وقفات مع نبي الله سليمان "عليه السلام" - رؤية قرآنية من خلال رسائل النور -

 

 

وقفات مع نبي الله سليمان "عليه السلام"

- رؤية قرآنية من خلال رسائل النور -

 

د.أميد نجم الدين جميل المفتي   

جامعة صلاح الدين ـ أربيل/ العراق

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين محمد وآله وصحبه أجمعين ... وبعد:

لقد جمع الله لنبيه سليمان "عليه السلام" سلطة الدين والدنيا، حيث أعطاه الملك والنبوة، وبفضلهما استطاع أن يوفر العيش الرغيد للخلق، فلم يكن غناه وسلطته ونفوذه أداة نقمة وقمع واستبداد ـ كما ألفته البشرية ـ، فهو المَلِك القرآني الجدير بالاقتداء في السلوك والعدالة، فضلاً عن نبوته واصطفائه الذي هو النبراس الوضاء لتحقيق سعادة الدارين.

وقصة هذا النبي الصالح العادل ومواقف من حياته وردت في القرآن الكريم في سبع سور، وفي ست عشرة آية، وسبع عشرة مرة: ففي البقرة ورد ذكره "عليه السلام" مرتين، وفي النساء مرة واحدة، وورد في الأنعام كذلك مرة واحدة، بينما في الأنبياء ثلاث مرات، وسبع مرات في النمل، ومرة في سبأ، ومرتين في "ص"([1])، ومعلوم إن من الحكم وراء عرض هذه القصص في القرآن الوقوف عندها وقفة متعظ، بغية تهذيب الذات قلباً وقالباً.

ورسائل النور وقفت عند القصص القرآنية وفهمتها على أحسن الأوجه وأدقها، فاستلهمت الكثير التي تهم دنيا الناس وأخراهم، معتمدة على القرآن نفسه بالفهم الدقيق له والتأمل الكثير لأسلوبه المعجز، هذا بعد أن رأت أن في القرآن كلّ شيء، صراحة أو إشارة، رمزاً أو إبهاماً أو تنبيهاً، إيجازاً أو إطناباً ([2])، وهي تقول عن الحوادث المذكورة في القرآن ( إنّ في القرآن الحكيم حوادثَ جزئية، ولكن وراءَ كل حادث يكمن دستور كلّي عظيم، وإنما تذكر تلك الحوادث لأنّها طرف من قانون عامٍ شاملٍ كلّي، وجزءٍ منه) ([3])، مستدلةً بالآية القرآنية الكريمة: ﴿... وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (الأنعام :59) . وهي من خلال هذه الحوادث العابرة الغابرة تربط الحال والمستقبل بالماضي الذي مَرّ، المستقبل الذي نصبوا من أجله، ولكن بتجربة الماضي واستلهاماً من حقائقه، يقول بديع الزمان : (إذ كما أنّ الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل أيضاً حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله) ([4]).

ونحن في هذا الجهد وتحت محور (الدروس والعظات التي يجب إدراكها من قصص الأنبياء في النصوص المقدسة) من محاور المؤتمر الموقر، إخترنا عنوان: (وقفات مع نبي الله سليمان "عليه السلام" رؤية قرآنية من خلال رسائل النور). للوقوف عند محطات ومواقف من قصة هذا النبي "عليه السلام"، ونستلهم العبر والعظات والدروس المستقاة منها كما وردت في رسائل النور.

   وبعد استقرائنا أوقفتنا رسائل النور في ست مواقف مع هذا النبي المكرّم "عليه السلام"، وهي: تسخير الجن، والريح له "عليه السلام"، وتليين الحديد بيده "عليه السلام"، والحكم العادل وتحقيق العدل، وعلمه "عليه السلام" لمنطق الحيوانات، وقصة هدهده "عليه السلام" ووصفه لله . فاستدع ذلك أن نقسّم البحث إلى هذه المقدمة، وبعدها توطئة ملخصة عن مدلول المعجزة والحكمة منها في رسائل النور، ونختم البحث بالخاتمة، وبين التوطئة والخاتمة نقف عند المحطات الست المذكورة، كل منها على حدة. نسأل الله التوفيق والقبول.

 

توطئة :

مدلول المعجزة والحكمة منها في فكر بديع الزمان

إن معظم المحاور التي سجلها القرآن الكريم بخصوص نبي الله سليمان "عليه السلام"، ووقف البحث عندها، هي معجزات وإكرامات إلهية لهذا النبي "عليه السلام" من خلال مقاطع من حياته بوصفه ملكاً أو نبياً، ولما كان البحث يدور حول هذه المقاطع وأخذ العبر منها خلال فكر بديع الزمان ورسائل النور، فلا بد أن نفهم مدلول المعجزة والحكمة منها عند النورسي، كتوطئة للدخول في الموضوع الرئيس.

للمعجزة في الفكر الإسلامي معنى عام، ومعنى خاص. بعد أن كان مصطلح (الإعجاز) ـ تاريخياً ـ حديثَ العهد من حيث المدلول والصيغة كما عليه الناس اليوم، حيث لم يرد المصطلح في القرآن، ولم يظهر في عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"، ولم يتداوله الصحابة "رضي الله عنهم"، وكذلك من الصّعب تحديد الزمن الذي استعملت فيه كلمة المعجزة والإعجاز بالمدلول المتداول الآن، وإنما المتداول المستعمل بهذا المفهوم وبمضمونه في الحقبة الزمنية السابقة في القرآن والسنة، هو: الآية، والبرهان، والسلطان، والدليل، والحجة ([5]).   

