياض، والاهتداء بالسنة بوصفها الترجمان الأمين للقرآن، والعمل الدؤوب على جعل تلك التعاليم تمضي في سكتها القويمة كما أرساها الخالق لعباده، وبلغها النبي الكريم، وتلقاها عنه المؤمنون، كل ذلك هو السبيل الذي يتوخاه المجددون، ويسلكه الوارثون، ويتشبث به الصديقون..
إن هذا النهج الوراثي قد التزمه النورسي، واستمر يكافح جراءه بلا هوادة، ضمن ظروف متناهية التمحيص، إلى آخر نفس من العمر، فكان لجهاده من الثمار والتوفيقات ما بوأه مقعده في صدارة الأعلام الوارثين.
تفيدنا وقائع سيرة النورسي -باعتباره المجدد لعصره، والعالم الذي عمل على إحياء الملة في مرحلة الانكساف الديني الذي عرفته بلاده خلال أطوار القرن العشرين- أن القدر قد أهله لتبوإ المرجعية بما مَنَّ عليه مِن نبوع وتوفيقات جعلت منه رجل القرن والإمام المجاهد الذي لم يبعث العقيدة ويعيد زرع قواعدها في المجتمع التركي فحسب، وإنما جاهد جهادا مريرا وضحى بالعمر كله، منافحا ضد مخططات اجتثاثها من أرض الوطن كلية، واستبدالها بعقيدة الضلال والكفر واللادينية.
تتجلى تلك القدرية في تفاصيل حياة هذا الفذ وكلياتها، فعلى قدر ما كانت تمحيصية المجتمع التركي في مضمار إبعاده عن الدين والملة، درامية، بقدر ما كانت حياة النورسي غاية في التحدي والبسالة والافتداء، الأمر الذي يجعل منه أروع داعية عرفها القرن العشرين وأبرز من تجسد فيه نموذج الوراثية.
ظلت الأذهان في ما سلف من عهودنا الإسلامية، تتمثل العالم المجدد الذي أشارت إليه التبشيرة النبوية المعروفة (يبعث على رأس كل قرن من يجدد لها دينها...) على هيئة فقيه مستوعب للشريعة، باذل لتعليمها وقواعدها في الاوساط، متصدٍّ بالتأليف والاجتهاد إلى حل العالق من القضايا والمستجد من النوازل الفقهية، منشط للوضع الحضاري الخامل، وزارع لبذور من الاِحياء والانعاش الروحي بين المسلمين.. لعلنا نستحضر سيرة الغزالي في هذا الصدد.
وقد يرتفع سقف العطاء، فيكون المجدد استشهاديا يبذل روحه بما يتصدى للاعتراض عليه من بطش السلاطين، أو جور الحكام، ومنعهم من تغيير أحكام الله ..
فمهام المجددين راوحت على مدار العهود، بين المطلب التنويري، الاحيائي، وبين التضحية ورفع لواء الجهاد.
لكن تجربة النورسي تجاوزت كل هذا، لأنها ظهرت في عصر تصدت فيها المدنية المادية بكافة أقطارها وعالمية أوزارها الافكية وافرازاتها الفلسفية والعلمية والايديولوجية تناهض الدين، وتلغي مفهوم الربوبية الروحية إلغاء باتّاً، لا هوادة فيه.
لقد اقترنت النهضة الغربية وفتوحاتها العلمية والمعرفية، بهبوط أسهم الديانات في بورصة الفكر التقدمي، فتظاهرت الفلسفات والايديولوجيات المادية واتحدت على ضرب الدين واستئصال القابليات الروحية في المجتمع والإنسان، ومضت هذه الروح الجحودية تتجذر مع الزمن، ثم سادت بحيث باتت اللادينية هي دين النخب وقناعة الماديين.
لقد عزز وجهةَ الكفرِ، وروَّجَ للإلحاد عالميا، ما حققته البشرية خلال القرنين الماضيين من ألوان التقدم المادي المطرد، إذ أن نجاحات الإنسان في حقول التجهيز التقني والمدني والتجريب العلمي والتكنولوجي، أنسته الله، فأعلن عن موت الخالق، وألَّه بدله المخلوق، ثم - وبتسارع المكاسب المدنية- زاغ الإنسان كَرَّةً أًخرى فأقصى ذاته، واستهان بالمكارم الإنسانية، وخنع للآلة، وانسلب بالغرائزية والسطحية، وازداد نكوصه فغرق أكثر في الحضيضة، وأحاط به الخواء -أو أوشك- من كل جانب، وسادت عالمه التشييئية، فكان على إنسان هذا العصر أن يسير صوب الطريق المسدود.
ضمن هذا التهديم العالمي الشرس للدين، وجد النورسي نفسه يشهر سيف الروح، ويتصدى لرياح حضارة مادية آمنت بأن رهاناتها في هذا الكون تعول على العقل الحسي وحده، وراحت تعمل على (تحرير) الفكر والعقل أو تنفيره من كل نزوع روحي، روحاني، مرتدة بالإنسان من آفاق الطمأنينة واليقين الديني، لتربطه بالأرض وبالمادة، قاطعة صلته بالسماء.
لم يحارب النورسي الردة التي اجتاحت وطنه وعصفت بمجتمعه، فحسب، بل حارب عالم الكفر الذي كان يمد المدنية المعاصرة ودوائرها العلمية والسياسية والاجتماعية بمدود الفكر الفلسفي المادي، ويزودها بالقيم الجحودية والمثل الغلف .
كانت طوائف الالحاد -وما أسرع تكاثرها في مراحل الزلزال الروحي والعمى العقدي- تتلقى بصورة مطردة أحدث نظريات الكفر، وأجد تقليعات الزندقة، فكانت تربة الإيمان تتغذى باطراد من مياه صرفٍ امتدت شبكاتها تسقي الأرض، وتنبت ثمارا يانعة المظهر، لكنها تنشر الأوبئة الفتاكة.
كان جهاد النورسي يتصدى لمواجهة كفرية شاملة تستند على تحديثات جهنمية في مجال التخريب الروحي، وتعززها مكاسب مادية تبهر على الدوام، وتسلب الالباب.
في ذلك المنحدر الخطير الذي تردت فيه الجموع نحو هوة اللا اِيمان، رابط النورسي الاعزل إلا من الايمان بالله، إذ كان على يقين من أنه ينازل الفكر الضلالي العالمي، ويسدد له الضربات بروح واثقة من وهن ايدلوجيات الافك، وتهافت حجتها أمام صرامة سلاح القرآن، الأمر الذي قوى فيه روح الصمود، وجعله رغم الاندحارات الفادحة، يخرج من المنازلة منتصرا.
كان جهاده يتوخى قصم ظهر الكفر العالمي، لأن الزنادقة من أبناء الملة كانوا يتسلحون ويتجهزون ويتلقون الدعم من الدوائر اللادينية العالمية، دوائر بينها وبين الدين عامة، والإسلام خاصة، عداء شيطاني، لذا مضت تلك الدوائر تزود فلول الكفر في المجتمع التركي بكل سلاح فتاك، وتمدهم بكل منهج مغرٍ، وكل وسيلة تنفير..
