1
هل الإسلام دين ترهيب
قد يكون هناك بعض الديانات الباطلة التي تقوم على الترهيب ولكن من الخطأ اعتبار جميع الأديان مبنية على الترهيب
فمن الغلط القول بأن الإسلام الذي هو الدين الحق هو دين ترهيب
القرآن فيه خطاب الترغيب والترهيب ، ولكن الترهيب ليس هدفه التخويف بل لتنبيه الناس من إرتكاب الأخطاء. فإن إبلاغ الناس بخطر سيقع ليس من أجل تخويفهم بل للحذر وأخذ الحيطة.
لم يتحدث الإسلام عن جهنم فقط ، بل الجنة أيضًا. فقبل مجيء الإسلام ، كان الإعتقاد السائد أن ما بعد الموت زوال ولا وجود لحياة اخرى ، فما كان من الإسلام إلا أن أبطل هذا الإعتقاد وبشر المؤمنين بالجنة بعد الموت
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا، ولا تُنَفِّرُوا )(البخاري 70).
الإسلام هو دين الله خالق هذا الكون ، إرتضاه لنا لتسعد البشرية في هذه الدنيا والآخرة ، بفضله نعرف الخالق ونتعرف على ذواتنا ، ونفهم المعنى االحقيقي للوجود ، ونجد السكينة والطمأنينة في دواخلنا والسلامة في حياتنا
وهي دعوة جميع الأنبياء من سيدنا أدم إلى نوح وابراهيم وموسى وعيسى وإلى سيدنا محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام لإنقاذ البشرية ونشر الإيمان و المحبة والسلام في هذه الحياة الدنيا
2
أسباب غزوات النبي
كما هو معلوم، يمكن الحديث عن أسباب كثيرة للحروب. وبحسب ما توصلنا إليه، فإن غزوات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت لأسباب وحِكم متعددة، منها ما يلي:
بعض الغزوات، خاصة السرايا التي سبقت غزوة بدر، كانت تهدف إلى إيصال رسالة واضحة للمشركين واليهود الذين كانوا يضمرون العداء للإسلام في المدينة، وأيضًا لقريش التي كانت تتربص بالمسلمين، بأن المسلمين أصبحوا قوة لا يُستهان بها. كما هدفت هذه الغزوات لتأمين حرية تبليغ الدعوة، وحماية الوجود الإسلامي من الاعتداءات.
لقد كانت تلك السرايا وسيلة لإثبات وجود المسلمين وقوتهم، وكسر الحواجز التي تعترض طريق الدعوة. ونظرًا لهيمنة منطق القوة آنذاك، حيث كان القوي هو صاحب الحق، والضعيف لا يُسمح له بالحياة، اضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى إرسال سرايا عسكرية لضمان الأمن في المنطقة. ومن أمثلة ذلك: سرايا سيف البحر، رابغ، وغزوات الأبواء، بُواط، حمراء الأسد، وبدر الصغرى.
- قطع الموارد المالية للمعتدين
كانت بعض الغزوات تهدف إلى السيطرة على الطرق التجارية لقريش، التي كانت تستخدم أموال المسلمين الذين تركوها عند هجرتهم من مكة، في تجهيز الجيوش لقتال المسلمين. فكان الهدف من السيطرة على تلك القوافل إضعاف المشركين اقتصاديًا.
وقد نُفذت هذه الغزوات لأن النشاط الاقتصادي لقريش كان يعتمد بشكل شبه كلي على التجارة، لا سيما القوافل المتجهة نحو الشام، والتي كانت تمر بالقرب من المدينة. لذلك تم تتبعها لحماية المسلمين من أضرارها. ومن الأمثلة: سرايا سيف البحر، رابغ، حرار، نخلة، قردة، وعِيص.
غزوة بدر جاءت أساسًا لمنع قريش من استخدام أرباح قافلتها في الحرب، وغزوة أحد كانت ردًا على هزيمتهم في بدر، حيث جُهزت بتمويل من قافلة أبي سفيان.
على الرغم من أن جميع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كانت ذات طبيعة دفاعية من حيث الهدف، فإن القليل منها كان دفاعيًا من حيث الاستراتيجية الحربية. بعض الغزوات جاءت ردًا مباشرًا على اعتداءات على المسلمين أو أراضيهم، مما استدعى الدفاع المشروع.
القرآن الكريم أباح القتال في حال التعرض للاعتداء، واشترط أن يكون القتال قائمًا على مبررات شرعية. الفترة بين بدر والخندق شهدت جهودًا دفاعية ضد مشركي مكة ويهود المدينة. وقد تبيّن لاحقًا أن التحصينات الدفاعية ضد اليهود الذين خانوا العهود كانت ذات أهمية حيوية، كما حدث أثناء غزوة الأحزاب، حيث كادت خيانة يهود بني قريظة أن تؤدي إلى كارثة.
نُفّذت بعض السرايا لغرض جمع المعلومات عن العدو المتربص بالمسلمين. فقد كان واجبًا على المسلمين البقاء دائمًا على استعداد. وبعد تأمين المدينة، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة تحالفات مع القبائل المحيطة لمراقبة قريش. وكانت السرايا الأولى تهدف إلى الاستطلاع والمراقبة والسيطرة على المواقف السياسية والاقتصادية للأعداء.
أُرسلت وحدات استكشافية قبل المعارك للحصول على معلومات عن تحركات العدو وعددهم وخططهم، نظرًا لأن المسلمين كانوا أقل عددًا حتى فتح مكة. ومن هذه السرايا: نخلة،والسرية الأولى من ذي القصة، و سرية وادي القرى، والسرية الثانية من جناب، وحنين، وسرية عبد الله بن رواحة، وخيبر.
انتهاك المعاهدات يُعد جريمة في العلاقات الدولية. في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إخلال الطرف الآخر بالعهود سببًا مباشرًا لبعض الغزوات، مثل نقض وثيقة المدينة أو صلح الحديبية.
