1
هل الإسلام دين ترهيب
قد يكون هناك بعض الديانات الباطلة التي تقوم على الترهيب ولكن من الخطأ اعتبار جميع الأديان مبنية على الترهيب
فمن الغلط القول بأن الإسلام الذي هو الدين الحق هو دين ترهيب
القرآن فيه خطاب الترغيب والترهيب ، ولكن الترهيب ليس هدفه التخويف بل لتنبيه الناس من إرتكاب الأخطاء. فإن إبلاغ الناس بخطر سيقع ليس من أجل تخويفهم بل للحذر وأخذ الحيطة.
لم يتحدث الإسلام عن جهنم فقط ، بل الجنة أيضًا. فقبل مجيء الإسلام ، كان الإعتقاد السائد أن ما بعد الموت زوال ولا وجود لحياة اخرى ، فما كان من الإسلام إلا أن أبطل هذا الإعتقاد وبشر المؤمنين بالجنة بعد الموت
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا، ولا تُنَفِّرُوا )(البخاري 70).
الإسلام هو دين الله خالق هذا الكون ، إرتضاه لنا لتسعد البشرية في هذه الدنيا والآخرة ، بفضله نعرف الخالق ونتعرف على ذواتنا ، ونفهم المعنى االحقيقي للوجود ، ونجد السكينة والطمأنينة في دواخلنا والسلامة في حياتنا
وهي دعوة جميع الأنبياء من سيدنا أدم إلى نوح وابراهيم وموسى وعيسى وإلى سيدنا محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام لإنقاذ البشرية ونشر الإيمان و المحبة والسلام في هذه الحياة الدنيا
2
نعمة الاسلام أم نعمة العقل أولاً
أن العقل وسيلة والدين غاية والغاية أهم من الوسيلة
وبيان ذلك أن المفتاح وسيلة وما نفتحه غاية فهل قيمة المفتاح أعظم من قيمة البيت أو الصندوق
وهذا يعني بالتالي أن قيمة الوسيلة عظيمة بمقدار الغاية التي نصل بها إليها
والعقل مزية الإنسان التي بها شرف الإنسان وتكليفه
3
أركان الإسلام
الإسلام مبني على خمسة أركان .الشهادتان والصلاة و الزكاة والصيام والحج
{ بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان } متفق عليه
مفتاح دخول الإنسان الى الإسلام النطق بكلمة الشهادة. [ أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ]
فأما الطَرَف الأول منها ( لا إله إلا الله ) فمعناه أن ينطق بلسانه ويُقرَّ بقلبه "وجود الله ووحدانيته ، وأنه ليس له شريك ولا ند " ، والثاني ( محمداً عبده ورسوله )أي أن " النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عبد الله ورسوله مبعوثٌ من الله إلى الناس كافة ينقل اليهم تعاليم الإسلام الدين الذي شرعه لهم .
الركن الثاني إقام الصلاة : الصلاة هي الصلة بين العبد وربِّه فيقف العبد بين يدي الله مقراً بالعبودية مظهراً العجز بالركوع والسجود. والصلاة عبادة كاملة وشكر تام. وفرض على كل مسلم قال نبينا: { رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة }(الترمذي الإيمان 8).
والركن الثالث إخراج الزكاة. الزكاة هي عبادة مالية فرَضَها اللهُ على الأغنياء من المسلمين فهي حق مفروض معلوم من المال تصرف في أوجه مخصوصة فما يدفعه اغنياء المسلمين من المال للفقراء على سبيل الفرض يسمى زكاة وهو حق للفقراء. كما ان الإسلام شجع المسلمين على مساعدة الفقراء بالإنفاق من غير الزكاة.وهي تسمى الصدقة.
والركن الرابع صيام رمضان :المسلم يمسك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فبالصوم يربي المسلم نفسه ويهذبها ويمنع عنها رغباتها وشهواتها فتزكو النفس وتطهر الروح ، ومع ألم الجوع ينمو في القب الشعور بالشفقة تجاه الفقير.
والركن الخامس الحج : الحج إلى الكعبة بيت الله الحرام في مكة فرض على كل مسلم بالغ يَملك القدرة المالية والبدنية في العمر مرة واحدة ووقته معلوم ومن أعظم الحكم لهذا الركن انه فرصة لإجتماع المسلمين حول العالم .
4
أنواع الجهاد
أنواع الجهاد هي
1- جهاد الجهل: هذا الجهاد هو تبليغ الناس وتعليمهم الدين الحق بأسلوب الحكمة والكلمة الطيبة.
يقول الله تعالى:{ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ } (النحل:125)
إن القرآن الكريم دواء إلهي لعلاج جميع الامراض المادية والروحية والفردية والاجتماعية، ليس للمسلمين فقط، بل لجميع الناس وإلى قيام الساعة. وقد أوكلت إلى المسلمين واجب تبليغه لناس كافة
2- جهاد النفس: يحذر الله المؤمنين من حيل النفس الامارو بالسوء ويحثهم على كبح جماحها ومجاهدتها
يقول الله تعالى:{ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ}. (ص: 26)
وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ المجاهد من جاهد نفسه لله ]
وقال أيضا: [ رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر ، قالوا : وما الجهاد الأكبر ؟ قال : مجاهدة العبد هواه ]،كان ذلك بعد العودة من المعركة، وهذا يعبر بإيجاز شديد عن اهمية جهاد النفس وهزيمتها وانه أصعب وأهم من قتال العدو.
3- جهاد الشيطان: ورد في القرآن الكريم:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ}.( فاطر:6) تشير الآية الى ان الشيطان عدو للانسان، وجهاده واجب للخلاص من شره
4- القتال بالسلاح: وهذا جهاد العدو المتربص بالامة وهو لا يكون دائما، وليس واجبًا على الجميع. فإذا كانت الدولة تتمتع بالقوة الكافية،وهناك من الناس من يقوم بهذا الواجب فانه يسقط عن البقية.
5
معنى الحج و حكمته وفوائده
(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)
الحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: "قصد مخصوص، إلى موضع مخصوص، في وقت مخصوص، بشرائط مخصوصة"
الحَجُّ فِي الإسْلَامِ هو حج المسلمين إلى مدينة مكة في موسم محدد من كل عام، وله شعائر معينة تسمى مناسك الحج، وهو واجب لمرة واحدة في العمر لكل بالغ قادر من المسلمين. هو الركن الخامس من أركان الإسلام،
والحج عبادة شعائرها لها رمزية تجعل الحاج يعيش احوالا معينة
فأثناء الحج، يغطي الحجاج أنفسهم بالاحرام ملابس غير مخيطة تشبه الكفن ، تذكر الانسان بالموت.
والوقوف في عرفة هو مثال صغير ليوم القيامة والحشر.
بعد الوقوف بعرفة، يأتي الحجاج إلى مزدلفة بالتكبير، ويقضون ليلة العيد هناك، وفي يوم العيد يذهبون إلى منى لرجم الشيطان وذبح الاضاحي. رجم الشيطان فيه اقتداء الحاج بسيدنا ابرهيم عليه السلام حين رجم الشيطان و يرمز الى كراهية الشيطان وشره.
وبعد أن يظهر الحاج عداوته وكرهه للشر، يذهب ليضحي بالأضحية فهو مستعد للتضحية في سبيل الله، اقتداءا بسيدنا إسماعيل عليه السلام الذي لبى الامر الإلهي وان كان فيه ذبحه فيعبر الحجاج بذلك عن استعدادهم للتضحية بحياتهم في سبيل الله إذا لزم الأمر، وأنهم لن يترددوا في التضحية. وهكذا جميع شعائر الحج فيها دروس يعيشها الحاج في هذه العبادة العظيمة
وكذلك للحج حكم كثيرة وفوائد مادية وروحية.
يجتمع المؤمنون في الحج وقد أتوا من كل البلاد ايمانهم وهدفهم واحد. لا يمكن رؤية هذا التجمع الكبير في أي مكان آخر في العالم .متوجهين الى خالقهم مؤمنين به لبوا نداء الحج يتعبدون بالشعائر ويدعون الى الله ويتضرعون اليه ويطلبون المغفرة، والتوبة والعزم على ترك المعاصي والالتزام باوامر الله وشريعته.
والحج بمثابة مؤتمر عام للعالم الإسلامي يعقد مرة واحدة في السنة. خلال موسم الحج، فهي فرصة للالتقاء والاختلاط مع بعضهم البعض؛ لديهم الفرصة لتبادل الثقافي والفكري والاقتصادي .
6
لماذا الإسلام هو الدين الحق؟
قال الله تعالى:"{ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }( آل عمران: 19)
في اللغة، تعني كلمة "دين" الجزاء سواء كان مكافأة أو عقوبة، وهي تعبر عن العلاقة بين التابع (الذي يتبع) والمتبوع صاحب السلطة. أما في الاصطلاح، فقد عُرِّف الدين بتعريفات مختلفة. هناك اختلافات جوهرية بين تعريفات الدين عند العلماء المسلمين ونظرائهم الغربيين، وكذلك فيما يتعلق بمصدر الدين وأول نشأته.
وفقاً للفهم الإسلامي، فإن الدين هو مجموعة القواعد التي توجه الإنسان ليعيش وفقاً للغاية التي خُلق من أجلها، ويساعده على تحقيق هذا الغرض ضمن نظام منضبط. فالدين هو المؤسسة التي تنظم العلاقة بين السلطة الإلهية المقدسة وبين الإنسان الذي يتبعها بإرادته. ومن خلال هذه الآية الكريمة، يتضح أن الدين الذي له قيمة عند الله يجب أن يقوم على تسليم إرادي وطوعي. بمعنى آخر، وفقاً للفكر الإسلامي، فإن الدين هو التشريع الإلهي الذي يوجه أصحاب العقول بإرادتهم نحو الخير والسعادة.
يُذكر مصطلح الإسلام لأول مرة في القرآن الكريم في هذه الآية.
ومعنى الإسلام في اللغة هو "الالتزام، والطاعة، والخضوع، والسلام"،
أما في الاصطلاح، فيعني "قبول كل ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتسليم له بكل كيان الإنسان".
وبهذا، فإن اسم الدين الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الإسلام. كما أن مصطلح "الإسلام" في اللغة العربية هو مصدر يعبر عن الدخول في هذا الدين.
أما من اتبع الإسلام، فيُطلق عليه "مسلم".
هناك ارتباط قوي بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة الإسلام. فوفقاً للفهم الإسلامي، الدين هو قانون يمنع النزاعات والصراعات بين الكائنات العاقلة ويحقق التوافق. كما أن الدين لا يقتصر على تنظيم العلاقات بين البشر فحسب، بل يشمل أيضاً العلاقة بين الإنسان والله، مما يحقق الانسجام بين إرادة الخالق وإرادة المخلوق.
جميع الأديان السماوية تقوم على مبدأ التوحيد، ولهذا فإن الدين الذي بلّغه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يختلف في الأساس عن الأديان التي جاء بها الأنبياء السابقون. ومع ذلك، يرى بعض العلماء المسلمين أن مصطلحي "دين الإسلام" و"أمة الإسلام" يجب أن يُستخدما فقط للإشارة إلى الدين الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعه، حتى وإن كان الإسلام يتفق مع الأديان السماوية السابقة في جوهره. ذلك لأن الإسلام يتميز بأحكامه الخاصة التي تخص أمته.
لكن هناك علماء مسلمين آخرين يرون أن الأديان السماوية السابقة يمكن أن تُسمّى أيضاً بالإسلام، مستدلين بآيات قرآنية مثل قول الحواريين للنبي عيسى عليه السلام:{فَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، وقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: { كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا}، بالإضافة إلى قوله:{هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} إلا أن من يخالفون هذا الرأي يرون أن هذه التسمية تنطبق على الأنبياء أنفسهم وليس بالضرورة على أممهم.
من الملاحظ أن الكتب السماوية السابقة لم تعطِ تسمية محددة لأتباعها، فمصطلحا "اليهودية" و"المسيحية" ظهرا لاحقاً، وكانا يُستخدمان لتسمية أتباع النبي موسى وعيسى عليهما السلام. وبناءً على ذلك، يمكن فهم معنى قوله تعالى:{ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } بصورة أعمق. فرغم أن الدين الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم له أحكامه الخاصة، إلا أن القرآن الكريم يؤكد مراراً وتكراراً أنه جاء ليصدّق ما سبقه من الرسالات السماوية، وأن هذه الرسالات في جوهرها كانت ضمن دائرة الإسلام، غير أن الرسالة التي أتى بها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاءت بالشكل الأكمل.
بالتالي، فإن السبيل الوحيد لنيل رضا الله هو الإيمان التام بجميع ما أنزله من تعاليم. وعلى الرغم من إمكانية استخدام تسميات أخرى للأديان في سياقات معينة، فإن الغاية النهائية هي أن يجتمع الساعون إلى الحقيقة في الإطار الذي يرضاه الله. وهذا المفهوم ينعكس بالضرورة على عقل الإنسان ووجدانه. وقد عبّر العلماء المسلمون عن هذا الفهم من خلال مصطلحي "أمة الإجابة" و"أمة الدعوة"، حيث تشير الأولى إلى من استجاب لدعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالفعل، بينما تشير الثانية إلى من لم ينضم بعد ولكن لديه القابلية لذلك.
من هذا المنطلق، فإن تسمية الإسلام بـ"المحمدية" كما يفعل بعض الكتّاب الغربيين ليست دقيقة، لأنها تقيّد الإسلام بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بينما هو دين شامل جاء لكل البشر. فمثل هذه التسمية لا تعكس الحقيقة وتؤدي إلى إعاقة التفاهم بين الأمم.
إن الفهم الصحيح لهذه الآية من منظور الهدف النهائي يدل على أن كل من عاش موحّداً لله، ولم يشرك به شيئاً، واتّبع تعاليمه في حياته، فإنه وفقاً للقرآن الكريم يمكن اعتباره "مسلماً". فالكثير من الآيات تؤكد أن النجاة في الآخرة تقوم على هذا الأساس.
الإسلام في معناه الواسع يعني الاستسلام لله بالقلب واللسان والجوارح. ومن بين هذه الأشكال الثلاثة، فإن التسليم القلبي هو الأهم والأعلى قيمة. وفي القرآن، نجد أن مصطلح الإسلام أحياناً يستخدم ليعبر عن الخضوع الظاهري الذي لم يصل بعد إلى درجة الإيمان الحقيقي.
أما عبارة {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فتُفهم غالباً على أنها تشير إلى أهل الكتاب، أما مصطلح "العلم" فيفسَّر بأنه "الوحي والآيات الواضحة". وتشير الآية إلى أن أهل الكتاب لم يختلفوا إلا بعد أن جاءهم العلم، أي أن الله أوضح لهم الحق ولم يترك لهم حجة، لكنهم رغم ذلك انحرفوا بدافع الغرور والطمع والمصالح الشخصية. وقد فُسّر هذا الاختلاف بأنه يشمل اليهود والمسيحيين معاً.
من خلال الوقائع التاريخية، يمكن فهم أن هذه الآية تنتقد المجتمعات التي أُنزِل إليها الوحي الإلهي، لكنها بدلاً من الاستفادة منه لتحقيق السلام والتقدم، انشغلت بالصراعات الداخلية والمصالح الذاتية، وأدى ذلك إلى الانقسام والتحزب الديني. وعلى الرغم من هذا التحذير الإلهي، إلا أن بعض المسلمين وقعوا في الأخطاء نفسها، مما شكّل عائقاً أمام تحقيق رسالتهم العالمية ونشر حضارتهم بالشكل المطلوب.
7
حكم أهل الفترة الذين لم بصلهم الإسلام
الفَتْرَةُ -بالفتح- ما بين كل نبيين،
وأهل الفترة هم الأمم الكائنة في الزمن الذي يقع بين رسولين؛ حيث لم يُرسل إليهم الأول، ولا أدركهم الثاني
ورد في صحيح البخاري عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: فَتْرَةٌ بيْنَ عِيسَى ومُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليهما وسَلَّمَ، سِتُّ مِئَةِ سَنَةٍ.
يشير الحديث الى الفترة أي الزمن بين النبي عيسى (عليه السلام) والنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
تشير بعض الآيات إلى أن العرب قبل الإسلام كانت معرفتهم بالأنبياء ضئيلة، قال الله تعالى:{ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ}(فصلت:14) مما يدل على ضعف تصورهم عن النبوة والأديان السماوية.