كانت المدرسة توجه إلى الكفر معتمدة النهج اللائكي الذي كانت السلطات التركية تتهافت على استيراده بغباوة منكرة من بلاد الكفر، وكانت الثكنة تلقن العداوة للدين، وتخرج الجندي الذي تأهل لأن يرابط مقاوما للدين، معاديا له بسبق إصرار. وكانت الجمعيات المدنية، لاسيما قطاعات المرأة المتفرنجة، تحث الخطا بالمجتمع على طريق التحلل والغواية. وكانت السياسة تمارس لعبة السحرة، فلا تزداد الامة بخططها إلا تغربا وضياعا.
كل ميكانزمات المجتمع اتجهت بالأمة صوب الانسلاخ عن الدين، وازداد الملاحدة الماسكون على المقادة حقدا على الإسلام، فجففوا المجتمع من الدعاة، ومن المتدينين، ولم يتركوا من متنفس للناس إلا منابر رثيثة احترف فيها وعاظ مقيدو الحرية أو مصطنعون في أكثريتهم، ترديد تعليمات اللائكيين، الأمر الذي انعكس بالسلب، وجعل المساجد تعيش البوار بدورها، وتكاد تخلو إلا من أفراد شاخوا فقبعوا ينتظرون لقاء الله.
إزاء هذا الواقع الارتدادي الذي تحولت فيه تركيا مصبا لسيول مسخة من فكر الضلال، نهض النورسي، لا يجدد الدين فقط، وإنما يعيد غراسته بعد أن جدَّت الايديولوجية في إزالة رسومه من المجتمع، بل لقد راح إلى ذلك يقتلع عقيدة الكفر ذات الجذور الوطيدة في الأرض، الموصولة بمجتمعات الكفر وبمنابع الالحاد في دول الغرب والشرق معا..
النورسي جدد مفهوم الوراثة
جدد النورسي في مفهوم الوراثة، إذ كان عراكه ضد نبوءات إلحادية تلقت التلبية من كل آفاق الأرض، نبوءات استطاعت أن تغافل العالم، وأن تطرح نفسها أمام العالمين على أن علمها (الديالكتيكي، الصراعي) هو علم اليقين، بل وعين القين.
دحر النورسي وخذل متنبئة العصر ماركس ونظراءه داروين وفرويد وآخرين، وزاد معهم زمرا من رموز الكفر وأئمة التفاهة وأذيالهم وفي سائر الآفاق.
لقد ظل النورسي يقر أن انجازه للرسائل، إنما كان من توفيقات الله ومننه التي لم ينعم بها عليه وحده فحسب، وإنما أنعم بها على المجتمع التركي والأمة قاطبة[7]..
بل لقد رأينا النورسي يكثر من القول بأن الرسائل كانت من خطرات ما ظل القرآن يلقي به إليه في رباطه الجهادي، فليس له منها –كما يتصور- إلا أوجاع التلقي.
والحقيقة أن الرسائل كانت كلمة قرآنية نورانية عجيبة الفعل، وفق الله النورسي أن يدوي بها في عصر احتكر فيه أولياء الشيطان صهوة المنابر، وأخرسوا صوت المآذن.
ولقد تحمل في سبيل تحريرها عناء كثيرا وأسى منهكا وحسرات مدمرة، جراء ما كان يراه من فجائع ومنكرات تستهدف الأمة في دينها وعقيدتها وانتمائها.
"إن الحقائق والمزايا الموجودة في (الكلمات) ليست من بنات أفكاري، ولا تعود إلي أبدا، وإنما للقرآن وحده، فلقد ترشحت من زلال القرآن.. وكذلك الامر في سائر الرسائل بصورة عامة"[8].
أجل لقد طفق يؤكد هوية الرسائل ونَسَبِها القرآني الالهامي، إذ بحسبه أن تأليفها حصل بطاقة خارجة عن إرادته، ومُكْنَةٍ لم يعهدها في نفسه، في ما سلف له قبلها من تأليف. يقول:
ولو بلغ صوتي أرجاء العالم كافة، لكنت أقول بكل ما أوتيت من قوة: إن (الكلمات) جميلة رائعة، وإنها حقائق وإنها ليست مني، وإنما هي شعاعات التمعت من حقائق القرآن الكريم، فلم أجَمِّل أنا حقائق القرآن، بل لم أتمكن من إظهار جمالها، وإنما الحقائق الجميلة القرآنية هي التي جملت عباراتي، ورفعت من شأنها، واستنادا إلى قاعدة:
وما مدحت محمدا بمقالتي ولكن مدحت مقالتي بمحمد.
لا ريب أن علم النفس يشرح هذه الاحوال التي يستشعرها أهل الموهبة إزاء روائعهم، إذ هناك حد من الابداع، إذا ما تجاوزته القريحة من حيث التفنن، فإنها حتما تنكر نفسها ولا ترى وجها لعلاقتها العضوية معه.
زد على ذلك فإن طبيعة التنسك وروح الفناء التي تميز أهل الذكر وأرباب القلوب، وهم يكابدون بفكرهم القضايا الكبرى، ويهضمون بقلوبهم الخواطر والتمثلات )الما-فوقية(، هي التي ترسم تلك المسافة التي تفصل المبدع عن ابداعه، أشبه بالبطل في الميدان حين يحمى الوطيس، فهو لا يعيش خوارق الاستبسال إلا على نحو روحي، وبغياب ترجح به كينونته، فهو فرد لكنه من حيث القوة والفتك بمثابة مائة.
هكذا كان النورسي يدخل المعركة من رحاب القرآن، يخطو إلى الساحة منجذبا، بلا عدة ولا سلاح، ويقتحم الصفوف فيبلو فيها البلاء الباهر، وما يلبث أن يغادر الميدان مثقلا بالجراح والغنائم، لا يدري كيف تحصلها، ولا الكيفية التي ذارع بها الأقران.
مبدأ (وعلم آدم الأسماء كلها) يتكامل مع مقاصدية ارسال الرسل وبعث الأنبياء
هيأت العناية الالهية الكون، وأثثته بكل ما يضمن الوجود الكريم، وتعهدت الكائن البشري فصاحبته في رحلة الحياة الدنيا من خلال تواتر الرسل والرسالات التي تدرجت بالبشرية من طور الفطرة والسذاجة، إلى طور الرشد واستكمال القوامة المهيئة لتأدية وظيفة الاستخلاف في الكون.
لا ريب أن أول مظاهر الاستصحاب الرباني قد تجسد في تلك القابلية التحصيلية التي جهز به الآدمي ليكون مخلوقا يتعلم ويترقى إلى الكمال، وذلك ما عبرت عنه آية ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ [9].
إن هذا التهييئ الفطري للتحصيل وكسب المعرفة، هو أبرز ضمانات التسديد التي حصن الله بها عباده الآدميين من التهمج وملازمة طور البدائية. فقابلية التعلم المركوزة في الإنسان هي الجسر الذي مر من فوقه المخلوق البشري من التمرس بالمعرفة الأرضية إلى تلقي الاستنارة السماوية، ومن تلقن العلم التجريبي، إلى التزكية بترشيدات الله وتشريعاته.
من هنا يمكن القول إن جزءا من كُنْهِ النبوة قد أودعه الله في روح الآدمي مبدءا[10] حين جعله قادرا على الاستئناس إلى شؤونه بالغريزة والفطرة (وهديناه النجدين)، ثم باستلهام حس التمييز لديه، قبل أن ينتهي إلى طور الاستهداء بواسطة الترشيد العلوي الذي تحقق له عن طريق تتابع مسلسل البنوءات ونزول الرسالات.
