FAQ in the category of الأحكام

1 الهدف من العقوبة في الشريعة الإسلامية؟

شهد مفهوم العقوبة عبر التاريخ تصورات مختلفة، وتحددت غاياتها في ضوء هذه التصورات. ففي الغرب، وحتى القرن الثامن عشر تقريباً، كانت غايات العقوبات تتركز على الردع والانتقام والتشهير. فكان من الشائع آنذاك استخدام أساليب عقابية قاسية مثل الحرق، الصلب، بتر الأعضاء، كسر العظام، والكيّ بالحديد الساخن.

ولم تكن هناك مناسبة بين الجريمة والعقوبة؛ فالعقوبة بالإعدام، مثلاً، كانت تُطبّق أحياناً على أبسط الجرائم. ففي القانون الإنجليزي، حتى القرن الثامن عشر، طُبّقت عقوبة الإعدام على نحو 200 جريمة، أما في القانون الفرنسي فقد بلغت 215 جريمة، وكانت غالبية هذه الجرائم من النوع البسيط.

ومع مرور الزمن، بدأ الانتقام الفردي يُستبدل بهدف الانتقام المجتمعي أو الإلهي. فالانتقام المجتمعي كان يهدف إلى الردع والتخويف، أما الانتقام الإلهي فكان يستهدف تحقيق الكفّارة عن الذنب. وبدءاً من القرن الثامن عشر، بدأ المفكرون الغربيون يرفضون فكرة الانتقام في العقوبات، وحاولوا وضع أهداف بديلة لها.

غايات العقوبة في الإسلام
إن الغاية من العقوبة في الشريعة الإسلامية ليست الظلم أو التعذيب أو الانتقام من الجاني، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبعث لنشر الرعب أو الاستبداد، بل أرسله الله رحمةً للعالمين.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107)

وبحسب النصوص الدينية (الآيات والأحاديث) وأقوال المجتهدين، فإن الغايات التي تتبعها العقوبة في الإسلام هي كما يلي:

1- الردع العام (الوقاية العامة)
تقوم العقوبات في الشريعة الإسلامية على مبدأ الردع والإعجاز، أي منع وقوع الجريمة قبل حدوثها من خلال الترويع والعبرة. ولذلك تُنفَّذ العقوبات علناً أمام الناس، لأن العلنية في العقوبة تؤثر في نفس الإنسان وتردعه.
فالردع العام يتحقق بأفضل صورة عند تنفيذ العقوبة على الملأ، حيث تبقى مشاعر الخوف من العار والإهانة الاجتماعية حاضرة في النفوس، مما يثني الكثيرين عن ارتكاب الجرائم.

2- الردع الخاص (الإصلاح الفردي)
من مقاصد العقوبة في الإسلام إصلاح المذنب وتهذيب سلوكه الأخلاقي، بحيث يُصبح إنساناً صالحاً لا يعاود ارتكاب الجريمة.
فالعقوبة في الإسلام تشبه تأديب الوالد لابنه أو علاج الطبيب لمريضه، لا تهدف إلى الانتقام بل إلى الإصلاح.

3- الكفّارة
العقوبة تُعدّ كفّارة عن الجريمة، وهي مطلب من مطالب العدالة المطلقة. فعند تنفيذ العقوبة، يتم تحقيق الكفّارة عن الذنب، ويُشبع شعور المظلوم بالعدالة، ويسود الأمن في المجتمع.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[حدٌ يقام في الأرض خير للناس من أن يمطروا ثلاثين أو أربعين صباحاً](مسند أحمد)
ويقول القرآن الكريم:
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}(الشورى: 40)
إذًا، العقوبة المكافئة للجريمة تُعدّ عدلاً، غير أن العفو من المظلوم له أجره الخاص عند الله.
كذلك يجب أن تكون العقوبة مناسبة للجريمة، إذ إن العقوبة إذا كانت أشد من الجريمة، تولد شعوراً بالظلم والفوضى في المجتمع. كما أن اعتبار العقوبة كفّارة يُعدّ رحمة بالمذنب، لأن أغلب الفقهاء يرون أن العقوبة الدنيوية تسقط عنه العقوبة الأخروية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته]( مسند الامام احمد 2/362)

ولهذا، إذا تاب الجاني وأظهر الندم، يُفضّل ـ إن أمكن ـ عدم إقامة الحد عليه، لأن الغاية الأسمى من العقوبة وهي التوبة قد تحققت.
في الحديث [أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف اعترافا ولم يوجد معه متاع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أخالك سرقت](النسائي)
كما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا، يا رسول الله، قال: أنكتها لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه
أي إن النبي صلى الله عليه وسلم حاول أن يصرفه عن الإقرار ليتوب بينه وبين ربه دون إقامة الحد. ولكنه أصر، فأقيم عليه الحد.

وفي كلا الحالتين لم يكن هناك دليل خارجي على الجريمة، وإنما كان الاعتراف صادراً عن ندم وتوبة.

أما في الجرائم الثابتة بالبينة والشهادة، فإن التوبة لا تمنع تنفيذ الحد. لأن المصلحة هنا ليست شخصية بل عامة، ويتوجب تنفيذ الحد لحماية المجتمع من تفشي الفساد. والاستثناء الوحيد هو القصاص، إذ يمكن لأولياء الدم العفو عن الجاني، وقد حثّ القرآن على هذا العفو.

أما في الجرائم التعزيرية، التي يُترك تقدير عقوبتها للقاضي، فإن حال الجاني تؤخذ بعين الاعتبار. فإذا رأى القاضي أن الجاني قابل للإصلاح، جاز له تخفيف العقوبة أو إلغاؤها، شريطة مراعاة المصلحة العامة.
 

2 سبب تحريم الزنا

إذا حُرِّم أمرٌ ما في الإسلام، فذلك لأنه محرم بأمر الله تعالى، وليس بالضرورة لسبب مادي نراه نحن. فمثلاً، لحم الخنزير مُحرَّم بسبب الأضرار الصحية التي يحملها، ولكن حتى لو زالت هذه الأضرار، فإنه يظل حراماً. لأن هذه الأضرار التي نعرفها ليست كل شيء، بل هناك أضرار أخرى قد لا ندركها، وحِكَمٌ كثيرة وراء هذا التحريم.
كل ما حرّمه الله فيه ضرر على الإنسان، ولكننا قد لا ندرك حجم هذا الضرر بالكامل. في الماضي، لم يكن الناس يعلمون أن لحم الخنزير ضار، ولكن مع تطور العلم اكتُشِفت أضراره. ولو كان تحريمه متعلقاً فقط بما كان معروفاً قديماً، لكان الناس قد اعترضوا على ذلك حينها. لكن هذا التفكير غير صحيح، فنحن مأمورون باتباع أوامر الله، ومع مرور الزمن واكتشاف فوائد الطاعة، تزداد ثقتنا بالله.
العلم لا يزال عاجزًا عن فهم جميع حِكم أوامر الله، ومع الوقت تنكشف لنا بعض الحِكَم، لكن بعضها يظل غائباً عنّا.

أضرار الزنا على الفرد والمجتمع
- الأضرار النفسية والاجتماعية: علماء النفس والاجتماع أشاروا إلى أن الزنا يُسبب أضراراً نفسية خطيرة مثل القلق، الاكتئاب، واضطرابات العلاقات العاطفية. كما يؤدي إلى تفكك الأسرة، وانتشار الخيانة الزوجية.
- انتشار الأمراض: الزنا يساهم في انتشار الأمراض المنقولة جنسياً، التي قد تؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة.
- ضياع الأنساب: الزنا يخلط الأنساب، مما يؤدي إلى مشكلات في حقوق الأطفال وتربيتهم، ويخلق أجيالًا بلا هوية واضحة.
- التسبب في العداوات والجرائم: العلاقات غير الشرعية تسبب الغيرة، الخيانة، وأحياناً جرائم القتل أو الانتقام.

تحريم الزنا في القرآن الكريم
الزنا محرم في الإسلام وفي جميع الأديان السماوية، وهو من كبائر الذنوب، ويعدّ جريمة تمسّ الشرف والنسب، ولذلك فإن عقوبته من أشد العقوبات.
قال الله تعالى:
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}(الإسراء:32)
 أي أن الزنا فاحشة عظيمة وطريق سيئ يقود إلى الفساد.
وقال تعالى في بيان عقوبة الزنا وعواقبه:
{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}(الفرقان:68-69)

الخلاصة:
الزنا ليس مجرد "فعل شخصي" لا يضر أحدًا، بل هو فساد أخلاقي واجتماعي له عواقب خطيرة على الأفراد والمجتمعات، ولذلك حرّمه الله ووضع له عقوبة صارمة للحفاظ على الطهارة والأخلاق والاستقرار الأسري.

3 هل قطع يد السارق ظلم

السرقة، التي تعني "أخذ مالٍ مملوك للغير خفيةً من مكانٍ محفوظ دون علم صاحبه"، تُعد من الجرائم الأساسية التي تُرتكب ضد المال وحق التملك. وحماية الثروة التي تُكتسب بعرق الجبين والكسب المشروع هي من المبادئ الأساسية في الإسلام. فقد اعتبر الإسلام العمل والمِلكية أمرين مقدسين، وعاقب على التعدي على المِلكية بغير حق. ولذلك، وكما هو الحال في جميع الأديان السماوية والأنظمة القانونية، فإن السرقة تُعد في الإسلام جريمة قانونية، وكذلك إثماً كبيراً وعاراً من الناحية الدينية والأخلاقية.

السرقة خيانة عظيمة تجرح قلب صاحب المال المسروق الذي اكتسبه بجهده، وهي جريمة لا تتوافق مع الضمير. وقد وُجدت هذه الجريمة في كل عصر ومكان، وما زالت موجودة. ولهذا السبب، أتى الدين الإسلامي العظيم بعقوبة رادعة مناسبة لهذا العمل الجائر، وأمر بقطع يد من يرتكب هذه الجريمة. ولو طُبقت هذه العقوبة، لانخفضت نسبة السرقات إلى أدنى المستويات.

وقد حُرّمت السرقة في الإسلام بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع. يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ}(المائدة:38)
 وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
[ إنما هلك الذين قبلَكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهمُ الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وأيمُ اللهِ لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها] (متفق عليه)

فإذا ثبتت السرقة، تُطبق عقوبة الحد بقطع اليد. أما في الحالات التي لا تستوجب الحد، فيُعوض الضرر فقط.