مع أنهم كانوا يعرفون النبي إبراهيم (عليه السلام)، إلا أنهم اعتقدوا أن نبوته كانت محصورة في زمانه فقط، ومع مرور ثلاثة آلاف سنة بينه وبين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لم يبقَ من تعاليم دينه التوحيدي سوى القليل.
تقسيم العلماء لأهل الفترة:
يقسم العلماء أهل الفترة إلى ثلاثة أقسام:
1. من أدرك وجود الله ووحدانيته بعقله: مثل قس بن ساعدة وزيد بن عمرو والد سعيد بن زيد (أحد المبشرين بالجنة).
2. من بدل التوحيد واخترع عبادة الأصنام: مثل عمرو بن لُحَيّ وغيره ممن نشروا الوثنية.
3. من لم يكن له أي اعتقاد إيجابي أو سلبي، وعاش في غفلة: وهم من لم يشغلوا عقولهم بأي قضايا دينية.
• الفئة الثانية (عبدة الأصنام) سيدخلون جهنم.
• أما الفئة الثالثة، فهم أهل نجاة لأنهم لم يتلقوا دعوة دينية واضحة ولم يرتكبوا كفراً صريحاً. وهذا موضع إجماع عند أهل السنة.
• أما الفئة الأولى (أمثال قُس بن ساعدة وزيد بن عمرو)، فسيحشرهم الله كأمة منفردة، وسينالون رحمة الله بسبب إيمانهم.
التكليف بالإيمان بالله عند أهل الفترة:
لا يُكلَّفون بالعبادات الشرعية، لكن هل يُكلَّفون بالإيمان بالله؟
• مذهب الماتريدية: نعم، يجب عليهم الإيمان بالله من خلال التفكر في خلقه.
• مذهب الأشاعرة: لا يُكلفون بذلك، لأن الله قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}(الإسراء:15)
رأي الإمام الغزالي في أهل الفترة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم:
• من لم تصله الدعوة نهائياً فهو من أهل النجاة.
• من سمع بها ورأى الأدلة والمعجزات ورفض الإيمان، فهو معذب.
• من سمع عن الإسلام بشكل مشوَّه ومن خلال الدعاية السلبية ولم يتلقَ دعوة حقيقية، فهو من أهل النجاة.
حكم أهل الفترة في آخر الزمان:
يقول بديع الزمان النورسي إن الجهل بالدين في آخر الزمان يشبه الفترة، وبالتالي، فإن الذين ماتوا و لم تصلهم الدعوة الصحيحة، خاصة من المسيحيين الذين تعرضوا للاضطهاد، قد يُعتبرون شهداء في ميزان الله.
8
الإسلام دين حياة
الإسلام هو الدين الوحيد الذي أنزله الله للبشرية منذ آدم. وكانت دعوى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام نفس الدين. وبما أن نبينا (ص) كان خاتم الأنبياء، فقد بلّغ آخر رسالة إلهية.
الإسلام دين يوافق العقل والمنطق. يقدم منظومة أخلاقية يرشد الإنسان في كل خطوة.
إن الله اختار الدين الاسلامي للناس وهو الأصلح لهم. ويسر لهم هذا الدين ليعيشوا في كنفه.
فالدين يخفف ويزيل كل الأعباء و الصعوبات التي يجده الانسان في حياته اليومية.إن الثقة والتوكل على الله مالك الكون ينهي كل المخاوف والهموم.
وكل الأوامر والأحكام التي انزلها الله أتت على الوجه الذي يناسب الطبيعة البشرية، ولا يوجد فيها أي حرج.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:
{ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ }(الأعلى:8) .
{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ}(الحج:78)
والحقيقة أن الدين الإسلامي هو منهج الحياة الذي يناسب فطرة الإنسان ووالعيش بالسلامة والسعادة ، وأن الحياة التي يحياها الإنسان وفق القيم الأخلاقية التي جاء بها القرآن هي أفضل حياة ممكنة للإنسان.
9
تعريف الزكاة و أهميته
الزكاة في اللغة: مشتقة من الزكاء وهو النماء والزيادة.
وفي الاصطلاح: إخراج مال مخصوص من مال مخصوص على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة.
والزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة و إحدى العبادات المالية، وقد فرضت في المدينة المنورة في السنة الثانية من الهجرة.
وفي القرآن الكريم:{ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ }(البقرة:43)
{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}(التوبة:103)
وتكمن أهمية الزكاة في انها تزيل حاجة الفقير والمحتاج فيستعين بما يعطى له على قضاء حوائجه في هذه الحياة، فتحل مشاكل العوز الاجتماعي بين طبقة الفقراء،فلا تحيلهم الحاجة الى الاسترزاق بالطرق الغير مشروعة المفسدة للمجتمع، وتزيل ايضا الحقد والحسد وتنشر الحب والود بين الأغنياء والفقراء، وكونها حق شرعي للفقير في مال الغني فلا منة للغني ولا يجد الفقير حرجا في اخذها فتحفظ ماء وجهه في المجتمع،والزكاة مفتاح للرحمة بين الناس، تطهر نفس الغني من البخل والطمع والأنانية، لأنه يشارك ماله مع المحتاجين.
10
سبب قبول العبادات
هناك شرط واحد فقط يتوقف عليه قبول العبادة عند الله ألا وهو الإخلاص
الإخلاص هو روح العبادة. والعبادة التي تؤدى بدون إخلاص فهي مجرد اعمال لا روح فيها وليس لها قيمة.
والإخلاص في العبادة يعني أداء العبادة لأنها أمر من الله وسبب لنيل الرضا الإلهي.
ويعبر بديع الزمان سعيد النورسي عن هذه المسألة بما يلي:
(إن غاية العبادة امتثال امر الله ونيل رضاه، فالداعي الى العبادة هو الامر الإلهي ونتيجتها نيل رضاه سبحانه أما ثمرتها وفوائدها فاخروية )
ولكن إذا صارت الفوائد والمنافع الدنيوية سببا للعبادة ضاع الإخلاص
ورد في الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[إنَّ اللهَ لا يقبلُ من العملِ إلَّا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهُه ]
11
ما هو آخر دين سماوي؟
الإسلام هو آخر دين سماوي أرسله الله للبشرية.
يقسم العلماء الأديان إلى نوعين رئيسيين:
الأديان الحقة، هي التي تقوم على الإيمان بإله واحد، وتأمر بعبادته وحده دون شريك، وهذه الأديان أنزلها الله، لذا تُسمّى أيضًا "الأديان السماوية". ولأنها قائمة على التوحيد، فإنها تُعرف أيضًا باسم "دين التوحيد".
الأديان الباطلة، وهي الأديان التي لم تُنزَل من عند الله فهي من صنع واختراع الناس فقد وضعوها بأنفسهم ولا تقوم على الإيمان بالله الواحد.
بعض الأديان الحقة تعرّضت للتحريف عبر الزمن من قبل البشر ، حيث أُضيفت إليها معتقدات غريبة باطلة لا تمتّ لأصل الدين بصلة ولم تكن جزءًا منها، فأصبحت أديانًا محرّفة، مثل اليهودية والمسيحية، اللتين كانتا في الأصل أديانًا سماوية حقة، ولكن بمرور الزمن أُدخلت إليهما تحريفات وتغيرات جعلتهما أديانًا محرَّفة، وبالتالي تُعدّان من الأديان الباطلة.
أول دين في التاريخ كان دين التوحيد الذي أُرسل مع النبي آدم عليه السلام. وكان يقوم على الإيمان بوحدانية الله. وقد أثبتت الدراسات أن أقدم المجتمعات البشرية كانت تؤمن بإله واحد، وهو ما يدحض النظريات التي تدّعي أن الأديان الأولى كانت وثنية.
ومع مرور الوقت، بدأ الناس يبتعدون عن الدين الحق و عقيدة التوحيد، واتبعوا أهواءهم ووسوسة الشيطان، فظهرت الأديان الباطلة. ومع كل انحراف، أرسل الله نبيًا جديدًا ليعيد الناس إلى الطريق الصحيح. ولكن لم يكن الجميع يستجيب للدعوة، بل كان هناك دائمًا من يعارض الحق ويقاتل أهله. هذه المعركة بين الحق والباطل مستمرة عبر العصور، وستبقى حتى نهاية العالم.
12
معنى الجهاد
الجهاد في اللغة : بذل الجهد والوسع والطاقة، من الجُهْد بمعنى الوُسع، أو من الجَهْد بمعنى المشقة وكلا المعنيين في الجهاد.
وفي الشرع أو في اصطلاح القرآن والسنة، هو مصطلح إسلامي يعني جميع الأفعال أو الأقوال التي تكون في سبيل الله
تُترجم كلمة "الجهاد" في اللغات الغربية على أنها "الحرب المقدسة"
هدفهم من هذه الترجمة تصوير الإسلام على أنه دين ينتشر بقوة السلاح.
فكلمة "الجهاد" لا تعني "الحرب". وإنما القتال في سبيل الله هو نوع من أنواع الجهاد
وبالتالي ليس الجهاد لفظ يدل فقط على القتال في سبيل الله بل يأتي بمعنى أعم وأشمل
13
قيمة حقوق الانسان في الإسلام
نعم الإسلام أحق من يقيم ويعطي حقوق الانسان فلا يوجد قانون افضل من التشريع الإلهي.
في الإسلام، حياة الإنسان، وإيمانه، وشرفه وكرامته وحريته، وملكيته، وشخصيته مصونة أيضًا.
لأن سلامة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة مبنية على ذلك.
إن عدم مراعاة حقوق العبد المادية أو المعنوية جريمة عظيمة عند الله، فالله لا يغفر لمن انتهك حق الاخر، الا اذا تنازل العبد عن حقه،
فالعبد يأخذ حقه واذا تنازل وسامح بنفسه بعدها يغفر الله ذلك الذنب.
في الإسلام، كل شخص مسؤول عن احترام حقوق الآخر.
الإنسان اجتماعي بطبعه، والعلاقات الاجتماعية لا حصر لها بين الناس. ويجب أن تقوم هذه العلاقات على العدالة والمساواة. وإلا سيحدث انتهاك لحقوق الناس ويقع الظلم.
إن القرآن الكريم يحمي الحقوق المعنوية للعبد لدرجة أنه ينهى المؤمنين عن سوء الظن، والتجسس والغيبة.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }(الحجرات:12)
لنفكر بعقلانية: هل الدين الذي يحرم الغيبة والشبهة يسمح بالظلم والإرهاب والقتل بغير حق؟
14
لماذا فرض الصيام؟
ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183)
كما قال رسول الله ﷺ:[ الصيام جُنَّةٌ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ القِتَالِ] النسائي
فالصيام عبادة تحرر الإنسان من الشهوات وتزيد من إخلاصه، إذ يدرّب المسلم على مقاومة الجوع والعطش وكبح رغبات النفس. وهو وسيلة لتعزيز الإرادة والقوة الروحية، مما يجعل المؤمن أكثر صلابة في طاعة الله والاستعداد للجهاد في سبيله.
اختبار الإرادة والطاعة
يتغير موعد الصيام سنوياً وفقاً للتقويم الهجري، مما يعني أن المسلمين يصومون أحياناً في البرد القارس وأحياناً في الحر الشديد. وهذا اختبار عملي يعكس استعداد العبد لطاعة الله في جميع الظروف، سواء في الشتاء القارس أو الصيف الحار.
إخلاص العبادة لله
الصيام من العبادات التي لا يدخلها الرياء، إذ لا يعلم أحد إن كان الشخص صائماً أم لا سوى الله، ولهذا ورد في الحديث الشريف:
[قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ.] البخاري
ففي حين أن سائر العبادات تُضاعف حسناتها عشر مرات، فإن الصيام له أجر غير محدود، يُكافئ الله به عباده مباشرة، مما يدل على مكانته العظيمة في الإسلام.
15
هل الإسلام دين حرب
إن الحرب ليست أمراً مرغوباً أو مطلوباً، لكن البشرية لم تستطع تجنبها عبر التاريخ. فقد ذكر القرآن الكريم قصة الصراع بين ابني آدم، حيث كان أحدهما بريئاً والآخر معتدياً، فقام المعتدي بقتل أخيه البريء.
قال الله تعالى:{ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ (27) لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (28) إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ (29) فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ (30) فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ (31)}( سورة المائدة) وقد عُرف البريء باسم هابيل، والمعتدي باسم قابيل.
بقتل قابيل لأخيه، سُفك لأول مرة دم بشري على الأرض، إلا أن هذا الدم ازداد مع مرور الزمن ليشمل مختلف أنحاء العالم. إن هابيل وقابيل يمثّلان نموذجين للإنسانية: البريء والمعتدي. وطالما وُجد في العالم أشخاص مثل قابيل، فإن أمثال هابيل سيحتفظون بحق الدفاع عن أنفسهم.
لذلك، يسمح الإسلام بالحرب في ظل ظروف معينة لردع الظلم وتحقيق السلام العادل. كما في الآية التالية: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}(الحج:39)
وأول من نزلت فيهم هذه الآية هم المسلمون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين تعرّضوا للاضطهاد في مكة، حتى أُجبر بعضهم على الهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. لكن حتى هناك لم يكونوا في مأمن من التهديدات والهجمات، فسمح لهم الله بالدفاع عن أنفسهم.
مبادئ الحرب في الإسلام
في آية أخرى تتعلق بالحرب، يقول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(البقرة:190)
"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (سورة البقرة، 190)
تُظهر هذه الآية عدة مبادئ مهمة في الحرب:
1. قاتلوا الذين يقاتلونكم: أي لا تقاتلوا من لا يقاتلكم. ولهذا، أوصى النبي صلى الله عليه وسلم قادته العسكريين بعدم قتل النساء، الأطفال، كبار السن، والرهبان المنعزلين في المعابد.
2. الحرب في سبيل الله: أي أن يكون القتال لتحقيق العدالة ومنع الظلم، وليس من أجل الغزو أو المكاسب الاقتصادية.
3. عدم التجاوز في الحرب: فحتى في القتال، يفرض الإسلام قواعد أخلاقية، مثل تجنب التعذيب، وعدم التمثيل بجثث الأعداء.
الحرب لحماية المظلومين
يقول الله تعالى في موضع آخر:{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا}(النساء:75)
تشير هذه الآية إلى أن الحرب تكون مشروعة عندما يُمنع المسلمون من ممارسة دينهم ويتعرضون للاضطهاد. فبعد انتهاء القتال، يتم تحرير المسلمين من الظلم، ويُمنح الناس حرية اعتناق الإسلام أو البقاء على دينهم.
الخلاصة
الأصل في الإسلام هو السلام وليس الحرب، ولكن عندما يُمارس الظلم أو يتعرض المسلمون للاعتداء، فإن القتال يصبح ضرورياً. الإسلام لم يخترع الحرب، بل وضع لها ضوابط أخلاقية وإنسانية، فحولها من فوضى همجية إلى معركة عادلة لها قوانينها. لذلك، فإن وجود أحكام الحرب في الإسلام ليس نقصاً، بل هو كمالٌ وتشريعٌ يضفي عليها طابعاً حضارياً وإنسانياً.
16
نظرة القرآن الكريم إلى أهل الكتاب
لا يساوي الإسلام بين المشركين (الذين يشركون بالله) وأهل الكتاب، أي اليهود والنصارى. بل يعاملهم بطريقة مختلفة، كما يتضح في العديد من الآيات الكريمة.
يقول الله تعالى في سورة المائدة:
{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}(المائدة:5)
وفقًا لهذه الآية، يمكن للمسلمين التعامل مع أهل الكتاب في مجالات الاقتصاد والتجارة.
كما يجوز للمسلم الزواج من امرأة عفيفة من أهل الكتاب، بينما لا يُسمح له بالزواج من مشركة.
آيات أخرى تتعلق بأهل الكتاب
دعوة أهل الكتاب إلى التوحيد
يقول الله تعالى:{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}(آل عمران:64)
يدعو القرآن أهل الكتاب إلى الإيمان بالله وحده وعدم الشرك به، وعدم اتخاذ بعضهم البعض آلهة أو أرباباً من دون الله.
الحوار مع أهل الكتاب بالحسنى
يقول الله تعالى:{ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}(العنكبوت:46)
يأمر الله المسلمين بأن يجادلوا أهل الكتاب بأفضل الطرق وأحسن الأساليب، باستثناء من ظلم منهم.
كما يؤكد على أن الإله واحد، وأن المسلمين مؤمنون بالكتب السماوية التي أُنزلت من قبل.