ليست النبوة إلا فاعلية موضوعية يهيئها الله للعباد من خلال شخص النبي المرسل، ليرتقي بهم في سلم المخلوقية، ويربط الصلة بينهم وبين الخالق، فتضحى تعاليم السماء هي الصِّوَى والمعالم التي تهدي إلى رحاب الايمان.
إن دور النبوة في تزكية الكائن البشري قد عزز دور الجبلة التي فطر الله العباد عليها، والتي ظلوا بها يجنحون إلى التسامي الروحي، والتفتح على المعاني العلوية، والإشارات الترميزية المحيلة على الما-فوق، والبحث عن القداسة، والسعي للتواصل مع الغيب.
هناك استعداد ادراكي في النفس يتناغى مع سيمـياء الكون، ويتجاذب مع مظاهر الجلال والجمال فيه، وذلك هو سر تقاطب الروح مع ما تكتسي به الطبيعة وعوالم الهيئة من تجليات أسماء الله الحسنى.
وإن الوثنية هي مرحلة ارتباك وحيرة، ضلت فيها الفطرة عن الرُّسُوِّ على قاعدة التوحيد.
فالإنسان الاول نزل مزودا بشرط الاستعداد الإيماني الذي أودعه الله فيه من خلال مقوم الروح (فنفخنا فيه من روحنا)، ثم تعهدته الرحمة الالهية تنويرا وتوجيها بواسطة تعاليم السماء التي طفق الأنبياء يتلقونها من خالق الكون، ويبذرون نَواها في المحيط من حواليهم، تهيئة للأرض أن تستظل بظلال الايمان.
لابد أن يكون مضي الحقب قد ترك أثره في الكون وعلى الإنسان، ولابد أن عرى الايمان في الروح جراء ذلك الاسترسال في الزمن، تَرِقُّ وتدق، فمن شأن الاستنامة للغفلة وافتقاد المنور أن تزيل الباعث الروحي، ولكن استعداد التحنف ظل حيا في الآدمي، من هنا ظلت مكامن الايمان تحدوه إلى الارتباط بالمافوق، فلذا استمر ينشئ مراسم التعبد ويبذل القربات إلى آلهة الشرك، دون أن يفلح في تحصيل السكينة لوجوده، ودون أن يوفق إلى السمو الكينوني، إذ عاش عبدا للطبيعة التي استلبته، فلم يحسن تفهم عناصرها، ولا أدرك الرابطة التي تربطه بالأشياء من حواليه، فما خاف شيئا أو توهم فيه قدرة ما إلا ألقى عليه من مشاعر الإعلاء ما ألقى، فلذا عاش متواصلا –وهْماً- بآلهة وأنصاف آلهة، وبأرواح اعتبرها(خيرة) وأخرى شريرة، ومضى يوطد معتقداته في أشياء الكون ومعطيات الطبيعة المحيطة به، فازداد رغامه الروحي والنفسي، وبدل أن يكون سيد الكائنات، راح يعبد الحيوان ويعبد الجماد، فبذلك تبوأ الحضيضية في سلم الموجودات.
لا ريب أن نزوع الإنسان إلى الوثنية نزوع لا يخلو من ايجابية على اعتبار أن المحرك له على ذلك الطريق الذي اندفع يبحث فيه عن الربوبية، هو محرك جِبِلِّي، لا ينفك عنه المخلوق الإنساني، حتى أنه ليمكننا القول إن المؤشر على العقل عند الإنسان دون بقية المخلوقات، هو هذا النزوع إلى الايمان الذي يميز الإنسان عما سواه، من هنا نرى أن الوثنية استجابة روحية تحمل في جوهرها حس العبْدية، فهي من ثمة استعداد ايماني ايجابي، لولا أنها وقعت في الوحل، بإيمانها بالمخلوق (المؤله) بدل الخالق، من هنا كانت الوثنية ضلالا اقتضى أن يبدد الله ظلماته، فهيأ الأنبياء والرسل لتقويم تلك النوازع السلبية في البشر، ولتحويل تسفلهم إلى هداية، وجهالتهم إلى علم، وتعدديتهم المعتقدية إلى توحيد، وروحيتهم التشييئية إلى إعلاء وتنزيه.
ومن هنا أيضا يمكن القول إن التحنف في مستوياته البكر (المخاضية)، هو وثنية لا إرادية، لأن الروح يستغرقها في تلك المرحلة البحث عن الله العلي القدير، فهي لتعطشها إلى الايمان بالله القدير، لا تفتأ تسقط معاني الالوهية على مظان كثيرة، في كل مرة تعتقد أنها وجدت الإله الحق، وإن تجربة سيدنا ابراهيم لتعبر عن هذا القلق الإيماني في مراحل الارهاص، وعن هذه الإرادة الجارفة المتطلعة إلى الرسو في مرسى التوحيد.
فهي (الوثنية) من ثمة، انسياق إلى العبادة وإلى الاعتقاد في الخالق، غير أنه انسياق لم يستهد إلى السبيل الصحيح.
بل إنها ترجمان عملي وروحي يُعبِّر عن اعتمال تلك النفخة من روح الله المودعة في كيان الآدمي، في بحثها الفطري عن الانبثاق والتواصل مع خالقها، عز وجل.
إن الاستجابة التي يقابل بها العبد دعاء الأنبياء المرسلين إلى الايمان بالله رب العالمين، هي المسلك السوي الذي ينبجس من صميم ما يسكن الكيان من حفول روحي، ينبعث حين يتلقى الدعوة إلى الله الواحد، من قناة النبوة.
لكأن لحظة الايمان هي لحظة تتحرك فيها معاني آية (وعلم آدم الأسماء كلها) وتسري في العبد، فتتجاوب القابلية والجبلة في الروح، مع نداء التزكية الذي يصلها عن طريق النبي. لكأن روح العبد المهيإ للإيمان، وهي تتلقى خطاب الهداية المباشر، تستشعر أنها –بحق-على حال من النضج والاستعداد ما ييسر عليها النقلة من حال الايمان بالقوة إلى حال الايمان بالفعل.
لا غرو في ذلك، إذ فتئت دعوات الرسل تشرق دائما، وعلى البسيطة مجاميع من النفوس الظمأى ترتقب بزوق الإشراق..
ولبثت دائما الطلائعُ المستجيبون لنداء الايمان، يتحلقون حول الداعي إلى الله، ويلتحمون به، وكأنهم يقولون له طالما انتظرنا هذا الصوت، طالما ترقبنا هذه الطلَّة.
القـــــــــرآن أعظم كتاب بلغه أعظم نبي
يسترشد المسلمون بالقرآن الكريم، ويجد أهل البصيرة تفسيرا لآياته البينات في تدبر معانيه وتفهم مخاطباته، كما يجدون أيضا تفسيرا لها (آياته) في ما حفل به الكون المنشور من معاني الجلال والقدرة، ففي التدبر في مظاهر الكون وعوالم الملكوت (باعتبارها قرآنا شاخصا، ومصحفا ماثلا)، يتجلى كثير من حقائق القرآن ودلالاته، وتتضح معانيه وكوامنه.
والمؤمن لا تزيده التجليات القرآنية سواء بوجهها الخطابي اللفظي، أم الكوني المادي الحسي، إلا إيمانا ورسوخا في العقيدة.