والمعجزة على المعنى العام: كلُّ أمرٍ خارقٍ للعادة أظهره الله على يد نبيّ من الأنبياء تصديقاً لدعوى نبوته. فأدرج تحت هذا المعنى المعجزة على معناها الخاص، وكذا البراهين ودلائل إثبات النبوة وصدقها.

أمّا المعجزة على معناها الخاص، فهي: الخارقة التي اقترنت بالتحدي والعجز عن الإتيان به على مر السنين، من قِبل نبيّ من الأنبياء تصديقاً له ولدعوته. فتكون للمعجزة على هذا المعنى سمتان وميزتان أساسيتان، وهما: وجود التّحدي، وعدم حصول المعارضة والإتيان بالمثل. من أمثال: شقّ القمر لنبيّنا محمّد "صلّى الله عليه وسلّم"، والقرآن الكريم وبلاغته، وإحياء الموتى لنبيّ الله عيسى "عليه السّلام" وغيرها. وبهذا المعنى الخاص يخرج العديد من الخوارق ممّا لم يرد فيه قيد عدم حصول المعارضة أو التحدي ([6]).

وقد كان بديع الزمان يذكر المعجزة بالمعنى الأول، الذي هو المدلول العام الشمولي للمصطلح، فلذلك أطلق على جميع الخوارق الصادرة من الأنبياء "عليهم الصلاة والسلام" اسم المعجزة بما فيها دلائل النبوة. لأنه كان يقف عند الحكمة المتوخاة من هذه الخوارق بغض النظر عن مدلولها الشمولي أو الخصوصي. إذ هو يقول عنها: (... فلا يمكن إذن أن تكون أسطع الآيات ـ وهي آيات المعجزات ـ سرداً تاريخياً، بل لابد أنها تتضمن أيضاً معاني بليغة جمّة للإرشاد والهداية ...) ([7])، ويقول أيضاً : (...إن القرآن بذكره معجزاتِ الأنبياء، إنما يدل البشرية على أن نظائر تلك المعجزات سوف تتحقق في المستقبل بالترقي، ويحث الإنسان على ذلك، وكأنه يقول له: هيا اعمل واسعَ لتنجز أمثال هذه المعجزات؛ فاقطع مثلاً مسافة شهرين في يوم واحد كما قطعها سليمان عليه السلام.. واعمل على مداواة أشد الأمراض المستعصية كما داواها عيسى عليه السلام .. واستخرج الماء الباعث على الحياة من الصخر وأنقذ البشرية من العطش كما فعله موسى عليه السلام بعصاه.. وابحث عن المواد التي تقيك شر الحرق بالنار، وألبسها كما لبسها إبراهيم عليه السلام.... فاعملوا على محاكاتهما وتقليدهما. وهكذا قياساً على هذا نجد أن القرآن الكريم يسوق البشرية إلى الرقي المادي والمعنوي، ويلقي علينا الدروس ويثبت أنه أستاذ الجميع)([8]). ويقول في موضع آخر: (بيّن القرآن الكريم أنّ الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمةَ الهدى يُقتدى بهم، في رقيهم المعنوي. ويبين في الوقت نفسِه أنّ الله قد وضع بيد كلٍ منهم معجزة مادية، ونَصَبهم روّادا للبشرية وأساتذة لها في تقدمها المادي أيضاً، أي: إنّه يأمر بالاقتداء بهم واتباعهم اتباعاً كاملاً في الأمور المادية والمعنوية ...، نعم، إن القرآن الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدودَ النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعدِ نهاياتها، وغايةِ ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف. فهو بهذا يعيّن أبعدَ الأهداف النهائية لها ويحددها. ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضّها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها إليها...)([9]).  

وبعد هذا البيان عن المعجزات والحكمة منها في رسائل النور، نقف عند المواقف الست في قصة سليمان "عليه السلام"، وهي :

 

الموقف الأول

تسخير الجن لنبي الله سليمان "عليه السلام"

يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ (سبأ:12)، ويقول أيضاً: ﴿ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴾ (الأنبياء :82)، وقوله : ﴿ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (ص:37 ـ 39)

فالله سبحانه ممّا آتاه لسليمان "عليه السلام" تسخير الجن والشياطين له، هذا بعد أن دعا بدعائه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص : 35)، فقد سلطه الله عليهم، ويطيعونه رغبة أو رهبة، وبغض النظر عن إيمانهم وكفرهم، فيصنعون له المحاريب والتماثيل والأبنية وغيرها كما في آية ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (سبأ: 13)، ويستخرجون له من البحر اللآليء والكنوز، وهو مع كل هذا حفظه الله وحرسه من (أن يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت قهره لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه، بل هو مُحَكَّم فيهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء )([10]).

وقد وقفت رسائل النور عند هذه الآيات، واستلهمت أموراً، معتمدة على المعنى الإشاري والرمزي لها، يقول بديع الزمان: (فالآيات تقول: إنّ الجن الذين يلون الإنسان في الأهمية في سكنى الأرض من ذوي الشعور، يمكن أن يُصبحوا خداماً للإنسان، ويمكن إيجاد علاقة ولقاء معهم، بل يمكن للشياطين أن يضعوا عداءَهم مع الإنسان ويخدموه مضطرين كما سخّرهم الله سبحانه وتعالى لعبد من عباده المنقادين لأوامره. بمعنى أنّ الله سبحانه يخاطب الإنسان بالمعنى الرمزي لهذه الآيات: أيها الإنسان! إني أسخّر الجن والشياطين وأشرارهم لعبدٍ قد أطاعني واجعلهم منقادين إليه مسخرين له، فأنتَ إن سخّرت نفسَك لأمري وأطعتني، قد تُسخّر لك موجودات كثيرة بل حتى الجن والشياطين)([11]).