وقد ناقش الفقهاء المسلمون باستفاضة شروط تحقق جريمة السرقة، وشروط تطبيق العقوبة، وتأثير التكرار أو الإكراه أو العفو، وأسسوا بذلك نظرية قانونية غنية.

وباختصار، فإن تحقق الجريمة مشروط بعدم وجود أعذار مثل الجوع أو الضرورة أو الإكراه، وأن تكون السرقة قد تمت عن قصد وبعلم، وأن يكون الجاني مسؤولاً جنائياً، وأن يكون المال المسروق محفوظاً قانوناً، وأن تتجاوز قيمته حدًا معيناً.

وفي الشريعة الإسلامية، لا تُطبق العقوبات إلا بعد اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لمنع وقوع الجريمة. لذا، ينبغي أن يُتذكر هنا أن الهدف الأساسي في الإسلام ليس معاقبة الأشخاص، بل منع وقوع جريمة السرقة من خلال اتخاذ التدابير الوقائية، وتحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي، وتوجيه الناس وتربيتهم.
ويُعد انسجام التعليم الديني والأخلاقي العام والتشريعات القانونية والسياسات الرسمية شرطاً أساسياً لنجاح هذه الجهود المجتمعية.

وقد أمر الله تعالى بعقوبة السرقة. وفي ظل تحقق هذه الشروط العامة، فإن اليد التي تجرؤ على السرقة تُعد كالعضو المصاب بالغرغرينا داخل الجسد الاجتماعي الإسلامي، ويكون من الضروري قطعها.

إن السارق سواء كان رجلًا أو امرأة، ممن ثبتت عليهم السرقة بشكل واضح ولا يوجد شبهة أو عذر يبرر فعلهم، يُعاقبون على فعلهم، ويُقطع يدهم كوسيلة رادعة من الله تعالى لكي لا يعودوا لارتكاب الجريمة. 
هذا أمر الله العزيز الحكيم؛ ولا يُرد أمره، وأحكامه مليئة بالحكمة.

فالله الذي لا يرضى بالظلم والفساد، والذي يفرض الزكاة والصدقات والإنفاق لمساعدة الفقراء والمحتاجين، والذي يأمر بتقوى الله والجهاد في سبيله، يعد انتهاك حرمة الله والسرقة في الخفاء تعدياً على عزته وحرباً خفية عليه. وعقوبة اليد التي تمتد إلى مال الغير دون وجه حق هي القطع.

وبالتالي، يجب ألا يُظن أن العقوبة غير متناسبة مع الجريمة. فهذه العقوبة لا تُقاس فقط بقيمة المال، بل هي جزاء على الخيانة الخفية والاعتداء على عزة الله. فهذه اليد قد مدت إلى النار أو إلى حد السيف، وهي قيد من الله يمنع الفساد. وبذلك يتطهر السارق، ويعتبر غيره.

ثم إن الله تعالى حين يعاقب من يتعدى على عظمته بهذه العقوبة، فإنما يفعل ذلك بحكمة، لا بمجرد الغضب. وإذا طُبقت هذه العقوبة بحق وعدل، فإنها تقضي على السرقة من جذورها. ولا يُوجد حينها يد تستحق القطع، بشرط أن تُطبق بالشكل الصحيح، وتُؤمن العدالة، ويُبعد الظلم.

أما إذا قُطعت يد على غير وجه حق، فإن عظمة الله وحكمته ستظهر بالعكس، وسيكون التساؤل حينها: ما عقوبة من يقطع يدًا بغير حق؟

وإذا تاب السارق بعد قطع يده، وأصلح حاله، فإن الله غفور رحيم، ويقبل توبته، ولا يُعذبه في الآخرة، بل يرحمه ويغفر له. ولذلك، لا ينبغي النظر باحتقار إلى من قُطعت يده وتاب، بل يجب مواساته ومساعدته.
 

4 تعريف الخمر وحكمه

المشروبات التي تُذهب قدرة العقل على التفكير السليم وتُسبب حالة تُسمى "السكر"، وتُعطل ملكة التمييز والإدراك.

لقد حرّم القرآن الكريم الخمر وأخبر بأنها محرمة:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(المائدة:90)

وقد قال معظم الفقهاء إن كلمة "الخمر" في الآية تشمل كل ما يُذهب العقل من المشروبات المسكرة. وقد فسر الحنفية "الخمر" بأنها عصير العنب إذا غلى واشتدّ وظهرت فيه الرغوة، وهذا فقط ما يُطلق عليه اسم الخمر عندهم، أما باقي أنواع المشروبات المسكرة فلا يشملها اسم "الخمر" صراحةً، لكنها تُلحق به في التحريم لأنها تُسكر. وأغلب الفقهاء يرون أن كل ما يُسكر قليله أو كثيره فهو حرام وداخل تحت مسمى الخمر. 

وقد اهتم الإسلام بحفظ خمسة أشياء أساسية: العقل، الصحة، المال، العرض، والدين، ومتعاطي الخمر لا يمكنه الحفاظ على أيٍّ منها.

وقد جاءت آيات تحريم الخمر في القرآن الكريم بشكل تدريجي:
1. في المرحلة الأولى (بمكة) لم يكن هناك حكم واضح بالتحريم، وإنما لفت نظر:
{ وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(النحل: 67)
2. ثم جاء عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، إن الخمر تفسد المال وتذهب العقل، فادع الله أن يبيّن لنا فيها بيانًا شافيًا"، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}(البقرة:219) 
بعض الصحابة أقلع عن شربها، وبعضهم استمر بحجة أن فيها منفعة.
3. ثم حصل موقف أثناء صلاة المغرب، حيث أمَّ أحدهم الجماعة وهو سكران، فتلا سورة الكافرون بشكل خاطئ، فدعا عمر: "اللهم بيّن لنا أمر الخمر بيانًا شافيًا"، فنزلت الآية:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}(النساء، 43) 
فحرمت الخمر في أوقات الصلاة فقط، فصاروا يشربونها بعد العشاء ويؤدون الفجر بعد زوال أثرها.
4. ثم حصلت حادثة أخرى في وليمة زفاف أقامها عتبة بن مالك، حضرها سعد بن أبي وقاص، فلما شربوا الخمر تفاخر سعد بقومه وهجى الأنصار، فغضب أحدهم وضربه بعظم جمل حتى شجّه. فاشتكى سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الحاسمة:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}(المائدة:90-91)

ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم الخمر:
[ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا فَماتَ وهو يُدْمِنُها لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ ](مسلم)
[ما أسْكرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرامٌ](النسائي)
[أنَّ طَارِقَ بنَ سُوَيْدٍ الجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَنِ الخَمْرِ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقالَ: إنَّما أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقالَ: إنَّه ليسَ بدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ](مسلم)
[ليشرَبنَّ ناسٌ من أمَّتي الخمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها](أبو داود)

تحريم الخمر ثبت بإجماع الأمة، واتفق عليه الفقهاء، رغم وجود بعض الاختلافات بين المجتهدين في بعض الأنواع.

وقد رفع عمر بن الخطاب هذه الشبهات فقال من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم(والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ)

وعلى هذا فإن كل ما يُذهِب العقل ويفسد القدرة على التمييز، سواء كان سائلاً أو صلباً، فهو خمر. كالمخدرات مثل الأفيون والهيروين، لأنها تغيّر وظائف العقل، وتؤدي إلى التوهم، وتُضعف الإرادة، وتدمر الصحة والنفس والأخلاق، وتُفسد الإنسان والمجتمع.

فالإسلام يأمر بكل ما فيه نفع للفرد والمجتمع، وينهى عن كل ضار، وقد أثبت الطب الحديث أن هذه المحرمات - مثل الخمر ولحم الخنزير - لها أضرار مادية ومعنوية عظيمة. 

كما حرّم الإسلام شرب الخمر، فقد حرّم أيضًا بيعها وترويجها، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:[ لُعِنتِ الخمرُ على عشرةِ أوجُهٍ : بعينِها ، وعاصرِها ، ومعتَصرِها ، وبائعِها ، ومُبتاعِها ، وحاملِها ، والمحمولةِ إليهِ ، وآكِلِ ثمنِها ، وشاربِها ، وساقيها]( ابن ماجه).
وفي الحديث ايضا [إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا ؟ قَالَ : لَا ، فَسَارَّ إِنْسَانًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ سَارَرْتَهُ ؟ ، فَقَالَ : أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا ، فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا](مسلم)
 

5 لماذا حُرم الخمر و لحم الخنزير ولم يحرم القتال ؟

قد لا يكون هذا السؤال موجهاً مباشرة من قبل المعترضين، لكننا نقول لإخواننا الذين ينقلون لنا مثل هذه الأسئلة: إن الأحكام التي وضعها الله هي انعكاسات لحكمته وعلمه اللامتناهي. ومبدئياً، كل حكم إلهي يحمل قيمة مضافة بحد ذاته، ولا يجوز التضحية بأي حكم شرعي لحساب حكم آخر ما لم تكن هناك ضرورة قصوى.
على سبيل المثال، وجود الحرب لا يُحلل الخمر ولا لحم الخنزير. ويجب أن يعلم من يطرح هذا الاعتراض أن شربه للخمر في بيته لن يُسهم في إنهاء الحرب، ولن يجلب السلام. وإذا كان يتبنى فكراً إنسانياً، فإن انغماسه في الخمر بينما يموت آخرون في الحروب يُعد سلوكاً غير إنساني، ولا يتماشى مع أي منطق أو ضمير.
وبالمثل، هل أكل بعض الناس لحم الخنزير في وقت الحرب يقرّبنا إلى السلام؟
وفوق كل ذلك، فإن الله تعالى قد اهتم بأمر الحروب أيضا، وما زال يهتم. نعم، الله يأمرنا من خلال القرآن الكريم ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بعدم القتال والدخول في السلم والسلام:
بعض الآيات التي تتعلق بهذا الشأن:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}(البقرة:208)
{ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا }(النساء:90)
{ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ }(المائدة:32)
أما أول آية أذنت للمسلمين بالقتال فجاءت بعد حوالي 15 سنة من بداية نزول الوحي، وهي:
{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}(الحج:39)
فالمسلمون ظلوا طوال 13 سنة في مكة وسنتين في المدينة يتحملون الاضطهاد والأذى من الكافرين دون أن يُؤذن لهم بالقتال. وذلك لأن الإسلام دين السلام، ولفظ "إسلام" نفسه مشتق من "سِلْم" أي السلام. ولهذا عندما أذن الله لهم بالقتال لأول مرة، استخدم تعبيرات خفيفة للغاية:
1. في بداية الآية، لم يُقل "قاتلوا فوراً"، بل استخدم تعبير "أُذِنَ"، وهو تعبير لطيف يحمل في طياته الرحمة.
2. كما أن صيغة الفعل كانت مبنية للمجهول (أُذِنَ) بدلًا من "أذِنتُ"، مما يدل على أن القتال ليس أمراً محبوباً في الإسلام، بل هو استثناء يُلجأ إليه عند الضرورة.
3. الإذن بالقتال جاء مشروطًا، فلم يُؤذن لهم بذلك إلا بعد أن تعرّضوا للعدوان، ما يدل على أن القتال ليس هدفًا في حد ذاته في الإسلام، بل دفاعاً عن النفس.
4. السبب المذكور في الآية للقتال{ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} يوضح أن الحرب في الإسلام لا تُشن بدوافع استعمارية أو توسعية، بل هي رد على الظلم.
وبعد هذا الإذن، كانت أول معركة هي غزوة بدر، حيث جاء المشركون من مكة إلى منطقة بدر قرب المدينة، وتحقق وعد الله في الآية{وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} ، حيث انتصر المسلمون وانهزم المشركون.
أما من يسأل: "لماذا لا يتدخل الله لإيقاف الحروب؟" فجوابه واضح:
إن الله خلق الدنيا كمكان للامتحان، ويبتلي فيها الناس، ولذلك منحهم إرادة حرة وقدرة على الفعل. ولكي يكون الامتحان عادلًا، لا بد أن يُترك المجال لكلٍ من الخير والشر لكي يُمارسا بحرية. ولذلك، كما لا يقيّد الله يد المحسن، لا يقيّد كذلك يد المسيء، لأن الامتحان لا يستقيم إلا بترك الخيار للطرفين.
ولو شاء الله أن يتدخل في كل شر، لسلب شارب الخمر عقله إلى الأبد، أو لمسخ آكل الخنزير إلى خنزير حقيقي. وكان يمكنه أن يُصيب القتلة بكسور مدمّرة، أو يخرس ألسنة الظالمين... لكنه لم يفعل، لأن العدل الإلهي في الامتحان يقتضي أن يترك لهم المجال.
إن وجود الظالم والمظلوم معًا في هذا العالم، وموت الظالم في عزّ والمظلوم في ذلّ، دليل واضح على وجود محكمة عليا في الآخرة ستُظهر عدالة الله الكاملة.
 

6 أضرار القمار وأسباب تحريمه

قال الله تعالى في القرآن الكريم:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}(البقرة:219)
إن القمار والخمر يتسببان في أضرار جسيمة وذنوب عظيمة، لأنهما يضيعان المال ويفسدان حياة الناس. فغالباً ما يؤدي أحدهما إلى الآخر؛ إذ يفقد الخمر الإنسانَ عقله، والعقل هو أساس الدين والدنيا، وعندما يغيب العقل، تقع الجرائم، وتنحدر الأخلاق، وتُرتكب أفعال لا حصر لها من الفساد، لذلك اعتبرها الإسلام من "الكبائر".

منافع القمار من وجهة نظر البعض
-     يجلب لبعض الناس نوعًا من البهجة والمتعة.
-    يُستخدم في بعض أشكال التجارة.
-    يمنح بعض الجبناء جرأةً زائفة.
-    قد يربح البعض مالًا دون جهد.
ولكن رغم هذه المنافع المحدودة، فإن أضراره تفوقها بأضعاف مضاعفة.

لماذا تعتبر هذه المنافع غير حقيقية؟
- المتعة المؤقتة تتحول إلى إدمان يدمر العقل 
- الجرأة المكتسبة منه تقود إلى الهلاك والمخاطر.
- القوة المزاجية الزائفة تضر بالصحة الجسدية.
- المال المكتسب منه لا بركة فيه، وقد يكون سببًا في خسائر أكبر.
- المدمن على القمار يجد صعوبة في الإقلاع عنه، مما يجعله ينهار مالياً وأخلاقياً.

أضرار القمار الحقيقية
-اجتماعية: يؤدي إلى تفكك الأسر، ووقوع المشاحنات، وانتشار العداوات.
- نفسية: يسبب الإحباط والاكتئاب والإدمان.
- مالية: يجعل الإنسان يخسر ماله وقد يوصله إلى الفقر والديون.
- أخلاقية: يقود الإنسان إلى الطمع والخداع والاحتيال.
- صحية: يسبب التوتر والضغط النفسي، مما قد يؤدي إلى أمراض جسدية خطيرة.

القمار محرم بالعقل والشرع
- عقلياً: ليس من المنطق أن يُعرّض الإنسان نفسه لخسائر مؤكدة من أجل مكاسب وهمية.
- شرعياً: يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(المائدة:90)
بهذا أصبح القمار محرماً تحريماً قاطعاً في الإسلام، تماماً كما هو الحال مع الخمر.

 

7 الحكمة من حد السرقة

• كمسلمين، ما يجب علينا هو التسليم لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والامتثال لها.

• ومن المعروف أن القوانين المعاصرة لا تعتبر الزنا جريمة. لكن، هل يمكن لأي إنسان عاقل، سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن، ولديه مفهوم الشرف والكرامة، أن يقبل بأن تُزال صفة الجريمة عن مثل هذا الفعل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأقاربه أو أهل بيته؟

• لا بد من التوضيح بأن أحكاماً مثل الرجم في الإسلام، ليست إلا عقوبات رادعة شديدة. ومن أهداف الشرائع السماوية كلها، ومن مصلحة البشرية جمعاء، الحفاظ على النسل وصيانته. والزنا، من منظور قانوني وإنساني، يُعد من أشنع السبل غير المشروعة التي تفسد وتخلط الأنساب، وهو في الوقت ذاته جريمة شنيعة وجاذبة للنفوس الشاردة. فهل يُعقل أن ديناً عالمياً مثل الإسلام لا يضع عقوبات رادعة أمام مثل هذه الجريمة الدنيئة؟

• ومن الملفت للنظر، أنه رغم شدة عقوبة الزنا، إلا أن إثبات وقوعها في الإسلام مقيد بشروط شديدة جدًا، منها وجود أربعة شهود يرون الفعل بشكل واضح لا لبس فيه. وهذا أمر يكاد يكون مستحيلًا. بل إن من يدّعي رؤية الفعل دون أن يشهد معه ثلاثة آخرون، يُعاقب بجلده ثمانين جلدة. ومعنى هذا أن لا أحد ينبغي له أن يتحدث في هذا الموضوع جزافاً أو ينشره دون بيّنة.

• وقد ورد في عصر النبوة، أن أغلب حالات الرجم التي تمت، لم تكن نتيجة شهادة الشهود، بل باعتراف الجناة أنفسهم الذين أرادوا تطهير أنفسهم من الشعور بالذنب الشديد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم، عندما يسمع الاعتراف، يحاول صرفهم عنه ويتأكد من حالتهم العقلية، ويستفسر: هل كان الفعل زنا صريحاً أم مقدمات فقط؟ لكنه بعد الإصرار والاعتراف الواضح، يُطبق عليهم الحد.

• أما حكم قطع يد السارق في القرآن، فهو – إن صح التعبير – من أكثر الأحكام مواكبة لهذا العصر؛ إذ لم يعرف عصر من العصور كثرة في اللصوص، وقطاع الطرق، وسارقي الحقائب، والناهبين، كما عرفه عصرنا. ومن المتفق عليه بين الناس – ما عدا السارقين – أن العقوبات الخفيفة والمتساهلة ليست رادعة لهم.

• ويكفي أن نعلم أن عدد الأيادي التي قُطعت بسبب السرقة عبر  التاريخ الإسلام أعداد قليلة جداً 

• في المقابل، وفي زماننا الحالي، لا يكاد يمر يوم في مدينة من مدن العالم دون أن تُزهق أرواح، وتُرتكب جرائم قتل لأجل المال، ويُسلب الناس في وضح النهار، كل ذلك دون رادع حقيقي. ومن هنا، فإن حاجة هذا العصر إلى رادع حاسم، هي أعظم من أي عصر مضى.

• وفي هذا السياق نورد هنا حكاية تمثيلية وردت في كليات رسائل النور للامام سعيد النورسي يقول :
(سافر شخص إلى قوم من البدو في صحراء، فنزل ضيفاً عند رجل فاضل.. لَاحَظَ أنهم لا يهتمون بحرز أموالهم. وقد ألقى صاحبُ المنزل نقودَه في زوايا البيت مكشوفةً دون تحفّظ. 
- قال الضيف لصاحب المنزل:
- ألا تخافون من السرقة؟ تلقون أموالكم هكذا في الزوايا دون تحرز؟
أجابه: لا تقع السرقة فينا!
- إننا نضع نقودنا في صناديق حديد مقفلة، ومع ذلك كثيراً ما تقع فينا السرقة.
* إننا نقطع يد السارق كما أمر به الله تعالى وعلى وفق ما تتطلبه عدالة الشريعة.
- فإذن كثيرون منكم قد حرموا من إحدى أيديهم!
* ما رأيت إلّا قطع يد واحدة، وقد بلغتُ الخمسين من العمر.
- إن في بلادنا يسجن يومياً ما يقارب الخمسين من الناس بسبب السرقة، ومع ذلك لا يردعهم ذلك إلّا بواحد من ألف مما تردعه عدالتكم!
* لقد أهملتم حقيقة عظيمة وغفلتم عن سرّ عجيب عريق، لذا تُحرمون من حقيقة العدالة؛ إذ بدلاً من المصلحة الإنسانية تتدخل فيكم الأغراض الشخصية والمحسوبيات والتحيز وما إلى ذلك من الأمور التي تغيّر طبيعة الأحكام وتحرّفها.
وحكمة تلك الحقيقة هي: أن السارق فينا في اللحظة التي يمد يده للسرقة يتذكر إجراء الحدّ الشرعي عليه، ويخطر بباله أنه أمر إلهي نازل من العرش الأعظم، فكأنه يسمع بخاصية الإيمان بأُذن قلبه ويشعر حقيقةً بالكلام الأزلي الذي يقول: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُٓوا اَيْدِيَهُمَا ﴾ (المائدة:٣٨) فيهيج عنده ما يحمله من إيمان وعقيدة، وتثار مشاعره النبيلة، فتحصل له حالة روحية أشبه ما يكون بهجوم يُشن من أطراف الوجدان وأعماقه على ميل السرقة، فيتشتت ذلك الميل الناشئ من النفس الأمارة بالسوء والهوى، وينسحب وينكمش، وهكذا بتوالي التذكير هذا يزول ذلك الميل إلى السرقة، إذ الذي يهاجم ذلك الميل ليس الوهم والفكر وحدهما وإنما هو قوى معنوية من عقل وقلب ووجدان، كلها تهاجم دفعة واحدة ذلك الميل والهوى فبتذكر الحد الشرعي يقف تجاه ذلك الميل زجرٌ سماوي ورادع وجداني فيسكتانه.) (الخطبة الشامية)

• وخلاصة القول: عندما تُطبّق الحدود والعقوبات باسم الأمر الإلهي والعدل الرباني، فإن الروح والعقل والضمير وجوانب الإنسان اللطيفة تتأثر وتتفاعل معها، ولهذا السبب فإن عقوبة واحدة خلال خمسين سنة، أنفع من عشرات السجون اليومية."
 

8 تعريف القماروحكمه

القمار هو: إعطاء أو أخذ مال اعتمادًا على احتمال أمر غير مؤكد النتائج. ومهما كان اسم اللعبة، فإن كل لعبة أو رهان مشترك تقوم على دفع أو ربح مال أو شيء ذي قيمة بهذه الطريقة تُعد قماراً. وقد سُمي في القرآن "ميسراً" لأنه من السهولة (يُسر)، إذ هو وسيلة سهلة لاكتساب المال أو فقدانه.
القمار طريق للكسب الحرام، ينسى الإنسان فيه خالقه، ويصرفه عن الصلاة، ويقوده للكسل، ويهدم قدرته على العمل، وينشر البغضاء والعداوة بين الناس. وكل أنواع القمار محرّمة في الإسلام لأنها تُلحق أضراراً لا تُمحى بالفرد والمجتمع.

وقد ورد في القرآن الكريم:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}(النساء:29)
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}(المائدة:90-91)

القمار وأضراره:
من حيث التحريم والإثم، لا فرق بين الخمر والقمار، فكلاهما محرمان في نفس الآية. والقمار هو كل لعبة حظ تُكسب أو تُفقد فيها الأموال. وهو أخذ مال الغير ظلماً، وسرقة جماعية مُتفق عليها. وهو كارثة اجتماعية، وقد دمّر القمار العديد من الأسر وجعلهم يعيشون في بؤس دائم.

من يسهرون على موائد القمار مدفوعين بالطمع، يضيعون صحتهم، أموالهم، أخلاقهم وأوقاتهم، ويبتعدون عن إنسانيتهم. من يربح اليوم يخسر غدًا.
المال الذي يُخسر في القمار غالباً فيه حق الزوجة والأولاد والفقراء، والمال الذي يُربح به أيضاً غير مشروع.

ومع انتشار القمار، تزداد الأضرار الاجتماعية، ويحل الكسل محل العمل، وتقل الإنتاجية في الحياة الاقتصادية. ويأتي القمار ومعه الشرور مثل الخمر، الكذب، الطمع، الحقد، الانتقام، والقتل.
في الأسرة، يؤدي القمار إلى الفوضى، والنزاعات، والإهمال. وقد شوهد كثيرون يبيعون دينهم، وشرفهم، ووطنيتهم، ويدوسون على كل القيم المقدسة بسبب القمار.

والقمار، مثل الخمر، يتحول بسرعة إلى عادة يصعب التخلص منها، لذلك فهو من أخطر العادات.

كل لعبة حظ تؤدي إلى ربح أو خسارة مال – مثل النرد، أوراق اللعب، اليانصيب،الرهانات المشتركة – تُعتبر قماراً.

تبدأ ألعاب الحظ بدافع التسلية، ثم يدفع الربح الإنسان للعب طمعاً، ويعاود الخاسر اللعب لتعويض خسارته، فينتهي به الأمر مقامراً. والذين يفقدون كل شيء في القمار ويخربون أسرهم، كانوا في البداية يرونه مجرد تسلية.

تجنّب القمار واجب، وكذلك حماية أهلنا ومن حولنا منه. وقد حمّل القرآن الكريم المسؤولية لرب الأسرة لتربية أفراد عائلته وتوجيههم إلى الحياة التي يريدها الله ورسوله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(التحريم:6)

أما الألعاب مثل الطاولة، الشطرنج، الداما، الورق، التنس، والبلياردو، فإذا كانت تُلعب بنية القمار وكسب المال، فهي بلا شك قمار محرم.

وقد وردت أحاديث نبوية تحرّم لعبة الطاولة:
[مَن لَعِبَ بالنَّرْدِ فقد عصى اللهَ ورسولَه](أبو داود: 4938)
[مَن لَعِبَ بالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأنَّما صَبَغَ يَدَهُ في لَحْمِ خِنْزِيرٍ ودَمِهِ](مسلم: 226)

وقد رأى أغلب فقهاء الإسلام أن هذه الأحاديث تشمل التحريم حتى لو لم يكن اللعب بغرض القمار. أما سعيد بن المسيب وبعض العلماء، فرأوا أن اللعب بها لغير القمار لا يُعد حراماً.
والألعاب مثل الورق والدومينو تُشبه الطاولة من حيث الحكم.

أما لعبة الشطرنج، فقد ظهرت في عهد الصحابة، ولم يرد حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بشأنها، وقد اختلف العلماء فيها:
• بعضهم مثل عبد الله بن عباس، أبو هريرة، ابن سيرين، سعيد بن المسيب وغيرهم رأوا أنها مباحة.
• الشافعي قال إنها مكروهة تنزيهاً، بينما رأى أبو حنيفة، مالك، وأحمد بن حنبل أنها حرام.
وقد استندوا إلى كونها أقرب إلى التفكير والذكاء منها إلى الحظ، كما لا يوجد نص قطعي بتحريمها. لكن بعض الصحابة شبهوها بالطاولة، 
أما لعبة الداما، فهي تُشبه الشطرنج. والتنس والبلياردو يغلب عليهما الجانب الرياضي، وإذا لم يُقترن بهما شيء محرم، فهما مباحان.

الخلاصة:
لكي يكون اللعب مباحاً إذا لم يكن بنية القمار، وإنما للتسلية والراحة، فهناك أربعة شروط يجب توفرها:
1. ألا يؤدي إلى تأخير الصلاة أو فواتها.
2. ألا يكون فيه أي منفعة مادية أو مصلحة مرجوة.
3. أن يحفظ اللاعب لسانه من الكلام البذيء أو العبث.
4. ألا يتحول إلى وسيلة لهدر الوقت وتجاوز حدود الراحة والتسلية الطبيعية.
 

9 ما هو الربا ولماذا هو محرَّم؟

لا أحد منا يجهل أن الربا محرّم في الإسلام. 
فسبب تحريمه واضح تمامًا فهو أمرٌ إلهي أي: "لأن الله قد حرّمه."
 تمامًا كما أن الصيام أو إخراج الزكاة فرضٌ علينا لأن الله أمر به، 
فالعلة في هذه الأمور كلها هي "الأمر الإلهي". وبهذا نتعبد الله.
 ومع ذلك، فهناك أيضًا منافع (مصالح) تترتب على هذا الأمر الإلهي، وهذا أمر طبيعي؛ لأن الآمرالذي هو خالق الكون سبحانه وتعالى، هو الأعلم بحقائق الأشياء وطبائعها وبما ينبغي أن يكون عليه الحال.
فعلى سبيل المثال، نعلم أن الصيام الذي نصومه والزكاة التي نعطيها، تعود علينا بمنافع فردية واجتماعية كثيرة. لكننا لا نصوم بهدف الحمية الغذائية، ولا نعطي الزكاة بغرض تحقيق عدالة توزيع الدخل. بل نصوم ونزكي لأن الله أمر بذلك.
 ومعلوم أن الشخص الذي يكتشف الفوائد الجسدية للصلاة ويمارس حركاتها لأجل الرياضة لا يُعدّ مؤدّيًا للصلاة. فقد أصبح الدافع للعبادة هو "المنفعة" بدلًا من "الأمر"، 
في نفس الوقت فإن الشخص الذي يرى الأمر لكنه لا يرى المنفعة قد يفقد دافع العبادة عنده.
ثم إن هذه المصالح قد تكون مصدر طمأنينة للمؤمن الذي يعبد الله امتثالًا لأمره، وبالتالي يمكن اعتبارها ضرورية بهذا المعنى. فلكل أمرٍ إلهي، وإن لم يكن ذلك شرطًا حتميًا، حكم ومصالح. 
إذًا، نحن نصوم لأن الله أمر بذلك، ومع ذلك فإن للصوم منافع. 
وبالمثل، فإن الربا محرّم لأن الله حرّمه. 
وإذا اعتبرنا أن كل أمرٍ إلهي هو وسيلة لتربية العبودية فينا، يمكننا الآن أن نعود
للسؤال: لماذا الربا محرّم؟
الجواب جاهز: لأن الله حرّمه.
إذا واصلنا بهذا الجواب، فإن مخالفة هذا التحريم تؤدي إلى نقص في عبادتنا. فحينما يتناقص جانب العبودية، يزداد وهم الربوبية. أي أن الأماكن التي تخلّت عنها العبودية، يملؤها وهم الربوبية، والعكس صحيح.
من الواضح أن الامتناع عن أخذ أو إعطاء الربا هو موقف تعبدي، وبالمقابل، يمكن القول إن مخالفة هذا الأمر تنطوي على ادعاء ضمني للربوبية. يمكن فهم هذا من زاوية الأمر الإلهي، أي في سياق الطاعة والمعصية.
لهذا السبب، فإن الربا محرم من الناحية الإسلامية. ولكن إذا حاولنا الكشف عن خلفية هذا التحريم، يمكننا أن نرى أنه ليس فقط تحريمًا من منظور "إسلامي"، بل من منظور "إيماني" أيضًا.
فلنستعرض الآن كيف تحدث عملية الربا:
يقوم شخص طبيعي أو اعتباري بإعطاء مبلغ مالي كقرض لشخص آخر. لكن الأمر ليس مجرد إعطاء قرض بلا شروط؛ فالمُقرِض يُجري سلسلة من القيود: يحدد فترة زمنية معينة، ويشترط إضافة مبلغ معين فوق المبلغ الأصلي. المقرِض يفرض ما يريده . ولا يشك في تحقيق ذلك. باختصار، المرابي واثق جدًا من نفسه.
في المقابل، هناك شخص يزرع القمح في أرضه، أو يبيع في السوق، دون أن يكون على يقين من مدة أو مقدار ما سيربحه. لذا، فإنه يدعو الله كثيرًا. وإذا باع شيئًا، شكر الله على رزقه. دائمًا ما يكون في ذهنه أن الرزق من الله. يقوم بكل ما في وسعه في إطار الأسباب، لكنه يعلم أن هذه الأسباب ليست كافية لضمان النتيجة. ولذلك، يرى أن جهده سبب ضروري، لكنه غير كافٍ. لا يثق في نفسه كثيرًا.
وهناك فرق كبير بين هذين النموذجين. في النموذج الأول، يصبح "مجال الأسباب" مبالغاً فيه، ويتم تقويته بشكل مفرط. المرابي يحدد دخله مسبقًا 
الربا، بتمكينه لهذا التحديد، يبعد الإنسان عن بيئة العبودية. فحجاب الأسباب يصبح سميكًا بشكل مخيف، ومن يعتمد على الأسباب يغرق في سُكر الشعور بالقدرة، ويقع في وهم الربوبية. بعبارة أخرى، الربا ينجح في جذب الإنسان إلى غفلة يعتقد فيها أن التأثير بيد الأسباب، وهذه بيئة لا تناسب "حالة العبودية" التي هي حالة من "الاهتزاز الروحي". والإنسان المؤمن هو الذي يدرك أنه في منطقة بين الخوف والرجاء، بين الحياة والموت، بين الجوع والشبع. والربا يمنع الإنسان من إدراك هذه الحقيقة. وربما يكمن سر تحريمه في هذا المعنى.
ومن المؤكد أن تحريم الربا في الإسلام له أهمية خاصة. تكمن أهمية المسألة في أن الربا، الذي يُمنع بشدة في القرآن والسنّة، أصبح اليوم من المفاهيم المحورية في الاقتصاد المعاصر غير الإسلامي. حتى إنه لا يُعدّ مبالغة القول بأن الاقتصاد الحديث يعمل وفق سياسات وتطبيقات الربا.
الجميع يعلم أن الأسواق المالية وأسواق رأس المال قد بلغت حجمًا هائلًا في أيامنا. ومن ناحية أخرى، نادرًا ما نجد اليوم شركات أو رواد أعمال يعتمدون على رأس مالهم الخاص بالكامل أو يؤسسون أعمالًا جديدة دون اللجوء إلى تمويل خارجي. وعلى الرغم من الدور الحيوي الذي يلعبه الربا في الإدارة الحديثة والاقتصاد الكلي، فإن الحقيقة هي أن الدين الإسلامي يعتبر الربا محرمًا قطعًا ويفرض عليه أشد العقوبات.
بطبيعة الحال، يضع هذا الوضع المسلمين في بلادهم وحول العالم في حالة من التردد والازدواجية، ويدفعهم إلى العزلة في حياة العمل والمجتمع الحديث، التي تبدو وكأنها تتطلب التفاعل المستمر مع المؤسسات المالية. ويعود السبب في ذلك إلى أن مسألة الربا لم تُعالج في الأدبيات الإسلامية بشكل واسع وشامل كما يجب، ما يجعل المسلمين المتدينين، الذين لم يُوضَّح لهم الأمر بشكل كافٍ، يختارون غالبًا الابتعاد عن المؤسسات والمنتجات المالية خوفًا من الوقوع في الحرام.

وهذا المقال يهدف إلى تقديم مساهمة متواضعة في توعية الناس الحريصين على تجنب ربا الديون، بمختلف أشكاله ومسمياته.

تعريف الربا:
وفقًا للاقتصاديين، فإن الربا في الاقتصاد الحر له وظيفة حيوية؛ فهو يحدد التوزيع بين الادخار والاستهلاك. كما يُستخدم آليةً لتوجيه المدخرات إلى المجالات الأكثر كفاءة. وفي حالات ندرة الموارد، يتم التخلص من الاستثمارات ذات الكفاءة الأقل.
وفقًا لتعريف شائع، الربا هو الأجر الذي يُدفع مقابل "تأجير المال". أي أنه "ثمن تأجير الأموال المقترضة" والذي تحدده السوق. ويُطلق عليه "الربا القرضي".
الربا هو دخل غير شخصي لا يرتبط بجهد صاحب المال. وهذا يعني أن سعر الفائدة يتحدد بحسب ظروف السوق، وليس للشخص المقرض دور في تحديده. فعليًا، العلاقة الشخصية بين العملاء والمؤسسات المالية تتلاشى تدريجيًا؛ فملايين الناس لا يعرفون أصحاب أو مديري البنوك التي يودعون فيها أموالهم. أي أن العلاقة الشخصية بين الأفراد والمؤسسات أصبحت شبه معدومة.
ومن جهة أخرى، يُعتبر الربا ثمنًا لتأجيل استخدام السلع والخدمات أو تقديمها مقدمًا. بمعنى أنه يربط بين الحاضر والمستقبل.
الربا، في القروض التي تتضمن دفع مبلغ مالي، يُحسب وفقًا لمدة حرمان الدائن من ماله، وبناءً على نسبة معينة. هذا التعريف القانوني يُظهر عاملين يؤديان إلى نشوء الربا: الزمن ونسبة الفائدة.
في معظم التعاريف، يُنظر إلى الربا باعتباره "ثمن استخدام المال". لكن هذا ليس دقيقًا تمامًا، لأن استحقاق المقرض للربا لا يشترط استخدام المقترض للمال فعليًا. يكفي أن يُحرم الدائن من ماله لفترة معينة ليبدأ استحقاق الفائدة. ولكي تُحتسب الفائدة، يجب أن تنتقل ملكية المال إلى المقترض، ويُشترط أن يعيده في وقت محدد.
وبحسب تعريف شائع آخر، الربا هو دخلٌ للمُقرِض، وتكلفةٌ على المقترض.
أما في المصطلحات الإسلامية، فيُطلق على هذا الربا اسم "الربا الديون". ومعناه: الزيادة أي الزيادة في الدين مقابل الزيادة في الأجل. وبذلك، يُحظر أخذ الزيادة على القرض سواء كانت نقدية أو عينية.

أنواع ربا الديون والفوائد على القروض:
في النظرية والتطبيق، تتعدد أنواع الربا والفائدة وتخضع لتصنيفات مختلفة. وسنقتصر هنا على عرض ما يساعد على فهم ظاهرة الربا والفائدة فهماً جيداً.
- الربا والفائدة البسيطة:
عادةً ما تُدفع الفائدة في نهاية الأجل إلى جانب رأس المال، وتُعرف هذه بالفائدة البسيطة. حسابها سهل، ولا تحتوي على تعقيدات. الفائدة المُعلنة والمُتفق عليها تكون مطابقة للفائدة المُحققة فعليًا. وعادة ما يُقصد بالفائدة على الورق هذه الفائدة البسيطة، لكن التطبيق العملي يختلف.
- الربا والفائدة المركبة:
وهي التي تجعل الفائدة تتراكم على الفائدة، فتتضاعف المبالغ بسرعة. مثال: في قرض تجاري لمدة سنة تُستخلص الفائدة أربع مرات سنويًا، وإذا كانت الفائدة المُعلنة 60%، فإن الفائدة الفعلية تصل إلى 75%. وفي بطاقات الائتمان التي تُسدد على أقساط شهرية، تكون الفائدة المركبة أعلى بكثير. ولا تعلن أي مؤسسة مالية عن معدل الفائدة المركبة لعملائها، لكن عند بيع سندات الخزينة، يتم التركيز على هذه الفائدة بشكل بارز. الفائدة المركبة قد تؤدي إلى نتائج كارثية للمقترض، إذ قد تتحول إلى عبء ثقيل لا يدركه إلا بعد فوات الأوان، مثل كرة الثلج التي تتحول إلى انهيار جليدي.
- الربا والفائدة المخصومة:
وهي الفائدة التي تُحسب وتُخصم من رأس المال مقدماً، ويدفع المقترض الصافي فقط. وغالباً ما تكون مضللة. على سبيل المثال، فائدة مخصومة بنسبة 40% لمدة ستة أشهر تعادل فعليًا فائدة سنوية قدرها 56%.
- ربا التأخير (غرامة التأخير):
تُعتبر تعويضاً عن الضرر الذي يُفترض أن الدائن قد تكبده بسبب التأخير في السداد. ولا حاجة لإثبات الضرر، فالتأخير نفسه يكفي. فلا يُنظر إلى نية المقترض أو وجود تقصير من عدمه. ولا يعطى فرصة لأن يُثبت براءته للعفو من هذه الفائدة.
- الربا الجزائي(الغرامة الجزائية):
تُفرض على المقترض الذي لا يلتزم بشروط العقد. ولا تقتصر على الديون النقدية، بل تشمل جميع أنواع الالتزامات.
- الربا والفائدة المنصوص عليها في القانون:
تُستمد من القانون مباشرة، حتى لو لم ينصّ الأطراف عليها في العقد. إذا لم يتم سداد الدين، يُطبق معدل الفائدة القانوني.
- الربا والفائدة المذكورة في العقد: حتى لو لم ينص القانون على إمكانية فرض فائدة على نوع معين من الديون، يمكن للأطراف الاتفاق على ذلك صراحة في العقد.
الفائدة عبر التاريخ
ظهرت الفائدة مع ظهور المعاملات المالية منذ العصور الأولى. وقد كشفت الحفريات في تركيا أن التجار الآشوريين في الألفية الثانية قبل الميلاد كانوا يقرضون الذهب والفضة والقمح والقصدير للشعوب في الأناضول بفائدة وصلت إلى 100%. أي أن الفائدة تعود إلى عصور سحيقة، وظلت محطّ اهتمام رجال الدين والفلاسفة والاقتصاديين.
الفائدة كانت دائمًا محل تدخل من الدولة في كافة الأديان والقوانين القديمة، بسبب ما تسببه من ظلم اجتماعي واقتصادي.
أرسطو قال في كتابه السياسة:
"أسوأ وسيلة لكسب المال هي الربا، لأنه ربح لا ينتج عن عمل أو إنتاج، بل عن المال نفسه، وهو بذلك مخالف لطبيعة المال الذي خُلق للتبادل، وليس للتكاثر الذاتي."
القديس توما الأكويني اعتبر الفائدة ظلمًا بل وسرقة، قائلاً:
"لا يمكن بيع المال واستخدامه كسلعتين منفصلتين. والمطالبة بفائدة تعني بيع الشيء مرتين: المال واستعماله. وإذا كانت الفائدة ثمنًا للزمن، فإن الزمن هبة من الله لا يملكها أحد."
وفي القانون الروماني واليوناني القديم، تم تقييد أو تحريم الفائدة لأسباب أخلاقية واقتصادية.
في اليهودية:
الفائدة كانت محرمة أصلاً، ثم تم تحوير الحكم ليصبح فقط بين اليهود أنفسهم، مع السماح بأخذ الفائدة من غير اليهود.
في المسيحية:
رفض السيد المسيح الربا بشكل غير مباشر، وشجّع على العطاء دون مقابل. الكنسية كانت ترفض الفائدة بشدة، لكن مع صعود الرأسمالية، بدأ التهاون تدريجياً.
جون كالفن أعطى مبررات لأخذ الفائدة لأغراض إنتاجية وليس استهلاكية فقط.
المدرسة المركنتيلية:
اعتبرت الفائدة مثل إيجار رأس المال، كما يُؤجر العقار.
الفيزيوقراطيون:
رأوا أن الفائدة لا تقل عن ريع الأرض التي يمكن شراؤها بذلك المال.
آدم سميث ودافيد ريكاردو:
اعتبرا الفائدة مقابلاً للكسب المتوقع من رأس المال المقترض.
كارل ماركس:
رأى الفائدة مخالفة للطبيعة ولا أخلاقية.
جون مينارد كينز:
رفض الرأي الكلاسيكي الذي يرى الفائدة ضرورية للتوفير، واعتبرها عائقاً للاستثمار.
تحريم الفائدة في الإسلام
تم تحريم الفائدة في القرآن الكريم بالتدريج. ومن أبرز الآيات:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(البقرة:278-279)
وفي خطبة الوداع، قال النبي محمد ﷺ:
[ وإن كل ربا موضوع ، ولكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا ]
خلاصة الأحكام:
• لا يجوز أخذ أي زيادة على القرض.
• الدائن له حق استرداد رأس ماله كاملاً.
• لا يُشترط أن تكون الزيادة بنفس نوع المال المقترض؛ أي أن الربا يشمل كل زيادة سواء كانت نقداً أو عينا.
• يُعد خصم جزء من رأس المال، كما في بعض المصارف، ظلماً، ولا يجوز شرعاً.
• البنوك الاستثمارية في الغرب قد تُعيد للمودعين أقل من رأس مالهم بحجة الخسارة، وهو أمر لا يتفق مع مبدأ ردّ رأس المال كاملاً.
• في الإسلام، لا يجوز للدائن أن يُجبر على استرداد مبلغ أقل مما أقرض.
• أسباب تحريم الربا 
النقطة الحيوية الثانية التي تشير إليها الآيات والأحاديث المذكورة أعلاه (إلى جانب غيرها) هي أن الربا مصدر للظلم. فعند أخذ زيادة (ربا) مقابل القرض، فإن من الحتمي أن يتعرض إما الدائن أو المدين للظلم.
وحياة المال والأعمال في بلاد المسلمين والعالم مليئة بالأمثلة التي تؤكد هذه الحقيقة. فقد وصفت البنوك، التي أُنشئت أولًا في العالم الغربي، بأنها "مؤسسات تظلّل العملاء بالمظلات في الطقس المشمس، وتسحبها عندما تبدأ الأمطار".
ومعلوم أن هناك من التجار وأصحاب المحلات، في جميع أنحاء العالم، من أفلسوا بسبب الديون التي اقترضوها من المرابين. بل إن بعضهم، بعد أن غرق في الديون حتى عنقه، لم يرَ مخرجًا إلا بقتل المرابي. 
وخلاصة القول:
إن الحكمة من تحريم الفائدة تكمن في أنها تسبب الظلم، سواء للدائن أو المدين أو كليهما، كما في الأمثلة السابقة، ويصل هذا الظلم في النهاية إلى شرائح من المجتمع لا تستحق الضرر. وقد تُسبب آثاراً اقتصادية مدمرة، وتجعل العلاقات المالية وسيلة لاستغلال المحتاجين، وتخالف مبدأ التعاون والتكافل الذي يدعو إليه الإسلام.
واليوم، ومع تنوّع الأدوات والمؤسسات المالية، أصبح مفهوم الربا يظهر بأشكال وأقنعة مختلفة، في مثل هذا الواقع، فإن المعيار الأهم في تحديد ما إذا كانت معاملة مالية ما تدخل ضمن نطاق تحريم الربا هو: هل تُحدث هذه المعاملة ظلمًا لأي طرف، سواء للمدين أو الدائن أو للمجتمع؟

10 نظرة الإسلام إلى العنصرية

يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات:13)
وفي نفس السورة، يقول الله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}(الحجرات:10)
هذه الآيات تُبيّن أن الله لم يُفضّل أي قوم على قوم، ولم يمنح أي شعب مكانة أعلى بسبب نسبه أو عرقه، بل جعل التقوى هي المقياس الوحيد للكرامة عند الله. الإسلام يجعل المؤمنين جميعاً إخوة، ولا يُعتبر أي إنسان مؤمناً كامل الإيمان حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[ لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ](البخاري)

فكيف يواجه الإسلام العنصرية؟
قد يختلف المؤمنون في بعض الأمور، وقد تدخل العداوة بينهم لسبب أو لآخر، ولكن الحل الإسلامي هو الإصلاح بين الإخوة، لا تعميق الانقسام. وكما قال الله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}(الحجرات:10)
فمن يُثير العصبية القومية أو العنصرية بين المسلمين، فإنه في الحقيقة يُساهم في تمزيق وحدتهم ويخدم أعداءهم عن قصد أو غير قصد.

و من قصة نوح عليه السلام في سورة هود، عندما رأى نبي الله نوح ابنه يغرق في الطوفان، توجّه إلى الله قائلًا:
{وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}(هود:45)
لكن الله سبحانه وتعالى ردّ عليه بقوله:
{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}(هود:46)
أي أن القرابة الحقيقية ليست قرابة الدم، وإنما قرابة الإيمان والعمل الصالح. وهكذا، فإن الإنسان غير المؤمن لا يُمكن اعتباره أخاً حقيقياً للمؤمن، مهما كانت صلة القرابة بينهما.

كذلك القرآن يجذر من موالاة غير المؤمنين
يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(التوبة:23)
هذه الآية توضح أن الرابطة الحقيقية التي تجمع الناس ليست رابطة الدم، بل رابطة الإيمان
 فحتى لو كان الشخص قريباً للمؤمن بالنسب، لكنه يختار الكفر، فلا يجوز للمؤمن أن يتخذه ولياً.

ان في يوم القيامة لا فائدة من العرق أو النسب
في يوم القيامة، لا يُنظر إلى أصل الإنسان أو عرقه، بل إلى إيمانه وعمله، كما يقول الله تعالى:
{يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(الشعراء:88-89)
حتى العلاقة بين الأب وابنه لا تُفيد إذا لم يكن الابن مؤمناً، فكيف يمكن أن يكون الانتماء العرقي عامل تفاضل بين الناس؟!

في النهاية نستخلص التالي
•    الإسلام يرفض العنصرية بجميع أشكالها، ويُؤكد أن الناس متساوون، ولا فرق بينهم إلا بالتقوى.
•    الرابطة الحقيقية بين البشر ليست العرق أو الدم، بل الإيمان والعمل الصالح.
•    لا يجوز تفضيل شخص على آخر بسبب أصله أو قوميته، بل يُنظر إلى تقواه وأخلاقه.
•    في الآخرة، لن يكون للمال أو النسب أي قيمة، بل سيكون القلب السليم هو المعيار الوحيد للنجاة.

إذن، الإسلام دينٌ يُحارب العنصرية، ويُؤسس لمجتمع قائم على العدل والمساواة، حيث يُكرّم الإنسان بناءً على تقواه، وليس بناءً على أصله أو نسبه.
 

11 قيمة حقوق الانسان في الإسلام

نعم الإسلام أحق من يقيم ويعطي حقوق الانسان فلا يوجد قانون افضل من التشريع الإلهي.  
في الإسلام، حياة الإنسان، وإيمانه، وشرفه وكرامته وحريته، وملكيته،  وشخصيته مصونة أيضًا. 
لأن سلامة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة مبنية على ذلك.
إن عدم مراعاة حقوق العبد المادية أو المعنوية جريمة عظيمة عند الله، فالله لا يغفر لمن انتهك حق الاخر، الا اذا تنازل العبد عن حقه،
فالعبد يأخذ حقه واذا تنازل وسامح بنفسه بعدها يغفر الله ذلك الذنب. 
في الإسلام، كل شخص مسؤول عن احترام حقوق الآخر.
الإنسان اجتماعي بطبعه، والعلاقات الاجتماعية لا حصر لها بين الناس. ويجب أن تقوم هذه العلاقات على العدالة والمساواة. وإلا سيحدث انتهاك لحقوق الناس ويقع الظلم.
إن القرآن الكريم يحمي الحقوق المعنوية للعبد لدرجة أنه ينهى المؤمنين عن سوء الظن، والتجسس والغيبة.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }(الحجرات:12)
لنفكر بعقلانية: هل الدين الذي يحرم الغيبة والشبهة يسمح بالظلم والإرهاب والقتل بغير حق؟
 

 

12 حكمة حُرِّمَة أكل لحم الخنزير

لقد أباح الإسلام أكل لحوم بعض الحيوانات، وحرّم لحوم أخرى. وعند تأمل أنواع الحيوانات التي أُبيح أكلها أو حُرِّم، يتبين أن اللحوم المفيدة لصحة الإنسان قد أُبيحت، بينما مُنعت اللحوم الضارة. ويُعتبر الخنزير من الحيوانات المحرمة بسبب نمط تغذيته، وشكله، وطبيعته المنفرة، واحتوائه على عناصر ضارة كالدودة الحلزونية (داء النَّغَف) التي تنتقل لمن يأكل لحمه.
ورد ذكر الخنزير في خمسة مواضع من القرآن الكريم، منها:
• {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(البقرة:173)
• {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ} (المائدة:3).
• {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(الأنعام: 145).
كما أشار القرآن إلى قبح الخنزير، فقال:
• { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} (المائدة:60).
وروى جابر بن عبد الله أنه:[سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ عَامَ الفَتْحِ وهو بمَكَّةَ: إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والمَيْتَةِ، والخِنْزِيرِ والأصْنَامِ] (رواه البخاري).
ولحم الخنزير محرّم أيضاً في ديانات أخرى مثل اليهودية؛ ففي سفر التثنية: « والخِنزيرُ فلَهُ ظِفرٌ مشقوقٌ لكنَّهُ لا يجتَرُّ، وهوَ ما جعَلَهُ نَجِسا لكُم بِـحسَبِ الشَّريعةِ. لا تأكُلوا مِنْ لَحمِهِ ولا تَمَسُّوا المَيْتَ مِنهُ.» (التثنية 14:8).
وقد أمر الله بأكل الطيبات والشكر عليها، فقال:
• {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (المؤمنون :51).
• {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة :172).
وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أكل الحرام يمنع قبول الدعاء: 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ:[قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا"، وَقَالَ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ" ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟](رواه مسلم).
وقال تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف :157).
وأكد الطب الحديث أضرار لحم الخنزير، كما ذكر الدكتور "غلين شيبرد" في مقال له بصحيفة واشنطن بوست (31 مايو 1952)، حيث أشار إلى أن تناول لحوم الخنزير يؤدي إلى الإصابة بداء "التريخين"، الذي لا علاج له. وأكد أن طرق الحفظ التقليدية كالتمليح والتدخين لا تقضي على الدودة الحلزونية.
وأشار باحثون إلى أن تناول لحم الخنزير يضعف الغيرة الطبيعية لدى الإنسان، لأنه الحيوان الوحيد الذي لا يغار على أنثاه. كما أن الخنزير يأكل النجاسات وينشر روائح كريهة، ولحمه يحتوي على مواد كيميائية ضارة. وأكد علماء التغذية أن تنظيف لحمه من الديدان مستحيل علميًا.
حِكَم تحريم لحم الخنزير:
• ابتلاء وامتحان: أمر الحلال والحرام يخضع لحكمة الله. بعض الأحكام وُضعت لابتلاء الناس والتزامهم بأوامر الله.
• مواد سامة: لحم الخنزير غني بالدهون التي تسبب أمراض القلب وتصلب الشرايين، ويحتوي على مواد سامة مثل "سوتوكسين"، التي تؤدي إلى تضخم الغدد اللمفاوية خصوصاً لدى الأطفال.
• نسبة عالية من الكبريت: النسيج الضام في لحمه غني بالكبريت، الذي يسبب التهاب المفاصل، والتكلس، والإنزلاقات الغضروفية.
• هرمون النمو: الخنزير ينمو بسرعة هائلة بسبب نسبة هرمون النمو العالية، مما يزيد من احتمالية الإصابة بالسرطان.
• أمراض جلدية: مواد مثل الهستامين والإيميدازول في لحمه تسبب الحكة، والأكزيما، والالتهابات الجلدية، وتزيد من خطر الإصابة بأمراض أخرى.
• داء الشعرينات: تنتقل الديدان الحلزونية من لحم الخنزير إلى الإنسان، مسببة أمراضًا خطيرة قد تؤدي للوفاة.
وقد ذكر الطبيب الألماني " هانس ريكفينغ " في كتابه "لحم الخنزير وصحة الإنسان" تجربته مع عائلة تناولت لحم الخنزير وأصيبت بأمراض متعددة، وشُفيت بعد التوقف عن أكله.
أخيرًا، خلق الله سبحانه الكثير من الأطعمة الحلال الكافية لسد حاجات الناس. ومن ثم فإن ترك لحم الخنزير وغيره من المحرمات لا ينقص من حياتنا شيئًا، بل يضمن لنا الصحة والسلامة.

13 الحكمة من عقوبة الرجم

( ينبغي أن يكون على يمين السلطان اللطف والرحمة، وعلى يساره الشدة والتأديب. فالمكافأة هي ثمرة الرحمة، والتأديب يستلزم العقوبة. وكما أن عدم مكافأة المطيعين لا يليق بجلال السلطان، كذلك ترك المذنبين بلا عقوبة لا يليق بعزته؛ فكلاهما يُعدّ ضعفاً وعجزاً، والله سبحانه وتعالى منزه عن كل هذه النقائص.)
علينا أن نُبين بوضوح أن عقوبة الرجم في الإسلام هي عقوبة رادعة وشديدة، وتهدف إلى حماية المجتمع. ومن بين أهداف الأديان السماوية جميعاً الحفاظ على النسل، والزنا يُعد من أبشع الوسائل غير المشروعة التي تُفسد وتُشوّه الأنساب. والزنا، إلى جانب كونه جريمة عظيمة، هو أيضاً وسيلة إغراء للنفوس المنفلتة. لذلك، لا يُمكن أن نتوقع من دين عالمي مثل الإسلام أن يتغاضى عن هذا النوع من الفواحش دون أن يفرض وسائل رادعة تحول دونها. فرض العقوبة على المذنب لا يناقض الرحمة والمحبة، بل هو عين العدالة.
القرآن الكريم، بأسلوبه المعجز، لم يقل فقط: «لا تزنوا»، بل قال:{ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا}( الإسراء:32)وهو تعبير أكثر بلاغة وتأثيرًا. فالقول «لا تقرب» أبلغ من «لا تفعل»، لأنه ينهى عن كل ما قد يؤدي إلى الوقوع في الزنا، مثل اللمس، والتقبيل، والنظر بشهوة، والإيحاءات وغيرها من المقدمات. فالاقتراب من أسبابه هو أيضاً مؤيِّد له. والزنا عمل فاحش، وذنب عظيم، يؤدي إلى مفاسد كثيرة منها: تضييع الأنساب، والانحراف عن المحرمات، والاعتداء على حقوق الآخرين، وتفكك الأسرة، وانتشار الفوضى، والأمراض الأخلاقية.
وقد قال شيخ الإسلام الآلوسي إن الزنا يُعد موتاً بالنّسبة للأطفال، لأن من لا يُعرف نسبه يُعامل كالميت. وكيف للميّت أن يكون له دور فعّال في شؤون الحياة والحقوق في الشريعة الإسلامية؟
وبعد أن حرّمت الشريعة الإسلامية كل ما يؤدي إلى الزنا، اعتبرت جريمة الزنا اعتداءً على المصلحة العامة وعلى كرامة الفرد، وعاقبت عليها بشدة لضمان عدم تكرارها. لأن الزنا يهدد نظام الأسرة، والأسرة هي أساس المجتمع. فإذا انتشرت هذه الجريمة، انتشر الفساد والفاحشة، وانهارت الأسر، وانحرف النسل.
ولهذا السبب، عاقب الإسلام على الزنا بأشد العقوبات، لا سيما إذا صدر من شخص متزوج، لأن ذلك يُعد مثالاً سيئاً للغاية. وقد اتفق الفقهاء على أن الزاني غير المتزوج – سواء كان رجلاً أو امرأة – يُجلد مئة جلدة، استناداً إلى قول الله تعالى:{  الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}(النور:2)
واتفق الفقهاء أيضاً، استناداً إلى الأدلة، على أن الزاني المتزوج – سواء كان رجلاً أو امرأة – إذا ثبت زناه يُعاقب بالرجم.
وثبوت حد الرجم يكون بأمرين:
1.    الإقرار (أن يعترف الزاني بنفسه).
2.    شهادة أربعة رجال عدول.
وشروط تنفيذ العقوبة:
1.    أن يكون الزاني عاقلاً.
2.    أن يكون بالغاً.
3.    أن يرتكب الفعل بإرادة واختيار.
4.    أن يكون عالماً بأن الزنا حرام.
من هذا يتبين أن الإسلام، في كل مرحلة من مراحل الانحدار نحو هذه الفاحشة، يقف في وجه الإنسان ليمنعه منها، ويوجهه للعيش في بيئة مشروعة ضمن حدود العفة والطهارة.
ومع ذلك، لا يكفي أن يكون النظام قوياً وقوانينه محكمة، بل ينبغي أن يُربّى الأفراد على تقبّل هذه القوانين، وأن تُصقل ضمائرهم لتكون صافية ونقية. فلا تكون النصوص والتشريعات كلمات جوفاء، بل تتحول إلى مبادئ يُؤمن بها ويطبقها الناس.
القرآن الكريم، في آيات كثيرة، يُوجه الإنسان إلى حقيقة عظيمة:(أينما كنت، وفي أي زمان أو مكان، فأنت تحت رقابة الله)
هذا الشعور يدفع الإنسان لأن يخطط لكل أفعاله ويعيش في ظل هذا الوعي الإلهي.
 

 

14 أهمية العدل في الإسلام

قال الله تعالى في آية كريمة:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(النحل:90)
وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى بالظلم والفساد.

فالله، العادل المطلق، ليس غافلاً عن ما يفعله الظالمون، وسيحاسبهم أمام عدله الإلهي على كل صغيرة وكبيرة من خيانتهم وظلمهم.
وفي آية أخرى، يُحذر حتى من الميل القلبي للظالمين، فيقول سبحانه:
{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}(هود:113)
ويقول الله أيضاً:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ }(النساء:58)
الملفت في هذه الآية أنه قال "بين الناس" ولم يقل "بين المؤمنين"، أي أن العدل واجب تجاه الجميع، سواء كانوا أصدقاء أم أعداء.
كما يقول سبحانه:
{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}(الزلزلة:7-8)

من أهم أسس العدالة في الإسلام:
أن لا يُحاسَب أحد على ذنب غيره، فلا يُحمل أحد وزر غيره، كما قال تعالى:
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}(فاطر:18)

فكل إنسان يتحمل مسؤولية ذنبه فقط. ومن ارتكب جريمة، هو وحده من يُحاسب عليها. أما إذا تسبب أحد في وقوع الآخر في الذنب، فكلاهما مسؤولان.

وقد حدد الله في القرآن الكريم حدودًا كثيرة لضمان عدم تعدي الناس على حقوق بعضهم البعض، وسماها "حدود الله". وتجاوز هذه الحدود هو ظلم يستوجب العقاب الإلهي.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث شريف:
[ إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ في الدُّنْيَا ]

وقد حذّر الله في عدة آيات من عواقب الظلم، نذكر منها مثالين:
{فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}(الحج:45)
{ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ}(الأنبياء:11)

الإسلام وحقوق غير المسلمين:
يأمر الإسلام باحترام حقوق غير المسلمين أيضاً، خاصة في حالة السلم، حيث تُحفظ حقوقهم تماماً كما تُحفظ حقوق المسلمين.

وقد قرر فقهاء المذهب الحنفي أن:
"من قتل غير مسلم ظلماً في دار السلم، يُقتص منه، أي يُحكم عليه بالقتل."

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مهددًا من يؤذي غير المسلم المعاهد:
[ ألا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ ]

موقف الإسلام من الظلم والإرهاب:
من الواضح أن من يرتكب الظلم أو الإرهاب من المسلمين، فقد ابتعد عن روح الإسلام، ويجب البحث عن مصدر هذا الانحراف في جهلهم وغلبة أهوائهم، لا في الدين ذاته.
فالإنسان ليس معصوماً من الخطأ، ولكن الخطأ لا يُدين الدين، بل يُدان صاحبه فقط. تحميل الدين مسؤولية أفعال أفراده هو ظلم في حد ذاته.

ومن الجدير بالذكر أن القوى التي تمنع المسلمين من تعلم دينهم من مصادره الأصيلة، وتشجعهم على اللهو والفساد، وتنهب خيراتهم، هي مسؤولة بدرجة أولى عن تحول بعضهم إلى التطرف والفوضى. ويجب على هذه القوى أن تحاسب نفسها وتراجع ضمائرها بدلًا من توجيه الاتهامات للآخرين.

 

15 الحقوق الأساسية للإنسان في الاسلام

لفهم القيمة التي يمنحها الإسلام لحقوق الإنسان، من المفيد إلقاء نظرة سريعة على حال العالم قبل الإسلام، وذلك على النحو التالي:

كانت جميع الدول في العالم تُدار بالنظام الملكي. وكان الملك أو الحاكم أو الإمبراطور يتمتع بسلطة مطلقة على شعبه، فيعدم من يشاء، وينفي من يريد، ولا يُسأل عما يفعل.
كان الناس مقسمين إلى طبقات. فدائرة المقربين من الحاكم، وأقاربه (النبلاء)، كانت طبقة مميزة، بينما غالبية الشعب كانوا فئة مهضومة الحقوق ومهانة. وكانت الفجوة بين الطبقات عميقة.
كانت العبودية تُمارس بأبشع صورها، وقد أُهينت كرامة الإنسان إلى أقصى درجة.
كان الناس يتعرضون لمعاملة مختلفة بحسب عرقهم ولونهم، واعتُبر النسب هو معيار التفوق الوحيد. ولم يكن يُقيَّم الناس على أساس العقل أو العلم أو الأخلاق أو الفضيلة.
لم تكن هناك أي حقوق أو حريات أساسية مثل حرية الدين والمعتقد، وحق التملك، وحرية الفكر، وحرية السكن. وكان الناس يتعرضون للظلم والعذاب بسبب معتقداتهم وأفكارهم، وكانت الضمائر تحت الضغط والقهر.
كانت المبادئ الأساسية للقانون مهانة. فلم يكن هناك مساواة أمام القانون، ولا سيادة للقانون، ولا شرعية للعقوبات. ولم يكن هناك قضاء مستقل ومحايد. وكانت الأهواء الشخصية أوامر تُنفّذ، وتُطبّق العقوبات بشكل مختلف على أشخاص من طبقات مختلفة رغم ارتكابهم نفس الجرم.
وسط هذه الصورة المظلمة، جاء الإسلام وأحدث أعظم ثورة في تاريخ البشرية.

إذا ما نظرنا بإنصاف في القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ، سنجد أن المبادئ التي تعتبر اليوم أهدافًا نهائية للإنسانية قد وردت فيها قبل قرون من إعلان حقوق الإنسان الغربي. فخطبة الوداع التي ألقاها النبي ﷺ في حجة الوداع عام 632م أمام أكثر من مئة ألف مسلم، تُعدّ من أوضح الأمثلة على ذلك، وهي أقدم بـ1157 سنة من "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" الصادر في فرنسا عام 1789.

كما أثّرت المبادئ التي جاء بها الإسلام بشأن حقوق الإنسان بشكل كبير على نضال الغرب في هذا المجال.

الحقوق الأساسية التي كفلها الإسلام للإنسان:

إلغاء التمييز العنصري
الإسلام أنهى التفرقة على أساس العرق أو اللون. فكل البشر من نسل آدم، ولا يختار الإنسان عِرقه أو لونه، بل هو تقدير من الله. والتفرقة على هذا الأساس مرفوضة دينيًا وإنسانيًا. قال الله تعالى في سورة الحجرات:
"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى..."، أي أن التعدد العرقي هدفه التعارف لا التفاضل.
ومن شواهد ذلك ما حدث بين الصحابي أبي ذر وبلال بن رباح، حين قال له أبو ذر غاضبًا: "يا ابن السوداء!"، فغضب النبي ﷺ وقال له:
"أعيّرته بأمّه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية!"، فندم أبو ذر وأظهر توبته واعتذاره.
إنهاء الفخر بالأنساب
الإسلام أنهى الفخر الزائف بالنسب. فعندما طلب سعد بن أبي وقاص من الصحابة ذكر أنسابهم، لم يكن سلمان الفارسي يعرف نسبه بدقة، فقال: "أنا سلمان بن الإسلام".
فقال عمر بن الخطاب: "وأنا عمر بن الإسلام". فقال النبي ﷺ: "سلمان منا أهل البيت".
حق الأمة في محاسبة الحاكم
الإسلام أعطى الناس الحق في مراقبة الحاكم. قال أبو بكر الصديق عند توليه الخلافة:
"إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني". وقال عمر بن الخطاب: "ماذا تفعلون إذا اعوججت؟" قالوا: "نقوّمك بسيوفنا".
حرية الفكر والمعتقد
حرية الفكر من أهم الحقوق، وقد أكد الإسلام على مبدأ: "لا إكراه في الدين". فلا يُفرض الإيمان بالقوة.
إصلاح نظام العبودية
لم يُلغِ الإسلام العبودية فورًا، لكنه نظمها وقيّدها، وسعى لإنهائها بالتدريج عبر تشجيع العتق وفتح طرق كثيرة للحرية.
حق التملك
الإسلام احترم رغبة الإنسان في التملك وأقر له بذلك، بشرط أن يتم بطرق مشروعة، ولا يجوز التعدي على ملكية أحد دون إذنه.
المساواة أمام القانون
الناس جميعًا سواسية أمام القانون، ولا يجوز تمييز أحد بسبب نسبه أو مكانته.
ومن الأمثلة: حديث النبي ﷺ عند محاولة الشفاعة لامرأة شريفة سرقت:
"والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
مبدأ شخصية العقوبة وشرعيتها
لا يُعاقب أحد إلا بجُرم ارتكبه، ولا يؤخذ إنسان بذنب غيره. قال تعالى:
"ولا تزر وازرة وزر أخرى" (الأنعام: 164).
استقلال القضاء ونزاهته
القضاء في الإسلام مستقل ومحايد، والحاكم يُقاضى كأي مواطن. فمثلاً، علي بن أبي طالب خُصم إلى قاضٍ مع يهودي، ولم يحصل على حكم لمصلحته لعدم وجود بينة.
حرمة المسكن والحياة الخاصة
لا يحق لأحد دخول بيت أحد دون إذنه، والتجسس محرم. قال تعالى:
"ولا تجسسوا..." (الحجرات: 12).
حرية التنقل
شُجّع الناس على السفر للعظة والتعلّم والعلاج، واعتبر ذلك وسيلة للمعرفة والشفاء.
الحق في الحياة وحماية النفس والمال والعِرض
في خطبة الوداع قال النبي ﷺ:
"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا..."
الضمان الاجتماعي
الإسلام أوجد آليات لحماية المحتاجين من الجوع والفقر، عبر نظام الزكاة والوقف والتكافل، وحرص على كفالة العاجزين من خلال المجتمع والدولة.
حرية العمل والعدالة في الأجور
العمل في الإسلام عبادة. قال تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى..."، وورد عن النبي ﷺ:
"أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه"، وهو من أسمى مظاهر احترام العامل وحقوقه.
 

16 هل عدالة الله تقتصر على المسلمين ؟

عدل الله يشمل الجميع، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. فقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده دون النظر إلى دينهم. فالله لا يظلم أحداً، ولا يحيد عن العدل في حكمه.

يقول الله تعالى: { مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } (فصلت:46)
في هذه الآية، تأكيد على أن الله لا يظلم أي عبد من عباده، بغض النظر عن دينه، وأن العدل يشمل الجميع.

هناك العديد من الآيات التي تؤكد هذا المبدأ، ومنها قول الله تعالى في خطاب موجه للكافرين: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } (الحج:8-10)
تشير هذه الآية إلى أن العقاب الذي يصيب الكافرين هو بسبب أعمالهم، وليس لأن الله يظلم أحداً.

كما قال الله تعالى:{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة:7-8)
وهذه الآية تؤكد أن أي عمل، مهما كان صغيراً، سواء كان خيراً أو شراً، لا يضيع عند الله، بل يجد صاحبه جزاءه عليه.
كلمة (ذرة) في هذه الآية تعني أصغر شيء يمكن إدراكه، سواء كان كالنملة الصغيرة أو كجزيئات الغبار التي تظهر في ضوء الشمس. وهذا يوضح أن حتى أصغر الأعمال لا تغيب عن عدل الله.