وإذا كانت الأسماء الحسنى موكولة بالكائنات والظواهر والوجود، فإن من شأن التأمل في مظاهر الكون أن يقوي روح الإيمان لدى ذوي الاستعداد الروحي، فوراء كل مظهر كوني يقوم اسم من أسماء الله الحسنى، يدلل على الخالق القدير. " لكون الإنسان قادرا على إظهار تجليات الأسماء الحسنى المتظاهرة في الوجود كافة، دفعة واحدة في مرآة روحه، إذ هو أنور ثمرات شجرة الكائنات وأجمعها من حيث الصفات والاستعدادات"[11].
تمظهر الحضور الالهي من خلال شخص النبي
العلاقة بين الخالق والمخلوق علاقة تنزيه، والتنزيه احتجاب، إذ الكمال إذا لم يتعال، ابتُذِلَ، وانتقصت قيمته، ولقد اقتضت قدرة خالق الاكوان أن يَرى ولا يُرى، هو يرانا ولا يغيب عنه شيء من أمرنا مهما كمن، ونحن لا نراه عيانا، وإنما نراه بيانا من خلال أكوانه وخرائق صنعته التي تحيط بنا ونلمسها في سريان المواسم، وجريان الأزمنة، وتتابع الظواهر، وانتظام النواميس، إذ لا يشذ عن قوانين الله الكونية شيء..
نراه في ما شاد وأبدع، ونلمسه في ما سوَّى وعدَّلَ، وإن أقرب مجال لرؤية الخالق هو هذه النشأة الفائقة الدقة التي اكتملت بها كينونتنا الجسدية والنفسية على غرار ما اكتملت سائر الظواهر في الآفاق من حولنا، فعالم الأنفس، نموذج مصغر لعالم الآفاق، ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾
ومن كمال ربوبية الخالق عنايته بمخلوقاته، إذ خلق الكون وجهزه بأنواع عناصر التسخير، واستخلف فيه الإنسان، وحمله مسؤولية التعمير، واقتضى كل ذلك أن يكون الإنسان على رشد، فكان أن كفل المولى له الترشيد بواسطة رسله وأنبيائه، فكانت تعاليمهم تحمل إليه صوت الله، تُعمق فيه الاحساس الفطري بالتبعية الروحية إلى خالقه رب العالمين..
لقد جسدت النبوة حضور الله على الأرض، وأعطت للوجود معنى السرمدية الذي تتأكد به تكليفية الإنسان ومسؤوليته في الوجود، فلا يضل ولا ينحط، لأن الوعي بالمصير الحشري يجعل سيرة الإنسان-المؤمن- تتزن، فهو يعيش مفاعلا الحياة بمكامن الرحمة التي يستمدها من صبغة الرحمانية التي صبغه بها بارئُه، عاملا على جعل مظاهر الرحمة تحقق في الوقع، فتشمل البيئة والمخلوقات.
فحضور الله عز وجل يتكثف بصور اعتبارية، من خلال شخص النبي، إذ النبي المرسل هو الصلة الواصلة بين المعبود والعباد، بل إنه الماهية التي يرى العباد فيها وجه الله من خلال ما يتلقونه عنه من تعاليم ووصايا وترشيدات شاء ربهم أن يواصلهم بها، ويفاعلهم عن طريقها، ويشملهم بنعمه من خلالها.
وظيفة الأنبياء والرسل تعليم البشرية، والسمو بها روحيا وعقليا
الكلمة الحادية عشرة من رسائل النور جاءت في صورة تمثيل قصصي، جسدت وظيفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبقية الأنبياء ومن سار على نهجهم من الاولياء الصالحين والعلماء الاصفياء، وما بذلوه في تعليم البشرية وهداية الخلق إلى الصراط المستقيم[12].
حضور النبوة الشخصي، هو الكيفية التي شاء الله أن ينقي بها رحاب هذا العالم من مظاهر الشرك، إذ جبل الإنسان على العبادة وحب التأليه، ذلك لأن الاحساس بالضياع الوجودي، وافتقاد السند الذي يسكن لاشعور الإنسان[13]، يجعلانه كائنا تعبديا، ذا طبيعة روحية - وإن تسترت- فهي قوية مكينة.
فالدين بما هو مشاعر حب نغدقها على الجهة التي نسقط عليها القداسة، ونتنسم من صددها الرجاء، وبما هو أيضا خوف نفلت من وطأته بالاعتصام بحرمة جهة ما، لا نراها لكن نفترض لها وجودا وحضورا ما، إن الدين بهذا الوجه، هو أحد أبرز ثوابت الإنسان التي لا ينفك عنها ولا يتجرد منها، لأنها شرطٌ جِبِلِّي لا يفتأ الإنسان يعبر عنه بشكل أو آخر، ولنا العبرة في بقايا مجتمعات الإنسان البدائي كما نراها اليوم، فهي تعيش بالرصيد الروحي، الاعتقادي، الطقوسي الذي توارثته السلالة منذ كانت، لأن الفطرة في الإنسان نزاعة إلى التروحن، أي إلى التقوى والعبادة والإذعان إلى الماوراء، إلى (المجهول المعلوم).
من هنا قضت رحمة الله بالخلق أن يُرَشِّد فيهم هذه القابلية، بإرسال الأنبياء وتكليف الرسل بتعليم الآدميين عقيدة الايمان الطاهرة، وتوجيههم الوجهة التي يعرفون بها خالقهم، فيعبدونه ولا يضلون عن عبادته، ذلك لان أصل العبادة هو الحمد والشكر المستحقان من العباد لرب العباد. وإن مبتغى لقاء الله، والتقرب إليه، والاقرار بأفضاله ونعمه، كلها تتم بالعبادة، فهي السبيل للتواصل مع المعبود .
إن النظر إلى وجه الله لا يكون في الحياة الدنيا إلا عن هذا السبيل، وإن مثوله عز وجل للعباد، لا يكون عيانيا، – هو المنزه عن التحيز- وإنما يتم من خلال بعثة النبي المرسل إلى العباد.
دحر إبليس
بالبعثة يندحر الشيطان الذي أخرج آدم من الجنة، إذ الحياة دار الغفلة، والعيش فيها يفتح باب الضلال إذا لم تتسيج الحظيرة، وينتصب الحارس حيال بابها.
نزوعات الشر في الإنسان تدفعه إلى الزيغ والحيدة، ولا يرشده إلى الحق إلا المرشدون المصطفون.. ولقد هيأ الله النفس لتكون مثابة للهداية، كما هيأها لتكون سكنا للشيطان.. وإنما الشيطان قوة غير مرئية مصدرها كامن في ما نستبطن من أهواء هي مناط التمحيص. فمعادلة التمحيص تكتمل متى تلقت النفس حظها من الترشيد على يد الأنبياء المرسلين، إذ لا يؤاخذ الله العبد الجاهل الذي لم تصله الهداية، ولا يتحمل العبد مسؤولية الغواية إلا إذ علم حدود الله التي ترسمها له وتضبطها تعاليم الرسل في صورة شريعة، فبتلك الشريعة تتوطد مسطرة السلوك في حياة الناس، ويغدو حضور الله مقرونا في قلب العبد بمراعاة هذا العبد لتلك الحدود، كما يغدو حضور الشيطان مقرونا بالحيدة عن تلك الحدود أو تعديها..