بل تخطى بديع الزمان هذا المعنى إلى معنى رمزي أبعد، استلهاماً من الآية، وهو مسألة تحضير الأرواح ومحادثة الجن وعالم الروح، التي كثر حولها الكلام في هذا العصر بين مؤيد ومعارض، هذا بعد أن اختلط فيها الحابل بالنابل، والصادق بالكاذب، ولكن بديع الزمان سار فيها منهجاً وسطياً مستقيماً، وبيَن الصحيح من الفاسد، إذ يقول: (فالآية الكريمة تخط أقصى الحدود النهائية، وتعيّن أفضل السبل القويمة للانتفاع، بل تفتح السبيل أيضا إلى تحضير الأرواح ومحادثة الجن، الذي ترشحَ من امتزاج فنون الإنسان وعلومه، وتظاهرَ مما تنطوي عليه من قوى ومشاعر فوق العادة، المادية منها والمعنوية. ولكن ليس كما عليه الأمر في الوقت الحاضر حيث أصبح المشتغلون بهذه الأمور موضعَ استهزاء بل ألعوبة بيد الجن الذين ينتحلون أحيانا أسماءَ الأموات. وغدوا مسخّرين للشياطين والأرواح الخبيثة، وإنما يكون ذلك بتسخير أولئك بأسرار القرآن الكريم مع النّجاة من شرورهم)([12]). 

وقد برهن على الأمر بقوله: (ثم إن الآية الكريمة: ﴿فَأرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (مريم:17). هذه الآية وأمثالُها التي تشير إلى تمثّل الأرواح، وكذا الآيات المشيرة إلى جلب سيدنا سليمان عليه السلام للعفاريت وتسخيرهم له. هذه الآيات الكريمة مع إشارتها إلى تمثل الروحانيات فهي تشير إلى تحضير الأرواح أيضا. غير أنّ تحضير الأرواح الطيبة -المشار إليه في الآيات- ليس هو بالشكل الذي يقوم به المعاصرون من إحضار الأرواح إلى مواضع لَهوهم وأماكن ملاعبهم والذي هو هزْل رخيص واستخفاف لا يليق بتلك الأرواح الموقرة الجادة، التي تعمر عالماً كله جدّ لا هَزْلَ فيه، بل يمكن تحضير الأرواح بمثل ما قام به أولياء صالحون لأمر جاد ولقصد نبيل هادف -من أمثال محي الدين بن عربي- الذين كانوا يقابلون تلك الأرواح الطيبة متى شاءوا، فأصبحوا هم منجذبين إليها ومنجلبين لها ومرتبطين معها، ومن ثم الذهاب إلى مواضعها والتقرب إلى عالمها والاستفادة من روحانياتها. فهذا هو الذي تشير إليه الآيات الكريمة وتُشعر في إشارتها حضاً وتشويقاً للإنسان وتخطّ أقصى الحدود النهائية لمثل هذه العلوم والمهارات الخفية، وتعرض أجملَ صورهِ وأفضلَها)([13]).

ولكن بديع الزمان لخطورة هذا الأمر وصعوبة تمييز الصحيح القليل الذي هو ممكن للصالحين، من الكثير الذي لدى أهل المعصية مما يدخل في باب الكهانة وتلاعب الجن والشياطين بأصحابهم، حذر طلابه من الاشتغال به، وبيّن أن نسبة الصدق في هذه المسألة من الكذب واحد من عشرة، حيث يقول لطلابه: (ولما كانت هذه المسألة "تحضير الأرواح والتنبؤ بالغيب" آتيةً من الأجانب ونابعةً من الفلسفة فقد تؤدى إلى أضرار جسيمة بالمؤمنين، حيث يمكن استعمالها استعمالاً سيئاً، إذ لو كان فيها صدقٌ واحد ففيها عشرةُ أكاذيب، ولا محكّ ولا مقياسَ لتمييز الصدق عن الكذب. وبهذه الوسيلة يلحق الجن -الذين يُعينون الأرواح الخبيثة- الضررَ بقلب المنشغل بها وبالإسلام أيضا؛ ذلك لأنها إخبارات تنافي حقائقَ الإسلام وتعارض عقائدَه العامة مع أنها تزاوَل باسم أمور روحية معنوية، حيث يوحون بأنهم أرواحٌ طيبة مع أنهم أرواح خبيثة، بل إنهم يسعون للإخلال بالأسس الإسلامية، أو يتفوهون بكلمات مقلّدين أسماء أولياءٍ عظام، وبهذا يستطيعون تغيير الحقيقة والتمويه على السذج الذين يكونون ضحية خداعاتهم)([14]). وحمل هذا النقد اللاذع على من يدّعي تحضير الروح وهو من أهل الأهواء والمعصية، ويكتسب به، ويخدع الناس ويشوش عليهم أمر الطاعة والعبادة، فلا يمكن نفي الحقائق الثابتة والأمارات والحوادث الحقيقية الثابتة في هذا الأمر، لكثرة أهل الأهواء والكذب المدّعين بهتاناً وزوراً بأهلية هذه المكانة، فهذه العلاقة الروحية مع العالم الخفي ممكنة لأهل الطاعة من الأنبياء والأولياء على طريقها السليم المستقيم، كما هي قد تكون ملاعبة من الجن والشياطين لصد الناس عن الحق، موهماً الحق والحقيقة. يقول بديع الزمان: (إن تحضير الأرواح المتأتي من الإيغال في دقائق الفلسفة، وليس من الدين، حركةٌ تخالف الحقيقة وتنافي الأدبَ اللائق والاحترام الواجب. لأن جلب أرواح مَن هم في أعلى عليين وفى المقامات السامية المقدسة إلى مائدة تحضير الأرواح، موضع الأكاذيب واللعب واللّهو، في أسفل سافلين إنما هو إهانة عظيمة وعدم توقير محض وسوء أدب. بل الحقيقة عينُها والأدب المحض والاحترام اللائق هو أن يحصل ما حصل للأفذاذ من أمثال جلال الدين السيوطي وجلال الدين الرومي والإمام الرباني بالسمو الروحاني -بالسير والسلوك- إلى مرتبة القربية لأولئك الأشخاص السامين والاستفاضة منهم.... تنبيه: إن هذا النقد الشديد الوارد في هذه الرسالة حول المحاورة مع الأرواح منصبٌّ على تلك الحركة النابعة من الفلسفة والعلم والتي تسمى تحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي والتنبؤ بالمستقبل، والتي اتخذت شكل الأمور الروحية والمعنوية. بمعنى أن هذا النقد القوي ليس موجهاً إلى التصوف وأهل الطريقة والنابع من الإسلام، وفيه ما يشبه المخابرة مع الأرواح، التي أُسيءَ استعمالها -إلى حد ما- بدخول مَن ليس أهلا فيها، ومع هذا ربما يكون لتلك المخابرة ضرر من جهة البعض إلاّ أنها ليست خادعة ولا يُقصد منها الإضرار بالإسلام. فضلا عن هذا أن هذا المشرب الآتي من الأجانب هو مناف للطريقة الصوفية ويخالف الإسلام أيضا كما أنه يحاول هدم مسلك التصوف، ويهوّن من شأنه حتى يجعله أمرا اعتياديا. ألاَ فليحذر أولئك المتصوفة الذين لم يحظَوا بعدُ -لضعفهم- باتباع السنة النبوية اتباعاً كاملاً، فلا يحاولوا التشبه بأولئك)([15]).