الفرق بين اليهود والنصارى في موقفهم من المسلمين
يقول الله تعالى:{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ}(المائدة:82)
يشير القرآن إلى أن اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للمؤمنين.
بينما النصارى أقربهم مودة للمسلمين، وذلك لأن منهم قساوسة ورهباناً يتصفون بالتواضع وعدم الكبر.
الخلاصة
- الإسلام يفرق بين المشركين وأهل الكتاب، ويمنح أهل الكتاب بعض الامتيازات، مثل إباحة طعامهم والزواج من نسائهم.
- يدعو الإسلام أهل الكتاب إلى التوحيد والحوار بالحسنى.
- يشير القرآن إلى أن بعض أهل الكتاب أقرب مودة للمسلمين من غيرهم.
17
ما هو الصيام؟ وما حكمه في الإسلام؟
الصيام هو الامتناع عن الأكل والشرب والجماع من وقت الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
ويُطلق على بدء الصيام "الإمساك"، ومعناه كبح النفس عن شهواتها، ويقابله "الإفطار"، وهو تناول الطعام وانتهاء الصوم.
حكم الصيام في الإسلام
الصيام هو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو من الشعائر العظيمة التي شرعت في السنة الثانية للهجرة، في العاشر من شهر شعبان.
وقد ثبتت فرضيته بالقرآن والسنة والإجماع.
قال تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183)
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[ الصِّيَامُ جُنَّةٌ فلا يَرْفُثْ ولَا يَجْهلْ، وإنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ]
فوائد الصيام
الصيام يقي الإنسان من الوقوع في المعاصي، فهو يحفظ النفس من الشهوات ويكبح جماح الرغبات. لهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم الشباب غير القادرين على الزواج بالصيام، لأنه يقلل من تأثير الشهوة ويهذب النفس. وقد أثبت العلم الحديث أن الصيام يساعد في السيطرة على الرغبات الجسدية.
عندما يحل شهر رمضان، تقل معدلات الجريمة والمعاصي، وتنتشر أجواء الخير والبركة، ويزداد التراحم بين الناس. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك:
[ إذا جاء رمضانُ فُتِّحَتْ أبوابُ الرحمةِ ، و غُلِّقَتْ أبوابُ جهنَّمَ ، و سُلسِلَتِ الشياطينُ]
مكانة الصيام عند الله
ورد في الحديث القدسي:
[ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به]
وفي حديث آخر:
[ كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعفُ ؛ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها ، إلى سَبْعِمائةِ ضِعفٍ ، قال اللهُ تعالى :إِلَّا الصَّوْمَ ؛ فإنَّه لِي ، وأنا أجزي به ، يَدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجلِي]
وهذا يدل على أن الصيام له أجر غير محدود، لا يعلمه إلا الله، وسينال الصائمون مكافآت عظيمة يوم القيامة.
الصائمون في الآخرة
من فضل الصيام أن الله خصص للصائمين باباً في الجنة يُسمى "الريّان"، لا يدخله إلا الصائمون، كما ورد في الحديث:
[إنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ له: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ منه أحَدٌ.]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:[ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ]
كما أن دعاء الصائم مستجاب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:[ ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم الصَّائمُ حتَّى يُفطرَ والإمامُ العادلُ ودعوةُ المظلومِ ]
الصيام ليس مجرد عبادة، بل هو تدريب للنفس على الصبر، وتعزيز للإخلاص، وتطهير للروح، وهو عبادة جليلة لها أجر عظيم عند الله.
18
السلام في الإسلام
في كتاب "أفكار ما بعد الحداثة"، يلخص البروفيسور الدكتور إبراهيم أوزدمير تحت عنوان "أخوّة المسلم مع الناس" بعض التطبيقات التاريخية للإسلام. دعونا نستعرض هذه النقاط المهمة ونفكر معاً: هل السلام الذي تبحث عنه البشرية موجود في الإسلام؟
تكريم الإسلام للإنسان
وفقاً للقرآن الكريم، الإنسان هو أشرف المخلوقات، وهو خليفة الله في الأرض، ولذلك فقد مُنح مكانة عظيمة. وقد اعتبر قتل نفس بريئة بمثابة قتل البشرية جمعاء.
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أظهر احتراماً حتى لجنازات غير المسلمين، مما يؤكد أن قيمة الإنسان تسبق انتماءه الديني. وقد أسهم هذا الفهم في ترسيخ تقاليد قائمة على التسامح والحوار بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى.
لا إكراه في الدين
بما أن نظرة المسلمين للآخرين تستند إلى مبادئ القرآن الكريم، لم يُجبر أحد على تغيير دينه أو اعتناق الإسلام تحت الحكم الإسلامي. وهذا نابع من المبدأ القرآني الصريح:{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(البقرة:256)
وعليه، فقد تُرك سكان المناطق المفتوحة أحراراً في عقيدتهم، ولم يُفرض عليهم الإسلام، بل كان عليهم فقط دفع الجزية مقابل حمايتهم.
شدّد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على هذا المبدأ في قوله:
[ألا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ]
وبما أن الإكراه في الدين يتعارض مع جوهر العقيدة الإسلامية، فقد بيّن القرآن أن دور رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التبليغ، وليس إجبار الناس على الإيمان.
دستور المدينة – نموذج للتعايش
عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وضع وثيقة مكتوبة لتنظيم العلاقة بين المسلمين واليهود، تُعرف بـ صحيفة المدينة، وتُعتبر أول دستور لدولة في التاريخ.
ومن بين بنودها:( لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم )وقد ضمنت هذه الوثيقة حرية الدين لليهود وحلفائهم، مما يدل على التزام الإسلام بمبدأ التعايش السلمي.
حماية المسيحيين في نجران
كانت نجران، جنوب مكة، مركزاً للمسيحية في الجزيرة العربية. وعندما عقد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اتفاقية مع أهل نجران، ضمن لهم:
• حماية أرواحهم وأموالهم
• حرية ممارسة دينهم
• الحفاظ على كنائسهم ورجال دينهم
استمرارية المبادئ الإسلامية عبر العصور
بعد وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، واصل الخلفاء المسلمون نفس النهج. ففي عهد أبي بكر الصديق، وجّه قادة جيوشه بعدم المساس بالمدنيين، وعدم قطع الأشجار أو قتل الحيوانات إلا للحاجة. كما عكس عهد عمر بن الخطاب عند فتح القدس نفس المبادئ، إذ ضمن حرية العبادة للمسيحيين، وحمى أماكنهم المقدسة.
الخلاصة
الإسلام ليس دين حرب، بل هو دين سلام قائم على العدل والتسامح. إنه يقدّم نموذجاً متكاملاً لاحترام حقوق الإنسان، وحماية الأقليات، وضمان حرية العقيدة. لذا، فإن السلام الذي تنشده البشرية، يمكن أن تجده في التعاليم الإسلامية الأصيلة.
19
هل عدالة الله تقتصر على المسلمين ؟
عدل الله يشمل الجميع، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. فقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده دون النظر إلى دينهم. فالله لا يظلم أحداً، ولا يحيد عن العدل في حكمه.
يقول الله تعالى: { مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } (فصلت:46)
في هذه الآية، تأكيد على أن الله لا يظلم أي عبد من عباده، بغض النظر عن دينه، وأن العدل يشمل الجميع.
هناك العديد من الآيات التي تؤكد هذا المبدأ، ومنها قول الله تعالى في خطاب موجه للكافرين: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } (الحج:8-10)
تشير هذه الآية إلى أن العقاب الذي يصيب الكافرين هو بسبب أعمالهم، وليس لأن الله يظلم أحداً.
كما قال الله تعالى:{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة:7-8)
وهذه الآية تؤكد أن أي عمل، مهما كان صغيراً، سواء كان خيراً أو شراً، لا يضيع عند الله، بل يجد صاحبه جزاءه عليه.
كلمة (ذرة) في هذه الآية تعني أصغر شيء يمكن إدراكه، سواء كان كالنملة الصغيرة أو كجزيئات الغبار التي تظهر في ضوء الشمس. وهذا يوضح أن حتى أصغر الأعمال لا تغيب عن عدل الله.
20
ما هي حكمة وفوائد عبادة الصيام؟
إن أوامر الله ونواهيه كلها تصب في مصلحة العباد، فقد أجمع علماء الإسلام على أن جميع الأحكام تهدف إلى تحقيق مصلحة الإنسان. فكل ما أمر الله به فيه منافع عظيمة للعباد، وكل ما نهى عنه فيه أضرار كبيرة. ومن هذا المنطلق، اجتهد العلماء في البحث عن حكم وفوائد العبادات، ولم يركزوا فقط على منافعها العملية، بل سعوا لجعلها وسيلة لتطهير النفس والارتقاء بها.
الهدف الأساسي من الصيام
الصيام يهدف إلى بلوغ التقوى، كما جاء في القرآن الكريم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)
فالصيام بمثابة دورة روحية تنقي القلب والروح من أدران الذنوب، فيرتقي الإنسان إلى مستوى {قد أفلح من زكاها}، أي أن من يطهر نفسه من الشرور يفوز بالفلاح. وكما أن الزكاة تطهر أموال المسلمين، فإن الصيام هو زكاة الجسد، حيث يحرر الإنسان من سيطرة شهواته ويجعله أكثر قدرة على التحكم في نفسه.
الصيام والتربية الروحية والاجتماعية
الصائم عندما يتحكم في رغباته، فإنه يقترب من الله، فيشعر بانتمائه إلى المجتمع الإيماني. وخلال شهر رمضان، تتجسد هذه الروح الجماعية في العبادات الجماعية، حيث يجتمع الفقراء والأغنياء في صفوف واحدة للصلاة وعلى موائد الإفطار، مما يعزز التكافل الاجتماعي، كما أن الزكاة والصدقات تعمل على تحقيق توازن اقتصادي بين الفئات المختلفة.
الصيام مدرسة للصبر والإرادة
الصيام ليس فقط امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب على ضبط النفس وقوة الإرادة. فمن يتمكن من مقاومة الجوع والعطش يستطيع أن يواجه تحديات الحياة بصبر وثبات. والأشخاص الذين يتمتعون بإرادة قوية يحققون النجاح في الدنيا والآخرة، لأن العبادات تتطلب عزيمة قوية وإرادة صلبة.
الصيام يرسّخ القناعة ويهذب النفس
عندما يشعر الصائم بالجوع، يدرك معاناة الفقراء، فيتعلم القناعة ويبتعد عن الإسراف. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:[القناعَةُ كَنزٌ لا يَفنَى] (البيهقي-الزهد). والصيام يعزز الشعور بنعم الله ويزيد من شكر العبد لربه، فيفهم أن الطمع يؤدي إلى الحرمان، بينما القناعة تجلب البركة.
تنظيم الحياة والانضباط الذاتي
الصيام يعلّم الإنسان الانضباط من خلال مواعيد الإفطار والسحور والصلاة، مما يجعله أكثر التزاماً في حياته اليومية. ورمضان هو فرصة عظيمة لمراجعة النفس، والاستغفار، والتقرب من الله، مما يساعد المسلم على بناء علاقة أقوى مع ربه.
الفوائد الصحية للصيام
الصيام هو زكاة الجسد، حيث يساعد على التخلص من السموم المتراكمة في الجسم، ويعمل على تجديد الخلايا وتعزيز صحة البدن. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [صُومُوا تَصِحُّوا] (المعجم الأوسط للطبراني) وخلال شهر رمضان، يشعر الإنسان بالانتعاش الجسدي والفكري، حيث تتحرر خلايا الجسم من الأضرار الناجمة عن العادات الغذائية غير الصحية.
الصيام باب للمغفرة والأمل
رمضان هو شهر الغفران، حيث تُفتح أبواب الرحمة، ويُمنح العباد فرصة للتوبة الصادقة. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ](البخاري).
والصيام يُعلّم الإنسان الصبر على الابتلاءات ويزيد من قدرته على التحمل في مواجهة الصعوبات.
الصيام وعلاقته بالسنة النبوية
فهم حكمة الصيام يساعد المسلم على الالتزام بأحكامه وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، مما يجعل الصيام أكثر بركة وقبولًا عند الله. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [الصومُ جُنَّةٌ] أي أنه وقاية للمؤمن من الذنوب والنار. وقال أيضاً مخاطباً الصحابي كعب بن عجرة:[ يا كعبُ بنَ عُجرةَ ! الصلاةُ برهانٌ ، والصومُ جُنَّةٌ حصينةٌ ، والصدقةُ تُطفِئُ الخطيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النارَ] (الترمذي)
وفي الختام
الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو رحلة روحانية تقود الإنسان إلى التقوى، وتربيه على الصبر والانضباط، وتعزز الشعور بالقناعة والشكر. وهو وسيلة لتحقيق الصحة الجسدية والنفسية، وفرصة للعودة إلى الله. لذلك، فإن فهم حكمه وأسراره يساعدنا على أداء هذه العبادة العظيمة بروحها الحقيقية، كما أرادها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
21
هل يستطيع الإسلام، أن يجيب على أسئلة عصرنا ويلبي احتياجاته؟
بداية نشير الى ما ذكره الامام سعيد النورسي في كليات رسائل النور
حيث يتناول وظيفة القرآن من خلال شُعبتين:
1. تعليم الناس حقيقة دائرة الربوبية
2. بيان أحوال دائرة العبودية
دائرة الربوبية تشمل ذات الله وصفاته وأفعاله وأسمائه، حيث يُعرِّف القرآن الناس بربهم ويُبعدهم عن المعتقدات الباطلة.
أما دائرة العبودية، فهي تُعنى بواجبات الإنسان تجاه الله، من حيث ما أمر الله به، وما نهى عنه، وما يرضيه وما يُسبب سخطه.
هل للزمن تأثير على هذه التعاليم؟
في هاتين الدائرتين، ليس للعقل البشري كلمة مستقلة، وليس للزمن تأثير يُغير من ثوابتها. فالله، كما كان في الأزل، هو كذلك الآن، والإنسان الذي يرضاه الله كان ولا يزال بنفس الصفات التي حددها الإسلام منذ البداية.
هل تغيّرت الأحكام عبر العصور؟
في عصور الأنبياء السابقة، نزلت أحكام متغيرة في بعض المعاملات، وفقاً لمتطلبات كل عصر، ولكن هذا التغيير انتهى عندما بلغت البشرية مرحلة النضج، بحيث تستطيع التعلم من رسالة واحدة ونبي واحد وكتاب واحد.
مصدر الاعتراضات
الاعتراضات على صلاحية الإسلام غالباً ما تتركز على الأحكام المتعلقة بالمعاملات والأخلاق، لكن المعترضين لا يطرحون بديلًا حقيقياً. وغالباً ما تأتي هذه الاعتراضات من الفئات التي اعتادت على الانحرافات الاجتماعية، وتتصور أن القيم القرآنية لا تتناسب مع نمط حياتها، فتدعي أن القرآن لم يعد مناسباً لعصرنا.
هل يجب تغيير الحقائق لتناسب الأغلبية؟
الحقيقة لا تتغير بتغير الأغلبية، بل على العكس، الناس هم من يجب أن يسعوا للوصول إلى الحق والالتزام به، وليس العكس.
مثالان واضحان: تحريم الربا والخمر
حرّم القرآن الربا والخمر. والواقع أن لا أحد يمكنه الادعاء بأنهما مفيدان، إلا من أدمنهما أو استغل آثارهما لمصلحته. فلو كانت غالبية الناس في عصر ما تتعامل بالربا أو تدمن الخمر، فهل هذا يعني أن القرآن لم يعد صالحًا لذلك العصر؟ على العكس، هذا دليل على أن المجتمع قد انحرف عن القرآن، وليس العكس.
الخلاصة
جميع أحكام الإسلام تشبه هذه الأمثلة، فهي ثوابت لا تتغير مع الزمن. والمجتمعات التي تعتقد أنها تجاوزت القرآن ليست في الحقيقة إلا بعيدة عنه، بحاجة إلى العودة إليه، وليس إلى تغييره!
22
ما هي عبادة الحج وما هو حكمها في الإسلام؟
- عبادة الحج
كلمة "الحج" في اللغة تعني القصد والتوجه الى معظم.
أما في الاصطلاح الديني، فتعني زيارة مكان معين في وقت محدد بأفعال مخصوصة.
• المكان المعين: الكعبة المشرفة وعرفة.
• الوقت المحدد: أشهر الحج وهي شوال، ذو القعدة، والعشرة الأولى من ذو الحجة.
• الأفعال المخصوصة: تشمل الطواف حول الكعبة، الوقوف بعرفة، السعي بين الصفا والمروة، وغيرها من مناسك الحج.
حكم الحج
الحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو عبادة تجمع بين الجهد البدني والإنفاق المالي.
فرض الحج في السنة التاسعة للهجرة، وثبتت فرضيته بالقرآن والسنة والإجماع.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}(آل عمران:97)
الحج فرض على كل مسلم بالغ، عاقل، قادر، مرة واحدة في العمر.
حديث نبوي عن فرضية الحج قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم](صحيح مسلم)
23
الإكثارمن السؤال في الدين
في الشريعة، هناك نوعان من الأحكام:
1. الأحكام التعبدية: وهي الأحكام التي لا تُعرف حكمتها بشكل واضح، وإنما تعتمد تماماً على الأمر والنهي الإلهي.
2. الأحكام المعقولة المعنى: وهي الأحكام التي يمكن البحث في حكمتها وأسباب تشريعها.
فهم الفرق بين الأحكام التعبدية والمعقولة المعنى
عند النظر إلى السؤال من هذا الجانب، يمكننا طرح مثال: "لماذا صلاة الفجر ركعتان وليس عشراً أو عشرين؟"
الإجابة ببساطة: لأن الله أمر بذلك.
عدد ركعات الصلوات محدد من قِبَل الله، والبحث عن حكمة ذلك قد لا يؤدي إلى نتيجة، لأن الأمر تعبدي محض. أما بعض الأحكام الأخرى، فيمكن فهم الحكمة منها، لكن هذا لا يعني أن الحكمة هي الأصل، بل الأصل هو أمر الله أو نهيه.
مثال آخر: لماذا نصوم؟
يمكن أن نبحث عن العديد من الحكم للصيام، مثل:
• الشعور بالفقراء والرحمة بهم.
• ضبط النفس وتقوية الإرادة.
• الفوائد الصحية.
لكن هل يمكن لشخص أن يقول: "بما أن الصيام يساعدني على الشعور بالفقراء، فسأبدأ الصيام من الساعة 11 مساءً بدلاً من وقت الإمساك (4 صباحاً)، وأفطر بعد المغرب بخمس دقائق فقط لكي أكون أكثر شعوراً بالفقراء؟"
الإجابة: لا، لأن الصيام له وقت محدد من الله، وإذا لم يلتزم به الإنسان، فصيامه غير صحيح حتى لو تحققت الحكمة المرجوة منه بشكل أكبر.
الخلاصة
يجب أن ننظر إلى جميع الأحكام الشرعية بهذه الطريقة:
• نلتزم بها لأنها أمر الله ونهيه، وليس فقط لأجل الحِكَم التي قد نفهمها.
• الحِكمة موجودة، ويمكن البحث فيها، لكنها ليست الأصل، بل هي تفصيل تابع للأمر الإلهي.
• البحث عن الحِكَمة في الاوامر الشرعية أمر محمود، لكنه لا يعني أن نفعل الأمور بناءً على الحِكَمة فقط ونتجاهل النص الشرعي نفسه.
لذلك، لا توجد قاعدة في الإسلام تقول: "لا يجوز الإكثارمن السؤال في الدين"، بل هناك تفريق بين التعبد المحض حيث التساؤل غير مجدٍ، وبين الأحكام ذات المعاني الواضحة التي يمكن البحث في حكمتها، ولكن دون أن تكون الحكمة بديلًا عن الأمر الإلهي نفسه.
24
مفهوم العبودية ومعنى عبادة الله
العبودية هي العلاقة التي تنظم الصلة بين الإنسان المخلوق والله الخالق، ولهذا جاء في أول وحي نزل تأكيد على أن الله هو الخالق، والإنسان مخلوق:
{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}(العلق:1-2)
وفي أول آية تدعو الإنسان إلى عبادة الله في القرآن، تم التأكيد على هذه العلاقة:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:21)
من هذه الآيات، نفهم أن العبودية هي وظيفة فطرية للإنسان، وهي تعبير عن الشكر للخالق، وعمل مقدس يحقق الغاية من خلق الإنسان، سواء من الناحية الروحية أو الجسدية.
أنواع العبودية:
تنقسم العبودية إلى نوعين:
1. العبودية بمخاطبة الله بشكل غير مباشرة
2. العبودية بمخاطبة الله بشكل مباشر
أولًا: العبودية بمخاطبة الله بشكل غير مباشرة:
وتتمثل في إدراك عظمة الله من خلال التأمل في خلقه، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
• التسبيح بعظمة الله من خلال ملاحظة النظام الدقيق في الكون وإدارته المتقنة.
• التفكر في جمال الخلق الذي يعكس أسماء الله الحسنى وصفاته الجليلة.
• تقدير عظمة الله من خلال إدراك القيم الجمالية والمعنوية الموجودة في مخلوقاته.
• التأمل في الكون باعتباره كتاباً مكتوباً بحكمة الله وقدرته.
• التفكر في الجمال الإلهي عبر التأمل في الإبداع والتناسق الموجود في الكون، مما يؤدي إلى محبة الله وتعظيمه.
ثانيًا: العبودية بمخاطبة الله بشكل مباشر :
وتتمثل في الممارسات الدينية المباشرة التي تهدف إلى التقرب من الله، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
• إدراك أن الإنسان دائمًا في حضرة الله والتصرف بناءً على ذلك.
• الاعتراف بعظمة الله من خلال التأمل في مخلوقاته والإيمان به استجابة لهذه المعرفة.
• تحقيق محبة الله من خلال إدراك أن نعمه لا تُحصى، وردّ هذا الحب بالعبادة والإخلاص له.
• الشكر لله على عطاياه من خلال التعبير عن الامتنان له بكل الوسائل الممكنة، سواء بالكلام أو بالأفعال.
• التسبيح والسجود لله تعبيراً عن الخضوع لعظمته، وذلك بقول سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر والقيام بالصلاة والركوع والسجود.
العبودية بين العبادة والالتزام الدنيوي
العبودية تشمل نوعين رئيسيين:
1. العبادات الشرعية مثل الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج.
2. العبودية من خلال الأعمال النافعة مثل تطوير التكنولوجيا، وبناء الجسور، وصناعة الطائرات والسفن، وكل ما يسهم في تسهيل حياة البشر.
لكن لتحقيق القبول عند الله، لا بد أن يكون الهدف من هذه العبودية هو رضا الله والإخلاص له.
25
لماذا فرض الحج؟
مفهوم "العبادة"، في معناه الواسع يعني تنظيم حياة المؤمن وفقاً لما يريده الله،
أما في معناه الضيق فيشمل الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج، والأضحية، وغيرها من الشعائر.
ولكل عبادة خصائصها وحكمتها الخاصة، ومعرفة هذه الحكم تجعل أداء العبادات أكثر معنى.
ويعد الحج من العبادات التي تتميز بأفعال رمزية، لذا فإن فهم أبعاده التاريخية، الأخلاقية، والثقافية يساعد في استيعاب روحه الحقيقية.
الحكمة من الحج وأهدافه
لا شك أن كل ما أمر به الله تعالى ينطوي على حكم عظيمة تفيد الإنسان في دنياه وآخرته، وينطبق هذا أيضاً على فريضة الحج. ومن هذه الحكم:
1. إظهار العبودية والتذلل لله
يشعر الإنسان المؤمن بحاجته الفطرية لإظهار العبودية لله سبحانه وتعالى. والحج يُمكّن المسلم من التعبير عن ضعفه وعجزه أمام خالقه، ومن شكر الله على نعمه. فالحاج يترك وراءه المال، الجاه، والمناصب، متوجهاً إلى الله وحده، مُظهراً خضوعه وتسليمه الكامل لله، مما يمنحه شعوراً عميقاً بلذة العبودية.
2. تجسيد مبدأ المساواة والأخوة الإسلامية
يجمع الحج ملايين المسلمين من مختلف الأجناس، اللغات، والثقافات، في صورة حية للمساواة والأخوة. حيث يرتدي الجميع نفس اللباس، ويعيشون نفس الظروف، ويتحملون نفس المشاق، مما يعزز مفهوم الوحدة. فالحج يُعلِّم المسلمين أن الغنى والفقر، والقوة والضعف، لا قيمة لها أمام الله، كما يذكرهم بيوم القيامة حيث لا ينفع مال ولا جاه.
3. تعزيز الانتماء للإسلام وتقوية الإيمان
زيارة الأماكن المقدسة، حيث نزل الوحي، وحيث عاش النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، ورؤية مواقع الأحداث العظيمة في تاريخ الإسلام، تُعزز المشاعر الدينية للمؤمن، وتقوي ارتباطه بدينه.
4. التفاعل والتواصل بين المسلمين
الحج فرصة عظيمة للمسلمين من جميع أنحاء العالم للقاء والتعارف، مما يعزز التواصل بينهم، ويمكنهم من تبادل الأفكار والخبرات، وحتى إقامة علاقات تجارية، ما يُسهم في تقوية الروابط بين الأمة الإسلامية.
5. التعبير عن شكر النعم
يؤدي المسلم الحج شكراً لله على ما وهبه من صحة، ومال، وقدرة على أداء هذه الفريضة، مما يجعله أكثر امتناناً لما أنعم الله به عليه.
6. تهذيب النفس وتعزيز الأخلاق
يمر الحاج خلال أدائه المناسك بتجارب تعزز من أخلاقه، حيث يتعلم الصبر، وتحمل المشاق، والتكيف مع الآخرين، والعمل الجماعي، والتواضع، والالتزام بالقوانين والأنظمة، وهي قيم تنعكس إيجابياً على حياته بعد عودته.
7. ترك أثر عميق في حياة المسلم
يترك الحج أثراً لا يُمحى في نفس الحاج، فيصبح نقطة تحول في حياته، تدفعه لمراجعة سلوكه والتمسك بدينه.
8. التوبة والتطهير من الذنوب
يقف الحاج في عرفات، مستشعراً موقف يوم القيامة، رافعاً يديه بالدعاء، متضرعاً إلى الله، طالباً المغفرة. وهذا الشعور يدفعه إلى عدم العودة إلى الذنوب بعد الحج، مما يجعل الحج فرصة حقيقية للتوبة والتطهر.
9. تعزيز القيم الإيجابية في المجتمع الإسلامي
يتعلم المسلم خلال الحج قيماً عظيمة مثل التعاون، والتسامح، والتعارف، والتواضع، مما يساعد على نشر روح المحبة والتآخي في المجتمع الإسلامي. كما يُسهم في تقليل النزعات العنصرية، حيث يرى الجميع أنفسهم سواسية أمام الله.
في الختام
يتميز الحج بحكم وأهداف عديدة لا توجد مجتمعة في أي عبادة أخرى. فبالإضافة إلى كونه فرضاً، فإنه يحمل فوائد دينية، أخلاقية، اجتماعية، اقتصادية، ونفسية عظيمة. وما ذُكر هنا هو جزء يسير من هذه الفوائد التي تجعل الحج رحلة روحانية فريدة، تؤثر على حياة المسلم بشكل إيجابي طوال عمره.
26
هل كان انتشار الإسلام بالسيف أم بالدعوة؟
لفهم مفهوم الجهاد في الإسلام بشكل صحيح، لا بد أولًا من الإجابة عن سؤالين مهمين: من هو النبي؟ وما هي مهمته؟
الله سبحانه وتعالى أرسل الأنبياء ليكونوا هداة للناس في رحلتهم إلى الآخرة، فمن آمن وعمل صالحاً كانت نهايته الجنة، ومن كفر وعصى فمصيره إلى النار. وكانت مهمة هؤلاء الرسل تعريف الناس بالله، وتعليمهم العبادة، والتمييز بين الحلال والحرام، وبيان كيفية شكر الله على نعمه العظيمة.
أسلوب النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في نشر الإسلام
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قام بهذه المهمة بأكمل وجه، فبدأ دعوته في مكة، حيث عرّف الناس بالله، وبيّن أوامره ونواهيه، وحذّرهم من عبادة الأصنام التي تُعد شركاً بالله. واجه معارضة شديدة واضطهادًا استمر ثلاثة عشر عاماً، لكنه صبر على الأذى حتى أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، حيث واصل دعوته بنفس الأسلوب.
لكن المشركين لم يتركوه وشأنه، بل سعوا لمهاجمته هناك أيضاً، ومع ذلك لم يستطيعوا منع الإسلام من التغلغل في قلوب الناس.
ومن صفات النبي التي ذكرتها الكتب السماوية السابقة أنه "صاحب السيف"، أي أنه بالإضافة إلى دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، كان مأذوناً له بالقتال إذا تعرضت دعوته للمنع أو الاعتداء.
وهذا الأمر لم يكن مقتصراً عليه، فالنبيان داوود وسليمان (عليهما السلام) استخدما القوة عندما اقتضت الحاجة لحماية دعوتهما.
هل انتشر الإسلام بالحروب أم بالدعوة؟
عند النظر بإنصاف إلى التاريخ، نجد أن انتشار الإسلام في قلوب الناس لم يكن بالسيف، بل بالدعوة والتبليغ، أي بإيصال تعاليم القرآن وعرض الحقائق بوضوح.
شيئان لعبا دوراً أساسياً في انتشار الإسلام:
1. العلماء والدعاة: الذين نذروا حياتهم لنشر الإسلام، وسافروا إلى أماكن بعيدة للدعوة.
2. التجار المسلمون: الذين نشروا الإسلام من خلال أخلاقهم وسلوكهم أثناء التجارة، مما جذب الناس إلى الإسلام.
أدلة قرآنية على انتشار الإسلام بالدعوة لا بالإكراه
القرآن الكريم يوضح بجلاء أن الإسلام لا يُفرض بالقوة، بل يُعرض بالحكمة والإقناع:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}(البقرة:256)
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}(الغاشية:21-22)
شواهد تاريخية على انتشار الإسلام بالدعوة
• عندما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته في مكة، لم يكن لديه أي قوة مادية، ورغم أن المشركين كانوا أعداءه، إلا أنه استطاع أن يكسب قلوب الناس بالدعوة فقط. دخل العديد من الصحابة الإسلام عن قناعة، مثل أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)، وأصبح الإيمان قوة لا تقهر. ولو أراد الصحابة، لكان بإمكانهم القضاء على زعماء قريش، لكنهم لم يفعلوا ذلك، وبدلًا من اللجوء إلى العنف، تحملوا المشاق وواصلوا دعوتهم.
• المسلمون الذين هاجروا إلى المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخدموا السيف لنشر الإسلام، بل دعوا الناس إليه بالحكمة والموعظة الحسنة. وهكذا، تأسس الإسلام في مكة والمدينة بالدعوة وليس بالقوة.
• بعد صلح الحديبية، وخلال عامين فقط، اعتنق الإسلام عدد من الناس يفوق عدد الذين دخلوا الإسلام خلال العشرين سنة الأولى من الدعوة! مما يدل على أن الناس كانوا يدخلون الإسلام بمحض إرادتهم عندما أتيحت لهم فرصة التعرف عليه دون تهديد أو إكراه.
• المغول الذين غزوا بغداد، كانوا في البداية أعداءً للإسلام، وأحرقوا المكتبات الإسلامية، لكنهم بعد فترة اعتنقوا الإسلام بأنفسهم، ولم يكن للسيف أي دور في ذلك.
• انتشار الإسلام في إندونيسيا وماليزيا وأفريقيا تم عبر التجار والدعاة، وليس بالقوة.
الإسلام في العصر الحديث
اليوم، رغم أن المسلمين فقدوا الكثير من قوتهم المادية، إلا أن الإسلام يواصل انتشاره بشكل غير مسبوق، وخاصة في أوروبا وأمريكا. العديد من العلماء والمفكرين الغربيين دخلوا الإسلام بعد دراسته والاقتناع به، وليس لأن أحدًا أجبرهم على ذلك.
الخلاصة
• الإسلام لم ينتشر بالسيف، بل بالدعوة الحكيمة والتبليغ والإقناع.
• القوة لم تُستخدم إلا للدفاع عن النفس عندما تعرض المسلمون للعدوان.
• الأدلة القرآنية والتاريخية تثبت أن الإسلام دين حرية واختيار، وليس دين إكراه.
• انتشار الإسلام في العصر الحديث يؤكد أن قوته الحقيقية تكمن في تعاليمه العادلة، وليس في القوة العسكرية.
27
ما معنى العبادة؟ ولماذا نعبد؟
العبادة تعني الامتثال لأوامر الله، واجتناب نواهيه، والتصرف بما يرضيه.
أما عن سبب عبادتنا، فذلك يعود إلى عدة أمور:
أولاً: لأن العبادة هي الغاية من خلقنا.
لقد خلقنا الله لنؤمن به ونتعرف عليه من خلال عبادته. وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم:
{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }(الذاريات:56)
كمؤمنين، نحن نعيش وفقاً لهذا الهدف الذي حددته لنا الآية، ونؤدي واجبنا في العبادة والخضوع لله.
ثانياً: لأن الله أنعم علينا بنعم لا تحصى، والعبادة هي شكر له على نعمه.
عندما نتلقى هدية صغيرة من شخص ما، نشعر بالحاجة إلى شكره مراراً وتكراراً، فكيف بنا ونحن نغرق في نعم الله التي لا تعد ولا تحصى؟ الامتناع عن شكر الله بالعبادة سيكون نكراناً عظيماً للجميل، ولذلك، نسعى إلى أداء عباداتنا على أكمل وجه.
الله هو الذي أوجدنا من العدم، ووهبنا آلاف النعم من الحواس والمشاعر والقدرات، وخلق لنا كل ما نحتاجه في الحياة، بل ومنحنا الإيمان والهداية أيضًا.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
{ إِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}(النحل:18)
ومن هنا، فإن واجبنا تجاه هذه النعم هو التعرف على صاحبها، ومحبتُه، وإظهار هذه المحبة من خلال العبادة، والشعور الدائم بالشكر والامتنان.
ثالثاً: لأن الله وعد المؤمنين بنعم أعظم في الآخرة، والعبادة دليل على شكرنا له في الدنيا.
عبادتنا وشكرنا في هذه الدنيا لا تكافئ عطاء الله لنا، ومع ذلك، فقد وعدنا الله بالمزيد من النعم في الآخرة، ومنحنا الجنة والسعادة الأبدية برحمته وفضله. فهذه النعم ليست مكافأة لأعمالنا، بل هي فضل من الله ولطف منه.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن:
[ لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ. قالوا: ولا أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لا، ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بفَضْلٍ ورَحْمَةٍ]
28
حكم الحجاب وخطورة التبرج
وردت في القرآن الكريم آيتان واضحتان بشأن الحجاب، حيث يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}(الأحزاب:59)
{وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}(النور:31)
توضح هذه الآيات الكريمة وجوب التزام المرأة المسلمة بالحجاب، ولكن دون تحديد تفصيلي لأجزاء الجسم التي يجب تغطيتها.
وقد جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم ليبيّن ذلك بوضوح، حيث قال مخاطباً أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها:[ يا أسماءُ إنَّ المرأةَ إذا بلغتِ المَحيضَ لم يصلُح أن يُرى منْها إلَّا هذا وَهذا. وأشارَ إلى وجْهِهِ وَكفَّيْه](رواه أبو داود).
الحجاب فرضٌ وليس خيارًا
بناءً على هذه النصوص، فإن تغطية المرأة لرأسها، مع ستر العنق والصدر، فرضٌ من الله ورسوله، وهو جزء من العفة والطهارة التي أمر بها الإسلام. وترك الحجاب يعد تهاوناً في أحد الأحكام الشرعية، مما يجعل المرأة في موضع الإثم، حيث أن كشف الشعر هو تخلٍّ عن فريضة إلهية، وبالتالي فهو محرم.
التوبة والاستغفار لمن تركت الحجاب
من رحمة الله أنه يقبل توبة عباده، فقد قال تعالى:
{ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}(آل عمران: 135-136)
خطر التهاون بالحجاب وأثر الذنوب على القلب
يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أثر الذنوب على القلب، حيث يقول:
[ إنَّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداءُ في قلبِه ، فإن تاب ، ونزع ، واستغفر صقَل منها ، وإن زاد زادت حتَّى يُغلَّفَ بها قلبُه ، فذلك الرَّانُ الَّذي ذكر اللهُ في كتابِه : {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}]
ثم إن الذنب يقود إلى غيره، وقد يصل الأمر إلى الإنكار الباطني لأحكام الله، فالتهاون في الحجاب قد يؤدي إلى التهاون في غيره من الواجبات، بل وقد يصل بالإنسان إلى إنكار الحساب والعقاب، والاعتراض على أوامر الله.
كيف نتجنب هذه المخاطر؟
لحماية النفس من وساوس الشيطان، يجب على المسلم أن يسارع إلى التوبة ويبتعد عن أي ذنب قد يبعده عن الله. ومن ذلك، الالتزام بالحجاب وعدم التهاون به، فهو حماية للمرأة وصيانة لها، وهو أمر إلهي لا ينبغي التساهل فيه.
اللهم اجعلنا من الطائعين لأوامرك، والمتبعين لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
29
لماذا نختار الإسلام؟
جميع الأديان السماوية قامت على نفس المبادئ الأساسية وأكدت على نفس الحقائق. وكل نبي أرسله الله كان استمراراً لمن قبله من حيث المبادئ الأساسية، مع مراعاة الظروف الزمنية واحتياجات العصر، فجميعهم أكدوا على التوحيد والنبوة والبعث والعبادة. لذلك، فإن رسالة الإسلام هي استمرار للوحي الإلهي منذ عهد النبي آدم عليه السلام.
يقول الله تعالى:{ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ }(آل عمران:19)
كما أن الأنبياء السابقين لم ينكروا بعضهم بعضًا، فإن النبي محمد ﷺ لم يُنكر أحدًا منهم، بل كان استمرارًا لرسالتهم وخاتمًا للنبوة، حيث يقول الله تعالى:{ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}(الأحزاب:40)
لقد أنزل الله الإسلام ليكون الدين الكامل الذي يختم به الرسالات السماوية، وهو الشريعة الإلهي الشاملة التي يجب أن يلتزم بها الناس بعد اكتمال الوحي، حيث يقول الله تعالى:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }(المائدة:3)
الإسلام: طريق الكمال والسعادة
الإسلام دين يجمع بين الكمال المادي والروحي، ويوفر المبادئ التي تضمن سعادة الإنسان وسلامه. فهو يحث على الأخلاق الحميدة، ويضمن الأمن والاستقرار للمجتمع، ويشجع على العلم والتفكير، وينبذ الجهل، ويدعو إلى العدالة والتعاون بين الأفراد.
قبل الإسلام، كانت الجاهلية تسيطر على العالم، حيث سادت الفوضى، والظلم، وعبادة الأوثان، ووأد البنات. ولكن مع نزول الإسلام، أزال الظلم، وأقام العدل، ونشر الرحمة، وأضاء العقول بالعلم والهداية.
أثر الإسلام عبر التاريخ
لم يقتصر تأثير الإسلام على عصر النبوة، بل استمر تأثيره على الشعوب التي تبنته، مما أدى إلى تقدمها في العلوم والصناعة والتجارة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحضارات الإسلامية العظيمة مثل الأندلس، الدولة السلجوقية، والدولة العثمانية.
الإسلام ليس مجرد دين، بل هو منهج حياة، وقانون إلهي شامل يحقق السعادة للبشرية كلها.
30
هل الإسلام يُعيق العلم والتقدم؟
العلم هو أساس النهضة، والجهل هو العدو الأكبر للبشرية، لأنه العائق الأساسي أمام التطور والتقدم. القرآن الكريم يحثّ على طلب العلم في مئات الآيات، ومن بينها:
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(الزمر:9)
{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(النحل:43)
كما أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أكّد على أهمية العلم،
وقد وردت أحاديث كثيرة تشير الى ذلك، ومنها:
[من سلك طريقا يلتمس فيه علما ، سهل الله له طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض ، حتى الحيتان في الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء هم ورثة الأنبياء إنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا دِينارًا ولا دِرهمًا، إنَّما ورَّثوا العِلْمَ، فمَن أخَذَه أخَذَ بحظٍّ وافرٍ]
[اطلبوا العلم ولو بالصين]
[ الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها]
[طلبُ العِلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ]
هل الإسلام يُعيق التقدم؟
عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كان أول عمل قام به هو بناء المسجد، وتأسيس مدرسة "أهل الصُفّة" التي خرّجت كبار الصحابة، وكانت الأساس لجميع المدارس والجامعات الإسلامية التي ظهرت لاحقًا.
ولو كان الإسلام يُعيق التقدم، فكيف نشأت الحضارة الإسلامية التي أبهرت العالم؟ كيف برزت عصور الازدهار في الأندلس، والدولة العباسية، والدولة العثمانية؟ وكيف أنجبت الأمة الإسلامية علماء عظماء مثل:
ابن سينا وهو رائد الطب والفلسفة
الفارابي وهو رائد الفلسفة والموسيقى
الإمام الغزالي وهو عالم الفقه والتصوف
جلال الدين الرومي وهو الشاعر والفيلسوف
الإمام الرباني وهو الإصلاح الديني والعلمي
كل هذه الإنجازات تثبت أن الإسلام لم يكن عائقاً أمام العلم، بل كان دافعاً ومحفزاً له.
لماذا تأخر المسلمون في العصر الحديث؟
من الحقائق الواضحة اليوم أن المسلمين تأخروا في مجالات العلوم والتكنولوجيا، ولكن هل هذا بسبب الإسلام؟ بالطبع لا!
هناك محاولات لاتهام الإسلام بأنه يُعيق التقدم، في حين أن السبب الحقيقي هو ابتعاد المسلمين عن روح الإسلام وتعاليمه، وتعرّضهم لخطط تهدف إلى تهميشهم حضارياً.
بعض التيارات تُحاول تصوير كل اكتشاف علمي على أنه انتصار على الدين، لكن هذا قد ينطبق فقط على الأديان التي تعارض العلم، أما الإسلام، فإنه يرى كل اكتشاف جديد بأنه كشف عن سرٍّ من أسرار الله في الكون، مما يزيد من إيمان المسلمين بعظمة الخالق.
هل القرآن يُعارض العلوم الحديثة؟
القرآن الكريم هو آخر وأكمل الكتب السماوية، ولا يوجد فيه أي نص يمنع دراسة العلوم الطبيعية والتكنولوجية. لذلك، من يُحاول الادعاء بأن الإسلام ضد العلم والتقدم، فهو يُروّج لفكرة خاطئة تماماً.
الخلاصة
• الإسلام لم يكن يوماً عائقاً أمام التقدم، بل كان محرّكاً أساسياً للنهضة العلمية.
• التخلف العلمي للمسلمين اليوم ليس بسبب الإسلام، بل بسبب الابتعاد عن تعاليمه وروحه الحقيقية.
• كل اكتشاف علمي هو كشف عن قدرة الله في خلقه، وليس تحدّياً للدين.
• ليس من الإنصاف تجاهل إنجازات المسلمين العلمية عبر التاريخ، والتركيز فقط على تراجعهم في العصر الحديث.
لذلك، فإن النهضة الحقيقية للمسلمين لن تتحقق إلا بالعودة إلى روح الإسلام، التي تدعو إلى العلم والعمل والبحث والاكتشاف.
31
هل العبادة تقتصر على الصلاة والصيام فقط؟
لا، العبادة لا تقتصر فقط على الأوامر الدينية مثل الصلاة والصيام.
بل إن كل عمل أو قول أو فعل أو حتى نية وفكر يتوافق مع رضا الله يُعتبر عبادة.
فكما أن الامتثال لأوامر الله عبادة، فإن اجتناب نواهيه أيضاً عبادة.
وبناءً على ذلك،
يمكن تقسيم العبادة إلى قسمين:
1.العمل الصالح: وهو القيام بأوامر الله، مثل الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات.
2.التقوى: وهي اجتناب ما نهى الله عنه، مثل ترك شرب الخمر، والقمار، والزنا، وغيرها من المحرمات.
32
المرأة في الشريعة الإسلامية؟
حصلت المرأة على المكانة والقيمة التي تستحقها من خلال الدين الإسلامي، ووجدت فيه الطمأنينة والسعادة التي كانت تتوق إليها عبر التاريخ. لقد أزال الإسلام مظاهر الإفراط والتفريط في العلاقات بين الرجال والنساء، وأقام توازناً وانسجاماً كاملين بين الجنسين.
وفقاً للإسلام، فإن الرجل والمرأة متساويان تماماً من حيث كونهما مخلوقين من قبل الله. كما جاء في القرآن الكريم:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات:13)
ويقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: [الناس سواسية كأسنان المشط]
تكامل المرأة والرجل
الرجل والمرأة هما جزءان مكملان لبعضهما البعض، وهذا ما يعبر عنه القرآن الكريم في قوله:
{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}(البقرة:187)
فاللباس يستر العيوب، ويحمي من البرد والحر، وهكذا الرجل والمرأة يكمل كل منهما الآخر ويغطي نقائصه. لذا فإن الجدال حول أي الجنسين أكثر تفوقاً هو أمر غير مجدٍ.
وكما أوضح القرآن الكريم، يتمتع الرجل ببعض الصفات التي قد لا تتوفر لدى المرأة، والعكس صحيح. فكلاهما يحتاج إلى الآخر، ولكلٍ منهما ميزات وتفوقات متبادلة. لهذا فإن المقارنة بينهما بنفس المعايير تؤدي إلى استنتاجات خاطئة. يقول الله تعالى:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}(النساء:34)
معيار التفاضل في الإسلام
لا يوجد في الإسلام تمييز في القيمة بناءً على الجنس، بل إن التفاضل عند الله يقوم على التقوى والعمل الصالح فقط، كما ورد في قوله تعالى:
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(الحجرات:13)
ويؤكد القرآن أن الرجال والنساء المؤمنين الذين يعملون الصالحات سيحصلون على الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النحل:97)
العادات الجاهلية التي أزالها الإسلام لصالح المرأة
رفض الإسلام الاعتقادات السائدة بين اليهود والنصارى بأن المرأة كائن ملعون، كما حرم بشدة عادة وأد البنات التي كانت منتشرة في الجاهلية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:[لا طيَرةَ ، ولا صفرَ ، ولا هامَّة] مبيّناً أنه لا يوجد شيء اسمه "نحس" أو "سوء طالع"، مما ألغى الاعتقاد بأن المرأة مصدر شؤم.
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال بالإحسان إلى النساء قائلاً: [اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا] كما رفع من شأن البنات، حيث قال:[مَن عالَ جارِيَتَيْنِ حتَّى تَبْلُغا، جاءَ يَومَ القِيامَةِ أنا وهو وضَمَّ أصابِعَهُ]
الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة
1. الحق في النفقة
الرجل ملزم بالإنفاق على زوجته وأولاده، وتأمين متطلباتهم من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، وليس للمرأة أي التزام مالي تجاه الأسرة.
2. الأهلية القانونية
المرأة في الإسلام لها أهلية قانونية كاملة، فلها الحق في امتلاك وإدارة أموالها الخاصة دون الحاجة إلى إذن من أحد.
3. حق الميراث
خلافاً للأنظمة القانونية الأخرى السائدة وقت ظهور الإسلام، أعطى الإسلام المرأة حق الميراث. ورغم أن هناك حالات تأخذ فيها المرأة نصف نصيب الرجل، إلا أن هذا التقسيم له حكمته وأسبابه العادلة.
4. الحق في التعليم
أكد الإسلام على أهمية تعليم المرأة، واعتبرها المربية الأساسية للأجيال. لذلك كان هناك العديد من النساء العالمات في الحديث والفقه والأدب عبر التاريخ الإسلامي.
5. حق العمل
يمكن للمرأة أن تمارس أي مهنة لا تتعارض مع تعاليم الدين والأخلاق.
6. حقوق أخرى
للزوجة حق المطالبة بالمهر، كما أن الزوج ملزم بحسن معاملتها، ولا يجوز له التعدي على حقوقها أو معاملتها بقسوة.
قيادة الأسرة
رغم أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها، إلا أنه جعل الرجل هو القائم على الأسرة، وذلك ليس بسبب تفوقه، ولكن بسبب مسؤوليته في الإنفاق ورعاية الأسرة، كما قال تعالى:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}(النساء:34)
وهذا لا يعني أن الرجل أعلى من المرأة في القيمة، بل إنه دور تكاملي لتوزيع المسؤوليات بينهما
33
لماذا الإسلام أسمى من باقي الأديان؟
الإسلام دين يشمل جميع المبادئ التي تحقق الكمال الروحي والمادي للإنسان، وتضمن له السعادة والسلام. فهو يُوجِّه الأفراد والمجتمعات نحو الخير والتكامل، ويولي أهمية كبيرة لحفظ الحياة، ويعاقب بشدة من يحاول زعزعة الأمن والاستقرار. كما أنه يدعو إلى الوحدة والتعاون والإحسان، ويحمي المجتمع من الفوضى والفساد.
الإسلام يُقدِّم الأخلاق الفاضلة بكل أبعادها ليستفيد منها البشر، ولا توجد فيه أي مسألة إلا ولها فوائد عظيمة، وهو شفاء للأمراض الروحية والجسدية. يعتمد الإسلام على العلم والحكمة، ويحث العقلاء على اختيار طريق الخير بإرادتهم. كما يعتبر الجهل أكبر عدو، ويشجع الناس دائمًا على التفكير والتأمل. لفهم مدى الرحمة التي يجلبها الإسلام للبشرية، يجب النظر إلى حالة العالم قبل الإسلام وبعده.
العالم قبل الإسلام
قبل الإسلام، كانت البشرية تعيش في ظلمات الجهل والضلال، وكانت تعاني من الإرهاب والفوضى. ولم تكن الجزيرة العربية بمنأى عن هذه الفوضى، حيث كان الناس يفتخرون بدفن بناتهم وهنّ أحياء، ويؤمنون بالخرافات، ويعبدون الأصنام التي صنعوها بأيديهم.
في ذلك العصر المظلم، بزغ نور القرآن الكريم من الجزيرة العربية كالشمس، فمزق أحلك طبقات الكفر والظلم. بضيائه السماوي، أنار العقول، وطهَّر النفوس، وملأ القلوب بالهداية، وأزال الشرك ليزرع التوحيد، واستبدل الظلم بالعدل، وأخرج الحقد والعداوة من الصدور ليضع مكانهما المحبة والرحمة.
تأثير الإسلام عبر التاريخ
لم يقتصر تأثير الإسلام على عصر النبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل كل أمة تبنَّت الإسلام وطبقته في حياتها تقدمت في العلم والمعرفة والصناعة والتجارة، وأصبحت نموذجاً يُحتذى به. ومن أبرز الأمثلة على ذلك حضارة الأندلس.
لماذا يرفض البعض الإسلام؟
من الطبيعي أن يرى كل إنسان دينه على أنه الحق، ومن الطبيعي أيضاً أن يجد البعض صعوبة في تصديق الأديان الأخرى. على مر التاريخ، لم يجتمع البشر جميعاً على دين واحد، فقد كان هناك دائماً صراع بين الحق والباطل.
الذين لا يقبلون الإسلام ينقسمون إلى مجموعتين:
1. المجموعة الأولى: لا يقبلون الإسلام دون أي دليل يؤيد موقفهم أو يعارضه، فهم لا يهتمون بالتحقق من صحته، ولا يسعون إلى فهمه، ولا يشعرون بالحاجة إلى قبوله أو رفضه بناءً على حُجج واضحة. أغلب هؤلاء يرفضون الإسلام لأنه يضع لهم مسؤوليات والتزامات لا يريدون التقيد بها، فيرون أن قبوله يقيّد حريتهم. هؤلاء في الحقيقة ضحايا للجهل وعدم المعرفة.
2. المجموعة الثانية: هم من لديهم تحامل مسبق ضد الإسلام، ولا ينظرون إلى أي دليل مؤيد له بإيجابية، بل يتمسكون بأضعف الشبهات ضده وكأنها أدلة قاطعة. هؤلاء يشكلون نسبة قليلة جدًا، ولم يتمكنوا أبدًا من دحض حقائق الإسلام بأدلة علمية أو عقلية حقيقية. وعلى العكس من ذلك، عبر التاريخ، دخل آلاف غير المسلمين إلى الإسلام بعد البحث والتدقيق العلمي والمنطقي. حتى اليوم، نرى أن مئات العلماء ورجال الدين المسيحيين، الذين ينتمون إلى دين يدعي العالمية مثل المسيحية، يعتنقون الإسلام ويواصلون الانضمام إليه.
الإسلام هو الدين الذي جمع بين العقل والعلم والأخلاق، وهو الدين الذي يضمن للبشرية سعادتها في الدنيا والآخرة.
34
نظرة الإسلام إلى العنصرية
يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات:13)
وفي نفس السورة، يقول الله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}(الحجرات:10)
هذه الآيات تُبيّن أن الله لم يُفضّل أي قوم على قوم، ولم يمنح أي شعب مكانة أعلى بسبب نسبه أو عرقه، بل جعل التقوى هي المقياس الوحيد للكرامة عند الله. الإسلام يجعل المؤمنين جميعاً إخوة، ولا يُعتبر أي إنسان مؤمناً كامل الإيمان حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[ لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ](البخاري)
فكيف يواجه الإسلام العنصرية؟
قد يختلف المؤمنون في بعض الأمور، وقد تدخل العداوة بينهم لسبب أو لآخر، ولكن الحل الإسلامي هو الإصلاح بين الإخوة، لا تعميق الانقسام. وكما قال الله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}(الحجرات:10)
فمن يُثير العصبية القومية أو العنصرية بين المسلمين، فإنه في الحقيقة يُساهم في تمزيق وحدتهم ويخدم أعداءهم عن قصد أو غير قصد.
و من قصة نوح عليه السلام في سورة هود، عندما رأى نبي الله نوح ابنه يغرق في الطوفان، توجّه إلى الله قائلًا:
{وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}(هود:45)
لكن الله سبحانه وتعالى ردّ عليه بقوله:
{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}(هود:46)
أي أن القرابة الحقيقية ليست قرابة الدم، وإنما قرابة الإيمان والعمل الصالح. وهكذا، فإن الإنسان غير المؤمن لا يُمكن اعتباره أخاً حقيقياً للمؤمن، مهما كانت صلة القرابة بينهما.
كذلك القرآن يجذر من موالاة غير المؤمنين
يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(التوبة:23)
هذه الآية توضح أن الرابطة الحقيقية التي تجمع الناس ليست رابطة الدم، بل رابطة الإيمان
فحتى لو كان الشخص قريباً للمؤمن بالنسب، لكنه يختار الكفر، فلا يجوز للمؤمن أن يتخذه ولياً.
ان في يوم القيامة لا فائدة من العرق أو النسب
في يوم القيامة، لا يُنظر إلى أصل الإنسان أو عرقه، بل إلى إيمانه وعمله، كما يقول الله تعالى:
{يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(الشعراء:88-89)
حتى العلاقة بين الأب وابنه لا تُفيد إذا لم يكن الابن مؤمناً، فكيف يمكن أن يكون الانتماء العرقي عامل تفاضل بين الناس؟!
في النهاية نستخلص التالي
• الإسلام يرفض العنصرية بجميع أشكالها، ويُؤكد أن الناس متساوون، ولا فرق بينهم إلا بالتقوى.
• الرابطة الحقيقية بين البشر ليست العرق أو الدم، بل الإيمان والعمل الصالح.
• لا يجوز تفضيل شخص على آخر بسبب أصله أو قوميته، بل يُنظر إلى تقواه وأخلاقه.
• في الآخرة، لن يكون للمال أو النسب أي قيمة، بل سيكون القلب السليم هو المعيار الوحيد للنجاة.
إذن، الإسلام دينٌ يُحارب العنصرية، ويُؤسس لمجتمع قائم على العدل والمساواة، حيث يُكرّم الإنسان بناءً على تقواه، وليس بناءً على أصله أو نسبه.
35
ما هي فوائد العبادة للفرد والمجتمع؟
1. ترسيخ العقيدة والإيمان في القلب والروح:
من أهم فوائد العبادة أنها تثبّت العقيدة والإيمان في القلوب، حيث إن المعرفة لا تترسخ إلا بالممارسة والتجربة. فالمعلومات التي لا تُطبَّق تبقى مجرد معرفة سطحية يصعب الاحتفاظ بها، كما أن فائدتها للحياة العملية تكون قليلة. والإيمان لا يترسخ في النفس إلا من خلال العبادة، لأنها التطبيق العملي للإيمان. فكما أن ترك العبادة يؤدي إلى ضعف تأثير الإيمان على السلوك، فإن الالتزام بها يقوي أثره، مما يحفظ الإنسان من الوقوع في الذنوب والمعاصي. وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالثوب الذي يحتاج إلى لباس يحفظه، وهو التقوى، أي الابتعاد عن المعاصي والمحرمات.
2. تنظيم حياة الفرد:
العبادة تُوجّه الفكر إلى الله تعالى، وترسّخ عظمته في القلب، مما يجعل الإنسان يراقب أفعاله ويتحرى رضا الله في كل عمل يقوم به. وبهذا، تنظم العبادة حياة الإنسان وفق تعاليم الدين، وتضعه ضمن إطار منضبط يحفظ توازنه المادي والروحي.
3. تعزيز الروابط الاجتماعية وبناء مجتمع متماسك:
من أعظم فوائد العبادة أنها توحّد المسلمين وتربطهم ببعضهم البعض. فالوقوف في الصلاة باتجاه قبلة واحدة، والصيام معاً في شهر رمضان، وغيرها من العبادات الجماعية، تخلق روابط قوية من الأخوة والمحبة بين المسلمين، مما يساهم في تحقيق الانسجام والاستقرار داخل المجتمع.
4. العبادة تهذب النفس وتقوي الروح:
المؤمن الذي يؤدي عباداته يشعر بالطمأنينة والراحة النفسية. فالعبادة تمنحه قوة داخلية تعينه على مواجهة مصاعب الحياة دون يأس أو إحباط. كما أنها تحميه من الاضطرابات النفسية والتوتر، وتمنحه سكينة داخلية تجعله أكثر استقراراً وسعادة.
5. العبادة وسيلة لتحقيق الكمال الروحي والأخلاقي:
الإنسان كائن ضعيف بجسده، لكنه يمتلك قدرات روحية هائلة. والعبادة هي التي ترفع روحه، وتنمي قدراته، وتهذب رغباته، وتجعل آماله واقعية، وتضبط أفكاره وعواطفه، وتحميه من الإفراط والتفريط. باختصار، العبادة هي السبيل الذي يوصل الإنسان إلى الكمال الأخلاقي والروحي، ويحقق الغاية الحقيقية من وجوده.
36
شهادة المرأة في الإسلام
تعتمد المسائل الأساسية في الفقه الإسلامي على الوحي، وهي موضحة في القرآن الكريم. هذه الأحكام، التي وضعها خالق الكون، تضمن استقرار المجتمعات وسعادتها بغض النظر عن الزمان والمكان والظروف، لأنها تتوافق تماماً مع الفطرة البشرية. عند دراسة الأحكام القرآنية، نلاحظ أنها تراعي الجانبين المادي والروحي للإنسان.
وينطبق هذا الأمر على مسألة الشهادة أيضاً. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
{ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ}(البقرة:282)
يتضح من هذه الآية أن الأمر يتعلق بطبيعة المرأة الفطرية وتركيبتها النفسية. فالمرأة بطبعها أكثر عاطفية وتأثراً بالأحداث، مما يجعل انفعالاتها تلعب دوراً كبيراً في قراراتها. ولذلك، يوضح القرآن أن المرأة قد تنسى بعض التفاصيل أثناء الشهادة، لذا تحتاج إلى امرأة أخرى تذكرها. وهذا أمر قرره الله سبحانه وتعالى، وهو لا يتغير بمرور الزمن.
فإذا قيل هل هناك نساء يتمتعن بذاكرة أقوى من بعض الرجال؟
نعم، بلا شك هناك نساء يتمتعن بذاكرة قوية. لكن هذا الحكم يستند إلى الصفات العامة التي تغلب على النساء، حيث إن النساء عموماً أقل احتكاكاً بالمعاملات التجارية والحياة العامة مقارنة بالرجال، لذا قد يكنَّ أقل دراية بالأحداث الخارجية.
هل في ذلك انتقاص لحقوق المرأة؟
الإسلام لم يقلل من شأن المرأة في الشهادة، بل خفف عنها عبئاً ثقيلًا. فالشهادة مسؤولية عظيمة، ومن يكتمها يعاني من تأنيب الضمير كما يقول الله تعالى:
{ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(البقرة:283)
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم عدَّ شهادة الزور من كبائر الذنوب، والإسلام أراد أن يحمي المرأة من الوقوع في هذا الإثم، خاصة أنها قد تتأثر بمشاعرها أو قد تتسرع في الحكم على الأمور.
هل شهادة المرأة دائماً نصف شهادة الرجل؟
ليس دائمًا، فالأمر يعتمد على نوع القضية:
• في قضايا الحدود كالزنا والسرقة والقصاص، لا تُقبل شهادة المرأة مطلقاً، ويُشترط أربعة رجال أو رجلان في بعض الحالات.
• في المعاملات المالية والتجارية، تُقبل شهادة رجل وامرأتين.
• في الأمور التي لا يطلع عليها الرجال عادةً، مثل الولادة وإثبات العذرية والرضاعة، تُقبل شهادة امرأة واحدة فقط.
حتى في الطلاق، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل شهادة امرأة واحدة. إذن، القاعدة الأساسية في الشهادة هي ضمان تحقيق العدل وعدم ضياع الحقوق، وليس التقليل من شأن المرأة.
ما الحكمة من عدم قبول شهادة المرأة في الحدود والقصاص؟
لأن هذه القضايا خطيرة جدًا، وقد يترتب عليها فقدان حياة شخص بسبب شهادة غير دقيقة. ونظراً لأن النساء قد يكنَّ أكثر تأثراً بعواطفهن أو قد ينسين بعض التفاصيل، فقد يُؤدي ذلك إلى وقوع الظلم. لذا، احتاط الإسلام في مثل هذه القضايا لتجنب أي خطأ قد يؤدي إلى انتهاك حقوق الآخرين.
الخلاصة:
الإسلام لم يظلم المرأة في مسألة الشهادة، بل حماها وخفف عنها عبئاً ثقيلًا، وراعى طبيعتها النفسية والاجتماعية، وضَمِنَ تحقيق العدالة بشكل دقيق ومتوازن.
37
هل المسيحية واليهودية حق
سنبين أسس الدين الحق وأهم الأديان
الدين الحق هو شريعة الله تعالى، وهو مجموعة مقدسة من الأحكام الثابتة التي أنزلها الله على عباده بواسطة أنبيائه تفضلًا وإكراماً منه. هذه الشريعة تقود الإنسان إلى الخير، فكلما التزم البشر بها بإرادتهم الحرة، كانوا على الصراط المستقيم ونالوا الهداية، وبهذا يحققون السعادة والسلام في الدنيا والآخرة.
تنقسم الأديان إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
1. الأديان الحقّة: وهي التي تتوافق مع هذا التعريف، أي التي وضعها الله سبحانه وتعالى وأبلغها للناس عن طريق أنبيائه، وتُعرف أيضاً بـ"الأديان السماوية والإلهية". جميع الأديان السماوية متحدة في أصولها، لكنها تختلف في بعض العبادات والأحكام التشريعية.
منذ سيدنا آدم عليه السلام وحتى سيدنا عيسى عليه السلام، كانت جميع الأديان السماوية تقوم على التوحيد والإيمان بالله الواحد. لكن مع مرور الزمن، نالها التحريف، وتغيرت بعض تعاليمها.
ولهذا، بعث الله سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمدًا ﷺ برسالة الإسلام، التي تعتبر الدين الحق الأكمل والخاتم، والمحفوظ إلى يوم القيامة. لذلك، فإن الدين الحق الذي سيبقى إلى الأبد هو الإسلام.
2. الأديان التي تغيّرت وتحرفت: وهي الأديان التي كانت في أصلها حقّة، لكنها تعرضت للتحريف وفقدت صفاتها الإلهية، مثل المسيحية واليهودية. فعلى الرغم من أنها كانت في البداية أديانًا منزلة من عند الله، إلا أن التغييرات التي دخلت عليها أبعدتها عن حقيقتها الأصلية.
3. الأديان الباطلة: وهي الأديان التي لا علاقة لها بالدين الإلهي منذ نشأتها، بل هي معتقدات وضعية اخترعتها بعض الشعوب، مثل عبادة النار، وعبادة النجوم، وعبادة الأصنام. وعلى الرغم من احتوائها على بعض القيم العقلية والمنطقية، إلا أنها لا تملك أي قدسية إلهية، لأنها لم تنزل من عند الله.
38
كيف حُفظ القرآن الكريم من التحريف؟
القرآن الكريم، الكتاب السماوي الأخير، والذي أنزله الله على البشرية كافة، نزل على مدى 23 عاماً، آيةً بعد آية، وسورةً بعد سورة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو ما أنزل عليه من آيات وسور على الصحابة، فكانوا يحفظونه عن ظهر قلب، ويقوم بعضهم بكتابته.
إلى جانب ذلك، كان للنبي صلى الله عليه وسلم كتّاب وحي مكلفون بكتابة الآيات فور نزولها. وكان جبريل عليه السلام يُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بترتيب الآيات ومكانها داخل السور، فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابتها في مواضعها المحددة. وهكذا، كان القرآن كاملاً ومكتوبًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت مواضع آياته وسوره معروفة بدقة.
بالإضافة إلى ذلك، كان جبريل عليه السلام يراجع مع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام في رمضان. وفي آخر رمضان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، راجع جبريل القرآن مرتين، حيث قرأه النبي صلى الله عليه وسلم مرة، واستمع إليه جبريل، ثم قرأه جبريل، واستمع إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
- جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
رغم أن القرآن كان مكتوباً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه لم يكن مجموعاً في مصحف واحد، بل كان متفرقاً بين الصحابة في صحائف وألواح، ومحفوظاً في صدورهم.
لكن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، نشأت الحاجة لجمع القرآن في مصحف واحد، خاصة بعد استشهاد العديد من حفظة القرآن في معركة اليمامة. فشكّل الخليفة لجنة برئاسة زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهو من كتّاب الوحي، وطلب من الصحابة إحضار ما لديهم من آيات مكتوبة، مع التحقق منها ومقارنتها بما هو محفوظ في صدور الحفاظ.
هكذا، تم جمع القرآن كاملًا في مصحف واحد، وفق الترتيب الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم ، ليبقى محفوظاً من الضياع أو التحريف.
- نسخ المصحف في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه
وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومع انتشار الإسلام في أماكن مختلفة، خشي الصحابة من اختلاف القراءات، فأمر عثمان بنسخ عدة مصاحف من المصحف الأصلي وإرسالها إلى الأمصار الإسلامية، حتى يكون القرآن موحدًا بين جميع المسلمين. وهذه المصاحف هي الأساس الذي استُنسخت منه جميع المصاحف الموجودة اليوم.
- لماذا لم يتعرض القرآن للتحريف؟
لم يواجه القرآن أي تحريف أو تغيير، على عكس الكتب السماوية السابقة، وذلك للأسباب التالية:
1. القرآن محفوظ بوعد إلهي
يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجرات:9)
فالله تعهد بحفظ القرآن، وهذا ما تحقق عبر العصور.
2. الحفظ في الصدور قبل السطور
منذ نزوله، حرص المسلمون على حفظ القرآن في صدورهم، فلا يمكن أن يُحرَّف أو يُغيَّر. واليوم، هناك ملايين من المسلمين يحفظون القرآن كاملًا، وهو الكتاب الوحيد في العالم الذي يحفظه أتباعه بهذا الشكل.
3. التدوين المبكر والدقيق
كُتب القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وجُمِع في عهد الصحابة بدقة كبيرة، بإشراف الصحابة الذين حفظوه وكتبوه بأنفسهم.
4. توحيد المصحف في عهد عثمان
عندما أرسل الخليفة عثمان رضي الله عنه المصاحف إلى مختلف الأقطار، تم حرق أي نسخ غير معتمدة، لمنع أي تحريف أو اختلاف، وهكذا توحّد النص القرآني في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
5. إعجاز القرآن وبلاغته
القرآن الكريم يتميز بأسلوبه الفريد الذي لا يمكن تحريفه دون أن يُكتشف ذلك فوراً، فهو معجز ببلاغته وبيانه، ولا يمكن تقليده أو تغييره.
خاتمة
منذ نزوله قبل 1400 سنة وحتى اليوم، بقي القرآن محفوظاً كما هو، دون أي تغيير أو تحريف. لا يوجد في العالم كتاب آخر حُفظ بنفس الطريقة، فلا اختلاف بين أي نسخة من القرآن، سواء في الشرق أو الغرب. هذا الحفظ المعجز للقرآن دليلٌ واضحٌ على أنه كلام الله الذي تكفل بحفظه، ليبقى نوراً وهدىً للعالمين إلى يوم القيامة.
39
حكمة أداء الصلاة في خمس مرات في اليوم
عندما يستيقظ الإنسان في الصباح، يشعر وكأنه قد وُهب حياة جديدة، ويستعد لممارسة أعماله اليومية.
ولكن الذي منحه هذا النشاط والحيوية، وسيمكنه من السعي في رزقه، هو الله تعالى.
لذلك، فُرضت صلاة الفجر كوسيلةٍ لشكر الله على نعمة الصحة، ولطلب العون منه في أعمال الدنيا.
خلال النهار، يستفيد الإنسان من نعم الحياة والصحة والعقل التي وهبها الله له،
والتي تساعده على تحقيق النجاح في أموره الدنيوية.
ولشكر الله على هذه النعم، ولمنع القلب من الانغماس في الغفلة والقسوة بسبب مشاغل الحياة، فُرضت صلاتا الظهر والعصر.
ومع اقتراب المساء وانتهاء العمل اليومي، يصبح من الحكمة أن تُختتم هذه الجهود بعبادة روحية، تعبيراً عن الامتنان لما تحقق خلال اليوم، ولهذا فُرضت صلاة المغرب.
ثم يأتي الليل، حيث يستعد الإنسان للدخول في عالم النوم، الذي يُشبه الموت من جهة، ويُعتبر مرحلةً للراحة والاسترخاء من جهة أخرى.
ولكي يختتم الإنسان يومه بعبادة مقدسة، وينتقل إلى عالم النوم بروحٍ نقيةٍ وطمأنينةٍ، متضرعاً إلى الله بطلب المغفرة، فُرضت صلاة العشاء، لتكون ختاماً حسناً لليوم.
من جانب آخر، تمر حياة الإنسان – وكذلك الكائنات من حوله – بخمس مراحل: الولادة، النمو، الاستقرار، الشيخوخة، ثم الموت. ولكي يحقق الإنسان توازناً بين حياته المادية والروحية، شرع الله لنا خمس صلوات في اليوم، لتتناسب مع هذه المراحل الخمس، ولتحقق التناغم بين الجسد والروح والعمل.
40
انتهاء صلاحية الأديان الأخرى
على مر التاريخ، أرسل الله تعالى إلى الناس أنبياء وشرائع مختلفة، لكنه جعل الإسلام خاتم الأديان، وبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتماً للأنبياء. ومع مجيء الإسلام، انتهى الالتزام بالشريعة والاحكام الدينية لليهودية والمسيحية وسائر الأديان السابقة.
وهذا يشبه تماماً صدور قانون جديد يلغي العمل بالقوانين السابقة. فعندما نزلت الشريعة الإلهية الأخيرة، أصبح الإسلام الدين الوحيد الصالح للعمل به حتى يوم القيامة.
الأسباب الرئيسية لانتهاء صلاحية الأديان الأخرى:
1. الأديان السابقة كانت محدودة بزمان ومكان معينين
كانت الأديان السابقة موجهة إلى أقوام محددين وفي أزمنة معينة، أما الإسلام فجاء برسالة عالمية تخاطب البشرية جمعاء. دعوته عامة، وشريعته صالحة لكل زمان ومكان.
2. مستوى تطور البشرية في العصور السابقة لم يكن مهيأً للدين العالمي
كان البشر في العصور القديمة يتميزون بالبدائية في العلم والفكر والثقافة، وكان مستوى التواصل والنقل محدودًا. ولذلك، أُرسلت إليهم شرائع خاصة تناسب بيئاتهم وثقافاتهم المختلفة. ومع تقدم البشرية في الفكر والعلم والثقافة، أصبحت تلك الشرائع غير كافية لسد احتياجاتهم، فبعث الله الإسلام ليكون الدين الشامل الذي يغطي احتياجات الإنسانية كلها.
3. تحريف الأديان السابقة ودخول الشرك فيها
تعرضت الديانات السابقة للتحريف، ودخلتها الخرافات والعقائد الباطلة. فقد ضاعت عقيدة التوحيد التي جاءت بها جميع الأنبياء، بينما بقي الإسلام محفوظاً كما أنزل، دون أي تحريف أو تغيير.
الخلاصة:
الأديان السابقة كانت مثل المصابيح التي تضيء شارعاً مظلماً في الليل، أما الإسلام فهو كالشمس التي تضيء العالم كله. فهل هناك حاجة إلى مصباح الشارع بعد طلوع الشمس؟ وهل يمكن مقارنة نور المصباح بضوء الشمس؟
41
الايمان بالكتب السماوية المحرفة
نحن المسلمين نؤمن بأن الله أنزل التوراة على موسى عليه السلام، والزبور على داوود عليه السلام، والإنجيل على عيسى عليه السلام، وأن هذه الكتب كانت في أصلها وحياً إلهياً خالصةً من أي انحراف أو مخالفة للتوحيد.
لكن بمرور الزمن، تعرضت هذه الكتب للتحريف والتغيير، وضاعت أصولها الأصلية.
- هل بقي شيء من الوحي في الكتب الحالية؟
لا يمكننا أن نقول إن جميع ما في أيدي اليهود والنصارى اليوم هو وحي محرف بالكامل، فقد يكون هناك أجزاءٌ ما زالت صحيحة.
لكن في الوقت نفسه، دخلت عليها عقائد باطلة وأساطير بشرية.
لذلك، يتعامل الإسلام بحذر مع هذه الكتب، وفق القواعد التالية:
1. ما وافق القرآن الكريم، نؤمن أنه من بقايا الوحي الأصلي.
2. ما خالف القرآن، نعتقد أنه أضيف لاحقاً وليس من كلام الله.
3. ما لم يذكره القرآن لا نقبله ولا نرفضه، لأنه قد يكون صحيحاً وقد يكون محرّفاً.
- توجيه النبي صلى الله عليه وسلم حول التعامل مع أهل الكتاب
يروي الصحابي أبو هريرة رضي الله عنه أن أهل الكتاب كانوا يقرؤون التوراة بالعبرية ثم يفسرونها للمسلمين بالعربية.
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عن تصديقهم أو تكذيبهم قائلًا:
[لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ،{ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } (البقرة:136)]
- لماذا نؤمن بهذه الكتب رغم تحريفها؟
الإيمان بالكتب السماوية جزءٌ من أركان الإيمان، لكنه لا يعني أننا نؤمن بما في أيدي أهل الكتاب اليوم كما هو، بل نؤمن:
• بأن الله أنزلها في الأصل على أنبيائه.
• بأنها كانت كتباً حقّة قبل أن تتعرض للتحريف.
• بأن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد المحفوظ من التغيير، والمهيمن على ما سبقه من الكتب.
لذلك، نستقي الحقائق من القرآن الكريم وحده، ونأخذ موقفاً حذراً تجاه ما ورد في الكتب السابقة.
42
هل يعتبر ذبح الأضاحي عمل وحشي؟
يعتبر بعض الأشخاص والجماعات أن ذبح الحيوانات كأضحية لأداء فريضة دينية هو عمل وحشي، ويوجهون انتقاداتهم لهذا الأمر من منطلق الاعتراض على الإسلام.
ومع ذلك، فإن هؤلاء يتجاهلون حقيقة أساسية:
اللحوم التي يتم الحصول عليها من الأضاحي تشكل مصدراً أساسياً للبروتين الذي لا غنى عنه للبشر.
ولهذا السبب، يتم ذبح أعداد كبيرة من الحيوانات يومياً في المسالخ حول العالم لتوفير الغذاء وتلبية احتياجات البشر الغذائية.
لا يوجد غذاء يمكن أن يحل محل اللحوم بالكامل.
لذلك، فإن الاعتراض على ذبح الحيوانات لغرض التغذية واعتباره وحشية ليس فقط مخالفاً للمنطق، بل يتعارض أيضاً مع الفطرة السليمة.
فمنذ بداية البشرية، كان الإنسان يعتمد على الحيوانات كمصدر غذائي.
إن تجاهل هذه الحقيقة والاعتراض على ذبح الأضاحي فقط لأنها شعيرة دينية هو موقف أيديولوجي بحت.
أما الوحشية الحقيقية، فهي قتل البشر وسفك دمائهم.
وإذا كان بالإمكان التصدي لهذا الأمر، فالأولى أن يتم التركيز على ذلك.
وبدلًا من الاعتراض على ذبح الحيوانات التي جعلها الله مصدراً للغذاء،
فإن من الأولى الدفاع عن حقوق الإنسان التي تنتهكها الأنظمة الحديثة في العالم.
43
الإسلام يوافق العقل و المنطق
أحكام الدين الإسلامي ومبادئه تتوافق مع الفطرة الإنسانية، وهي مقبولة عقليًا. هذا الاستنتاج صحيح. إن جميع الأحكام الإسلامية "معقولة المعنى" ويمكن فهمها بالعقل والمنطق، باستثناء بعض الأحكام التعبدية التي لا يدرك العقل حكمتها تتطلب التسليم.
في الإسلام، تُفرض الأوامر والنواهي على الأشخاص البالغين العاقلين، ولا تُحمَّل أي مسؤولية على من لا عقل له. وهذا يدل على أن الإسلام يعطي أهمية للعقل، ويخاطبه، ومن هذه الناحية، يمكن اعتباره "دين العقل والمنطق".
على سبيل المثال، فإن نظام الزكاة في الإسلام هو مؤسسة تهدف إلى مساعدة الأغنياء للفقراء، وتعزيز ثقافة المشاركة، والقضاء على الظلم الذي يؤجج الصراعات الطبقية ويزيد من مشاعر الحقد والكراهية بين الطبقات، وتحويل هذا الصراع إلى محبة واحترام وسلام، وتحقيق التوازن في الحياة الاجتماعية. وهذه الوظيفة للزكاة واضحة جدًا ويمكن فهمها بسهولة من الناحية المنطقية والعقلية.
كذلك، فإن أول شرط لدخول الإسلام هو الإيمان بالله ورسوله. ومكان الإيمان هو القلب.
والقلب بالإضافة الى انه يشمل المشاعر السامية، والإلهامات، والخواطر، كذلك يشمل العقل أيضاً. ومن الواضح أن من لا عقل له غير مكلَّف بالإيمان.
أسلوب القرآن الكريم مليء بالأدلة العقلية والمنطقية لإقناع العقول بالحقائق. عند الحديث عن وحدانية الله، أو أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسول حق، أو أن القرآن كلام الله، أو حقيقة البعث بعد الموت، يتم تقديم أدلة عقلية ومنطقية باستمرار.
في الواقع، إذا لم يكن الأمر أو النهي مُرضياً للعقل، فلا يمكن الحديث عن اختبار عادل. فإذا طرحتَ على طالب في المرحلة الابتدائية أسئلة علمية معقدة لا تُطرح إلا في الجامعة أو دراسات الدكتوراه، فإنك تكون قد ظلمته. ولهذا السبب، يؤكد القرآن مرارًا على استخدام العقل والتفكير، ويطرح تساؤلات مثل: "أفلا تعقلون؟"، "أفلا تتفكرون؟"، "أفلا تذكرون؟"
فاذا قيل هل يعني ذلك أن الإسلام يخضع بالكامل للعقل البشري؟
إذا كان القصد من القول "الإسلام دين المنطق" أن الإنسان يعتمد فقط على عقله الخاص ليحكم على كل شيء، فهذا استنتاج خاطئ. لأن البعض قد يقول: "بما أن العقل طريقه واحد، فكل ما لا يستوعبه عقلي فهو خطأ، إذن أي شيء في الإسلام لا يتوافق مع عقلي فهو غير صحيح، لأن الإسلام هو دين العقل، وما لا يقبله العقل غير موجود فيه."
ولكن هؤلاء الأشخاص يعجزون حتى عن فهم مفهوم "العقل" ذاته. لأن العقل وحده – بدون أي عوامل خارجية – لا يمكنه استيعاب كل شيء. بل إن العقل يحاول فهم الأمور وفقاً للمعرفة والأفكار التي يتلقاها.
إذا لم يكن الشخص متعلماً في مجال معين، فإنه حتى لو كان ذكاؤه عالياً، فلن يتمكن من فهم أو أداء عمل المهندس أو الطبيب أو المفتي. وهذا دليل واضح على أن العقل وحده غير كافٍ لاستيعاب كل شيء.