فبمراعاة التعاليم السماوية يندحر ابليس، وتنحسر وساوسه عن صدورنا، ويغدو القلب مجلى للإيمان، ومضمارا لحب الخير، ولا يتأتى ذلك إلا بالتزامنا بما يبلغه لنا الأنبياء من شرائع، تلك الشرائع التي حواها في المحصلة الختامية، كتابنا المبين، القرآن العظيم.
استكمال مقومات الإنسان الكامل
ومما تؤكده الديانات السماوية أن الخالق كتب على الآدميين عبور المسافة الدنيوية، ليتقرر عليها مصيرهم الأخروي، فهم في تجربة الحياة يعيشون مقصدية بناء واستكمال يستوفون فيه نقصهم، ويتقوون عن ضعف النفس، إذ لا يتأكد لهم الاستحقاق والتفوق إلا بعبادة الله، والصمود في وجه الابتلاءات، ظفرا بالدرجة العليا، والنعيم المقيم.
ولا يبلغ العبد مرتبة الكمال الإنساني، إلا إذا أحسن العمل ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾.
ومقومات الكمال هي اتّباع سنة النبي، والتطابق معها قدر الوسع، فالتطابق مع السنة يرتفع بالنفس إلى مستوى يقربها –بالاتباع- من مقام النموذج محل الاقتداء.
إن صورة النبي المرسل بوصفه صوت الله في الأرض، تنتصب في وجدان الاجيال المؤمنة مثالا للكمال، بحيث تضحى شمائل ذلك المثال الفائقة مصدر إلهام لكل مؤمن متبع للسنة، منضبط السلوك على وفق معاييرها. وحياة الأمة –والبشرية قاطبة- تكتسب من الكثافة والرجحان على قدر ما تتوفق إليه من أحوال الالتزام بالنهج النبوي[14].
ربط الأرض بالسماء، وتجديد توطين عبادة الله في الأرض
بإرسال الرسل وبَعْث الأنبياء، يجدد الخالق الصلة بين السماء والأرض، فالبعثة من ثمة تغدو صحوة روحية تتحقق لأهل الأرض، وتذكرهم بمعنى الحياة، ومعنى التحرر من الاساطير، وتبين وجه الضلال ووجه الهداية، والايمان الحق والايمان الباطل، بل وتعيِّن لهم الغاية من وراء الوجود، فالبعثة النبوية تغدو بمثابة هطلة الماء تجدد الربيع، والهزة التي توقظ النيام، وتفتح عيونهم على الفجر المتجدد، والأنوار الوليدة.
إن الإنسان الذي طبع على النسيان والميل عن الحق (آدم نسي الامر، وأنساه الشيطان الوصية)، هو في حاجة إلى التذكير الدوري، وإن البعثات السماوية إنما تحمل الترياق إلى البشر الذي يرمم النفوس. وإن أثر كرور الزمن على العقائد لثابت. وما تعرضت له التوراة –مثلا- من تحريف لَشاهد على هذه الحقيقة التحولية التي تتعرض لها الرسالات، سواء من حيث الشكل أو المقاصد، لذا كان تواتر بعثات السماء إلى الأرض من الأنبياء والمرسلين، مانعا روحيا عقديا تعهد به الخالق أهل الأرض حتى لا تتمادى البشرية في الضلال ..
فبتجدد البعثات السماوية تتقوى العلاقة مع السماء، وتتوطن تعاليم الخالق على الأرض، ويستمر نور الروح يبين للسالكين الطريق إلى الحق..
ولا ريب أن الإنسان المزود بالخيال والعقل، هو المخلوق الوحيد المهيأ لابتداع الخير وتوسيع دائرته لتشمل باقي الكائنات والمخلوقات الأخرى المتساكنة معه على البسيطة، كما أنه هو المخلوق المهيأ لابتداع الشر وتخطي الحدود إلى الخطيئة ما لم يترشد، وإن توحله في ما يتوهمه من معتقدات مضللة إنما يكون من هذا السبيل، ولم يزل الوهم يبعد الإنسان عن سواء السبيل، ولم يفتأ الزيغ يشرد به عن الهدى، ولم ينجُ من حيرة الضياع ووطأة الضلال المبين إلا بعد أن لطف به الخالق الرحيم، فهيأ له المرشدين، ردوه إلى جادة الصواب والايمان، الامر الذي كفل له تزكية النفس وتحصيل الرفعة والنجاة من البوائق والتسفلات، فتاريخ البشرية من غير مدود السماء بالاستنارة التي لبث الأنبياء والمرسلون يحملونها لأهل الأرض، كان يكون طافحا بالمخازي، وخلقيته لا تكون إلا خلقية الغريزة والتردي والبهيمية.
وما تألقت مدنية من مدنيات البشر عبر التاريخ، إلا وكان سبب ترديها ما كان يخالط روحيتها من دنس معنوي، يتزايد بتزايد التطور، ويتفاقم باستبحار التقدم، فيرتد فسادا يسف بالكرامة الإنسانية، ويعيق الحياة عن أن تمضي على رسلها، وإن انكسار المدنيات ذات الأصل الكتابي السماوي، إنما يحصل بابتعادها عن تعاليم السماء، تلك التعاليم التي من مقاصدها الأساسية السمو بالإنسان روحا وعقلا وأخلاقا، وجعل الحياة تدور على معنى محوري سام، بحيث تغدو غاياتها الكبرى أن تكون مزرعة للآخرة، وورشة لتكثير الحسنات والصالحات.
شحذ الروح من خلال تعاليم السماء تنقية لها من شوائب الزيغ.
من مقاصد استرسال البعثات السماوية إلى الأرض تَعَهُّدُ روحِ الآدمي وصونها عن التلف المعنوي، على اعتبار أن هذا الآدمي هو المستخلفَ في الأرض والمكلفَ بعبادة الله وبعمارة ملكه، ومن المعلوم أن تتابع العهود يُبْلِي جدَّةَ الروحِ، ولأجل تجديد شحذها وصهرها ونفي الصدإ عنها، تتلاحق الرسالات، تعيد البشرية إلى الهدى.
من هنا كانت دعوة أنبياء الله واحدة في الجوهر، فهي دعوة إلى التوحيد، تستنقذ العقل البشري من تبعات الغفلة والحيدة عن الطريق، ومن هنا أيضا كان تجديد البعثة النبوية والرسولية، حدثا كونيا تعيد السماء به شحن الروح بطاقة الايمان، وتسدد نظر الآدمي وعقله نحو التوحيد، فعن طريق التوحيد تتحدد مسؤولية العبد إزاء ما أوكل إليه من واجبات، وهو أن يعبد الله وحده ويعمل الصالحات، فبعبادة الله يحرر الإنسان روحه وإرادته من كل قيد قامع أو اعتقاد مكبل.. إذ لا يتحقق للآدمي شرط الحرية البناءة التي تقوم بها مسؤوليته الكونية، إلا إذا أناط مصيره بالخالق ومحض طاعته له، فبالإيمان بالخالق تتوطد المحبة بين الكائنات، ويصير قلب الإنسان خزانا يفيض بالحمد والتآخي حتى على بقية الكائنات التي تعايشه في أرجاء الطبيعة (مائدة الله العظمى)[15]، إذ المحبة تقرب الإنسان من مخلوقات الله، وتجعل الكون خزان نِعَم يصيب منها ما يشاء، لا يؤدي مقابل المتع والافضال إلا الشكر.