 

 

الموقف الثاني

تسخير الريح لنبي الله سليمان "عليه السلام"

يقول عزوجل: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء :81)، ويقول أيضاً: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ...﴾ (سبأ: من الآية 12)، وقال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ﴾ (ص : 36).

لقد أنعم الله على نبيه سليمان "عليه السلام" بعد دعائه: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ (ص: 35) تسخير الريح له، الريح اللينة الهادئة كما في آية سورة  "ص"، وكذا الشديدة العاصفة كما في سورة "الأنبياء" جمعاً بين الآيتين، حيث كانت تحت أمره، إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت([16]).

يقف بديع الزمان عند هذا التكريم الإلهي لنبي من أنبياء الله، ويستلهم منه ما يفيد البشرية في كل وقت وحين، إذ يقول : (هذه الآية الكريمة تبين معجزةً من معجزات سيدنا سليمان عليه السلام. وهي تسخير الريح له، أي إنّه قد قطع في الهواء ما يُقطع في شهرين في يوم واحد. فالآية تشير إلى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء. فيا أيها الإنسان! حاول أن تبلغ هذه المرتبة، واسعَ للدنو من هذه المنزلة ما دام الطريق ممهداً أمامك. فكأن اللهَ سبحانه وتعالى يقول في معنى هذه الآية الكريمة: إن عبدا من عبادي ترك هوى نفسه، فحملتُه فوق متون الهواء. وأنت أيها الإنسان! إن نبذتَ كسل النفس وتركته، واستفدت جيداً من قوانين سنتي الجارية في الكون، يمكنك أيضا أن تمتطي صهوة الهواء )([17]).

 

الموقف الثالث

تليين الحديد له " عليه السلام "

يقول سبحانه وتعالى: ﴿ ... وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ... ﴾ (سبأ: 12)، قال الإمام الطبري عن معنى الآية: (وأذبنا له عين النُّحاسِ، وأجريناها له)([18])، ويقول القرطبي: (وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جُعِلَ النُّحَاسُ لِسُلَيْمَانَ فِي مَعْدِنِهِ عَيْنًا تَسِيلُ كَعُيُونِ الْمِيَاهِ، دَلالَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ)([19]).

يقول بديع الزمان عن هذه المعجزة لسيدنا سليمان "عليه السلام": أن الآية (تشير إلى أن تليين الحديد نعمة إلهية عظمى، إذ يبيّن الله به فضلَ نبيٍ عظيم. فتليينُ الحديد وجعلهُ كالعجين، وإذابةُ النحاس وإيجادُ المعادن وكشفها هو أصل جميع الصناعات البشرية، وأساسها. وهو أمُّ التقدم الحضاري من هذا الجانب ومعدنه)([20]).

أمّا ما يستنبط من هذه المعجزة عن طريق المعنى الرمزي والإشاري من الآية، هذه المعجزة التي كانت لنبي الله داود قبل ابنه سليمان "عليهما السلام"، فهو كما يقوله النورسي: (يا بني آدم! لقد آتيتُ عبداً من عبادي أطاع أوامري وخضع لما كلّفته به، آتيت لسانَه فصل الخطاب، وملأتُ قلبَه حكمةً ليفصل كل شيء على بينة ووضوح. ووضعت في يده من الحقيقة الرائعة ما يكون الحديدُ كالشمع فيها، فيغيّر شكله كيفما يشاء، ويستمد منه قوة عظيمة لإرساء أركان خلافته وإدامة دولته وحُكمه. فما دام هذا الأمر ممكنا وواقعاً فعلاً، وذا أهمية بالغة في حياتكم الاجتماعية. فأنتم يا بني آدم إن أطعتم أوامري التكوينية تُوهَب لكم أيضا تلك الحكمة والصنعة، فيمكنكم بمرور الزمن أن تقتربوا منهما وتبلغوهما. وهكذا فإنّ بلوغَ البشرية أقصى أمانيّها في الصناعة، وكسبَها القدرة الفائقة في مجال القوة المادية، إنما هو بتليين الحديد وبإذابة النحاس (القِطر). فهذه الآيات الكريمة تستقطب أنظار البشرية عامة إلى هذه الحقيقة، وتلفت نظر السالفين وكسالى الحاضرين إليها، فتنبّه أولئك الذين لا يقدرونها حق قَدرها)([21]).