النبي صلى الله عليه وسلم كان ملتزمًا التزامًا صارمًا بالعهود، كما ظهر في موقفه مع أبي جندل بعد توقيع صلح الحديبية، حيث قال له:
"يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك الأمان، وإنّا لا نغدر بهم."
ومع أن الحرب مع قريش توقفت بعد صلح الحديبية، فإنهم نقضوا العهد، مما اضطر النبي صلى الله عليه وسلم للسير إلى مكة. وبالمثل، فإن الحروب مع يهود المدينة كانت بسبب خيانتهم للتحالف مع المسلمين ومساندتهم للمشركين، رغم وجود بند صريح في الوثيقة يمنع ذلك.
بالتالي، كانت غزوات بني قينقاع، بني النضير، وبني قريظة، وكذلك فتح مكة، نتيجة مباشرة لنقض العهود والخيانة.
تعرض المسلمون لغارات على مواشيهم وممتلكاتهم، وأُستشهد بعضهم خلال هذه الاعتداءات. وكان من الضروري ردع هذه القبائل. الدفاع عن النفس والمال عند التعرض للغزو يُعد مشروعًا، ولا يُعد خسارة الأنفس أو الممتلكات خلاله جريمة في الشريعة.
من السرايا والغزوات التي وقعت بسبب هذه الهجمات: حرار، الثانية من ذي القصة، طريف، فزارة، عُكل وعُرينة، بني قريظة، سفوان (بدر الأولى)، السويق، ودومة الجندل.
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا دائمًا على السلام والتفاهم. رغم طرد قريش له من مكة، سعى في المدينة إلى عقد تحالفات مع قبائل متعددة، لا سيما تلك التي تقع على طرق تجارة قريش، لمنعها من الانضمام إلى المشركين، وإيجاد أرضية للسلام.
غزوات الأبواء وذو العشيرة جاءت لتطبيق هذه الاتفاقات، وكان هدفها الحيلولة دون دخول تلك القبائل في صفوف العدو قبل أن يسبقهم النبي صلى الله عليه وسلم بعقد العهود.
- التحرك بعد تلقي أخبار عن نية الهجوم
جزء كبير من الغزوات والسرايا وقعت بعد ورود معلومات استخباراتية مؤكدة عن نية قبيلة أو تحالف قبائل مهاجمة المسلمين. الانتظار في هذه الحالة كان يعني السماح للعدو بتوجيه الضربة الأولى. لذلك بادر النبي صلى الله عليه وسلم بالتحرك.
وكانت الأخبار الاستخباراتية الموثوقة بشأن خطط العدو، سببًا مشروعًا لشن الحرب. من هذه الحملات: الأولى من ذي القصة، قرقرة الكدر ، بحران، دومة الجندل، المُريسيع، وادي القرى، تُرُبة، نجد (هوازن)، ، جناب، ذات السلاسل، بنو بكر، سرية عبد الله بن رواحة، خيبر، غابة، سرية قطبة بن عامر، غطفان، قَطَن، ذات الرقاع، حنين، الطائف، خيبر، فدك، وحملة تبوك.
وعند النظر إلى عدد هذه الغزوات والسرايا، نجد أن أغلبها قد تم بعد تلقي معلومات عن نية العدو بالهجوم.
- مساعدة المسلمين المظلومين
بعض الحروب شُنَّت بهدف إنهاء الضغط والاضطهاد الذي كانت تمارسه بعض القبائل ضد المسلمين بسبب عقيدتهم، وضد حرية الدين والمعتقد. لقد حوَّل بعض الأفراد والقبائل الذين كانوا يكنّون العداء للنبي محمد (عليه الصلاة والسلام) والمسلمين، هذا العداء إلى أفعال كلما سنحت لهم الفرصة، بل إن ذلك تجلى أحيانًا في شكل اضطهاد للمسلمين الذين يعيشون كأقليات داخل دول أخرى.
وقد حمّل القرآن المسلمين مسؤولية إزالة هذا الظلم بكل ما أوتوا من قوة، حيث قال تعالى:{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا}(النساء:75)
وقد يُفهم من هذه الآية أن القتال لمساعدة المستضعفين المظلومين مشروع. ومثال على تطبيق هذا التوجيه، هو تدخل النبي صلى الله عليه وسلم عسكريًا لمساعدة قبيلة خزاعة ضد اعتداءات قريش، في فترة صلح الحديبية. كما أن سرية بئر معونة، وغزوة دومة الجندل، كانت من التدخلات العسكرية التي قام بها النبي (صلى الله عليه وسلم) لنصرة المسلمين الذين تعرضوا للظلم.
- إزالة العوائق أمام الدعوة
الدعوة إلى الإسلام كانت المهمة الأصلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين، وكان الهدف إيصال اسم الله إلى جميع العالم في ظل السلام. وحتى في أوقات الحروب التي فرضها العدو، لم يتم التغافل عن واجب الدعوة.
وبهذا الهدف، أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) وفودًا دعوية إلى القبائل والدول المجاورة. وعند فحص أسباب بعض الغزوات أو السرايا، يتبين أنها حدثت بسبب تعرض تلك الوفود للهجوم، مما أدى إلى قيامهم بالدفاع عن النفس. أي أن الحرب لم تكن بسبب رفض الطرف الآخر للإسلام، بل بسبب اعتدائه على المسلمين.
لذلك، لم يكن الهدف من هذه الحروب إجبار الناس على الدخول في الإسلام، بل إزالة الحواجز التي تمنع إيصال رسالة الإسلام. من بين هذه السرايا:
- سرية ذات أطلاح بقيادة كعب بن عمير
- سرية ذات السلاسل بقيادة عمرو بن العاص
- سرية دومة الجندل بقيادة عبد الرحمن بن عوف
- وسرية جزيمة بقيادة خالد بن الوليد.
كما أن وفدًا دعويًا بقيادة ابن أبي العوجاء أُرسل إلى قبيلة بني سليم الذين قالوا له قالوا له:" لا حاجة لنا فيما جئتنا به ". ثم هاجموه وأصحابه وقتلوا الجميع إلا هو.
وقد تعرضت وفود أخرى، أُرسلت لأغراض دعوية بحتة، للغدر والقتل مثل:
الرجيع، بئر معونة، بني سليم، ذات أطلاح، ذات السلاسل، جزيمة، عمان، البحرين، دومة الجندل، وغيرها.
وقد كان بعض الذين طلبوا إرسال هذه الوفود قد تعهدوا بحمايتهم، لكنهم خانوا العهد وقتلوا الوفود. فكانت هذه الجرائم هي سبب بعض الغزوات والسرايا، مثل:
ذات الرقاع، الجموم، ميْفاء، بنو عامر، سيف البحر الثانية، وخيبر.
- معاقبة الإساءة إلى الرسل وقتلهم
بعد صلح الحديبية، أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) رسائل دعوة إلى حكام الدول المحيطة. وقد استجاب بعضهم بشكل إيجابي، في حين قابل البعض الدعوة بازدراء شديد، بل وتعرضوا للرسل بالإهانة أو القتل.
وفي حين أن الرسل والسفراء يتمتعون بحصانة دبلوماسية في كل العصور، فإن هؤلاء تعرضوا للقتل أو السخرية أو النهب. وقد كانت هذه الأفعال تُعد جريمة في كل الأنظمة القانونية. ومن السرايا والغزوات التي كانت ردًّا على هذه الإساءات:
حِمص، بني قريظة، بنو قرطاء، ومعركة مؤتة.
- الرد على إعلان الحرب من قبل العدو
كان من بين أسباب غزوات النبي (صلى الله عليه وسلم) الرد على إعلان الحرب من قبل العدو. إذ أن السكوت على هذا الإعلان كان سيُشجّع العدو على التمادي في عدوانه.
ومثال على ذلك: غزوة بدر الصغرى.
فبعد أن خسر النبي (صلى الله عليه وسلم) معركة أُحد من جانب واحد، تحداه أبو سفيان للقاء في بدر في العام التالي. وقَبِل النبي هذا التحدي، وتوجه بجيشه إلى بدر، لكنه لم يجد أحدًا لأن أبا سفيان قد عاد إلى مكة بحجة وجود مجاعة.
وهكذا يتضح أن هذه الغزوة كانت ردًّا مباشرًا على إعلان الحرب من قبل أبي سفيان.
الخلاصة
يتبين من تحليل أسباب غزوات النبي (عليه الصلاة والسلام) أن هذه الحروب وقعت لأسباب متنوعة، وكلها قائمة على مبررات شرعية. وبالتالي، لم يقم النبي بأي عدوان عسكري غير مبرر.
ومن خلال استقراء مبادئ الإسلام المستمدة من القرآن والسنة، نجد أن الأصل في العلاقات الدولية هو السلام، والحرب هي حالة اضطرارية تُفرض على المسلمين في حالات خاصة، كالدفاع عن النفس، أو حماية المستضعفين، أو إزالة العوائق أمام التبليغ.
ويمكن القول إن مبررات النبي (صلى الله عليه وسلم) في حروبه تصلح لتكون معيارًا لتحديد مشروعية الحروب في كل زمان، بما في ذلك زمننا الحالي.
3
هل كان انتشار الإسلام بالسيف أم بالدعوة؟
لفهم مفهوم الجهاد في الإسلام بشكل صحيح، لا بد أولًا من الإجابة عن سؤالين مهمين: من هو النبي؟ وما هي مهمته؟
الله سبحانه وتعالى أرسل الأنبياء ليكونوا هداة للناس في رحلتهم إلى الآخرة، فمن آمن وعمل صالحاً كانت نهايته الجنة، ومن كفر وعصى فمصيره إلى النار. وكانت مهمة هؤلاء الرسل تعريف الناس بالله، وتعليمهم العبادة، والتمييز بين الحلال والحرام، وبيان كيفية شكر الله على نعمه العظيمة.
أسلوب النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في نشر الإسلام
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قام بهذه المهمة بأكمل وجه، فبدأ دعوته في مكة، حيث عرّف الناس بالله، وبيّن أوامره ونواهيه، وحذّرهم من عبادة الأصنام التي تُعد شركاً بالله. واجه معارضة شديدة واضطهادًا استمر ثلاثة عشر عاماً، لكنه صبر على الأذى حتى أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، حيث واصل دعوته بنفس الأسلوب.
لكن المشركين لم يتركوه وشأنه، بل سعوا لمهاجمته هناك أيضاً، ومع ذلك لم يستطيعوا منع الإسلام من التغلغل في قلوب الناس.
ومن صفات النبي التي ذكرتها الكتب السماوية السابقة أنه "صاحب السيف"، أي أنه بالإضافة إلى دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، كان مأذوناً له بالقتال إذا تعرضت دعوته للمنع أو الاعتداء.
وهذا الأمر لم يكن مقتصراً عليه، فالنبيان داوود وسليمان (عليهما السلام) استخدما القوة عندما اقتضت الحاجة لحماية دعوتهما.
هل انتشر الإسلام بالحروب أم بالدعوة؟
عند النظر بإنصاف إلى التاريخ، نجد أن انتشار الإسلام في قلوب الناس لم يكن بالسيف، بل بالدعوة والتبليغ، أي بإيصال تعاليم القرآن وعرض الحقائق بوضوح.
شيئان لعبا دوراً أساسياً في انتشار الإسلام:
1. العلماء والدعاة: الذين نذروا حياتهم لنشر الإسلام، وسافروا إلى أماكن بعيدة للدعوة.
2. التجار المسلمون: الذين نشروا الإسلام من خلال أخلاقهم وسلوكهم أثناء التجارة، مما جذب الناس إلى الإسلام.
أدلة قرآنية على انتشار الإسلام بالدعوة لا بالإكراه
القرآن الكريم يوضح بجلاء أن الإسلام لا يُفرض بالقوة، بل يُعرض بالحكمة والإقناع:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}(البقرة:256)
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}(الغاشية:21-22)
شواهد تاريخية على انتشار الإسلام بالدعوة
• عندما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته في مكة، لم يكن لديه أي قوة مادية، ورغم أن المشركين كانوا أعداءه، إلا أنه استطاع أن يكسب قلوب الناس بالدعوة فقط. دخل العديد من الصحابة الإسلام عن قناعة، مثل أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)، وأصبح الإيمان قوة لا تقهر. ولو أراد الصحابة، لكان بإمكانهم القضاء على زعماء قريش، لكنهم لم يفعلوا ذلك، وبدلًا من اللجوء إلى العنف، تحملوا المشاق وواصلوا دعوتهم.
• المسلمون الذين هاجروا إلى المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخدموا السيف لنشر الإسلام، بل دعوا الناس إليه بالحكمة والموعظة الحسنة. وهكذا، تأسس الإسلام في مكة والمدينة بالدعوة وليس بالقوة.
• بعد صلح الحديبية، وخلال عامين فقط، اعتنق الإسلام عدد من الناس يفوق عدد الذين دخلوا الإسلام خلال العشرين سنة الأولى من الدعوة! مما يدل على أن الناس كانوا يدخلون الإسلام بمحض إرادتهم عندما أتيحت لهم فرصة التعرف عليه دون تهديد أو إكراه.
• المغول الذين غزوا بغداد، كانوا في البداية أعداءً للإسلام، وأحرقوا المكتبات الإسلامية، لكنهم بعد فترة اعتنقوا الإسلام بأنفسهم، ولم يكن للسيف أي دور في ذلك.
• انتشار الإسلام في إندونيسيا وماليزيا وأفريقيا تم عبر التجار والدعاة، وليس بالقوة.
الإسلام في العصر الحديث
اليوم، رغم أن المسلمين فقدوا الكثير من قوتهم المادية، إلا أن الإسلام يواصل انتشاره بشكل غير مسبوق، وخاصة في أوروبا وأمريكا. العديد من العلماء والمفكرين الغربيين دخلوا الإسلام بعد دراسته والاقتناع به، وليس لأن أحدًا أجبرهم على ذلك.
الخلاصة
• الإسلام لم ينتشر بالسيف، بل بالدعوة الحكيمة والتبليغ والإقناع.
• القوة لم تُستخدم إلا للدفاع عن النفس عندما تعرض المسلمون للعدوان.
• الأدلة القرآنية والتاريخية تثبت أن الإسلام دين حرية واختيار، وليس دين إكراه.
• انتشار الإسلام في العصر الحديث يؤكد أن قوته الحقيقية تكمن في تعاليمه العادلة، وليس في القوة العسكرية.
4
أنواع الجهاد
أنواع الجهاد هي
1- جهاد الجهل: هذا الجهاد هو تبليغ الناس وتعليمهم الدين الحق بأسلوب الحكمة والكلمة الطيبة.
يقول الله تعالى:{ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ } (النحل:125)
إن القرآن الكريم دواء إلهي لعلاج جميع الامراض المادية والروحية والفردية والاجتماعية، ليس للمسلمين فقط، بل لجميع الناس وإلى قيام الساعة. وقد أوكلت إلى المسلمين واجب تبليغه لناس كافة
2- جهاد النفس: يحذر الله المؤمنين من حيل النفس الامارو بالسوء ويحثهم على كبح جماحها ومجاهدتها
يقول الله تعالى:{ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ}. (ص: 26)
وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ المجاهد من جاهد نفسه لله ]
وقال أيضا: [ رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر ، قالوا : وما الجهاد الأكبر ؟ قال : مجاهدة العبد هواه ]،كان ذلك بعد العودة من المعركة، وهذا يعبر بإيجاز شديد عن اهمية جهاد النفس وهزيمتها وانه أصعب وأهم من قتال العدو.
3- جهاد الشيطان: ورد في القرآن الكريم:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ}.( فاطر:6) تشير الآية الى ان الشيطان عدو للانسان، وجهاده واجب للخلاص من شره
4- القتال بالسلاح: وهذا جهاد العدو المتربص بالامة وهو لا يكون دائما، وليس واجبًا على الجميع. فإذا كانت الدولة تتمتع بالقوة الكافية،وهناك من الناس من يقوم بهذا الواجب فانه يسقط عن البقية.
5
شبهة في حديث غزو بنو قنطواء العراق
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بارك الله بكم وفتح علينا وعليكم
إن كان المشكل عليكم هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر اسم مدينة البصرة ثم ان الجيش المغولي في غزوه لبغداد لم يدخل البصرة وبالتالي لم تقع الواقعة كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم
الجواب انه مما ذكره العلماء في شرح الحديث ان المقصود من البصرة هي مدينة بغداد
اورد الملا علي القاري - نور الدين علي بن سلطان محمد القاري- في كتابه(مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)فقال:[قال الأشرف : أراد - صلى الله عليه وسلم - بهذه المدينة مدينة السلام بغداد ، فإن دجلة هي الشط ، وجسرها في وسطها لا في وسط البصرة ، وإنما عرفها النبي - صلى الله عليه وسلم - ببصرة ; لأن في بغداد موضعا خارجيا منه قريبا من بابه يدعى باب البصرة ، فسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - بغداد باسم بعضها ، أو على حذف المضاف ، كقوله تعالى : واسأل القرية ، وبغداد ما كانت مبنية في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذه الهيئة ولا كان مصرا من الأمصار في عهده - صلى الله عليه وسلم ; ولذا قال - صلى الله عليه وسلم : ( " ويكون من أمصار المسلمين " ) بلفظ الاستقبال ، بل كان في عهده - صلى الله عليه وسلم - قرى متفرقة بعدما خربت مدائن كسرى منسوبة إلى البصرة محسوبة من أعمالها ، هذا وإن أحدا لم يسمع في زماننا بدخول الترك بصرة قط على سبيل القتال والحرب]
6
لماذا لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يقاتل في الحروب
ان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وسيرته يشكل القدوة والحالة المثالية للمسلمين جميعا وبكل فئاتهم
ومن سيرته مشاركته في الغزوات حيث شارك رسول الله في معظم الحروب التي جرت كبدر وأحد والخندق وحنين
وبطبيعة الحال كون كان رسول الله صلى الله عليه وسلم القائد في المعركة فكانت وظيفته الاساسية ادارة الجنود وتوجيه الاوامر ومن هنا كان اقتراح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبني المسلمون مقرا لقيادته حيث قال : يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك ،
وكذلك كانت هناك فرقة من الجنود تحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم حول مقر قيادته
وهذا ما ينبغي ان يكون عليه الامر في الجيوش النظامية المنتظمة في المعارك والحروب
وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ينزل ميدان القتال اذا لزم الامر وطُلب الى ذلك وبالاخص اذا اشتد القتال وحمي الوطيس كان في المقدمة وكان الاشجع والاقوى
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كُنّا إذا احمرَّ البأسُ ولَقِيَ القومُ القومَ، كُنَّا نتّقي برسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان يكون أقربَ إلى القوم منا، وقد انهزمَ أصحابُه يومَ حُنَين وهو على بَغْلِه يسوقُها نحو العدوّ، ويتسمَّى بحيث لا يُخفِي نفسَه، ويقول: أنا النبيّ لا كَذِبْ * أنا ابنُ عبد المطلبْ
ولابد من الاشارة الى انه قد ورد في السيرة ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لم يَقتُل بيده إلا رجلاً واحدًا، وهو أُبيّ بن خلف وهو الذي طلب من رسول الله المبارزة فقُتل
فمن رحمته أنه لا يقصد قتل أحد إلا من لم يجد بدًّا من قتله، وذلك لأن مَنْ قتله نبيٌّ سيكون من أشد الناس عذابا يوم القيامة وهو الذي قال الله تعالى فيه : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء/107.
7
معنى الجهاد و أنواعه
الجهاد هو اسم لكل نشاط أو عمل يُبذل في سبيل الله. هو بذل الجهد لإعلاء الحق وجعله غالباً.
وبعبارة أخرى، الجهاد هو الجانب العملي في الإسلام، وهو قوة دفعه وحركته.
كلمة "جهاد" تُترجم في اللغات الغربية غالباً إلى "الحرب المقدسة" وهذه الترجمة تعكس محاولة لتصوير الإسلام كدين انتشر بالسيف والإكراه.
غير أن هذا الفهم خاطئ، لأن كلمة "الجهاد" لا تعني الحرب فقط، وإن كان القتال في سبيل الله يُعد نوعاً من الجهاد، إلا أن مفهوم الجهاد أوسع من ذلك بكثير؛ فهو يشمل كل جهد يُبذل لنشر دين الله وإيصاله إلى الناس كافة.
أقسام الجهاد:
1. الجهاد ضد الجهل:
وهو جهاد تعليم الناس الحق والصواب والجمال.
يقول الله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم:
{ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ}(النحل:125)
وفي آية أخرى:
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(آل عمران:104)
فالقرآن الكريم ليس خاصاً بقوم معين، بل هو دواء إلهي شامل كافٍ لعلاج آلام البشرية المادية والمعنوية، الفردية والاجتماعية إلى يوم القيامة. وقد كُلف المسلمون بتقديم هذا الدواء الإلهي للعالم أجمع.
2. الجهاد مع النفس:
وفي هذا الصدد يُنبه الله تعالى المؤمنين قائلاً:
{وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ }(ص:26)
وقال النبي ﷺ:
[أفضلُ الجهادِ من جاهد نفسَه في ذاتِ اللهِ عزَّ و جلَّ]
[أَعْدَى عَدُوِّكَ نفسُكَ التى بين جَنْبَيْكَ]
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أنه قال لأصحابه وقد انصرفوا من الجهاد ["أتيتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: "مجاهدة النفس"]
والمقصود أن مجاهدة النفس أصعب وأعظم من القتال في المعركة، لما فيها من صراع دائم وخفي.
3. الجهاد ضد الشيطان:
يقول الله تعالى:{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا }(فاطر:6)
فقد عُرّف الشيطان بأنه العدو الأكبر للإنسان، والجهاد ضده هو من أعظم أنواع الجهاد، لأنه عدو خفي لا يملّ ولا يكلّ.
4. الجهاد بالسلاح (القتال):
وهذا النوع ليس دائمًا ولا هو فرض على كل شخص. فإذا كانت الدولة تملك القوة الكافية، فإن القتال يُعد فرض كفاية، أي إذا قام به البعض سقط عن الآخرين.
8
هل الإسلام دين حرب
إن الحرب ليست أمراً مرغوباً أو مطلوباً، لكن البشرية لم تستطع تجنبها عبر التاريخ. فقد ذكر القرآن الكريم قصة الصراع بين ابني آدم، حيث كان أحدهما بريئاً والآخر معتدياً، فقام المعتدي بقتل أخيه البريء.
قال الله تعالى:{ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ (27) لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (28) إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ (29) فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ (30) فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ (31)}( سورة المائدة) وقد عُرف البريء باسم هابيل، والمعتدي باسم قابيل.
بقتل قابيل لأخيه، سُفك لأول مرة دم بشري على الأرض، إلا أن هذا الدم ازداد مع مرور الزمن ليشمل مختلف أنحاء العالم. إن هابيل وقابيل يمثّلان نموذجين للإنسانية: البريء والمعتدي. وطالما وُجد في العالم أشخاص مثل قابيل، فإن أمثال هابيل سيحتفظون بحق الدفاع عن أنفسهم.
لذلك، يسمح الإسلام بالحرب في ظل ظروف معينة لردع الظلم وتحقيق السلام العادل. كما في الآية التالية: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}(الحج:39)
وأول من نزلت فيهم هذه الآية هم المسلمون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين تعرّضوا للاضطهاد في مكة، حتى أُجبر بعضهم على الهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. لكن حتى هناك لم يكونوا في مأمن من التهديدات والهجمات، فسمح لهم الله بالدفاع عن أنفسهم.
مبادئ الحرب في الإسلام
في آية أخرى تتعلق بالحرب، يقول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(البقرة:190)
"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (سورة البقرة، 190)
تُظهر هذه الآية عدة مبادئ مهمة في الحرب:
1. قاتلوا الذين يقاتلونكم: أي لا تقاتلوا من لا يقاتلكم. ولهذا، أوصى النبي صلى الله عليه وسلم قادته العسكريين بعدم قتل النساء، الأطفال، كبار السن، والرهبان المنعزلين في المعابد.
2. الحرب في سبيل الله: أي أن يكون القتال لتحقيق العدالة ومنع الظلم، وليس من أجل الغزو أو المكاسب الاقتصادية.
3. عدم التجاوز في الحرب: فحتى في القتال، يفرض الإسلام قواعد أخلاقية، مثل تجنب التعذيب، وعدم التمثيل بجثث الأعداء.
الحرب لحماية المظلومين
يقول الله تعالى في موضع آخر:{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا}(النساء:75)
تشير هذه الآية إلى أن الحرب تكون مشروعة عندما يُمنع المسلمون من ممارسة دينهم ويتعرضون للاضطهاد. فبعد انتهاء القتال، يتم تحرير المسلمين من الظلم، ويُمنح الناس حرية اعتناق الإسلام أو البقاء على دينهم.
الخلاصة
الأصل في الإسلام هو السلام وليس الحرب، ولكن عندما يُمارس الظلم أو يتعرض المسلمون للاعتداء، فإن القتال يصبح ضرورياً. الإسلام لم يخترع الحرب، بل وضع لها ضوابط أخلاقية وإنسانية، فحولها من فوضى همجية إلى معركة عادلة لها قوانينها. لذلك، فإن وجود أحكام الحرب في الإسلام ليس نقصاً، بل هو كمالٌ وتشريعٌ يضفي عليها طابعاً حضارياً وإنسانياً.
9
مفهوم الجهاد في ضوء الآيات والأحاديث
يتناول بعض الكُتّاب الغربيين مفهوم الجهاد بشكل خاطئ ومتعمد، فيقصرونه على معنى "القتال" متجاهلين معانيه الأخرى الكثيرة، رغم أن مفهوم الجهاد واسع جداً وشامل. وعند دراسة الآيات والأحاديث المختلفة التي تناولت الجهاد، وكذلك تطبيقات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم له، يتضح بجلاء أن الجهاد لا يقتصر على القتال فقط.
فعلى سبيل المثال، حين سألت السيدة عائشة رضي الله عنها:[ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ ، أَفَلاَ نُجَاهِدُ ؟ قَالَ : لاَ ، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ] (البخاري- كتاب الجهاد:1).
وفي حديث آخر[ إن من أعظم الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ](الترمذي:2175)
ومثال آخر: [ جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، يَسْتَأْذِنُهُ في الجِهَادِ فَقالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ] (متفق عليه).
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ] (مسلم - كتاب الإيمان 80).
من خلال هذه الأحاديث يتضح أن الجهاد له مفاهيم ووسائل واسعة وشاملة.
كلمة "جهاد" في اللغة العربية مشتقة من الجذر "جهد"، ويعني بذل الجهد والطاقة واستعمال كل الإمكانيات لتحقيق هدف معين. وفي أوسع معانيه، يعني الجهاد: العيش في سبيل الله باستقامة مدى الحياة، وبذل الجهد في أداء العبودية بإخلاص، ومجاهدة النفس والشيطان، وتطبيق أوامر الله ورسوله على النفس، ونقل جمال الإسلام للناس بالدعوة، وإبلاغ الرسالة الإلهية للبشرية، والدفاع عن بلاد المسلمين وأهلها من كل تهديد أو عدوان، والقتال عند الضرورة.
وبناءً على هذا المعنى، فإن للجهاد "جانباً معنوياً" وآخر "مادياً".
أما الجانب المعنوي، فيتطلب إيماناً صادقاً، وإخلاصاً وتضحيةً، وهمةً عالية، وهو ما يشير إليه قوله تعالى:
{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(البقرة:285-286)
يتطلب هذا الجانب تربية المؤمنين على العلم والإيمان، ووعي وبصيرة، وتجسيد نموذج المسلم الصادق في الإخلاص والسلوك على المنهج القرآني يقول الله تعالى:
{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}(الزمر:2-3)
{ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}(البقرة:41)
أما الجانب المادي، فيتمثل في التقدم الاقتصادي، والقوة العلمية والتكنولوجية، وتحقيق التفوق الثقافي والسياسي والعسكري لمواجهة أعداء الإسلام وخيانتهم، والاستعداد بأقوى الأسلحة والتجهيزات الممكنة.
في ضوء الآيات والأحاديث، يشمل مفهوم الجهاد في الأدبيات الإسلامية المهام والمسؤوليات التالية:
1. السعي للعيش مدى الحياة متمسكاً بالدين وبإخلاص، ومجاهدة النفس والشيطان، وكسر سلطة النفس الأمارة بالسوء.
2. تغليب الحق والعمل على إعلائه.
3. تعلم الدين والعيش به وتعليمه للآخرين.
4. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
5. التحمل والصبر على الصعوبات والخشونة.
6. الدعوة إلى الإسلام، ونقل الرسالة الإلهية للبشرية.
7. المجاهدة الفكرية والعلمية ضد الأعداء، والتفوق في العلم والتقنية.
8. تحقيق القوة والتفوق الاقتصادي والثقافي.
9. إدارة الدولة ببصيرة وعدم إتاحة الفرصة للمستغلين والفاسدين.
10. بذل الجهد لتجنب الوقوع تحت السيطرة السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية للدول الأخرى.
11. اتخاذ جميع التدابير المسبقة ضد الخيانات والاعتداءات.
12. عند الضرورة، عدم الخوف من القتال، والثبات، والمشاركة بكل القوة والثقة بالله.
إن تضييق مفهوم الجهاد عن قصد أو عن جهل ليقتصر على معنى "القتال" فقط، لا يعكس الحقيقة، ويعد ناقصاً ومخالفاً لما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية من معانٍ ومضامين شاملة وعميقة.
10
معنى الجهاد
الجهاد في اللغة : بذل الجهد والوسع والطاقة، من الجُهْد بمعنى الوُسع، أو من الجَهْد بمعنى المشقة وكلا المعنيين في الجهاد.
وفي الشرع أو في اصطلاح القرآن والسنة، هو مصطلح إسلامي يعني جميع الأفعال أو الأقوال التي تكون في سبيل الله
تُترجم كلمة "الجهاد" في اللغات الغربية على أنها "الحرب المقدسة"
هدفهم من هذه الترجمة تصوير الإسلام على أنه دين ينتشر بقوة السلاح.
فكلمة "الجهاد" لا تعني "الحرب". وإنما القتال في سبيل الله هو نوع من أنواع الجهاد
وبالتالي ليس الجهاد لفظ يدل فقط على القتال في سبيل الله بل يأتي بمعنى أعم وأشمل
11
محاولة ربط دين الإسلام بالهجمات الإرهابية
المسلم لا يمكن أن يكون إرهابياً، والإرهابي لا يمكن أن يكون مسلماً حقيقياً
الإسلام هو دين التسامح؛ يعتبر الإنسان أكرم مخلوق، ويعدّ الاعتداء على الأبرياء من أعظم الذنوب. وقد صدع القرآن بهذه الحقيقة في قوله:
{مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}(المائدة:32)
الواقع أن المسلم لا يخدم الموت، بل يخدم الحياة.
ويجب علينا في هذا السياق أن نتذكر مبدأين أساسيين من مبادئ العدالة التي قررها الإسلام:
1. المبدأ الأول: الآية القرآنية { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}(الأنعام: 164). أي لا يمكن معاقبة شخص بسبب جريمة شخص آخر. في الإسلام، العقوبات والمسؤوليات فردية.
2. المبدأ الثاني: الأصل في الذمم البراءة. أي لا يُتَّهم أحد حتى تثبت إدانته، ولا يجوز معاقبة أحد دون دليل قاطع. وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
[لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ، ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا] (البخاري)
الإسلام يعني السلام والمسالمة. وهذا يدل على أن السلام الحقيقي، في الجسد والعقل، لا يتحقق إلا بطاعة الله والتسليم له. ولا يكون المسلم مسلماً كاملًا إلا إذا عاش في انسجام وسلام مع مجتمعه. فالحياة في طاعة الله تولد الطمأنينة في القلب، وتؤسس للسلام الحقيقي في المجتمع.
قال الله تعالى:
{ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(الرعد:28)
لقد أبلغ أنبياء الله جميعهم هذه الحقيقة أثناء دعوتهم الناس إلى الهداية. ويجب أن نتذكر هنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
[قالَ عمارٌ ثلاثٌ مَنْ جمعَهُنَّ فقدْ جمعَ الإيمانَ الإنصافُ مِن نفسِكَ وبذلُ السَّلامِ للعالمِ والإنفاقُ مِنَ الإِقْتَارِ](البخاري)
وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم:
[كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ](البخاري)
[يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا](مسلم)
[ليس بمؤمنٍ من بات شبعان وجارُه إلى جنبِه جائعٌ وهو يعلمُ](أبو يعلى)
[ المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ](البخاري)
وباختصار، لم يهمل الإسلام لا الفرد ولا المجتمع، بل سعى إلى تحقيق التوازن الكامل بينهما. رسالة الإسلام موجهة إلى البشرية جمعاء. فالله رب العالمين {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الفاتحة)،
ورسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أُرسل إلى كافة الناس، كما في قوله تعالى:
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}(الأعراف:158)
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107)
في الإسلام، جميع الناس متساوون دون اعتبار لاختلاف اللون أو اللغة أو العرق أو الوطن. وحتى في هذا العصر الذي يسمى بعصر التنوير، لا يزال هناك تمييز ومعاملة غير متساوية بين البشر. والإسلام جاء ليزيل كل هذه التفرقة ويؤكد على المساواة لأن الجميع مخلوقون من الله.
إن الإسلام يحمل في جوهره نظرة إنسانية عالمية، ويرفض بشدة أي تمييز قائم على اللون أو القبيلة أو الدم أو المنطقة. نحن ندين كل عدوان يُمارس ضد الإنسانية، ونتألم لكل اعتداء يطال الأبرياء. الإسلام حرّم بشدة المجازر الجماعية التي يُقتل فيها المظلومون إلى جانب الظالمين. ولا يجوز في الإسلام معاقبة أحد بسبب خطأ غيره.
الإسلام لا يبيح قتل الأبرياء أو العُزّل بأي شكل من الأشكال. وإذا ثبت أن هناك بعض الأفراد من المسلمين ارتكبوا مجازر كما تدعي بعض وسائل الإعلام المنحازة، فإننا ندينهم باسم الإسلام، ونعتبرهم مذنبين ومجرمين. ونؤكد أن الظالمين، مهما كانت ديانتهم أو جنسهم أو عرقهم، يجب أن يُعاقبوا بعقوبات رادعة.
12
السلام في الإسلام
في كتاب "أفكار ما بعد الحداثة"، يلخص البروفيسور الدكتور إبراهيم أوزدمير تحت عنوان "أخوّة المسلم مع الناس" بعض التطبيقات التاريخية للإسلام. دعونا نستعرض هذه النقاط المهمة ونفكر معاً: هل السلام الذي تبحث عنه البشرية موجود في الإسلام؟
تكريم الإسلام للإنسان
وفقاً للقرآن الكريم، الإنسان هو أشرف المخلوقات، وهو خليفة الله في الأرض، ولذلك فقد مُنح مكانة عظيمة. وقد اعتبر قتل نفس بريئة بمثابة قتل البشرية جمعاء.
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أظهر احتراماً حتى لجنازات غير المسلمين، مما يؤكد أن قيمة الإنسان تسبق انتماءه الديني. وقد أسهم هذا الفهم في ترسيخ تقاليد قائمة على التسامح والحوار بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى.
لا إكراه في الدين
بما أن نظرة المسلمين للآخرين تستند إلى مبادئ القرآن الكريم، لم يُجبر أحد على تغيير دينه أو اعتناق الإسلام تحت الحكم الإسلامي. وهذا نابع من المبدأ القرآني الصريح:{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(البقرة:256)
وعليه، فقد تُرك سكان المناطق المفتوحة أحراراً في عقيدتهم، ولم يُفرض عليهم الإسلام، بل كان عليهم فقط دفع الجزية مقابل حمايتهم.
شدّد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على هذا المبدأ في قوله:
[ألا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ]
وبما أن الإكراه في الدين يتعارض مع جوهر العقيدة الإسلامية، فقد بيّن القرآن أن دور رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التبليغ، وليس إجبار الناس على الإيمان.
دستور المدينة – نموذج للتعايش
عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وضع وثيقة مكتوبة لتنظيم العلاقة بين المسلمين واليهود، تُعرف بـ صحيفة المدينة، وتُعتبر أول دستور لدولة في التاريخ.
ومن بين بنودها:( لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم )وقد ضمنت هذه الوثيقة حرية الدين لليهود وحلفائهم، مما يدل على التزام الإسلام بمبدأ التعايش السلمي.
حماية المسيحيين في نجران
كانت نجران، جنوب مكة، مركزاً للمسيحية في الجزيرة العربية. وعندما عقد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اتفاقية مع أهل نجران، ضمن لهم:
• حماية أرواحهم وأموالهم
• حرية ممارسة دينهم
• الحفاظ على كنائسهم ورجال دينهم
استمرارية المبادئ الإسلامية عبر العصور
بعد وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، واصل الخلفاء المسلمون نفس النهج. ففي عهد أبي بكر الصديق، وجّه قادة جيوشه بعدم المساس بالمدنيين، وعدم قطع الأشجار أو قتل الحيوانات إلا للحاجة. كما عكس عهد عمر بن الخطاب عند فتح القدس نفس المبادئ، إذ ضمن حرية العبادة للمسيحيين، وحمى أماكنهم المقدسة.
الخلاصة
الإسلام ليس دين حرب، بل هو دين سلام قائم على العدل والتسامح. إنه يقدّم نموذجاً متكاملاً لاحترام حقوق الإنسان، وحماية الأقليات، وضمان حرية العقيدة. لذا، فإن السلام الذي تنشده البشرية، يمكن أن تجده في التعاليم الإسلامية الأصيلة.
13
أدلة من القرآن الكريم أن الإسلام ليس دين الإرهاب
لقد لعن القرآن الكريم الإرهاب، ووصف الفوضى والفتنة بأنها من أعظم المصائب. فالإسلام يحرم كل أنواع الإرهاب والظلم والخيانة، ويعارض بشدة أي شكل من أشكال الفوضى والفساد. فالإسلام لا يرد الضرر بالضرر، بل جاء ليقيم العدل، ويكبح جماح النفوس الطاغية، ويهذب الضمائر الإنسانية. لذلك، فإن الإسلام شديد الحساسية تجاه هذه القضايا، حتى إن القرآن الكريم يصف قتل النفس بغير حق بأنه من أبشع الجرائم في حق الإنسانية جمعاء.
يقول الله تعالى:
{مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}(المائدة:32)
كما لعن القرآن الكريم الفتنة والفساد بجميع أشكاله، وحذر من الذين يثيرون الفتن في المجتمع ويفسدون في الأرض:
{ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البقرة:205)
ويؤكد القرآن الكريم أن الفتنة أشد من القتل، حيث يقول الله عز وجل:
{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}(البقرة:217)
إن المسلم الذي يستفيد من هذه الآيات القرآنية لا يحمل في قلبه العداء أو الكراهية أو الوحشية، بل يكون محبًا للسلام والتسامح، حتى مع أعدائه. فالمؤمن الحقيقي هو رسول محبة، وليس لديه وقت للعداوة أو الكراهية.
كما يوضح القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى يحث المؤمنين على منع الأذى والضرر عن الآخرين، حيث يقول:
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}(الحج:40)
أما النبي محمد ﷺ، فقد كان نبي الرحمة والمغفرة، ويقول الله تعالى عنه:
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107)
وقد حذر النبي ﷺ من الفتن وأمر بتجنبها، حيث قال:
[إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ قَتْلاَهَا فِى النَّارِ اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ] (سنن ابن ماجه)
[سَتَكُونُ فِتَنٌ القاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، ومَن يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ، ومَن وجَدَ مَلْجَأً أوْ مَعاذًا فَلْيَعُذْ بهِ](متفق عليه)
الخلاصة:
الإسلام ليس دين عنف أو إرهاب، بل هو دين رحمة وعدل وسلام. يحرم الظلم والفساد والفوضى والفتنة، ويدعو إلى العدل والمحبة والتسامح.