بناء المدنيات الموحِّدة والمستقطبة للبشرية
وإذا كانت الفكرة الدينية هي التي ظلت -على مر الحقب - تحفز الإنسان على التحضر، وتدفعه إلى التمدن، إذ أثبتت كتابات المؤرخين وأهل الفكر[16] أن أزيد من عشرين مدنية من أعظم ما عرفته البشرية وأشهر ما احتفظ التاريخ لنا بذكره، كان أساس قيامها هو العاملُ الديني، فلا ريب أن ذلك الاطراد الديني المهيئ للحضارة، إنما يؤكد عضوية البعد التعبدي بالنسبة للإنسان، فالعبادة هي علة وجود الإنسان في هذا الكون، كم أن الوجود الإنساني علته هي عبادة الله، ولذا كان الباعث الحضاري الذي أسس لكل حضارة عرفها الإنسان، هو العامل الروحي.
من خلال بناء المعبد، طفق الإنسان يبحث عن الخالق، وعن القداسة، وإهداء القربات.
وفي وجدان الإنسان يتَطابَقَ الباعثان العقدي والتعميري، لذا عاش يؤسس اجتماعه في كل طور من أطوار تاريخيته على معطى الدين والعمران، حيث لبث ينجذب بما حمل في نفسه من استعداد تحنفي إلى الايمان بالغيب (حتى ولو في صورة وثنية)، انجذابه إلى التعمير، فالمعبد[17] كان منطلق تشييد سائر الحضارات، حتى لكأن مدلول الآية ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، يعني هذا التوافق الروحي والمدني الذي جبل الله عليه عباده، فجعلهم ينزعون إلى التقوى وحب التأليه، كانجذابهم إلى التعمير والتمدن.
لكن أهمية الدين السماوي، والدين الختم بالخصوص (الإسلام)، أنه وطد لتشييد المدنية الموحدة بين البشر، المستقطبة للآدميين بما تميزت به من روح إنساني جامعة، ومثل إحسانية لا تمييز فيها، ومقاصد كونية لا تخرج عن الايمان بالخالق رب العالمين..
لقد سادت الحضارة الصينية عصرها فقاومت العدوان الخارجي بتشييد سور قبعت وراءه إلى أن فقدت القدرة الصمود وآذنها الضعف بالاستسلام والانهزام، وكل ذلك لأن البعد الروحي كان معتلا وغير صريح في انتمائه إلى السماء، وإلى الخالق جل وعلا..
وسادت اليونانية، ففتحت الآفاق ونشرت معارفها في الامصار، لكنها ما لبثت أن شاخت وانحسر ظلها، ذلك لأن الفكرة الدينية المؤسسة لمدنيتها إنما ظلت تحمل جرثوم الفناء الذاتي، لأنها فكرة وثنية، تعددية، أسطورية، وقل مثل ذلك على سليلتها المدنية الرومانية، فقد حاولت أن تمد لعمرها باعتناق المسيحية، لكن مطعن المسيحية ظل ولا يزال، يكمن في تثليثيتها، فهي وثنية من بعض الوجوه..
الإسلام وحده، ساد وانتشر، وبلَّغه إلى الأقاصي تجارٌ بسطاء ورحالة أفرادٌ.. ورغم الانكسار الحضاري والانحسار المدني الذي جرَّت إليه سياسة الملك العضوض، والحيدة عن مقاصد الرسالة، والتحول بالدين من كونه دعوة إلى الله، إلى جعله وسيلة للفيء والخراج.. رغم كل ذلك فهذا الإسلام لم يمت، ولم يفقد وجاهته العالمية، على الرغم من التخلف المرحلي للمجتمعات المنتسبة إليه، واستمرار بعضها في إفراز إيديولوجيات كابسة، كابتة، تنفر وتسيء إلى سماحته، فهو دين العالمين، الحامل لجوهر أخوة إنسانية، يترشح بها اليوم وغدا، كما ترشح أمس، لأن يكون دين الله التام الذي ارتضاه للعالمين.
وإن امتياز الإسلام هو في محفوظيته، إذ لم يَشُبْهُ أدنى تغييرٍ أو تحريف، ثم هو في عصاميته وذاتية انتشاره بعيدا عن أي وصاية أبوية (بابوية)، فهو دين الله الذي جعل شريعته تستمر بفضل تجدد جهود العلماء العاملين الذين تؤهلهم قرآنيتهم لتشبيب العقيدة، وإعادة الفتوة إليها كلما ارتخت عراها في النفوس وقصرت الأطوار والاجيال عن الارتفاع والتسامي إلى مستوى مثلها.
من هنا تغدو دعوة القرآنيين ورثة النبوة، شمولية، فعلى نحو ما تتوجه إلى الأمة، هي في الآن ذاته تخاطب العالمين، إيمانا من المسلم بأنه مؤتمن على رسالة قدِّرَ له أن يبلغها إلى البشرية، وهو ما جسدته رسائل النور وصاحبها العالم الوريث، فقد جعلت من مخاطبة الآخرين مقصدا واضحا من مقاصدها، إذ طفقت تذكر العاملين من بني الإسلام إلى مسؤوليتهم في الدعوة العالمية، قياما بوظيفة استخلفتهم فيها إشارة النبي (بلغوا عني ولو..).
المعجزات توجيه عقلي وتجهيزي وحضاري للإنسان
لا تزال الحكمة ضالة الإنسان الفطن، يستلهمها من شتى المصادر، من الكون ومما يتداوله في علاقاته من قيم وتجارب، ويستمدها أيضا من تعاليم السماء.
ولقد ظلت تعاليم الأنبياء مصدرا للحكمة وللتجليات التي يجد فيها العقل الإنساني من الفوائد ما يحقق له والمنفعة والتبصر.
ولقد لعبت معجزات الأنبياء والمرسلين دورا مهما في توسيع المدى التصوري أمام العقل البشري، فالمعجزات لبثت تهز الذهن الإنساني، بتحقيقها ما لا يتحقق، وتنفيذ ما ليس معهودا بالنسب للعقل والعرف البشريين.
فكان للمعجزات -من ثمة- إسهام في توجيه البشرية نحو الابتكارات والانجازات التي ظلت العقلية الوثنية تقصر على الآلهة حصولَ ما يضاهيها في الخراقة والتفرد. يقول النورسي:
إن كل معجزة من معجزات الأنبياء تشير إلى خارقة من خوارق الصناعات البشرية، أما معجزة سيدنا آدم فهي تشير إلى فهرس خوارق العلوم والفنون والكمالات، وتشوق إليها جميعا.. أما المعجزة الكبرى للرسول صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم..فلأن حقيقة تعليم الأسماء تتجلى بوضوح تام، وبتفصيل أتم، فإنه يبين الاهداف الصائبة للعلوم الحقة وللفنون الحقيقية، ويظهر بوضوح كمالات الدنيا والآخرة وسعادتهما، فيسوق البشر إليها ويوجهه نحوها، مثيرا رغبة شديدة فيها.[18]
ثم يضيف:
إن القرآن بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدود النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعد نهاياتها وغاية ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف، فهو بهذا يعين أبعد الاهداف النهائية ويسوقها إليها، ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضها على بلوغ تلك الغاية ويسوقها إليها[19]
كيف تغدو المعجزة باعثا عقليا وعمليا على الاكتشاف والاختراع؟
إن تواتر المدهش من الأحداث والخارق من الوقائع، وتواتر الأخبار به، يكون له أول الأمر وقع الصدمة على الإنسان، لكن العقل الإنساني المطبوع على الفضول، ينتهي به التوق والرغبة في معرفة المجهول، إلى أن يتدرج إلى استيعاب الظواهر، فينتقل بالظواهر العجيبة من مرحلة التلقي والاذعان، إلى مرحلة الفهم والتدبر، وغالبا ما يكون التدبر بسيطا، لا يعدو إعادة تمثل الظاهرة الاعجازية، غير أن العقل -وفي أثناء ذلك التمثل- يقوم بما يشبه عملية التحليل الذهني، متمرسا على الربط بين الأحوال المرتسمة، والتساؤل عن الأخرى الكامنة، وهو ما ينبه فيه ملكات الدراية، ويشحذ مكامن الفطنة، الأمر الذي ينتهي به إلى توسيع استقصاءاته وتعميق تحسساته ورصد ملاحظاته، ثم إلى جمع استخلاصاته وتقييدها وجعلها منطلقات لأحوال من السبر قد تتداوله قريحة فردية أو أكثر، في جيل أو أكثر من جيل، وهو ما ينتهي بتحصيل الثمرة، واكتشاف القانون .
إن التطلع إلى استبانة كُنْهِ القدرة الخفية التي تنطوي عليها المعجزة، يحرك في الإنسان وازع الاهتمام بالبعد الخفي في الظواهر، الأمر الذي ينتهي به شيئا فشيئا، ومع تلاح وتنوع التجارب، إلى وضع اليد على مساحة من قوانين النشوء والتحول والايجاد التي هيأها الله لحياة الكائنات والموجودات في هذا الكون.
في وقتنا الراهن –مثلا- يكثر الحديث عن طاقة الريح، والقرآن قص علينا معجزة تسخير الريح لسليمان.. وإذا كان الإنسان قد استمر في تسخير الريح على مدار التاريخ، إذ جعلها محركا لأشرعته في البحر، وجعلها مديرا لأرحيته في البر، وجعلها معالم يستهدي بوجهة هبوبها، بل لقد استغل الريح في أعمال الزراعة، وفي الحرب، وفي مجالات أخرى، فإنه اليوم يلتفت إلى الطاقة في عصر شحت أو كادت فيه المصادر الخام، فنراه يعقد الرهان على تثمير طاقة الريح، ويباشر إقامة مصانع التوليد في مجاري الهبوب، على الشطآن، وفي البحار، وعلى الهضاب والجبال.. فالمعجزات النبوية بأثرها الخارق، ظلت على مدار الحقب، تلفت الذهن البشري، وتوعز إليه بالأفكار والتصورات، مساهمة بذلك في تحفيزه وبعث همته على النهوض بما تهيأ له العقل في مجال الابداع .
معجزات نبوية لا تحصى تكون ظلت مادة وعلة لتحريك الفهم والتفكير والاستلهام، وبالتالي منطلقا لاكتشافات حقق بها الإنسان احتياطا من الفوائد والرخاء للبشرية.
ترقية الآدميين بالتدرج بهم عبر سُـلَّم الشرائع والعقائد
اقتضت مشيئة الله أن تتدرج بالعباد على سلم الرقي، فخصتهم ببعثات تطورت بهم من شوط إلى شوط، تكميلا لإنسانيتهم من حيث المكارم والمحامد.
إن هذا التدرج العقدي يدخل في مشيئة التمحيص التي هي قدر الآدميين في هذه الحياة، وإن التكاليف الشرعية التي طفق يوجبها الخالق على عباده، كانت متفاوتة بحسب أهلية الإنسان في كل طور من أطوار التاريخ.
وإذا كان المولى قد خص أقواما بعينها بجعل البعثة تخصهم، إذ ميزهم بالرسالات، فلأنه تعالى شاء لهم أن يكونوا معلمي الإنسانية، فكان من ثمة أمر تكليفهم بتحمل مهمة الايمان، بمثابة التمحيص والتأهيل للأمة الجديرة بالإمامة والخيرية.
لقد فتئ المولى -عز وجل- يواتر بعث أنبيائه، متعاقبين أو متزامنين، وفتئ يمسك بعثاته أحيانا وفق تقدير يعلم ضرورته هو، وكل ذلك التدبير كان لأجل تحضير البشر كي يتهيأوا لإستيعاب مقاصد التعاليم السماوية، كما فتئ سبحانه وتعالى، يتوسع بتفاصيل شرائعه بحسب ما يعلم أنه يرفع من مكانة الإنسان اطرادا، ويقربه من درجة الأهلية، من هنا ظلت الاحكام الجزئية تتغير في المدونات الشرعية، إما بأمر السماء أو باجتهاد العلماء، فيما ظلت الكليات ثابتة، وقارة، صبغة الله ومن أحسن من صبغة الله ونحن له عابدون[20].
يقول النورسي:
تتبدل شرائع بتبدل العصور، وقد تأتي شرائع مختلفة وترسل رسل كرام في عصر واحد، حسب الاقوام[21] ..أما جزئيات الاحكام غير المنصوص عليها التي تقتضي التبديل تبعا للظروف، فإن اجتهادات فقهاء المذاهب كفيلة بمعالجة التبديل، فكما تبدل الملابس باختلاف المواسم، وتغير الادوية حسب حاجة المرضى، كذلك تبدل الشرائع حسب العصور، وتدور الاحكام وفق استعدادات الامم الفطرية، لأن الاحكام الشرعية الفرعية تتبع الاحوال البشرية، وتأتي منسجمة معها وتصبح دواء لدائها.[22]
ولقد كان ذلك التدرج التشريعي الذي جسدته بعثات الأنبياء والرسل، يمضي بالإنسانية قُدُماً نحو التهئ لتلقي الدين الحنيف الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والذي أحدث به الانقلاب الجذري في النظرة إلى الكون والاشياء والحقائق، ما تنوَّر به العقلُ الإنساني إلى حد كبير.
يقول النورسي:
كانت هوات سحيقة بين طبقات البشر قبل الإسلام مع بعد شاسع عجيب بينها، فاستوجب تعدد الأنبياء وظهورهم في وقت واحد، كما استوجب تنوع الشرائع وتعدد المذاهب، ولكن الإسلام أوجد انقلابا في البشرية فتقارب الناس واتحد الشرع وأضحى الرسول واحدا.[23]
يضيف:
ففي زمن الأنبياء السابقين عليهم السلام، كانت الطبقات البشرية متباعدة بعضها عن بعض، مع ما فيهم من جفاء وشدة في السجايا، فكانوا أقرب ما يكونون إلى البداوة في الافكار، لذا أتت الشرائع في تلك الأزمنة متباينة مختلفة، مع موافقتها لأحوالهم، وانسجامها على أوضاعهم، حتى لقد أتى أنبياء متعددون بشرائع مختلفة في منطقة واحدة وفي عصر واحد.
ولكن بمجيء خاتم النبيين وهو نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم تكاملت البشرية وكأنها ترقت من مرحلة الدراسة الابتدائية إلى مرحلة الدراسة العالية، وأصبحت أهلا لأن تتلقى درسا واحدا، وتنصت إلى معلم واحد، وتعمل بشريعة واحدة، فرغم كثرة الاختلافات لم تعد هناك حاجة إلى شرائع عدة، ولا ضرورة إلى معلمين عديدين.[24] .