 

 

الموقف الرابع

علمه " عليه السلام " لمنطق الطير ولغة قابلياتها

يقول عزوجل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل: 16).

لقد أشارت الآية الكريمة إلى أن ممّا أورثه نبي الله سليمان من والده داود "عليهما السلام"، علمه لمنطق الطير وقابلياتها، بل كيفية الاستفادة منها بمعرفة استعداداتها. فقد كان لداود قبل ابنه "عليهما السلام" من النعم الإلهية: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴾ (ص: 19)، أي: كانت الطيور له مسخرة ومطيعة([22]) .

وبديع الزمان من خلال بيان هذه النعمة الإلهية تطرق إلى جملة من الأمور، بعد اعتماده على القراءة الإشارية والرمزية للآيات، منها:

أ. التكريم الإلهي للإنسان، وتسخير المخلوقات له، حيث قال: ( ... إذ ما دام سطح الأرض مائدةً رحمانيةً أقيمتْ تكريماً للإنسان، فيمكن إذن أن تكون معظمُ الحيوانات والطيور التي تنتفع من هذه المائدة مسخّرةً للإنسان، ضمن تصرفه وتحت خدمته. فالإنسان الذي استخدم النحل ودودة القز - تلكم الخَدَمة الصَّغار- وانتفع مما لديهم من إلهام إلهي، والذي استعمل الحمامَ الزاجل في بعض شؤونه وأعماله، واستنطق الببغاء وأمثالَه من الطيور، فضمَّ إلى الحضارة الإنسانية محاسنَ جديدة، هذا الإنسان يمكنه أن يستفيد إذن كثيراً إذا ما عَلِم لسان الاستعداد الفطري للطيور، وقابليات الحيوانات الأخرى، حيث هي أنواع وطوائفُ كثيرة جداً، كما استفاد من الحيوانات الأليفة. فمثلاً: إذا عَلِم الإنسان لسانَ استعداد العصافير "من نوع الزرازير" التي تتغذى على الجراد ولا تدعها تنمو، وإذا ما نسّق أعمالَها، فإنّه يمكن أن يسخّرَها لمكافحة آفة الجراد، فيكون عندئذٍ قد انتفع منها واستخدمها مجاناً في أمور مهمة. فمثل هذه الأنواع من استغلال قابليات الطيور والانتفاع منها، واستنطاق الجمادات من هاتف وحاكٍ، تخط له الآية الكريمة المذكورة المدى الأقصى والغايةَ القُصوى) ([23]).

ب. اللهو البريء والتسلية الهادفة: فهما من لوازم انبساط القلب والقابلية، وكشف المواهب وقطف ثمارها، يقول بديع الزمان: ( ... فما دامت الحقيقة هكذا، فاسعَ أيَّها الإنسان أن لا تنشغل بِلهوٍ لا معنى له، وبلعبٍ لا طائلَ من ورائه، كالانشغال بالحاكي والحمَام والببغاء.. بل اسعَ في طلب لَهوٍ من ألطفِ اللَّهو وأزكاه، وتَسلَّ بتسلية هي من ألذِّ أنواع التسلية.. فاجعل الجبال كالحاكي لأذكارك، كما هي لسيدنا داود "عليه السلام"، وشنّف سمعك بنغمات ذِكرٍ وتسبيح الأشجار والنباتات التي تُخرج أصواتا رقيقة عذبة بمجرد مَسِّ النسيم لها وكأنها أوتارُ آلاتٍ صوتية... فبهذا الذِّكر العُلويِّ تُظهر الجبالُ لك ألوفا من الألسنة الذاكرة المسبِّحة، وتبرز أمامكَ في ماهية عجيبة من أعاجيب المخلوقات. وعندئذٍ تتزيا معظم الطيور وتَلبَسُ - كأنها هدهدُ سليمان- لباسَ الصديق الحميم والأنيس الودود، فتصبح خداماً مطيعين لك. فتُسلّيك أيَّما تسلية، وتُلهيك لهواً بريئاً لا شائبة فيه...)([24]). بل إن هذه التسلية المباحة النظيفة، إذا ما قورنت بذكر الله، فإن المواهب تنكشف، يقول النورسي: (... فضلاً عن أنّ هذا الذكر السَّامي يسوقك إلى انبساط قابلياتٍ ومواهبَ كانت مغمورةً في ماهيتك، فَتَحُولُ بينك وبين السقوط من ماهية الإنسان السامية ومقامه الرفيع، فلا تجذبك بَعدُ أضراب اللهو التي لا مغزى لها إلى حضيض الهاوية)([25]).