نقطة أخرى مهمة يجب ذكرها هي أنه من الخطأ الادعاء بأن مسألة معينة "غير منطقية" لمجرد أن بعض الناس لا يستطيعون فهمها. فالكثير من الناس لا يفهمون العديد من المسائل في الفيزياء أو الكيمياء أو علم الفلك أو الرياضيات، لكن لا أحد يدّعي أن هذه العلوم غير عقلانية أو غير منطقية. لأن العقل البشري وحده ليس لديه القدرة على اكتشاف كل شيء. لو كان الأمر كذلك، لما كانت هناك حاجة إلى الأنبياء. فكما أن لكل علم متخصصين يفهمونه بوضوح، فإن هناك حقائق في الإسلام والقرآن قد لا يفهمها البعض، لكن ذلك لا يعني أنها غير عقلانية أو غير منطقية.
فلو قيل ماذا عن الأحكام التي لا يفهمها العقل؟
في الإسلام، هناك بعض الأحكام التي تُعرف بـ"التعبدية"، وهي التي لا يمكن للعقل فهمها بشكل مباشر، لكنها موجودة لاختبار العبودية والتسليم.
أما أصول الإيمان، فهي قائمة على العلم والعقل. وأما بعض الأحكام الشرعية التي لا يفهمها العقل بسهولة، فهي موجودة لاختبار مدى التسليم والطاعة. فبعد قبول أصول الإيمان، يجب أن تكون هناك بعض الأمور التي قد لا يفهمها العقل تماماً، ليُختبر الإنسان فيما إذا كان يُسلِّم بعقله فقط أم يُسلِّم لما جاء به القرآن أيضاً.
بعبارة أخرى، فإن من يقول: "بما أن القرآن كلام الله، إذن حتى لو لم أفهم بعض الأمور، فإن كل ما يقوله صحيح" فهو شخص نجح في الاختبار. أما من يقول: "هناك أمور في القرآن لا أفهمها، ولذلك لدي شكوك" فهو شخص فشل في الاختبار، لأنه إما غير صادق في إيمانه أو جاهل جدًا.
على سبيل المثال، كون صلاة الفجر ركعتين، والظهر أربع ركعات، هو أمر تعبدي وليس له تفسير عقلي واضح. لكن لماذا حرّم الله لحم الخنزير والخمر؟ هذه مسائل يمكن توضيحها من خلال العلم والحكمة. فالمسائل التي تعتمد على المنطق أوسع بكثير من المسائل التعبدية.
الخلاصة:
• الإسلام يتوافق مع العقل والمنطق، لكنه لا يعتمد على عقل الإنسان وحده كمرجع نهائي.
• هناك أمور تُفهم بالعقل، وأخرى تتطلب التسليم، وهذا جزء من الاختبار الإلهي.
• ليس كل ما لا نفهمه غير منطقي، بل قد يكون خارج نطاق معرفتنا وإدراكنا.
44
هل أسماء الأنبياء الواردة في القرآن نسخت من التوراة؟
ورد في الحديث الشريف أن عدد الأنبياء الذين أُرسلوا للبشرية عبر التاريخ بلغ 124 ألف نبي. وقد أكد القرآن الكريم أن الله أرسل لكل أمة نبياً يدعوها إلى التوحيد، كما جاء في قوله تعالى:{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}(النحل:36)
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}(يونس:47)
لماذا ذكر القرآن أنبياءً من الشرق الأوسط فقط؟
على الرغم من أن الله أرسل عددًا هائلًا من الأنبياء، إلا أن القرآن الكريم لم يذكر إلا عددًا قليلًا منهم، وهؤلاء الأنبياء كانوا معروفين عند العرب وأهل الكتاب (اليهود والنصارى).
عدم ذكر أسماء جميع الأنبياء لا يعني عدم وجودهم، فقد بُعث أنبياء آخرون في الشرق الأوسط وخارجها، ولكنهم لم يُذكروا في القرآن الكريم.
ذكر هؤلاء الأنبياء بالتحديد كان لأغراض تربوية وتعليمية، حيث استخدم القرآن قصصهم ليقدم العبر والدروس للأمم السابقة، خاصةً للعرب الذين كانوا يعرفون هذه القصص جزئياً.
هل القرآن نُسخٌ من التوراة والإنجيل؟
لا، بل إن ورود أسماء نفس الأنبياء في القرآن والتوراة والإنجيل هو دليل على أن هذه الكتب من مصدر إلهي واحد، وليس لأن أحدها منسوخ عن الآخر. فالرسالة الأساسية لجميع الأنبياء كانت التوحيد والإيمان بالله والكتب السماوية والرسل.
- جميع الكتب السماوية تدعو إلى عبادة الله وحده واتباع رسله.
- لم ينسخ القرآن من التوراة، بل جاء ليصحح التحريفات التي طرأت عليها ويهيمن عليها.
- بعض التفاصيل الموجودة في التوراة تختلف عن القرآن، مما يدل على أن القرآن لم ينسخها، بل جاء بوحي مستقل من عند الله.
الخلاصة
فالقول بأن القرآن نسخٌ من التوراة لأنه يذكر نفس الأنبياء غير منطقي، فكل الكتب السماوية جاءت من عند الله.
القرآن لم يذكر كل الأنبياء، بل ركّز على من يعرفهم المخاطبون به آنذاك لأغراض تربوية وتعليمية.
جميع الأنبياء جاؤوا برسالة واحدة: عبادة الله وحده، وهذا هو جوهر الإيمان في جميع الكتب السماوية.
45
أهمية الزكاة بالنسبة للمجتمع
• الزكاة توازن في الملكية: فهي لا تسلب صاحبها ملكيته بالكامل، ولا تتركها محصورة لديه فقط، بل تقسم الثروة بين الفقراء والأغنياء ضمن حدود معينة.
• الزكاة نوع من الضمان الاجتماعي: إذ تهدف إلى مساعدة المحتاجين، مثل الفقراء والمساكين ومن تراكمت عليه الديون وأبناء السبيل، مما يعزز شخصية الأفراد ويقوي الاقتصاد والمجتمع ككل.
• الزكاة تغطي جميع احتياجات الطبقات الفقيرة: فهي بمثابة تأمين شامل لحاجاتهم الجسدية والروحية والأخلاقية، وقد سبق الإسلام الأنظمة الحديثة في وضع أساس التأمين الاجتماعي منذ 1400 عام، بينما لم يبدأ التفكير الجاد في ذلك إلا قبل أقل من مئة عام.
• الزكاة تقضي على الفجوة بين الأغنياء والفقراء: فهي تقرب بين الطبقات الاجتماعية وتساعد في تكوين طبقة متوسطة، مما يؤدي إلى ازدهار الأسواق وزيادة القوة الشرائية للفقراء، بدلاً من احتكار الثروة من قبل فئة معينة. وقد نهى القرآن الكريم عن احتكار المال بيد الأغنياء ، كما ورد في قوله تعالى:{كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}(الحشر:7)
• الزكاة تمنع اكتناز الأموال وتحفز الاستثمار: لأنها تفرض على رأس المال وليس على الأرباح فقط، مما يدفع أصحاب الأموال إلى تشغيلها بدلاً من تركها تتآكل مع الزكاة.
• الزكاة تحقق التوازن الاجتماعي: فقد خلق الله الناس في مستويات معيشية مختلفة، فمنهم الغني والفقير ومتوسط الحال، كما قال تعالى:{ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ}(النحل:71)
فلا يمكن أن يكون جميع الناس في مستوى معيشي واحد، ولكن يجب ألا تكون الفوارق شاسعة، والزكاة هي الجسر الذي يربط بين الأغنياء والفقراء.
• الزكاة توطد العلاقات بين أفراد المجتمع: فهي تعزز مشاعر الحب والرحمة من الأغنياء تجاه الفقراء، وتقوي الاحترام والعمل الجاد لدى الفقراء تجاه الأغنياء، مما يقلل من الحقد والعداوة بين الطبقات الاجتماعية.
• الزكاة تمنع الجرائم وعدم الاستقرار الاجتماعي: فإذا لم يهتم الأغنياء باحتياجات الفقراء، فقد يدفعهم الفقر إلى الانضمام إلى أعداء المجتمع أو ارتكاب الجرائم مثل السرقة وقطع الطرق والقتل.
• الزكاة وسيلة للنمو الاقتصادي: فهي ليست مجرد عمل اجتماعي، بل تساهم في تحريك عجلة الاقتصاد وزيادة الإنتاج والاستثمار.
• الزكاة تحد من الصراعات الطبقية: فقد كان التفاوت بين الأغنياء والفقراء سبباً في العديد من الثورات عبر التاريخ، إلا أن الإسلام عالج هذه المشكلة من خلال الزكاة والصدقات والأوقاف، إلى جانب ترسيخ أخلاق الصبر والقناعة والرضا بالقضاء والقدر، مما منع تفشي الغرور بين الأغنياء والحسد بين الفقراء.
بالتالي، تعد الزكاة أداة فعالة لتحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي، وتعزيز روح التعاون والتراحم داخل المجتمع.
46
حقيقة تأثَّر الإسلام بالثقافات التي سبقته
إن وجود أي خبر أو ميزة جميلة في أمة أو ثقافة معينة، ووجوده أيضاً في أحد الأديان الحقَّة، لا يدلُّ أصلاً على أن ذلك الدين قد تأثَّر بتلك الثقافة، بل على العكس، يُشير إلى أن مصدره هو الوحي. ومع مرور الزمن، قد يُنسى ارتباطه بالوحي ويُفهم على أنه جزء من ثقافة تلك الأمة.
لأن الله سبحانه وتعالى أرسل آلاف الأنبياء للبشرية، وكان أول إنسان هو أيضاً أول نبي.
من هذا المنظور، فإن وجود أخبار الدين في ثقافات أخرى يدلُّ على أن أصلها قائم على الوحي، إلا أن هذا الوحي قد نُسي مع الزمن وظُنَّ أنه جزء من التراث الثقافي أو منسوبٌ إلى شخص معين.
قصة وضع النبي موسى (عليه السلام) في التابوت مذكورة في القرآن الكريم بوضوح، ويمكن إدراك ذلك عند قراءة قصته وسيرته.
ولقد بُعث العديد من الأنبياء في منطقة الشرق الأوسط، لذا، قد تحتوي الثقافة السومرية على بعض الرموز والمبشرات التي تنتمي إلى الأديان السماوية.
وهذا قد يعني أن بعض الأنبياء الذين سبقوا موسى (عليه السلام) بشَّروا بقدومه.
وبالمثل، جاءت البشارات المتعلقة بالنبي محمد (ﷺ) في الكتب السماوية السابقة قبل بعثته.
بعض الملحدين يستخدمون هذه النقوش القديمة للطعن في الأديان، ولكن القرآن الكريم يخبرنا بأنه لم تُترك أي أمة بدون نبيٍّ أو مُنذر أو مرشد. والتاريخ الإنساني يُؤكِّد صحة هذا الإخبار القرآني.
من المعروف أن العرب في فترة الجاهلية كانوا لا يزالون يحتفظون ببقايا دين النبي إبراهيم (عليه السلام) الحنيف، والتي تعود إلى آلاف السنين. فوجود الكعبة المشرفة، واعتبار العرب لها مقدسة في ذلك العصر، والطواف حولها، وغير ذلك من الشعائر، لا يمكن تفسيره على أنه مجرد عادات وثنية.
كما أن وجود قوانين تحفظ كرامة الإنسان أو نقوشٍ تاريخية تسجل قصصاً قديمة لا يُعتبر دليلًا على أن الدين قد تأثر بثقافات بشرية، بل على العكس، يُعد دليلًا على أصالة الدين. لكن الملحدين الماديين الذين يستخدمون أدوات مادية مُضلِّلة يحاولون قلب الحقائق التاريخية لصالحهم.
أما القصص مثل قصة النبي أيوب (عليه السلام)، فإذا ثبت أن هناك إشارات إليها قبل زمنه، فقد تكون بمثابة بشارةٍ بقدومه، أو قد تدلُّ على وجود أشخاص آخرين عبر التاريخ مرُّوا باختبارات مشابهة له.
فالقرآن الكريم حينما يسرد هذه القصص، فإنه يُبرز أحداثًا كُليَّة تحمل عبراً، ويقدم نماذج حيَّة لأبطال الصبر، حتى تستفيد منها البشرية وتتعظ بها.
باختصار: الأحداث التي يذكرها القرآن الكريم، وأبطالها، هي أحداث تاريخية واقعية لا شك فيها، ولكن قد تكون هناك أحداث مشابهة لها في سياقات أخرى.
47
ما الفرق بين القرآن والكتب السماوية الأخرى؟
إن الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن الكريم والتي لا تزال موجودة اليوم، ليست النسخ الأصلية التي أوحى الله بها إلى أنبيائه. فقد فُقدت أصولها مع مرور الزمن، وأُعيدت كتابتها على يد البشر، مما أدى إلى دخول التحريف والخرافات إليها.
تحريف التوراة
من المعروف تاريخياً أن التوراة الأصلية التي أنزلت على موسى عليه السلام لم يتم الحفاظ عليها، خاصة بعد تعرض اليهود للأسر والاضطهاد لفترات طويلة، حتى أنهم فقدوا دينهم لفترة وأصبحوا يعبدون الأصنام. وبعد قرون، كتب بعض رجال الدين نسخة جديدة من التوراة، لكنها لم تكن مطابقة للأصل، بل احتوت على تحريفات وأحكام تخالف التوحيد، إضافة إلى إساءات وافتراءات على أنبياء الله.
تحريف الزبور
أما الزبور الذي أوحي إلى داوود عليه السلام، فقد تعرض لما تعرضت له التوراة من فقدان وتحريف، ولم يبق منه النص الأصلي.
تحريف الإنجيل
لم يُدوِّن عيسى عليه السلام بنفسه الإنجيل، لأنه بدأ دعوته في سن الثلاثين، وكانت مهمته قصيرة جدًا (ثلاث سنوات فقط)، قضاها في التنقل بين المدن والقرى للدعوة إلى الله. بالإضافة إلى ذلك، كان تحت مراقبة شديدة من الرومان واليهود، مما لم يسمح له بكتابة الإنجيل أو إملائه على تلاميذه.
الأناجيل الموجودة اليوم ليست نصوصاً إلهية مباشرة، بل كتبها أشخاص لم يكونوا من الحواريين، وإنما سمعوا تعاليم المسيح من أتباعه وكتبوها بأسلوبهم الخاص، مما جعلها أقرب إلى سِيَر تاريخية عن حياة عيسى عليه السلام.
هناك اختلافات كبيرة في المحتوى وطريقة السرد بين الأناجيل،
إن اختيار الأناجيل المعتمدة اليوم تم في مجمع نيقية عام 325م، حيث اجتمع 1000 رجل دين، وبعد مراجعة مئات الأناجيل، قرر 318 عضواً اعتماد أربعة أناجيل فقط، وهي التي تدّعي ألوهية المسيح، بينما تم إحراق بقية الأناجيل التي لم تتوافق مع هذا المعتقد.
وبالتالي، فإن عقيدة "ابن الله" لم تكن جزءاً من رسالة عيسى عليه السلام، بل تم إقرارها لاحقاً في المجامع الكنسية. حتى أن بعض الكنائس المسيحية رفضت هذه العقيدة ولم تلتزم بها.
لماذا يختلف القرآن عن هذه الكتب؟
على عكس الكتب السابقة، لم يتعرض القرآن لأي تحريف أو تغيير، فقد نُقل إلينا بأدق التفاصيل كما أُنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وحفظه ملايين المسلمين في صدورهم.
وعد الله بحفظ القرآن بنفسه:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجرات:9)
لم يكتبه بشر بعد مئات السنين، بل دُوِّن وجُمِع في حياة الصحابة تحت إشرافهم المباشر.
الخلاصة
التوراة والزبور والإنجيل الأصلية نزلت من عند الله، لكنها لم تُحفظ من التحريف، وفُقدت أصولها مع الزمن.
أما القرآن فهو الكتاب السماوي الوحيد الذي بقي كما أُنزل دون تغيير، وهو الكتاب المحفوظ إلى يوم القيامة.
لهذا السبب، يعتمد المسلمون على القرآن كمصدر أساسي، بينما ينظرون إلى الكتب السابقة بحذر، لأن نصوصها تم تحريفها عبر التاريخ.