بانتشار تعاليم الدين الإسلامي في الأرض، (إذ أوجد الله لها الأمة الخيرية التي حملته إلى الآفاق) تكون المشيئة الالهية قد هيأت الإنسانية لأن تضحى راشدة، وفي مستوى تأهيلي يجعلها أقدر على استيعاب جدارة الشريعة الإسلامية، فالإنسان بعد بعثة سيدنا محمد يكون قد بلغ حد الشبوب (شب عن الطوق)، ولا جرم أن من شأن تزايد أسباب الضلال، وتفاقم الخيبات والنكوصات التي تصيب البشر نتيجة شرودهم عن جادة الحق، أن يحملهم على إعادة التفكير، والبحث عن الجادة، وعندئذ لن يكون مثل الأخذ بشرع الله المزكى، عاصما لهم من الدمار.
ويمكن القول إن البشرية اليوم هي في وضع عقلي وروحي متأهل إلى حد مشجع، لأن يحدد ما يفيدها، ولن يكون هناك أفيد للبشرية من الإسلام، بدليل ما تعيشه المدنية الراهنة من اختناقات لم تخفف من وطأتها ألوان التداوي التي يدأب الإنسان المعاصر على تجريب مفعولاتها.. ولقد بات جليا أن الأيادي لن تلبث أن تمتد شيئا فشيئا، إلى الإسلام، تتطهر من درن الجحود.
لقد سارت البعثات النبوية والرسولية على طريق انتهى بالإنسان إلى بلوغ مكانة[25] عقلية وروحية شارفت السقفية، بحيث لم يعد هناك حاجة للبعثات السماوية، إذ انتهى التدرج الالهي بالبشرية إلى حد تأهل فيه العقل الإنساني لأن يتلقى الترشيد من نصوص الكتاب والسنة ومن تنويرات العلماء الورثة، إذ سيغدو الزيغ والضلال الديني مظهرا من مظاهر الانحراف الروحي والضعف الفكري الذي يحتاج إلى التنبيه بوسائل الترشيد الإيماني، وبوسائط التذكير بتعاليم الدين الحق.
فالإنسانية بعد بعثة النبي محمد باتت على قوامة روحية تسترشد فيها بذاتها، وباستنارتها العقلية إلى طريق الحق.
وبات الجنوح عن الدين يتقوم بما ينهض به العلماء ورثة الأنبياء، وبات ظهورهم (المجددين) في المجتمع الإسلامي بمثابة البعثة، لأن الغاية من جهودهم هي إحياء الأمة، وإصلاح حالها، والثبات على نهج (لا يصلح آخر هذه الأمة(المعلم) إلا بما صلح به أولها).
ولقد توخت البعثات السماوية أن تسد باب الفذلكة[26] العقلية المنحرفة، وتجعل العقل الإنساني يسير في وجهة مثمرة تبتعد عن مساجلة الفراغات المعرفية والخواءات التصورية التي لا طائل من ورائها، إذ أن هناك منصات في مضمار العلم أناطها الله بنفسه، فلا سبيل للإنسان أن يخترق حجبها ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، وكل مسعى إلى استشراف الماورائيات هو رجم بالغيب، ولا جدوى منه .
لكأن آية ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، وردت لتوعز للإنسان بخطله وخطإه إذا ما باشر التفكير في اللامفكر فيه، في الغيب، وفي ما لبثت الفلسفة الميتافيزيقية تراوح فيه من أسئلة حول الوجود والغاية والمصير، وهي أسئلة، أجابت عنها الديانات لا سيما الإسلام، إذ جعل الحياة مدخلا للآخرة، فهي مقام الإيمان والعمل الصالح، تمكينا للروح من مقام الخلود.
وإن تعاليم الأنبياء والمرسلين ظلت ترشد العقل إلى ما يصونه من وحشة الضلال ومن حيرة الضياع، ومن قلق الوجود ومرارة الحياة [27].
وإن مهمة العلماء الوارثين، لا سيما في عصر الضلال الفكري المعاصر، هو تفنيد الأباطيل، وذلك ما نهض به النورسي، وكرر الاشارة إليه، والغبطة بتسجيل الانتصارات الحاسمة فيه.
---------------------------
[1] - يَقَرُّ في خلد طوائف من اليهود أن خصيصة النبوءة مستمرة فيهم عبر الازمنة، لذا ترى أصنافهم يختصون بالدراسات الانسانية والفكرية والمستقبليات بل وبالعلوم الدقيقة والتجريبية، لأنها تتيح لهم أن يحققوا صفة التنبئ التي يَعُدُّونها امتيازا خصُّوا به، بوصفهم الأمة التي حازت على مجاميع الأنبياء، وعاشت أجيالها تتعاطى النبوءة. وقد ورد في بعاد الغرب. سياقات التوراة تنبأ فالرب ينطق بلسانك).
[2] - النورسي، المكتوبات ص459
[3] - يرى النورسي أن معركة الجمل..هي معركة بين العدالة المحضة والعدالة الاضافية(النسبية).. والقاتل والمقتول كلاهما من أهل الجنة.. وكلاهما مأجوران..رغم معرفتنا أن اجتهاد الامام علي (ر) كان صوابا ، وأن اجتهاد مخالفيه مجانب للصواب. المكتوبات ص 66
[4] - لقد دمر الله أهل سدوم وعمورة بسبب شذوذهم، انتقاما منهم، وتقويما لما نال حرمة النبوة التي كان في ذلك العهد ينهض بها كل من سيدنا ابراهيم وسيدنا لوط.
[5] - إذ تكاليف تحصيل القبر والدفن أعلى من تكاليف الحرق.
[6] - النورسي الكلمات، ص 576.
[7] - في مواقف كثيرة من الرسائل، يصرح النورسي بأهمية الرسائل ونفعها للإنسانية قاطبة، باعتبارها كلية مختصة في انقاذ عقيدة الايمان التوحيدي لكل من ينتسب إليها، مسلما وغير مسلم.
[8] - النورسي المكتوبات ص 476
[9] - (وعلم آدم الاسماء كلها وعرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) . البقرة آية 31
[10] - سنرى كيف يرشدنا سيد النبئين إلى أن الرؤية الصالحة شطر من النبوة
[11] - النورسي ، الكلمات، ص670
[12]- المكتوبات ص 134
[13] - وهو ما عبر عنه القرآن بالضلال، لأن الضال يهلك تحت وطأة الشعور بالتيه والانقطاع.
[14] - نفسه ص 130 _ 133
[15] - من كنايات النورسي عن خيرات الله المبذولة في طبقات الكون والطبيعة.
[16] - راجع مالك بن نبي في مشكلات الحضارة، وكذا مقدمة بن خلدون، فضلا عما ورد بحول هذا الصدد، في متون الموسوعات..
[17] - م .س
[18] - نفسه ص292
[19] - نفسه279
[20] - البقرة آية 138
[21] - الكلمات ص568
[22] -نفسه ص568
[23] -نفسه ص864
[24] - الكلمات ص569
[25] - المكتوبات؟ ص 279
[26] - يقول النورسي: إن النبوة في البشرية فذلكة الخير، وخلاصة الكمال وأساسه، وأن الدين الحق فهرس السعادة ، ص194
[27] -370 انظر النورسي الكلمات. ص144