ج. اسم الله يعصم الإنسان، ويصون عدالته، ويسهل له قبض زمام الأمور: فإن من وراء طاعة الله، والتوكل عليه، وبدء العمل باسمه من المفاتيح للنجاح والفلاح ما لا يحصى، تقول رسائل النور: (... فيقول الله سبحانه بالمعنى الرمزي لهذه الآيات الكريمة: يا بني الإنسان! لقد سخرتُ لعبدٍ من بني جنسكم، عبد خالص مخلص، سخرتُ له مخلوقات عظيمة في مُلكي وأنطقتُها له، وجعلتها خُدَّاما أمناء وجنوداً مطيعين له، كي تُعصَمَ نبوّتُه، وتُصان عدالتُه في ملكه ودولته. وقد آتيتُ كلاً منكم استعداداً ومواهبَ ليصبح خليفة الأرض، وأودعتُ فيكم أمانةً عُظمى، أبَتِ السماواتُ والأرضُ والجبالُ أن يحملنَها، فعليكم إذن أن تنقادوا وتخضعوا لأوامر مَن بيده مقاليدُ هذه المخلوقات وزمامُها، لتنقاد إليكم مخلوقاتُه المبثوثة في ملكه. فالطريق ممهَّد أمامكم إن استطعتم أن تقبضوا زِمام تلك المخلوقات باسم الخالق العظيم، وإذا سمَوتم إلى مرتبة تليق باستعداداتكم ومواهبكم) ([26]).

وقد كان داود وابنه سليمان " عليهما السلام " على صلة وتواصل مع خالقهما، وشكرا الله وحمداه على ما أنعم عليهما من النعم، فما غرتهم السلطة والقدرة، يقول تعالى : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (النمل:15).

 

 

الموقف الخامس

الحكم العادل وتحقيق العدل

لا يمكن تحقيق العدل بين العباد، وانتشار الحكم العادل في البلاد، إلاّ بالاطّلاع على ما يجري بين الناس، ومحاولة الوقوف على الحوادث والوقائع عن قرب، للإحاطة بها واتخاذ اللازم بصددها، لتحقيق العدالة على أكمل الأوجه. ونبي الله سليمان "عليه السلام" حاول بشتى الوسائل المتوفرة لديه، المادية منها والمعنوية، تحقيق العدل وتوفير رغد العيش في البلاد وبين العباد. فهو الملك المقتدر الذي حكم بالعدل وحقق العدل، إذ من تأمّل مواقفه "عليه السلام" في آية تليين الحديد، وعلمه لمنطق الطير، وقصة الهدهد، وتسخير الجن والريح، يدرك أنه استعمل كلها لنشر العدل وتحقيقه، وشكر من خلالها معبوده الذي سهل له كل هذه الأمور، شكره لساناً وعملاً. يقول بديع الزمان عن الآية الكريمة : ﴿ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل: 40): (... فالآية تخاطب: أيّها الحكام! ويا من تسلّمتم أمر البلاد! إن كنتم تريدون أن تسودَ العدالةُ أنحاءَ مملكتكم، فاقتدوا بسليمان "عليه السلام" واسعَوا مِثلهُ إلى مشاهدة ما يجري في الأرض كافة، ومعرفة ما يحدث في جميع أرجائها. فالحاكم العادل الذي يتطلع إلى بسط راية العدالة في ربوع البلاد، والسلطان الذي يرعى شؤون أبناء مملكته، ويشفق عليهم، لا يصل إلى مبتغاه إلاّ إذا استطاع الاطلاع -متى شاء- على أقطار مملكته. وعندئذٍ تعمّ العدالة حقاً، وينقذ نفسَه من المحاسبة والتَبِعَات المعنوية. فالله سبحانه يخاطب بالمعنى الرمزي لهذه الآية الكريمة: يا بني آدم! لقد آتيتُ عبداً من عبادي حُكمَ مملكة واسعة شاسعة الأرجاء، ومنحتُه الاطلاع المباشر على أحوال الأرض وأحداثها ليتمكن من تطبيق العدالة تطبيقاً كاملاً. ولما كنتُ قد وهبتُ لكل إنسان قابلية فطرية ليكون خليفة في الأرض، فلا ريب أنّي قد زوّدتُه - بمقتضى حكمتي- ما يناسب تلك القابلية الفطرية، من مواهب واستعدادات يتمكن بها من أن يشاهد الأرض بأطرافها ويدرك منها ما يدرك، وعلى الرغم من أنّ الإنسان قد لا يبلغ هذه المرتبة بشخصه، إلاّ أنه يتمكن من بلوغها بنوعه، وإن لم يستطع بلوغها مادياً، فإنّه يبلغها معنوياً ،كما يحصل للأولياء الصالحين، فباستطاعتكم إذن الاستفادة من هذه النعمة الموهوبة لكم. فسارعوا إلى العمل الجاد، واسعوا سعياً حثيثاً كي تحوّلوا الأرضَ إلى ما يشبهُ حديقةً صغيرة غنّاء، تجولون فيها وترون جهاتها كلّها، وتسمعون أحداثها وأخبارها من كل ناحية منها، غير ناسين وظيفة عبوديتكم...)([27]).

  ويقول بديع الزمان - عندما يتكلم عن علمه "عليه السلام" لمنطق الطير -: (... فيقول الله سبحانه بالمعنى الرمزي لهذه الآيات الكريمة: يا بني الإنسان! لقد سخرتُ لعبدٍ من بني جنسكم، عبد خالص مخلص، سخرتُ له مخلوقات عظيمة في مُلكي وأنطقتُها له، وجعلتها خُدَّاما أمناء وجنوداً مطيعين له، كي تُعصَمَ نبوّتُه، وتُصان عدالتُه في ملكه ودولته...)([28]).

 

 

الموقف السادس

وصف الله على لسان  هدهد سليمان "عليه السلام"

قصة هدهد سليمان "عليه السلام" من القصص المشهورة بين الناس، لغرابتها وكثرة الأحداث الواقعة فيها، فهي تتعلق بمعرفة سليمان "عليه السلام" للغة الطير كمعجزة له "عليه السلام"، و من جانب آخر معرفته "عليه السلام" لقابلية هذا الطير واستخدامه له في العمل الذي يتقنه هذا الطير، ثم كيفية دعوته وتعامله "عليه السلام" للملوك والدول المجاورة، وغيرها من النكات والفوائد الدقيقة في آيات القصة، التي هي: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ (النمل: 20 ـ 28).

وبديع الزمان مما وقفه من القصة، الوصف الذي استخدمه الهدهد لله تعالى، كما في الآية ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (النمل: 25). ويقول عنه: (...فاستمع إلى مهندس الماء، هدهدِ سليمان "عليه السلام"، في النبأ الذي أتى به من سبأ، كيف وصف الذي علّم القرآن وأبدع السماوات والأرض، إذ يقول الهدهد: إني رأيت قوماً لا يسجدون لله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النمل:25) فانظر، كيف اختار من بين الأوصاف الكمالية ما يشير إلى هندسة الهدهد)([29]). فدقّة الكلام وبلاغته في هذا الموقف نابعة من أنه وصف الله بما هو أدرى به من غيره، وجعل لصنعته وعمله دخلاً في التعبير، لأن من مزايا الكلام البليغ - كما يقول بديع الزمان -: (... هو أن يُشعر الكلامُ صنعةَ المتكلم التي ينشغل بها. فهدهد سليمان الذي يمثل عريف الطيور والحيوانات كالبدوي العارف الذي يكشف بالفراسة الشبيهة بالكرامة مواضع الماء الخفية في صحراء جزيرة العرب الشحيحة بالماء. فهو طيرٌ ميمون مأمور بإيجاد الماء ويعمل عمل المهندس لدى سيدنا سليمان "عليه السلام"، فلذلك يُثبت -بمقياسِ صنعتِه الدقيقة- كونَ الله معبوداً ومسجوداً له، بإخراجه سبحانه ما خبئ في السماوات والأرض، فيعرّف إثباته هذا بصنعته الدقيقة. ألا ما أحسنَ رؤيةَ الهدهد! ...).

ثم يقف بديع الزمان ـ بعد هذا ـ عند عبارة (...يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ...) (النمل: 25)، ويقول: (... إذ ليس من مقتضى فطرة ما تحت التراب من المعادن والنوى والبذور التي لا تحصى، أَنْ تَخرج من الأسفل إلى الأعلى، لأنَّ الأجسام الثقيلة التي لا روح لها ولا اختيار لا تصعد بنفسها إلى الأعلى، وإنما تسقط من الأعلى إلى الأسفل. فإخراج جسم مخفي تحت التراب، من الأسفل إلى الأعلى ونفض التراب الثقيل الجسيم مِنْ على كاهله الجامد، لابد أن يكون بقدرة خارقة لا بذاته، فأدرك الهدهد أخفى براهين كون الله تعالى معبوداً ومسجوداً له، وكشفَها بعارفيته، ووجَد أهم تلك البراهين بصنعته، والقرآن الحكيم منح إعجازاً بالتعبير عنه) ([30]).

 

 

 

 

الخاتمة

يمكننا أن نلخص في ظلال هذه الجولة أموراً، أهمها :

  1. قصص الأنبياء في القرآن الكريم يستنبط منها الكثير من التعليمات والأسس الحياتية النبيلة، بغض النظر عن مكان الرجل من الدين، والزمن وتطوره، لأن الماضي مستودع فيه بذور المستقبل، بل هو مرآة تعكس شؤونه، وما المستقبل إلاّ حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله .  
  2. لقد جمع الله لسليمان بن داود "عليهما السلام" النبوة والملك، وورد ذكره وذكر أحداثه في القرآن الكريم في سبع سور، وقد سجل القرآن الكريم لنا مواقف متعددة من حياته العملية، من حيث كيفية تعامله مع خالقه أو مع الرعية التي تحت أمره، بحيث يمكننا أن نستلهم الكثير من هذه المواقف، بل هي نبراس يستضاء به لتحقيق سعادة الدارين.
  3. رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي اهتمت كثيراً بالقصص القرآنية عموماً، وقصص الأنبياء "عليهم الصلاة والسلام" خصوصاً، ووقفت عندها موقف المتأمل الذي شغّل القلب وشحذ الفكر، وهي تحاول إبراز الكنوز المخفية، وتبحث عن الرموز والإشارات التي استوطنت ما وراء التعابير.
  4. وقفت رسائل النور مع قصة نبي الله سليمان "عليه السلام" من خلال النصوص القرآنية في ست محطات، وهي: تسخير الجن، والريح له "عليه السلام"، وتليين الحديد بيده "عليه السلام"، والحكم العادل وتحقيق العدل، وعلمه "عليه السلام" لمنطق الحيوانات وقابلياتها، ووصف هدهده "عليه السلام" لله تعالى. وترى أن وراء كل حادث من هذه الحوادث الجزئية في القرآن يكمن دستور كلي عظيم .
  5. هذه المواقف الست عبارة عن إكرامات ومعجزات من الله لنبيه سليمان "عليه السلام"، وما من سليمان "عليه السلام" إلاّ العمل من خلالها على تحقيق العدل ونشر الرفاهية للناس، وأبدى شكره لله لساناً وعملاً، وبرهن على أن السلطة والقدرة كما تكون أداة قمع واضطهاد، يمكن أن تكون أداة رحمة وإسعاد.
  6. إن العبرة والعظة من المعجزات القرآنية في فكر بديع الزمان، هي: الاقتداء والاتعاظ. فالقرآن حث البشرية على بلوغ هذه المبالغ السامية التي بلغها الأنبياء بمعجزاتهم، وبيّن أن الطريق مفتوح وممهد أمام البشر، تكريماً من الله لهم، فالإنسان إن سخر نفسه لله وأطاع أوامره فإن الله يسخر له المخلوقات ويسهل له الصعاب ويهبه الحكمة، كما أنه إذا اتبع أوامر الله التكوينية واستفاد جيداً من قوانين سنة الله الجارية في الكون، فإن الله يهبه كذلك تلك الحكمة والصنعة. فالبشر إذا ترك كسل النفس ونبذه، يكرمه الله ويمكّنه لتسخير المخلوقات .

 

 

-----------------------

المصادر والمراجع

- بعد القرآن الكريم .

  1. إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز: بديع الزمان سعيد النورسي، تحقيق: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م .
  2. إعجاز الإيجاز القرآني من خلال رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي: د. أميد نجم الدين جميل المفتي، بحث مقدَّم إلى الملتقى الدولي الثالث في التفسير الأدبي للقرآن الكريم في موضوع : قضايا البلاغة والإعجاز البياني في كليات رسائل النور، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الجديدة- المغرب، مايس 2012م .
  3.  الإعجاز البياني في القرآن الكريم ـ دراسة نظرية للإعجاز البياني في الآيات المحكمات ـ : د. عمار ساسي، ط 1، دار المعارف، الجزائر 2003 م .
  4. الإفصاح الموجز في إيضاح المعجز (رسالة ضمن كتاب: جمال القراء وكمال الإقراء): أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد المعروف بعلم الدين السخاوي (ت 643 هـ)، دراسة وتحقيق: سيف القاضي، عبد الحق عبد الدايم، ط 1، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ـ لبنان . 
  5. تفسير البغوي المسمى بـ "معالم التنزيل":  أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 هـ )، حققه وخرج أحاديثه: محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش، ط 4، دار طيبة للنشر والتوزيع 1417 هـ - 1997 م.
  6. تفسير الطبري المسمى بـ "جامع البيان في تأويل القرآن": محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (ت 310 هـ)، المحقق : أحمد محمد شاكر، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان 1420 هـ - 2000 م .
  7. تفسير القرآن العظيم - تفسير ابن كثير -: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
    (ت774 هـ)، المحقق: سامي بن محمد سلامة، ط 2، دار طيبة للنشر والتوزيع 1420هـ - 1999م.
  8. تفسير القرطبي المسمى بـ" الجامع لأحكام القرآن": أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (ت 671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط 1،  دار الكتب المصرية – القاهرة 1384هـ - 1964 م.
  9. سليمان "عليه السلام" في القرآن الكريم: همام حسن يوسف سلوم، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الدراسات العليا، بجامعة النجاح الوطنية، نابلس ـ فلسطين، بإشراف الدكتور: خالد علوان،  2006 م .
  10. صيقل الإسلام: بديع الزمان سعيد النورسي، تحقيق: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م.
  11. فكرة إعجاز القرآن من البعثة النبوية الى عصرنا الحاضر: د. نعيم الحمصي، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت ـ لبنان 1980 م.
  12. الكلمات: بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م.
  13. اللمعات: بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م.
  14. مداخل إعجاز القرآن: محمود محمد شاكر (أبو فهر)، ط 1، مطبعة المدني، القاهرة 2002 م.
  15. الملاحق: بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط 6، دار سوزلر للنشر، القاهرة 2011 م.
  16. مناهج العلماء في دراسة إعجاز القرآن: أ.د. غانم قدوري الحمد، بحث مقدم الى المؤتمر الأول للإعجاز القرآني المعقود في بغداد (نيسان 1990م - رمضان 1410هـ)، مطبوع ضمن كتاب وقائع المؤتمر المسمّى بـ (الإعجاز القرآني)، مطبعة الأمة، بغداد 1990 م .

 

 

 

-----------------------

[1] . ينظر : سليمان عليه السلام في القرآن الكريم : 60 ـ 61 .

[2] . ينظر : الكلمات : 278 .

[3] . الكلمات : 270.

[4] . الكلمات : 280 .

[5] . ينظر: فكرة إعجاز القرآن: 7 ـ 8 ، ومداخل إعجاز القرآن: 19 ـ 20، والإعجاز البياني في القرآن الكريم : 1/22.

[6] . للوقوف على التفصيل ينظر: الإفصاح الموجز في إيضاح المعجز : 1 / 206 ـ 207 ،ومداخل إعجاز القرآن: 155، ومناهج العلماء في دراسة إعجاز القرآن : 507 ، وإعجاز الإيجاز القرآني من خلال رسائل النور:6 ـ 7.

[7] . الكلمات : 280 .

[8] . صيقل الإسلام ، الخطبة الشامية ـ الهامش ـ : 469 .

[9] . الكلمات : 280 .

[10] . تفسير القرآن العظيم : 5 / 359 .

[11] . الكلمات : 285.

[12] . الكلمات : 285.

[13] . الكلمات : 286.

[14] . الملاحق : ملحق أميرداغ 2 ، 369.

[15] . الملاحق : ملحق أميرداغ 2 ، 369 ـ 370 .

[16] . ينظر : تفسير البغوي : 5 / 335 .

[17] . الكلمات : 281.

[18] . تفسير الطبري : 20 / 363 .

[19] . تفسير القرطبي : 14 / 270 .

[20] . الكلمات : 283 .

[21] . الكلمات : 283 .

[22] . ينظر : تفسير الطبري : 21 / 169 .

[23] . الكلمات : 287 .

[24] . الكلمات : 288 .

[25] . الكلمات : 288 .

[26] . الكلمات : 288 .

[27] . الكلمات : 284 .

[28] . الكلمات : 288 .

[29] . صيقل الإسلام ، محاكمات : 101. وينظر : إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز: 119 .

[30] . اللمعات : 390 .

 

 

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة