FAQ in the category of المرأة والإسلام

1 ما الفرق بين القرآن والكتب السماوية الأخرى؟

إن الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن الكريم والتي لا تزال موجودة اليوم، ليست النسخ الأصلية التي أوحى الله بها إلى أنبيائه. فقد فُقدت أصولها مع مرور الزمن، وأُعيدت كتابتها على يد البشر، مما أدى إلى دخول التحريف والخرافات إليها.
تحريف التوراة
من المعروف تاريخياً أن التوراة الأصلية التي أنزلت على موسى عليه السلام لم يتم الحفاظ عليها، خاصة بعد تعرض اليهود للأسر والاضطهاد لفترات طويلة، حتى أنهم فقدوا دينهم لفترة وأصبحوا يعبدون الأصنام. وبعد قرون، كتب بعض رجال الدين نسخة جديدة من التوراة، لكنها لم تكن مطابقة للأصل، بل احتوت على تحريفات وأحكام تخالف التوحيد، إضافة إلى إساءات وافتراءات على أنبياء الله.
تحريف الزبور
أما الزبور الذي أوحي إلى داوود عليه السلام، فقد تعرض لما تعرضت له التوراة من فقدان وتحريف، ولم يبق منه النص الأصلي.
تحريف الإنجيل
لم يُدوِّن عيسى عليه السلام بنفسه الإنجيل، لأنه بدأ دعوته في سن الثلاثين، وكانت مهمته قصيرة جدًا (ثلاث سنوات فقط)، قضاها في التنقل بين المدن والقرى للدعوة إلى الله. بالإضافة إلى ذلك، كان تحت مراقبة شديدة من الرومان واليهود، مما لم يسمح له بكتابة الإنجيل أو إملائه على تلاميذه.
الأناجيل الموجودة اليوم ليست نصوصاً إلهية مباشرة، بل كتبها أشخاص لم يكونوا من الحواريين، وإنما سمعوا تعاليم المسيح من أتباعه وكتبوها بأسلوبهم الخاص، مما جعلها أقرب إلى سِيَر تاريخية عن حياة عيسى عليه السلام.
هناك اختلافات كبيرة في المحتوى وطريقة السرد بين الأناجيل، 
إن اختيار الأناجيل المعتمدة اليوم تم في مجمع نيقية عام 325م، حيث اجتمع 1000 رجل دين، وبعد مراجعة مئات الأناجيل، قرر 318 عضواً اعتماد أربعة أناجيل فقط، وهي التي تدّعي ألوهية المسيح، بينما تم إحراق بقية الأناجيل التي لم تتوافق مع هذا المعتقد.
وبالتالي، فإن عقيدة "ابن الله" لم تكن جزءاً من رسالة عيسى عليه السلام، بل تم إقرارها لاحقاً في المجامع الكنسية. حتى أن بعض الكنائس المسيحية رفضت هذه العقيدة ولم تلتزم بها.
لماذا يختلف القرآن عن هذه الكتب؟
على عكس الكتب السابقة، لم يتعرض القرآن لأي تحريف أو تغيير، فقد نُقل إلينا بأدق التفاصيل كما أُنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وحفظه ملايين المسلمين في صدورهم.
وعد الله بحفظ القرآن بنفسه:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجرات:9)
لم يكتبه بشر بعد مئات السنين، بل دُوِّن وجُمِع في حياة الصحابة تحت إشرافهم المباشر.
الخلاصة
التوراة والزبور والإنجيل الأصلية نزلت من عند الله، لكنها لم تُحفظ من التحريف، وفُقدت أصولها مع الزمن.
أما القرآن فهو الكتاب السماوي الوحيد الذي بقي كما أُنزل دون تغيير، وهو الكتاب المحفوظ إلى يوم القيامة.
لهذا السبب، يعتمد المسلمون على القرآن كمصدر أساسي، بينما ينظرون إلى الكتب السابقة بحذر، لأن نصوصها تم تحريفها عبر التاريخ.
 

2 عمر السيدة عائشة عند زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم

بعد عشر سنوات من بداية الوحي، فقد النبي محمد صلى الله عليه وسلم زوجته السيدة خديجة (رضي الله عنها) وهو في الخمسين من عمره. ونظرًا لحاجته إلى زوجة تساعده في شؤون المنزل ورعاية أطفاله، بالإضافة إلى دعم دعوته الإسلامية، تزوج من السيدة سودة (رضي الله عنها)، وهي امرأة مسنة وأرملة، كما تزوج من السيدة عائشة (رضي الله عنها)، ابنة أقرب أصدقائه، أبو بكر الصديق (رضي الله عنه).
طلب النبي صلى الله عليه وسلم الزواج من السيدة عائشة بعد عشر سنوات من بدء الوحي، وكانت قد وُلِدت قبل الوحي بخمس أو ست سنوات، مما يعني أن عمرها عند الزواج كان بين 17 و18 عامًا.

أدلة على أن السيدة عائشة كانت أكبر سناً عند زواجها
يتم التأكيد على أن السيدة عائشة كانت أكبر سنًا عند زواجها من خلال سيرة أختها الكبرى، أسماء بنت أبي بكر. حيث تذكر كتب السيرة القديمة أن:
• أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنها) توفيت عن عمر 100 عام في السنة 73 هـ.
• عند الهجرة، كان عمر أسماء 27 عاماً.
• وبما أن السيدة عائشة كانت تصغر أختها أسماء بعشر سنوات، فهذا يعني أن عمرها عند الهجرة كان 17 عاماً، مما يشير إلى أنها تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم في نفس العمر تقريباً.
• علاوة على ذلك، كانت السيدة عائشة مخطوبة لجبير بن مطعم قبل زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أنها كانت في سن الزواج وقتها.

مصادر هذه المعلومات
هذه التفاصيل موضحة بشكل أكبر في كتاب "عصر السعادة" للعلامة مولانا شبلي، كما وردت في كتاب "خاتم الأنبياء، النبي محمد وحياته" للمؤلفين علي حِمّت بركي وعثمان كسكي أوغلو (ص. 210).

3 مكالمة سكايب بدون حجاب

لا يجوز

لأن النظر إلى ما يجب ستره محرم سواء كان مباشرة أم من خلال صورة أو مرآة

4 حقوق المرأة في الإسلام

في العصور التي سبقت الإسلام، لم تكن المرأة تُعد حتى إنسانًا. أما الإسلام، فقد رفع المرأة إلى المكانة التي تستحقها. 
ثم إن للحرية ليست أن يعيش الإنسان كما يشتهي هو أو شيطانه، بل أن يعيش كما يريد خالقه. لأن من لا يطيع الله، يكون قد أطاع هواه أو الشيطان.
فلنحاول توضيح الحقوق العامة للمرأة بإيجاز:
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ}(النحل:58)
في هذه الآية، يصف الله (عز وجل) نظرة إنسان الجاهلية إلى المرأة، ويُدينها. في المقابل:
{ لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }(الشورى:49-50)
المرأة، كالرجل، تولد بشرًا. فإن ميز الأهل بين الأبناء في المحبة والعطاء، يتحملون المسؤولية. ومن لا يراعِ وصية النبي صلى الله عليه وسلم، يستحق الحرمان من شفاعته. ولأن مشاعر الجاهلية قد تعود أحيانًا في النفوس، فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية تربية البنات وقال:
[مَن عالَ ابنتينِ أو ثلاثًا ، أو أختينِ أو ثلاثًا حتَّى يَبِنَّ ، أو يَموتَ عنهنَّ ؛ كنتُ أنا وهوَ في الجنَّةِ كَهاتينِ . وأشار بأُصْبُعيهِ السبَّابةَ والتي تلِيهَا]
وعند ولادة البنت، يُذبح لها عقيقة كشكر، كما في حال الذكر. ويُعطى لها اسم حسن، وتُوفر لها التربية والتعليم الضروري. لا يوجد أي نص في القرآن أو السنة يشجع على العلم ويستثني النساء. بل على العكس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن النساء قد يُهمَلن، فقد أوصى بهن خيرًا، وأمر بصيانة حقوقهن. وفي زمنه صلى الله عليه وسلم، نشأت نساء عالمات ومجتهدات، مثل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
نشأت المرأة متساوية مع الرجل في التربية، وعند الزواج، لها الحق في رؤية من سيتقدم لها، وهذا حق وسُنّة. وإن لم تُعجب به، فلها أن ترفضه، ولا قيمة لإصرار الأولياء أو العريس.
عند الزواج، لها الحق في المهر الذي تطلبه، وهو حق طبيعي شرعه الله، وضمان لحياتها. وهي حرة في التصرف بهذا المهر أو أي مال تمتلكه في حدود الشرع. يمكنها إنفاقه في الخير، أو استثماره، أو تأسيس شركات، أو المساهمة فيها بأسهم، والربح منها وإنفاقه كيف تشاء. لأن أمنها الاجتماعي مضمون من خلال الزواج، والنفقة على الرجل. ولا يحق له أن يقول لها: "اشتري ملابسك أو زينتك من مالك." بل عليه أن يوفر نفقتها بما يتناسب مع قدرته، وإن لم يستطع، فلا يحق له الزواج. وإن لم ينفق بعد الزواج، فلها الحق في طلب الطلاق ويُستجاب لها.
لا يجوز للزوج أن يهين زوجته، ويجب أن يتذكر أنها شريكة حياته، ولا يحق له أن يهجرها ويتركها وحيدة في المنزل.
[خيرُكُم خَيرُكُم لأَهْلِهِ وأَنا خيرُكُم لأَهْلي]( الترمذي)
ومن واجبات الزوج أن يمازح زوجته، ويُدخل السرور عليها، ويقضي معها أوقاتًا طيبة.
ما لم تتمرّد المرأة على الحقوق والقوانين أو تتمادى في العصيان، فلا يحقّ للرجل أن يضرب زوجته بحجج واهية.
فيما يخصّ ضرب الزوجة يمكن الرجوع إلى الآية 34 من سورة النساء وتفاسيرها،{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}
ولا يحقّ للرجل أن يُزعج زوجته بمداهمات مفاجئة بدافع الغيرة أو الشك المرضي.
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول الرجل المفاجئ ليلاً على زوجته بعد غياب طويل دون إعلام مسبق. وقد ورد في الحديث أن من أسباب هذا النهي هو أن تتهيأ له الزوجة بالاغتسال، والتزين، وإزالة الشعر، وتمشيط شعرها.
وقد ورد في الحديث الشريف:[ إذا قدمَ أحدُكُمْ لَيْلًا ، فلا يأتيَنَّ أَهْلهُ طُرُوقًا ؛ حتى تَسْتَحِدَّ المُغِيبَه ، و تَمْتَشِطَ الشَّعِثَه] (صحيح مسلم) 
وقد ذكر شراح الحديث أن الدخول المفاجئ ليلاً قد يُفهَم كاتهام للمرأة بالخيانة، وهو أمر مرفوض.
كما أن من واجبات الزوج إشباع زوجته جنسيًا. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يُسرع في العلاقة دون الاهتمام بزوجته فيقضي حاجته وينصرف، ، بل نصح بالتريث والملاطفة والمداعبة قبل العلاقة.
[إذا جامعَ أحدُكم أهلَهُ فليَصْدُقْها ثم إذا قضَى حاجتَهُ قبلَ أن تُقضَى حاجتُها فلا يُعْجِلْهَا حتى تَقضِيَ حاجتَها]( أخرجه أبو يعلى)
فالمرأة لا تستثار مباشرة كما هو حال الرجل، وإنما تحتاج إلى فترة مداعبة واستعداد. والرجل الصالح هو من يهيّئ زوجته ويُرضيها كما يُرضي نفسه. أما من يُفكر في نفسه فقط، فقد ظلم زوجته وأذاها باسم اللذة.
يحقّ للمرأة أن تطلب الطلاق إن لم تتم العلاقة الزوجية خلال سنة كاملة من الزواج.
ولها أن تمتنع عن تسليم نفسها للزوج ما لم تستلم مهرها المقدّم.
كما أن علاج المرأة ودواءها ونفقات صحتها من مسؤولية الزوج.
وإذا لم تكن قادرة على صنع الخبز، فعليه أن يشتري لها خبزًا جاهزًا. وإذا أراد منها أن تتزيّن، فتكاليف الزينة والعطور على عاتقه. وعليه اكساءها وشراء حاجتها من الملابس.
وللمرأة أن تأخذ من زوجها النفقة أثناء غيابه في السفر. 
يحقّ للمرأة، حسب وضعها، أن تطلب من زوجها خادمة، وتكون أجرتها عليه.
ولا تُجبر على القيام بأي عمل منزلي يُعد في العرف عيبًا أن تقوم به النساء.
وإذا احتاجت إلى نفقات إضافية، يمكنها أن تتفق مع زوجها على مقدار النفقة الشهرية.
وإن رأت أن المبلغ لا يكفي، فلها طلب الزيادة، وإن رفض، فلها اللجوء إلى القضاء.
وإذا لم ترد المرأة السكن مع أقارب زوجها، فعلى الزوج أن يوفر لها سكنًا مستقلًا، وذلك حتى تتمكن من الاستمتاع والتقرب من زوجها دون إزعاج.
بل إن من حقّها طلب غرفة مستقلة لأي فرد آخر في البيت، حتى لو كان طفلًا لا يعي العلاقة الزوجية.
وللمرأة حق زيارة والديها، ولا يحقّ للرجل منعها.
كما أن لها الحق في العمل في الأعمال المشروعة التي لا تضر بحقوق الزوج.
وفي حال الطلاق الرجعي أو البائن، فإن نفقة المرأة خلال عدّتها من مسؤولية الزوج.
كل ما ذُكر أعلاه لا يُعد توصيات فقط، بل حقوق قانونية ملزمة وموجودة في كافة كتب الفقه.
وإن كانت النساء في بعض المناطق يُجبرن على العمل في أعمال شاقة لا يقدر عليها إلا الرجال، فالمسؤولية لا تقع على الإسلام،
بل على من أبعد الإسلام عن حياتهم.
عندما تكون هناك انتخابات سياسية، فقد قال معظم علماء الإسلام إن للمرأة حق الانتخاب.
لأنه لا يوجد أي دليل شرعي يُثبت أن المرأة لا تملك هذا الحق. علمًا أن الانتخاب في هذا السياق لا يعدو أن يكون "بيعة". وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء أيضًا، كما ورد في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ..}(الممتحنة:12) وتفسيرها.
كما أنه بعد وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جرى أخذ رأي الناس لاختيار الخليفة الجديد، وشمل ذلك حتى الفتيات غير المتزوجات.
وحتى عندما تموت المرأة، فإن كفنها يكون من مال زوجها.
كما هو واضح، فالمرأة في الإسلام تتمتع بأمان اجتماعي كامل ولا تحمل همّ المعيشة.
وكل ما ذُكر هو حقوق قانونية تُحدّد قضائيًا في حال النزاع، لا مجرد توصيات أخلاقية.
ففي الإسلام، العلاقة بين الزوجين ليست صراعًا دائمًا على الحقوق، بل شراكة متكاملة.
هما نصفان يُكملان بعضهما، يتعاونان، يدعمان بعضهما نفسيًا وروحيًا، تمامًا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يساعد في شؤون البيت، وكما قسّم عليّ رضي الله عنه العمل بينه وبين السيدة فاطمة رضي الله عنها.
المرأة في الأسرة:
يؤكد الإسلام أن الرجل والمرأة خُلقا متساويين من حيث الأصل:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ}(الحجرات:13)
كما أن الإسلام لا يرى تفوق أحد الجنسين على الآخر في أصل الخلقة، أو في الولادة والموت وما بعده.
فالإنسان يقف بين يدي الله فردًا، لا يحمل أحدٌ عن أحد شيئًا
{ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}(مريم:93).
والمرأة المؤمنة، التي تعمل الصالحات ولا تنحرف عن طريق الله، يُذكر حالها في القرآن على أنها ممن يُخلدون في الجنة:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النحل:97)
الاختلاف بين الرجل والمرأة إنما هو في الجوانب الجسدية، حيث يُذكر أن المرأة كائن رقيق وضعيف من الناحية البيولوجية، وهذا الاختلاف يؤدي إلى اختلاف في الوظائف بين الجنسين في حياة الفرد والمجتمع، مما يعكس حماية الإسلام للمرأة.
لم يضع الإسلام المرأة في الحضيض كما فعلت الجاهلية،
ولم يُعطها سلطة مطلقة على الأسرة كما في المجتمعات الأمومية.
بل رسم نموذجًا أسريًا يكون لكل فرد فيه دوره الواضح، من دون أن يُظلم أحد، وضمن نظام عادل.
وقد جاء نظام الأسرة في الإسلام ليرفع الظلم عن كلا الجنسين، ويزيل السلوكيات التي قد تُسبب أذى للعلاقة الزوجية.
وقد جعل الإسلام الرجل هو المسؤول الأول عن الأسرة:
{ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ }(النساء، :34)
وفي آية أخرى يقول الله تعالى:{.. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ  وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  }(البقرة:228)
وقد أسند الإسلام مهمة "رئاسة الأسرة" إلى الرجل، كما ورد في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ }(النساء، :34)
وذلك لأن من واجباته تأمين حاجات الأسرة وحمايتها من التأثيرات الخارجية، لذا فإن على عاتقه تقع مسؤولية عظيمة.
وفي المقابل، لا يملك الرجل التدخل في مال المرأة الشخصي ولا يحق له إلزامها بواجبات محددة. بل إن لم ترد المرأة رعاية الأطفال، فلها أن تطلب من زوجها جليسة أو مربية، ويجوز لها الامتناع عن أداء أعمال المنزل. ومع ذلك، فإن قيام المرأة بهذه الأعمال يُعد دلالة على تقواها، وقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم عليها.
إن استمرار الحياة الأسرية في الإسلام مرهون بحفظ الحقوق المتبادلة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:[  ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا](الترمذي)
وطاعة المرأة لزوجها تعني التزامها بواجباتها تجاهه ضمن الحدود الشرعية.

حقوق المرأة على زوجها:
بما أن الرجل مسؤول عن النفقة، فإنه ملزم بتأمين حاجات زوجته المادية ضمن حدود الشريعة الإسلامية { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ }(النساء، :34).
ويجب عليه أن يحسن معاملتها ويحفظ حقوقها:
{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }(النساء: 19)
وقد نهى الإسلام الرجل عن إساءة استخدام منصبه كقائد للأسرة، وجعل الغاية من هذا المنصب حفظ النظام داخل البيت، لا الاستبداد. ولذلك، فإن استعمال الرجل سلطته بطريقة ظالمة حرام.
كما يتيح الإسلام للمرأة استثمار مهاراتها الاجتماعية والعلمية ضمن الإطار المشروع، فيسمح لها بالعمل والتعلم وقد خصص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاً يعظهم فيها، أورد البخاري عن أبي سعيد الخدري [قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن].
والرجل مأمور بحسن معاملة زوجته فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:[ إنَّ المَرْأَةَ كَالضِّلَعِ، إِذَا ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وإنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بهَا وَفِيهَا عِوَجٌ] (البخاري)
وقال:[خيرُكُم خيرُكم لِأهْلِهِ ، وَأَنَا خيرُكم لِأَهْلِي] (الترمذي)
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُوصي الرجال بحسن معاملة النساء، ويُحذر من تعنيفهن.
ولا يجوز ضرب المرأة، بل تُنصح أولاً. وإن تمادت في العصيان، كأن تخرج مع غير المحارم، أو تسرف في المال، أو تفشي أسرار البيت، فيجوز حينها تأديبها بضوابط الشرع، بعد النصح والتدرج في الإنكار، وإن لم ينفع ذلك، يجوز تخويفها بالضرب غير المُبرِّح { .. وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}(النساء، :34).وإن لم يُجْدِ نفعًا، يُمنع الضرب.
حقوق الزوج على زوجته:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ..}(النساء، :34).
{ .. فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ..}(النساء، :34).
على المرأة أن تكون مطيعة لزوجها ضمن الحدود الشرعية، حتى يتمكن من أداء مسؤولياته داخل الأسرة.
أما الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، فهي ليست واجبة شرعًا، لكنها من علامات التقوى، لذا حث الإسلام عليها دون إلزام.
ولا تعني القوامة أن الرجل أشرف أو أفضل، بل إن الرجل مُنح صفات طبيعية جسدية وعقلية تُناسب مهامّ القيادة، لا الفضل والشرف 
في الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم:[ إذا صلَّت المرأةُ خمسَها وصامت شهرَها وحفِظت فرجَها وأطاعت زوجَها قيل لها ادخُلي الجنَّةَ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شئتِ](مسند الامام احمد)
لكن طاعتها لزوجها مقيدة بطاعة الله، فإن أمرها بما يخالف شرع الله، فلا طاعة له.
الحياة الزوجية مبنية على الرضا المتبادل والاحترام والتكامل، فلا يصح تجاهل أحد الطرفين لحاجات الآخر.
وفي العقوبات الدنيوية، لا يوجد فرق بين الرجل والمرأة في الإسلام، فكلاهما يُحاسَب بالعقوبة ذاتها إذا اقترف الجرم ذاته.
أما الإرث، فحصول المرأة على نصف نصيب الرجل لا يُعدّ انتقاصًا من شأنها، بل هو نابع من أن الرجل مُكلّف بالإنفاق، في حين أن المرأة ليست كذلك.
وبالتالي، المرأة تحتفظ بكامل نصيبها من الميراث، ولا يُجبرها الشرع على الإنفاق منه إلا برضاها، بينما الرجل مطالب بالنفقة في جميع الأحوال.

وقد خلق الله المرأة لتكون صاحبة البيت، بينما الرجل مسؤول عن تحصيل الرزق.
فكما أن الرجل مسؤول عن الكسب، فالمرأة مسؤولة عن تدبير ما يدخل إلى البيت من مال وخير. وهي راعية في بيت زوجها.
أما خارج البيت، فلا يلزمها الإسلام بأي مسؤوليات.
قال تعالى:{ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ..}(الأحزاب: 33)
وقد شجّع الإسلام المرأة على القرار في بيتها، لكنه لم يمنعها من الخروج إذا دعت الحاجة، كعدم وجود رجل يقوم بشؤونها، أو عجز الزوج عن النفقة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:[ قدْ أذِنَ اللَّهُ لَكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحَوائِجِكُنَّ] (رواه البخاري ومسلم)
لكن في زمننا، ورغم مراعاة المرأة المسلمة للضوابط الشرعية، فإنها لا تستطيع غالبًا أن تحمي نفسها من الأذى في الأسواق والعمل.
لذلك، فالأفضل للمرأة – ما استطاعت – أن تبتعد عن تلك البيئات.
الإسلام أعفى المرأة من عناء العمل خارج المنزل، وجعل لها دورًا أساسيًا في بيتها، لتجد فيه الكرامة، وتبني أسرة مستقرة.
وهكذا يُعيد الإسلام للمرأة روحها التي أُهينت في مجتمعات مادية لا تُراعي إنسانيتها.
 

5 حدود غض البصر بالنسبة للمرأة

مسألة عورة الرجل التي على المرأة أن تغض البصر عنها اختلفت مذاهب العلماء فيها. والارجح والله أعلم أن عليها أن تغض البصر عما لا يبدو منه في الحالة العادية . وما يبدو منه في الحالة العادية هو الوجه والساعدان والقدمان . وماسوى ذلك مما يستره الرجل عادة تغض البصر عنه. إلا إذا كانت تشعر في نظرها بميل نفسي فعندئذ تغض لا بالنظر إلى كونه عورة أو يجب الغض وإنما خشية الافتتان المؤدي إلى مفاسد والله أعلم

6 زوجات النبي صلى الله عليه وسلم


تعدت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم سنذكر موجزا عن كل واحدة :

1. خديجة رضي الله عنها:
بدأت حياة النبي صلى الله عليه وسلم الزوجية بالسيدة خديجة رضي الله عنها. كان عمره حينها 25 عامًا، بينما كانت تبلغ من العمر 40 عامًا، أي أن الفارق بينهما 15 سنة. و لها مكانة متميزة بين زوجات النبي أمهات المؤمنين، فقد كانت سندًا لرسول الله في تبليغ الرسالة، واسته حين تركه الناس وسخروا منه، و خففت عنه عندما جاءه الوحي لأول مرة قائلة:[ أبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ]
وكانت أول من آمن برسالته. توفيت في السنة العاشرة من البعثة، قبل الهجرة بثلاث سنوات. وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنًا شديدًا على وفاتها، وتزامن موتها مع وفاة عمه أبو طالب، فسُمي ذلك العام بـ"عام الحزن". 
واستمر زواج النبي من السيدة خديجة مدة 25 عامًا، وجميع أولاده منها، عدا إبراهيم. وتوفيت وعمر النبي 50 عامًا، أي أنه قضى شبابه وكهولته مع امرأة واحدة تكبره بـ15 عامًا.

2. سودة بنت زمعة رضي الله عنها:
من أوائل من أسلم، مات زوجها بعد الهجرة إلى الحبشة، وبقيت بلا عائل. فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ليواسيها ويؤمن لها مأوى كريمًا. ولم يكن لها أي طموح دنيوي، بل اكتفت بشرف كونها زوجة للنبي. وكان عمرها 55 عامًا حين تزوجها. والغرض من الزواج بها كان إنسانيًا واجتماعيًا بحتًا.

3. عائشة رضي الله عنها:
هي البكر الوحيدة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ابنة أبي بكر الصديق. كانت ذكية، وذات فطرة نادرة، حفظت الكثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و اخذ عنها المسلمون الكثير من دينهم، وكانت من أكبر المحدثين والمفسرين والفقهاء. توفيت في سنة 57 للهجرة النبوية  

4. حفصة بنت عمر رضي الله عنها:
كانت أرملة، فقد استشهد زوجها في بدر. عرضها والدها عمر على عثمان ثم على أبي بكر، لكنهما لم يوافقا، حتى خطبها النبي صلى الله عليه وسلم. وكان زواجه بها تكريمًا لعمر، ومواساة لحفصة بعد ترمّلها.

5. زينب بنت خزيمة رضي الله عنها:
تزوجها النبي بعد حفصة، وكانت أيضًا أرملة شهيد بدر عبيدة بن الحارث. كانت تبلغ من العمر 60 عامًا عند زواجها. وكانت فقيرة ووحيدة، فسعى النبي لرعايتها. وتوفيت بعد زواجها بسنتين.

6. أم سلمة رضي الله عنها:
من المهاجرات الأوائل إلى الحبشة ثم المدينة. فقدت زوجها في غزوة أحد، وبقيت مع أطفالها أيتامًا. تقدم لخطبتها أبو بكر وعمر لكنها رفضت، ثم قبلت زواج النبي بها. فكان بيت النبي مأوى لأولادها، وكان النبي لهم كأب. وكانت امرأة عاقلة فطنة، أصبحت معلمة ومرشدة للنساء، وكان لزواجها جانب تربوي أيضًا.

7. أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان) رضي الله عنها:
ابنة زعيم قريش أبي سفيان، وكانت من أوائل من أسلم. هاجرت إلى الحبشة مع زوجها، الذي تنصّر ثم مات. فبقيت وحدها، وأرسل النبي إلى النجاشي يطلب زواجها. وكان زواجه بها وسيلة لحمايتها من العودة إلى عائلتها الكافرة أو الضياع، كما أدى لتهدئة أبيها أبي سفيان، وأسهم في إسلامه لاحقًا. كذلك أنشأ الزواج رابطة قرابة مع بني أمية، ما سهّل دخولهم الإسلام لاحقًا.

8. جويرية بنت الحارث رضي الله عنها:
أُسرت في غزوة  بني المصطلق، وكانت ابنة زعيم بني المصطلق. طلبت من النبي أن يعينها على دفع الفداء لتحرير نفسها، فدفع عنها وأعتقها ثم تزوجها. وبسبب هذا الزواج، أطلق المسلمون سراح أسرى قومها، قائلين: "لا نسترق أصهار رسول الله"، فأسلم كثير منهم. وكان زواجه منها في سن الستين، وكان هدفه إنسانيًا وسياسيًا، لإدخال قومها في الإسلام وتحرير الأسرى.

9. صفية بنت حيي رضي الله عنها:
اسمها الأصلي زينب، وهي ابنة زعيم بني النضير، وأمها من بني قريظة. أُسرت في غزوة خيبر بعد مقتل أبيها وزوجها وأخيها، وكانت شديدة الكره للإسلام. لكن النبي تزوجها بعد أن أعتقها، مما لطف من موقفها، وقرّب قومها من الإسلام، وسهّل على المسلمين الاطلاع على مخططات الأعداء.

10. مارية القبطية (أم إبراهيم) رضي الله عنها:
أرسلها المقوقس حاكم مصر للنبي صلى الله عليه وسلم كهدية مع أختها وسفير النبي، فأسلمتا في الطريق. اتخذ النبي مارية لنفسه، ثم أعتقها وتزوجها، وأنجبت له ابنه إبراهيم. كان لهذا الزواج أثر كبير على المصريين، إذ شعروا أن لهم قرابة بالنبي، فلم يساعدوا الروم في حروبهم ضد المسلمين.

11- ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها:
الاسم الأصلي لها كان "برة"، وقد غيّره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى "ميمونة". وهي آخر من تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم. بعد عام من صلح الحديبية، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم مع المسلمين إلى مكة لأداء عمرة القضاء، وفي تلك الفترة عرض عليه عمه العباس الزواج من ميمونة، لأنها كانت أخت زوجته، وقد وكلت إليه أمر زواجها. فقبل النبي صلى الله عليه وسلم هذا العرض وتزوجها.
وعندما علم أهل مكة بهذا الزواج، قالوا: "يبدو أن محمدًا لا يزال يحمل الود والخير لقومه".
كان عمر النبي صلى الله عليه وسلم عند هذا الزواج حوالي ستين سنة، وكان هدفه من هذا الزواج إغاثة أرملة، وإنقاذ امرأة مسلمة تعيش بين المشركين في مكة، وتقديم بادرة حسن نية إلى قريش.

12- السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها:
ولدت السيدة زينب قبل البعثة النبوية بعشرين سنة، وهي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم. من أوائل من آمنوا. وكان اسمها الأصلي "برة"، فغيّره النبي صلى الله عليه وسلم إلى "زينب". والدها من قبيلة بني أسد، ووالدتها "أميمة بنت عبد المطلب" عمة النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت من أوائل المهاجرات إلى المدينة، وهناك كانت غير متزوجة. فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم من زيد بن حارثة، وهو مولاه ومتبناه سابقًا.
كان عصر مكة عصر تأسيس العقيدة، أما عصر المدينة فكان عصر التشريعات. وقد كان زواج السيدة زينب من زيد، ثم من النبي صلى الله عليه وسلم، من أبرز الوقائع التي أبطلت تقاليد الجاهلية الباطلة.
هذا الزواج هو من أكثر الأمور التي استغلها المنافقون والضالون للطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، رغم أنه نتج عنه تشريعات عظيمة. وكان عقد زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب عقدًا إلهيًا من الله مباشرة، كما جاء في القرآن الكريم.
كان من تقاليد الجاهلية الراسخة التمييز الطبقي، وكان من الضروري هدم هذا النظام، وتبيان أن التفاضل عند الله بالتقوى، لا بالنسب أو الطبقة. فحين زوّج النبي صلى الله عليه وسلم ابنة عمته زينب من مولاه زيد، كان يقصد بذلك إزالة هذا المفهوم. لكن زينب وأهلها ترددوا في البداية، لأن المجتمع لم يكن معتادًا على زواج الحرة من عبد معتق.
وعندما نزل قول الله تعالى:{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}(الأحزاب:36)
قالت زينب: "لا أعصي الله ورسوله" ووافقت على الزواج.
لكن الزواج لم ينجح بسبب غياب المودة والانسجام. فرغم تقوى زينب، فإنها كانت تتفاخر بجمالها ونسبها، وكانت تنظر لزيد نظرة دونية. فلم يحتمل زيد ذلك، وأراد تطليقها. والنبي صلى الله عليه وسلم حاول منعه مرارًا، لكنه في النهاية طلّقها.
ثم جاء وقت إزالة تقليد جاهلي آخر، وهو معاملة المتبنّى كابن حقيقي، بحيث تحرم زوجته على من تبناه. لكن الإسلام فرّق بين الابن الحقيقي والمتبنّى. قال الله تعالى:{ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ }(الأحزاب:5)
فصار يُدعى زيد بن حارثة، لا زيد بن محمد.
ولتكريس هذا الحكم، كان لا بد من زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش، بعد أن طلّقها زيد. وقد تردد النبي صلى الله عليه وسلم في البداية خوفًا من كلام الناس، لكن الله أمره بذلك، فقال سبحانه:{ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}(الأحزاب:37)
فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الخامسة للهجرة، وكان عمرها 35 سنة. فاعترض المنافقون وقالوا: "محمد تزوج زوجة ابنه!".
فنزل قوله تعالى:{ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}(الأحزاب:40)
فبيّن القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس أبًا لأحد من أمته نسبًا، ولا يسري عليه حكم الأبوة في هذا السياق.
وهكذا فرّق الإسلام بين أحكام الابن الحقيقي والمتبنّى. وكان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب ضرورة تشريعية عظيمة، رغم اعتراض المنافقين وتطاولهم، وحتى من اتهم النبي صلى الله عليه وسلم باتباع الشهوة.
وقد ردّ الإمام بديع الزمان سعيد النورسي على هؤلاء المتطاولين بقوله:
(حاشَ لله وكلا! ألف ألف مرة كلا! إنَّ يد الشبهات السافلة أَحطُّ من أَنْ تبلغ طرفاً من ذلك المقام الرفيع السامي.

نعم، إن من كان مالكاً لذرة من الإنصاف يعلم أنَّه صلى الله عليه وسلم  من الخامسة عشرة إلى الأربعين من عمره، تلك الفترة التي تغلي فيها الحرارة الغريزية وتلتهب الهَوَسَات النفسانية، قد التزم بالعصمة التامة والعفة الكاملة، بشهادة الأَعداء والأَصدقاء، واكتفى بزوجة واحدة شُبه عجوز، وهي خديجة الكبرى رضى الله عنها. فلابدَّ أن كثرة زواج هذا الكريم العفيف صلى الله عليه وسلم  بعد الأربعين -أي في فترة توقف الحرارة الغريزية وسكون الهَوَسَات- ليست نفسانية بالضرورة والبداهة، وإنما هي مبنية على حِكم مهمَّة، إحداها هي:
إنَّ أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم  وأفعالَه وأحواله وأَطواره وحركاتِه وسكناتِه، هي منبع الدِّين ومصدر الأَحكام والشريعة.)(كليات رسائل النور-المكتوب السابع)
وفي الختام كل هذه الزيجات كانت وراءها حكم إنسانية، دعوية، سياسية، واجتماعية، ولم يكن الغرض منها دنيويًا أو شهوة كما يزعم البعض.

 

 

 

7 حجاب المرأة في الاسلام

الحجاب فطري ومتطلب الفطرة
الحجاب من أهم الوسائل التي تقي من الزنا. إنه أمر فطري وطبيعي. 
الحجاب أمر طبيعي للغاية للنساء، وطبيعتهن تتطلبه. لأن النساء لديهن ميل فطري لأن يحببن أنفسهن، ويتجنبن الكراهية، ولئلا يتعرضن للإهانة. ثم إن نسبة كبيرة من النساء لا يرغبن في كشف أنفسهن للجميع بسبب الشيخوخة أو فقدان الجمال. أو بدافع الغيرة لا يرغبن أن يظهرن أقل جمالًا مقارنة بغيرهن. ومن الطبيعي أن يرغبن بالحجاب خوفًا من الاعتداءات أو التهم أو حتى خشية التعرض لهجوم أو اتهام بالخيانة أمام أزواجهن.
من المعروف أن الإنسان ينزعج من نظرات من لا يحبهم. كما أن المرأة الجميلة، ما دامت سليمة الأخلاق، رقيقة وحساسة وسريعة التأثر، فلا بد أن تشعر بالضيق من النظرات. بل هناك كثير من النساء يشكين قائلين: "هؤلاء الأوغاد يضايقوننا بنظراتهم".
إذن معارضة البعض للحجاب هي في الحقيقة معارضة للقوانين الفطرية والطبيعية المتعلقة بعالم النساء. بينما يأمر القرآن بالحجاب، فهو في الواقع ينقذ النساء من الإذلال والمهانة والعبودية والضياع، ويجعل منهن رموزًا للرحمة وشريكات حياة ثمينة لا تقدر بثمن.
كما أن هناك حياءً فطريًا لدى النساء تجاه الرجال الأجانب أي غير المحارم. وهذا الحياء يقتضي الحجاب. وفطرة المرأة تأمرها بأن تحجب نفسها حتى لا تثير شهوات الرجال الأجانب ولا تفتح المجال للاعتداء. والحجاب بمثابة حصن يحمي المرأة من هذه المخاطر.
ما تعانيه النساء اليوم من أوضاع مؤلمة، وما يعيشه الشباب من أزمة أخلاقية، وما ينتج عن ذلك من آثار جانبية سيئة، هو صفعة في وجه من يعارضون الحجاب ويقولون عنه "عبودية".
العلاقة القوية جدًا بين الرجل والمرأة ليست فقط حاجة دنيوية. فالمرأة ليست شريكة حياة للرجل في الدنيا فحسب، بل ستكون شريكته الأبدية في الآخرة. لذلك، يجب أن لا تهتم المرأة بغير زوجها، ولا تجذب انتباه الآخرين إلى جمالها، ولا تُغضب زوجها أو تغار عليه.
فالرجل المؤمن بسبب إيمانه، علاقته بزوجته ليست مجرد علاقة دنيوية أو مؤقتة لجمالها، بل هي علاقة حب واحترام عميقة تدوم حتى لو شاخت او زال جمالها . ومن الطبيعي أن تخصص المرأة جمالها لزوجها وحده وتظهر حبها له فقط.
سعادة الأسرة تعتمد على الثقة والاحترام المتبادل بين الزوجين. بينما التبرج والسفور يفسدان هذه الثقة ويكسران الاحترام المتبادل.
تكاثر النسل مطلب مرغوب فيه من الجميع. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم] (النسائي). لكن التبرج لا يفيد الزواج، بل يضره. (اليوم، تحاول بعض الدول الأوروبية تقديم حوافز للزواج لإحياء هذه المؤسسة).
بل إن بلادنا لا تُقارن بأوروبا؛ لأن الدول الأوروبية ذات طبيعة باردة، بينما آسيا الإسلامية حارة نسبيًا. ومن المعروف أن البيئة تؤثر على أخلاق الإنسان. والبلدان الحارة بطبعها تُثير الغرائز أكثر، ما يجعل التبرج سببًا للإسراف والانحراف وضعف النسل.
هل يوجد شكل محدد للحجاب في الإسلام؟
لا يمكن القول بأن الإسلام يفرض شكلًا ثابتًا للحجاب. لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة كان لهم زي موحد. الإسلام دين عالمي وشامل، ومن الخطأ حصره في زي معين. حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تظهر تنوعًا في اللباس: أحيانًا إزار، وأحيانًا قميص، وأحيانًا رداء جميل.
في الحديث عن عبد الله بن جابر قال: [رأيتُ رسولَ اللهِ في ليلةٍ إِضْحِيانٍ ، وعليه حُلَّةٌ حمراءُ ، فجعلتُ أنظرُ إليه وإلى القمرِ ، فلهوَ عندي أحسنُ من القمرِ]. كما أن أحد الصحابة طلب من النبي صلى الله عليه وسلم ثوبًا جميلًا فرآه عليه، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إياه.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرض زيًا معينًا، بل كان يلبس ما يتناسب مع المجتمع وعاداته. ما يُقال اليوم عن ارتباط الجلابيب السوداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس صحيحًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الأبيض والملون أحيانًا.
المهم ليس شكل أو لون اللباس، بل ان يكون ساتراً 
الحجاب أمر الله
في الجاهلية، كانت النساء يغطين رؤوسهن ويرخين خمرهن خلف ظهورهن. فجاءت آيات سورة النور (30-31){ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فحرمت هذه الآيات ما كانت تقوم به النساء في الجاهلية ، وتأمر المؤمنات بأن لا يُظهرن زينتهن إلا ما ظهر منها، وأن يسدلن خمرهن على جيوبهن ليغطين رؤوسهن وأعناقهن وصدورهن.
عن عائشَةَ رضيَ اللَّهُ عنها أنها قالَت: [يَرحَمُ اللَّهُ نساءَ المُهاجراتِ الأُوَلَ، لمَّا أنزلَ اللَّهُ: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شقَّقنَ أكنف مروطَهُنَّ فاختمرنَ بِها](البخاري).
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:[ إن المرأةَ إذا بلغت سِنَّ المحيضَ لم يصلُحْ أن يُرَى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهِه وكفَّيه]. (أبو داود).
ما غاية الحجاب؟
غاية الحجاب الشرعي منع ظهور زينة المرأة ومفاتنها أمام الرجال الأجانب. لذا يجب أن يكون الحجاب سميكًا لا يظهر لون البشرة أو الشعر، ولا يصف الجسم. وهذا أمر مؤكد في الكتاب والسنة وإجماع العلماء.
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب: 59).
وافضل اللباس هو لباس التقوى
قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (الأعراف: 26).
الحجاب ليس مجرد لباس، بل الأهم هو التقوى والحياء. فالإنسان وحده خُلق بلا لباس، بينما زوده الله بالحياء وأمره بالتستر، ليمارس دوره كخليفة الله في الأرض.
الحجاب خاص بالإنسان، أما العري فقد عُدّ في كل زمان ومكان علامة على قلة الحياء.
هل المرأة التي لا تتحجب غير عفيفة؟
لا يجوز وصف النساء غير المحجبات بأنهن غير عفيفات. وكذلك لا يعني أن كل محجبة عفيفة. لكن من منظور الأحكام الشرعية، يُعتبر كشف العورات أمام الرجال الأجانب مخالفة لشريعة الإسلامي وللحياء.
هل يمكن تحقيق الحجاب في هذا العصر؟
هذا السؤال يتردد كثيرًا. كان هناك مشهد في إحدى الحافلات: جلست سيدتان مسنّتان، وصعدت فتاتان محجبتان، فقالت إحداهما: (انظري إليهن!)، فأجابتها الأخرى: (نعم، مؤسف حالهن! زماننا ليس كالسابق. لم يعد الحجاب مناسبًا لهذا العصر. بهذا التخلف لن نتقدم خطوة!)
نعم، وللأسف هذا النوع من التفكير شائع في عصرنا. ولكن يجب أن ندرك أن العصر لا يمكن أن يُعتبر معياراً لتحديد الصح والخطأ، أو الخير والشر. هل كوننا نعيش في القرن الحادي والعشرين يجعل الخمر والمخدرات والزنا والربا أموراً جيدة ومقبولة؟ وهل يجعل الصلاة والحجاب والصوم والزكاة والحياء أموراً سيئة ومتخلفة؟! بالطبع لا.
إن الحجاب، وهو أمر إلهي، لا يتغير بتغير الزمان والمكان. وكما أن الصلاة والصيام والزكاة والحج أحكام ثابتة في الإسلام، فكذلك الحجاب حكم ثابت يجب الالتزام به. والزمن لا يغير الأحكام الإلهية، بل يكشف لنا عن مدى صدق المؤمنين وصبرهم على أوامر ربهم.
إن القيم والمبادئ لا تُقاس بتقدم الزمان، بل تُقاس بمدى انسجامها مع الفطرة السليمة والعقل الصريح والوحي الإلهي.
وفي الختام، يمكننا القول إن الحجاب هو أمر فطري وطبيعي، أمر به الإسلام لصيانة كرامة المرأة، وللحفاظ على عفة المجتمع وأخلاقه. والالتزام به ليس تخلفاً، بل هو التزام بأمر الله، واتباع لسنن الفطرة، وحفاظ على القيم الإنسانية الراقية.

8 حكم قيادة المرأة للسيارة

 قيادة المرأة للسيارة تندرج تحت مبدأ الأصل في الأشياء الإباحة

ولا دليل على حرمتها شرعا

9 حكم لبس المرأة ساعة من الفضة

تزين المرأة بالذهب والفضة جائز

والساعة في يد المرأة وسيلة زينة أكثر منها وسيلة استعمال في تصوري

وإذا كان الأمر كذلك فمباح لها تزينها بساعة فضية والله أعلم

10 شهادة المرأة في الإسلام

تعتمد المسائل الأساسية في الفقه الإسلامي على الوحي، وهي موضحة في القرآن الكريم. هذه الأحكام، التي وضعها خالق الكون، تضمن استقرار المجتمعات وسعادتها بغض النظر عن الزمان والمكان والظروف، لأنها تتوافق تماماً مع الفطرة البشرية. عند دراسة الأحكام القرآنية، نلاحظ أنها تراعي الجانبين المادي والروحي للإنسان.
وينطبق هذا الأمر على مسألة الشهادة أيضاً. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
{ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ}(البقرة:282)
يتضح من هذه الآية أن الأمر يتعلق بطبيعة المرأة الفطرية وتركيبتها النفسية. فالمرأة بطبعها أكثر عاطفية وتأثراً بالأحداث، مما يجعل انفعالاتها تلعب دوراً كبيراً في قراراتها. ولذلك، يوضح القرآن أن المرأة قد تنسى بعض التفاصيل أثناء الشهادة، لذا تحتاج إلى امرأة أخرى تذكرها. وهذا أمر قرره الله سبحانه وتعالى، وهو لا يتغير بمرور الزمن.

فإذا قيل هل هناك نساء يتمتعن بذاكرة أقوى من بعض الرجال؟
نعم، بلا شك هناك نساء يتمتعن بذاكرة قوية. لكن هذا الحكم يستند إلى الصفات العامة التي تغلب على النساء، حيث إن النساء عموماً أقل احتكاكاً بالمعاملات التجارية والحياة العامة مقارنة بالرجال، لذا قد يكنَّ أقل دراية بالأحداث الخارجية.

هل في ذلك انتقاص لحقوق المرأة؟
الإسلام لم يقلل من شأن المرأة في الشهادة، بل خفف عنها عبئاً ثقيلًا. فالشهادة مسؤولية عظيمة، ومن يكتمها يعاني من تأنيب الضمير كما يقول الله تعالى:
{ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(البقرة:283)
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم عدَّ شهادة الزور من كبائر الذنوب، والإسلام أراد أن يحمي المرأة من الوقوع في هذا الإثم، خاصة أنها قد تتأثر بمشاعرها أو قد تتسرع في الحكم على الأمور.

هل شهادة المرأة دائماً نصف شهادة الرجل؟
ليس دائمًا، فالأمر يعتمد على نوع القضية:
• في قضايا الحدود كالزنا والسرقة والقصاص، لا تُقبل شهادة المرأة مطلقاً، ويُشترط أربعة رجال أو رجلان في بعض الحالات.
• في المعاملات المالية والتجارية، تُقبل شهادة رجل وامرأتين.
• في الأمور التي لا يطلع عليها الرجال عادةً، مثل الولادة وإثبات العذرية والرضاعة، تُقبل شهادة امرأة واحدة فقط.
حتى في الطلاق، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل شهادة امرأة واحدة. إذن، القاعدة الأساسية في الشهادة هي ضمان تحقيق العدل وعدم ضياع الحقوق، وليس التقليل من شأن المرأة.

ما الحكمة من عدم قبول شهادة المرأة في الحدود والقصاص؟
لأن هذه القضايا خطيرة جدًا، وقد يترتب عليها فقدان حياة شخص بسبب شهادة غير دقيقة. ونظراً لأن النساء قد يكنَّ أكثر تأثراً بعواطفهن أو قد ينسين بعض التفاصيل، فقد يُؤدي ذلك إلى وقوع الظلم. لذا، احتاط الإسلام في مثل هذه القضايا لتجنب أي خطأ قد يؤدي إلى انتهاك حقوق الآخرين.

الخلاصة:
الإسلام لم يظلم المرأة في مسألة الشهادة، بل حماها وخفف عنها عبئاً ثقيلًا، وراعى طبيعتها النفسية والاجتماعية، وضَمِنَ تحقيق العدالة بشكل دقيق ومتوازن.

11 مدرسة امهات المؤمنين

كانت فترة المدينة المنورة هي المرحلة التي نزلت فيها العديد من الأحكام الإسلامية وتم تعليمها للأمة من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الصحابة الرجال يتمكنون دائمًا من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي، وسؤاله عن أي أمر يشكل عليهم، فيحصلون على الإجابات مباشرةً ويتعلمون الأحكام بسهولة. أما بالنسبة للنساء، فلم يكن الأمر بنفس السهولة، فقد كانت لديهن أيضاً أسئلة تحتاج إلى إجابات وأحكام يرغبن في تعلمها.
لذلك، طلبت النساء من النبي صلى الله عليه وسلم أن يخصص لهن يوماً في بيت النبوة ليتمكنّ من الاجتماع به وطرح أسئلتهن والحصول على إجابات شرعية. فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وصارت النساء يجتمعن معه يوماً في الأسبوع ليسألنه عن أمور دينهن.
وفي أحد هذه الدروس، حدث موقف طريف، حيث بدأت النساء يتحدثن بصوت مرتفع أثناء وجودهن مع النبي صلى الله عليه وسلم. وبينما كنّ يتكلمن، مرّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بجانب الباب، فسمع أصواتهن العالية، فانزعج من ذلك وطرق الباب. وما إن رأته النساء حتى سكتن فوراً، وخفّضن أصواتهن.
عندئذٍ قال عمر (رضي الله عنه) معاتباً:
"عجبًا لكن! تهابنني أنا، ولا تهابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!"
فأجبنه بكل صراحة:
"يا عمر، أنت شديد، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كذلك."
لم يكن عمر (رضي الله عنه) مسروراً عندما بدا كأنه على خلاف مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فأدرك ذلك النبي الكريم وطيّب خاطره قائلًا:
"يا عمر، لو سرتَ في طريق، ورآك الشيطان، لغيّر طريقه."
"بيت النبوة".. مدرسة النساء
كان بيت النبوة بمثابة مدرسة للنساء المسلمات، حيث كانت أمهات المؤمنين من أعمدتها الرئيسية، وكنّ بمثابة الطالبات الدائمات وكذلك المعلمات في الوقت نفسه.
وقد وصف الدكتور راشد كُتُك، أستاذ بجامعة مرمرة، هذه الظاهرة قائلًا:
"أحكام الإسلام تشمل الرجال والنساء، لكن هناك أحكام تخص كل جنس على حدة. ولم يكن تعليم الرجال أمراً صعباً على النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان منهم، أما تعليم النساء وإيصال الأحكام إليهن، فكان بحاجة إلى وسيطات يعلمنهن. ولذلك، فإن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كنّ يمثلن هيئة تعليمية للنساء المؤمنات. وكان منزلهن مدرسة، وكنّ معلماتها."
وقد استمرت هذه المهمة حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل زادت أهميتها مع مرور الوقت.
"مدرسة أهل الصُّفّة" و"مدرسة امهات المؤمنين"
في المدينة، كان للنبي صلى الله عليه وسلم مدرستان رئيسيتان:
1. مدرسة أهل الصُّفّة، التي كانت مخصصة لتعليم الصحابة الرجال، وكان على رأس طلابها أبو هريرة (رضي الله عنه)، الذي روى عن النبي (5374) حديثاً.
2. مدرسة امهات المؤمنين، التي كانت مخصصة للنساء، وكانت رائدتها السيدة عائشة (رضي الله عنها)، التي جاءت في المرتبة الرابعة بين أكثر الصحابة روايةً للحديث، حيث روت 2210 حديثاً.
أهمية مدرسة امهات المؤمنين في حفظ الإسلام
الإسلام هو الدين الخاتم، وقد جاء بتشريعات تغطي جميع جوانب الحياة. وكان تدوين هذه الأحكام وتعليمها للناس من أولى المهام في عصر السعادة، حيث كانت تفاصيل الدين تُحدَّد وفقاً لما يرضي الله في كل لحظة من لحظات حياة المسلمين.
ومن خلال أمهات المؤمنين، وخاصة السيدة عائشة (رضي الله عنها)، تم نقل جزء كبير من الأحكام الشرعية، لا سيما المتعلقة بالنساء. فلو لم تكن هناك مدرسة "امهات المؤمنين"، ولو لم تكن السيدة عائشة جزءاً منها، لفُقِد نصف أحكام الإسلام تقريباً!
وهكذا، كان بيت النبوة مدرسة عظيمة، وحملت أمهات المؤمنين مسؤولية نشر العلم ونقل تعاليم الإسلام للأجيال القادمة.

12 حكم الحجاب وخطورة التبرج

وردت في القرآن الكريم آيتان واضحتان بشأن الحجاب، حيث يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}(الأحزاب:59)
{وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}(النور:31)
توضح هذه الآيات الكريمة وجوب التزام المرأة المسلمة بالحجاب، ولكن دون تحديد تفصيلي لأجزاء الجسم التي يجب تغطيتها.

وقد جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم ليبيّن ذلك بوضوح، حيث قال مخاطباً أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها:[ يا أسماءُ إنَّ المرأةَ إذا بلغتِ المَحيضَ لم يصلُح أن يُرى منْها إلَّا هذا وَهذا. وأشارَ إلى وجْهِهِ وَكفَّيْه](رواه أبو داود).

الحجاب فرضٌ وليس خيارًا
بناءً على هذه النصوص، فإن تغطية المرأة لرأسها، مع ستر العنق والصدر، فرضٌ من الله ورسوله، وهو جزء من العفة والطهارة التي أمر بها الإسلام. وترك الحجاب يعد تهاوناً في أحد الأحكام الشرعية، مما يجعل المرأة في موضع الإثم، حيث أن كشف الشعر هو تخلٍّ عن فريضة إلهية، وبالتالي فهو محرم.
التوبة والاستغفار لمن تركت الحجاب

من رحمة الله أنه يقبل توبة عباده، فقد قال تعالى:
{ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}(آل عمران: 135-136)

خطر التهاون بالحجاب وأثر الذنوب على القلب
يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أثر الذنوب على القلب، حيث يقول:
[ إنَّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداءُ في قلبِه ، فإن تاب ، ونزع ، واستغفر صقَل منها ، وإن زاد زادت حتَّى يُغلَّفَ بها قلبُه ، فذلك الرَّانُ الَّذي ذكر اللهُ في كتابِه : {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}]
ثم إن الذنب يقود إلى غيره، وقد يصل الأمر إلى الإنكار الباطني لأحكام الله، فالتهاون في الحجاب قد يؤدي إلى التهاون في غيره من الواجبات، بل وقد يصل بالإنسان إلى إنكار الحساب والعقاب، والاعتراض على أوامر الله.

كيف نتجنب هذه المخاطر؟
لحماية النفس من وساوس الشيطان، يجب على المسلم أن يسارع إلى التوبة ويبتعد عن أي ذنب قد يبعده عن الله. ومن ذلك، الالتزام بالحجاب وعدم التهاون به، فهو حماية للمرأة وصيانة لها، وهو أمر إلهي لا ينبغي التساهل فيه.
اللهم اجعلنا من الطائعين لأوامرك، والمتبعين لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
 

13 الرد على منكري الحجاب

في الجاهلية، كان كثير من الناس يفتقرون إلى التربية والأدب، وكانت الأخلاق والعفة مجرد شعارات بلا تطبيق. وكما هو الحال اليوم، كانت النساء تكشف عن أجسادهن وتتباهين بذلك. فجاء الإسلام، رحمة من الله، ليصلح هذه الفوضى الأخلاقية، وأمر بجملة من التشريعات والتوجيهات، كان من بينها فرض الحجاب على المرأة، وذلك بارتداء الجلباب.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}(الأحزاب:59)

ما هو الجلباب؟
 قال الخليل بن احمد الفراهيدي:( كل ما يستر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب والكل تصح إرادته هنا، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي بدنها ورجليها، وإن كان يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فإدناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين) (السراج المنير، ج3، ص271).

حكم الحجاب في الإسلام
المرأة المسلمة ملزمة بتغطية جميع جسدها عدا الوجه والكفين. فإن كانت تؤمن بوجوب الحجاب لكنها لا تلتزم به، فإنها آثمة لكنها لا تخرج من الإسلام. أما من ينكر وجوبه، فإنه بذلك يخرج عن الدين ويصبح مرتدًا.

التحريف في تفسير النصوص
محاولة تقديم تفسيرات باطلة لا يقبلها الإسلام، بهدف إضعاف إيمان الناس وتشويه تعاليم الدين، تُعدّ نوعًا من الضلال والانحراف.
 

14 أخت تسأل عن العمل في تصوير حفلات النساء

ان كانت النساء ملتزمات بلباسهن ضمن ما يجوز لهن بين بعضهن لن تتحملي سوء استعمال الصورة خارج الحفل فهذه مسؤوليتهن

فاذا كانت هناك نساء يتجاوزن الحدود المسموحة  فيلبسن ألبسة فاضحة فلا يجوز لك النظر إليهن فضلاً عن تصويرهن

 

15 مصافحة النساء في المجتمعات الغربية

 الحكم المطلق يتبع علته ولا يتبع حكمته. من المعلوم أن اتقاء الشهوة الجنسية حكمه لحرمة المصافحة وليس علة منضبطة له، لذا فالحرمة تبقى مطلقة ولا تقيدها حالات الحكمة ، ولكن قد ترد الرخصة لسبب شرعي كحرج شديد تقع فيه المرأة، مما قد يجعلها تسيء إلى الرجل كأن ترفع دعوى عليه بحجة إيذائه لمشاعرها ، كما قد حصل في بعض الأحيان.

 

16 حكمة تعدد زوجات النبي

دعونا نبدأ ببحث هذا الموضوع من زاوية شخصيته الطاهرة. قبل كل شيء، يجب أن يُعلم أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي كان في قمة مكارم الأخلاق، لم يتزوج حتى بلغ الخامسة والعشرين من عمره. وإذا أخذنا بعين الاعتبار خصوصية المناخ الحار في تلك البلاد، فإن محافظته على عفته طوال تلك الفترة، واعتراف الناس بذلك في الماضي والحاضر، يدلّ بوضوح على أن العفة كانت من أهم صفاته، وأنه كان يتحلى بإرادة عظيمة وتحكم قوي في شهواته. ولو كان قد وقع منه خطأ بسيط في هذا المجال، لما تردد أعداؤه في الماضي والحاضر عن نشر ذلك على الملأ. ومع أن هؤلاء الأعداء اتهموه بأشياء لا تُصدَّق، إلا أنهم لم يجرؤوا على أن يقولوا شيئًا في هذا الجانب.
لقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أول مرة عندما كان في الخامسة والعشرين من عمره، وكانت هذه الزيجة - بنظر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - زواجًا عظيمًا واستثنائيًا. لكنها كانت من امرأة تبلغ من العمر أربعين عامًا، وكانت قد تزوجت مرتين من قبل. واستمر هذا الزواج السعيد ثلاثًا وعشرين سنة كاملة، ثم انتهى في السنة الثامنة من البعثة النبوية، مخلفًا وراءه ألم الفقد ومرارة الحنين. وبعد وفاة زوجته خديجة رضي الله عنها، عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى حياة الوحدة، كما كان قبل زواجه، وظل أعزب مرة أخرى قرابة أربع أو خمس سنوات. وكان حينها قد بلغ من العمر ثلاثًا وخمسين سنة.
ومن هنا، تبدأ باقي زيجات النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا السن، أي في مرحلة يقل فيها تعلق الإنسان بالزواج والنساء. وفي بلد حار مثل الحجاز، لا يمكن من الناحية العقلية أو العادلة أن تُفسَّر هذه الزيجات بدوافع إنسانية أو شهوانية، لأن ذلك لا ينسجم مع العقل ولا مع العدل.
وتجدر الإشارة إلى نقطة أخرى، وهي أن النبوة نفسها قد اقتضت تعدد الزواج لدى النبي صلى الله عليه وسلم:

أ- أولًا، يجب أن يُعلم أن الذين يثيرون هذه المسألة هم إما أشخاص لا يؤمنون بأي دين أو مبدأ، وهؤلاء لا يملكون الحق في إدانة هذا الأمر، لأنهم أنفسهم لا يتقيدون بأي قانون أو مبدأ، ويقيمون علاقات مع عدد كبير من النساء دون ضوابط، بل قد يبيحون حتى الزواج من المحارم. أو أن هؤلاء من أتباع أديان أخرى قائمة على كتب معينة، وهجومهم في الغالب يكون غير منصف، مليئًا بالحقد، وغير مبني على بحث أو تفكير، وهو أمر يبعث على الأسف من جهتهم هم أنفسهم.
لأن في كتبهم، بل وفي سِيَر أنبيائهم الذين يؤمنون بهم، هناك أنبياء عظام تزوجوا بعدد كبير من النساء، وكان لهم زيجات كثيرة. على سبيل المثال، إذا نظرنا إلى النبيين سليمان عليه السلام وداود عليه السلام، فإن أتباعهم يظهرون بوضوح أنهم غير منصفين في الاعتراض على هذا الأمر. إذًا، لم يكن تعدد الزوجات شيئًا ابتدعه نبينا صلى الله عليه وسلم، كما أن تعدد الزوجات ليس مخالفًا لروح النبوة. بل كما سيتضح لاحقًا، فإن لهذا التعدد فوائد كثيرة تتجاوز ما يمكن تصوره من الناحية النبوية والعملية.
نعم، إن تعدد الزوجات يكون في بعض الأحيان ضروريًا خصوصًا للأنبياء الذين يأتون بشريعة جديدة. لأن هناك كثيرًا من جوانب الدين تحصل داخل محيط الأسرة وفي خصوصيات الحياة الزوجية، ولا يمكن أن يُنقل هذا العلم بدقة إلا من خلال زوجة النبي نفسها. ولتوضيح هذه الجوانب من الدين دون حاجة إلى تعبيرات غامضة أو تلميحات – التي قد تصعّب الفهم والتطبيق – يكون من الضروري أن تكون هناك نساء معلمات (مرشدات) قادرات على بيان هذه الأمور بوضوح كامل.
وهكذا، فإن زوجات النبي الطاهرات، اللواتي كنّ يعشن في بيت النبوة، كنّ بمثابة معلمات وناقلات لرسالة الإسلام إلى النساء، ومن هذا المنطلق، فإن وجودهن كان ضروريًا، بل لا غنى عنه، سواء للنبي نفسه، أو للنبوة كرسالة، أو لعالم النساء عامة.

ب- مسألة أخرى تتعلق عمومًا بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي:

1. نظرًا لتنوع أعمار زوجاته بين كبيرات في السن، ومتوسطات، وصغيرات، فقد أمكن من خلالهن استنباط أحكام شرعية متعددة تتعلق بمراحل الحياة المختلفة. وبفضل وجود هؤلاء الزوجات الطاهرات في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، كان بالإمكان تطبيق هذه الأحكام عمليًا.

2. ولكون كل زوجة من قبيلة مختلفة، فقد نشأت أولًا أواصر المحبة بين تلك القبائل والنبي صلى الله عليه وسلم، ثم في جميع الجماعات التي صار بينها وبينه صلة نسب. فكل قبيلة كانت تعتبر النبي صلى الله عليه وسلم واحدًا منها، وتربطها به علاقة عاطفية وقرابة نسبية بالإضافة إلى الصلة الدينية.

3. وكل امرأة من تلك القبائل كانت تصبح بعد زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم مصدرًا هامًا لخدمة الدين، سواء في حياته أو بعد وفاته. فكانت تقوم بدور الناقلة الأمينة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأحكام الدين، فتبلغها لأقاربها البعيدين والقريبين. وهكذا كانت قبائلهن – رجالًا ونساء – يتعلمون منه صلى الله عليه وسلم القرآن والتفسير والحديث، ويطلعون على روح الإسلام من خلاله.

4. ومن خلال هذه الزيجات، أصبح النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه قد أقام صلة قربى مع كل أرجاء جزيرة العرب، وصار ضيفًا مألوفًا في بيوت الناس كافة. فصار بإمكان الجميع أن يقتربوا منه، ويتعلموا منه أوامر الدين. وفي الوقت نفسه، كانت كل قبيلة من هذه القبائل تشعر أنها الأقرب إليه وتفخر بذلك.

ج- ما سبق كان يتعلق بالجوانب العامة، وبعضها يشمل أنبياء آخرين أيضًا. والآن ننتقل إلى الجوانب الخاصة، وننظر في الخصائص الفردية لكل زوجة من زوجاته صلى الله عليه وسلم:
نعم، سنرى هنا أيضًا أن العقل البشري يتضاءل أمام حياة ذلك النبي المباركة، التي ساندها الوحي. وبعبارة أخرى، فإن التفكير البشري ينحني خاشعًا أمام هذا العقل النبوي الذي يسير في ظل الوحي.

1. أول زوجاته كانت السيدة خديجة رضي الله عنها. تزوجها وهي تكبره بخمس عشرة سنة. وكان زواجه بها نموذجًا عظيمًا يُحتذى به في كل زيجة. وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم طوال حياته وفيًّا لها، مخلصًا لذكراها العزيزة، فلم ينسها بعد وفاتها قط، وكان دائم الذكر لها في كل مناسبة.
وبعد وفاتها، لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم لمدة أربع أو خمس سنوات، مع أنه كان يعول العديد من الأيتام، فقام برعايتهم، وكأنه يؤدي دور الأم والأب في آنٍ واحد. ولو كان لديه ميل شخصي نحو النساء كما يدعي البعض، هل كان سيتصرف بهذا الشكل؟!

2. ثاني زوجاته – وإن لم تكن حسب الترتيب الزمني – كانت عائشة الصديقة رضي الله عنها. وهي ابنة أحبّ أصحابه إليه، أبو بكر الصديق رضي الله عنه. لقد كانت مكافأة نبوية عظيمة أن يخص النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأسرة بهذه الزيجة.
وقد نالت السيدة عائشة، وأبوها رضي الله عنهما، شرف القرب المادي والمعنوي الكامل من النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت هي نفسها ذكية، فريدة، مهيأة لأن تكون وارثة للرسالة النبوة، و مثال للعلم والدعوة.
لقد كانت محدّثة، ومفسّرة، وفقهية، استوعبت جميع جوانب حياة النبي صلى الله عليه وسلم.فكانت زوجة ومعلمة وداعية في آنٍ واحد.

3. أما الزوجة الثالثة – وإن لم تكن أيضًا حسب الترتيب الزمني – فهي أم سلمة رضي الله عنها. وهي من بني مخزوم، ومن أوائل من أسلموا، وقد عانت كثيرًا في مكة، ثم هاجرت إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وكانت من السابقين الأولين.
وكان معها زوجها الذي شاركها هذه الرحلة الشاقة الطويلة، وكان في نظرها رجلاً لا يُعوّض. وبعد أن توفي زوجها أبو سلمة في المدينة، بقيت مع أطفالها وحيدة، تتحمل مشاق الحياة، بعيدة عن أهلها ووطنها، مثقلة بأعباء الأرامل.
وقد تقدم لخطبتها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، لكنها رفضتهما، لأنها لم ترَ في أحد بديلًا لزوجها الراحل، الذي كان في نظرها لا يُضاهى.
وأخيرًا، تقدَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه لخطبة أم سلمة، وكان هذا الزواج طبيعيًا للغاية، إذ إن هذه المرأة الفريدة التي لم تبخل بشيء في سبيل الإسلام والإيمان، وكانت قد عاشت طويلًا في أحد أشرف بطون العرب، قد أصبحت الآن وحيدة لا يمكن أن تُترك للتسول. خاصة إذا نظرنا إلى ما تحمّلته من أجل الإخلاص والصدق والدين، فإنه كان لا بد أن يُمدّ لها يد العون. وهكذا، حين ضمّها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصمته، كان هذا بمنزلة مدّ يد الرعاية إليها.
نعم، ما فعله كان استمرارًا لنهجه منذ شبابه: رعاية اليتامى والمحتاجين، لكن بما تقتضيه ظروف ذلك الزمن.
وكانت أم سلمة كـعائشة رضي الله عنها: ذكية، ذات قدرات ومؤهلات علمية، تحمل صفات المعلّمة والداعية. لذا، من جهة كانت يد الرحمة تأويها وتحميها، ومن جهة أخرى كانت تُقبَل في مدرسة العلم والدعوة كطالبة سيكون لها فضل كبير ستشكرها عليه النساء إلى يوم القيامة.
وإلا، فكيف يمكن تفسير زواج النبي صلى الله عليه وسلم – وهو في نحو الستين من عمره – من امرأة أرملة لها أبناء كثيرون؟ كيف نفسّر ذلك إلا بأنه محض رحمة وعطاء؟! أما أن يُنسب ذلك إلى شهوة أو حب للنساء، فذلك مما لا يقبله عقل ولا منطق، قطعًا وجزمًا!

4. ومِن زوجاته أيضًا: رملة بنت أبي سفيان (أم حبيبة) رضي الله عنها.
ابنة رجل كان لوقت طويل رمزًا للكفر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته... لكنها كانت من أوائل من أسلم ووقف في الصف الأول، وهاجرت إلى الحبشة، وهناك رأت من المصائب ما يعجز عنه الوصف: فقد ارتدّ زوجها واعتنق النصرانية، ثم مات، فترمّلت في الغربة.
وكان الصحابة آنذاك قليلين عدداً وفقيرين مالاً، ولم يكن أحد منهم قادرًا على إعالتها أو مشاركتها أعباء الحياة. فما الذي يمكن لأم حبيبة أن تفعله؟ إما أن تغيّر دينها وتلجأ إلى النصارى، أو تعود إلى بيت أبيها – دار الكفر – أو تبدأ بالتسوّل على الأبواب. وكل تلك الخيارات لا تليق بهذه المرأة المؤمنة العفيفة. لم يكن هناك حلّ إلا أن يتدخل النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه.
وهكذا، تم زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم في حضرة النجاشي، وكان هذا من أوجب مقتضيات الرحمة. فبدلاً من استنكار هذا الزواج، كان يجب أن يُحتفى به ويُصفّق له، لأنه تطبيق عملي لوصفه صلى الله عليه وسلم بـ {رحمة للعالمين}.
ثم إن هذه المرأة العظيمة، كأمثالها، كانت تملك طاقات هائلة يمكن أن تسهم بها في حياة المسلمين، رجالاً ونساءً. فدخلت بيت النبوة زوجةً وطالبةً، وتحوّلت إلى منارة علم وهداية.
وبهذه الزيجة، أصبح أبو سفيان وأسرته يدخلون بيت النبي صلى الله عليه وسلم بلا تكلّف، ما ساعد على تقارب القلوب، وتغيير النظرة، وتليين المواقف. وليس أبو سفيان فقط، بل كل بني أمية تأثروا بهذا الزواج، حتى يمكن القول إن هذه الأسرة، التي عُرفت بغلظتها وانغلاقها، قد لانَت وسهُل مدخلها إلى الخير ببركة هذا الزواج.

5. ومِمَن دخلن بيت السعادة أيضًا: زينب بنت جحش رضي الله عنها.
امرأة شريفة النسب، عميقة الروح، قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم، نشأت بجواره. حين خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة رضي الله عنه، ترددت أسرتها، ثم أبدت رغبة في تزويجها للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن النبي أصرّ على تزويجها لزيد.
وكان زيد رضي الله عنه مملوكًا سابقًا، أعتقه النبي صلى الله عليه وسلم وتبنّاه. وأراد النبي من خلال هذا الزواج أن يرسّخ مبدأ المساواة بين الناس، وأن يبدأ بذلك بأقرب الناس إليه. لكن، زينب ذات الفطرة الرفيعة، وإن أطاعت الأمر، لم تستطع الاستمرار في هذا الزواج، فكان مليئًا بالمعاناة لكلا الطرفين.
وبعد فترة، وقع الطلاق، لكن النبي صلى الله عليه وسلم حاول جهده أن يثني زيدًا عن ذلك. وفي هذه اللحظة، نزل الأمر الإلهي بواسطة جبريل عليه السلام بأن يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب.
وكان هذا ابتلاءً عظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان أول من يُكسر به عرفٌ قديمٌ راسخ في الجاهلية: أن زوجة الابن بالتبني كأنها محرّمة كزوجة الابن الحقيقي. وكان هذا الزواج إعلان حرب على ذلك الموروث، ولم يكن ليقع إلا بأمر إلهي صريح.
وقد عبّرت عائشة رضي الله عنها عن مدى صعوبة الأمر بقولها: "لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآيات"، في إشارة إلى ما نزل في سورة الأحزاب عن زواج النبي من زينب.
لكن، كانت الحكمة الإلهية تريد أن تُدخل هذه المرأة الطاهرة بيت النبوة، لتكون منارات العلم والإرشاد والدعوة. وهو ما حدث بالفعل، فقد عاشت حياة نزيهة كزوجة نبي، ملتزمة بأعلى درجات الأدب.
كما أن هذا الزواج جاء لإلغاء عادة جاهلية، كانت تعتبر المتبنى كابن حقيقي، ويُحرم زواجه من زوجة الابن بالتبني. فأنزل الله قوله:
{ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ }(الأحزاب: 4).

6. و ايضاً مِمَن دخلن بيت السعادة: جويرية بنت الحارث رضي الله عنها.
كانت من قوم حُوربوا، وأُسر رجالهم ونساؤهم، وكانت أميرة من بيت ملوك، حطّم الأسر كبرياءها، وملأ قلبها غضبًا.
فلما جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كانت مشاعرها في غاية الاضطراب. وهنا، تصرّف النبي صلى الله عليه وسلم بحكمة شديدة، وطلب الزواج منها، فارتفع شأنها إلى أن أصبحت "أم المؤمنين"، وأصبحت محل احترام الصحابة جميعًا.
ولما قال الصحابة: "لا نأسر أقارب النبي"، أطلقوا سراح من عندهم من الأسرى، فتحوّل موقف قومها تمامًا، وانقلبت العداوة إلى محبة، وأُسّس للسلام بدلًا من الصراع.
وهكذا، حتى في سن الستين، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الزيجات، يحلّ أعقد المشاكل الاجتماعية والقبلية والدينية، وينشر الأمن والسلام في مجتمع مليء بالاضطرابات.

7. ومن النساء اللواتي نلن شرف الزواج بالنبي صلى الله عليه وسلم: صفية بنت حيي (رضي الله عنها).
كانت ابنة أحد أمراء خيبر. في غزوة خيبر المشهورة، قُتل والدها، وأخوها، وزوجها، وأُسر قومها. كانت صفية (رضي الله عنها) تمتلئ غضبًا وحقدًا، وتحترق برغبة في الانتقام. لكن عندما عقد النبي صلى الله عليه وسلم عليها النكاح، وارتفعت إلى مقام "زوجة النبي" الذي يكنّ له المؤمنون كل الاحترام، تغيّر كل شيء. إذ رأى الصحابة (رضي الله عنهم) يحيطون بها بالاحترام، وتأثرت بسموّ خلق النبي صلى الله عليه وسلم وروحه الطاهرة التي تذيب القلوب، فنست كل ما جرى، وبدأت تفتخر بكونها زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بها أتاح لكثير من اليهود أن يروا النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب، ويعرفوه على حقيقته، ما مهّد لتليين قلوبهم. فالله سبحانه وتعالى، الذي يخلق من كل أمرٍ حكمًا ومنافع كثيرة، جعل من هذا الزواج – كما في غيره – خيرًا كثيرًا.
ومن جهة أخرى، يمكننا أن نستشف من هذا الزواج تعليمًا للأمة حول أهمية معرفة أحوال العدو من الداخل، فزواج النبي صلى الله عليه وسلم من نساء من قوم آخرين، كالصفية، قد يكون له دور كبير في فهم الأعداء من الداخل، بشرط أن تُؤمن المرأة، وألا يُؤتمن الخائن على الأسرار.

8. ومن النساء المباركات اللواتي تشرّفن بدخول بيت النبي صلى الله عليه وسلم: سودة بنت زمعة (رضي الله عنها).
كانت من الأوائل الذين أسلموا، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، ثم ترمّلت بعد وفاة زوجها، ووجدت نفسها وحيدة بلا معين، على غرار ما حصل مع أم حبيبة.
فمدّ لها النبي صلى الله عليه وسلم يد العون، وجبر كسر قلبها، وضمّها إلى عصمته. ولم تكن سودة تطلب من الدنيا شيئًا سوى أن تكون في كنف النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا، يتضح أن كل زواج للنبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل حكمة ومصلحة، ولم يكن لأي منها دافع نفسي أو شهواني. بل كما كان يربط نفسه بأبي بكر وعمر عبر مصاهرة بناتهم، كان أيضًا يختار النساء لِما يراه فيهن من كفاءة واستعداد لخدمة الدين، أو لحكمة اجتماعية أو سياسية.
والمعجزة لا تقف عند هذا الحد، بل تتجلى كذلك في قدرته صلى الله عليه وسلم على توفير السكن والغذاء والكسوة لعدد كبير من الزوجات، بأعدل صورة ممكنة، ومعاملة كل واحدة بعدل بالغ ودقة عظيمة، مانعًا لأي خلاف قد ينشأ بينهن، أو معالجًا إياه بلين وسهولة.
كما قال برنارد شو: "ذلك الرجل الاستثنائي الذي يحلّ أعقد المشكلات بيسر شرب فنجان قهوة."
فإذا كنا نحن نعلم كم هو صعب إدارة بيت فيه امرأة واحدة وطفلان، فكيف بهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم الذي استطاع إدارة بيوت متعددة، فيها نساء جئن من خلفيات وطبائع مختلفة، ومع ذلك سادها الانسجام كأنها قصيدة موزونة.
ولا يبقى سوى نقطة واحدة مهمة: وهي أن عدد زوجاته كان أكثر مما أُبيح لأمته.
لكن هذا كان حكمًا خاصًا به صلى الله عليه وسلم، ينطوي على حكم ومصالح نعلم بعضها ونجهل كثيرًا منها. فلفترة أُعطي الإذن بالزواج دون تحديد عدد، ثم نزلت الآية التي وضعت الحد وأوقفت ذلك: { لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ }(الأحزاب: 52).

9. ومن زوجاته أيضًا: حفصة بنت عمر بن الخطاب (رضي الله عنها).
هي أم المؤمنين، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابنة الفاروق عمر رضي الله عنه. وُلدت حفصة قبل البعثة النبوية بخمس سنوات. كانت أمها زينب بنت مظعون، أخت الصحابي الجليل عثمان بن مظعون.
لا يُعلم بالتحديد متى أسلمت حفصة، لكن يُرجّح أنها أسلمت مع أبيها عمر، حيث أسلم بعده معظم أفراد أسرته.
تزوجت حفصة أولًا من خُنيس بن حُذافة السهمي، وهو من المهاجرين إلى الحبشة. وتُشير بعض الروايات إلى أن حفصة رافقته في تلك الهجرة، ثم رجعا إلى المدينة.
شارك زوجها في غزوة أحد وأُصيب فيها إصابة خطيرة، أدت إلى استشهاده لاحقًا في المدينة، واهتمت حفصة بجراحه بنفسها، وحزنت عليه حزنًا شديدًا.
عندها، حاول عمر رضي الله عنه أن يزوجها لرجل صالح، 
كما في الحديث أن عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ قال:[أتَيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ، (الذي كان قد فقد زوجته رقيّة بنت النبي صلى الله عليه وسلم) فَعَرَضْتُ عليه حَفْصَةَ، فَقالَ : سَأَنْظُرُ في أمْرِي، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقالَ: قدْ بَدَا لي أنْ لا أتَزَوَّجَ يَومِي هذا، قالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَقُلتُ: إنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أبو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيَّ شيئًا، وكُنْتُ أوْجَدَ عليه مِنِّي علَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأنْكَحْتُهَا إيَّاهُ]
ففرح عمر فرحًا شديدًا، وكان يتمنى هذا القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يجرؤ على عرض الأمر بنفسه، لعلمه أن حفصة – كما قالت عائشة – "كانت كأبيها"، أي شديدة وقوية الشخصية. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا الزواج أن يكافئ عمر، ويقرّبه إليه، ويُشجعه على خدمته للدين.
تم الزواج في السنة الثالثة من الهجرة، وأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم مهرًا قدره 400 درهم .
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، عاشت حفصة حياةً زاهدة بسيطة، وروت نحو 60 حديثًا، بعضها عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وبعضها عن والدها عمر.
كانت تجيد القراءة والكتابة، وتوفيت سنة 45 هـ على الأرجح، وقيل: سنة 41 هـ، 

17 ميراث المرأة والمساواة

ميراث المرأة والمساواة
أ. وضع المرأة قبل الإسلام
من المزاعم التي تُطرح للطعن في عدالة الإسلام هي أن المرأة تُعطى نصف ما يُعطى للرجل في الميراث، وكأن هذا يُثبت تفضيل الرجل على المرأة وينفي المساواة بينهما. غير أن الواقع ليس كذلك. فإعطاء المرأة نصف حصة الرجل لا علاقة له بتمييز الرجل أو تفضيله، بل العكس تمامًا. فالإسلام أنقذ النساء والأطفال من الظلم الذي كانوا يتعرضون له في الجاهلية، حيث كانوا يُحرمون من الميراث. وقد منحهم الإسلام حقوقًا قانونية ومنحهم نصيبًا في التركة.
قال تعالى:
 {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} (النساء: 7)
في العصر الجاهلي، لم يكن للمرأة حق في الميراث إطلاقًا، بل كانت تُورث كما تُورث الأشياء، ولا يرث إلا من يستطيع القتال وحمل السلاح. وكان ميراث الميت يُقسم بين أقرب الذكور القادرين على الحرب، ولم يكن للأم أو الأخوات أو الأطفال الصغار أي نصيب. وحتى في المدينة المنورة قبل الإسلام، لم يكن الصغار ولا الأمهات يرثن، بل فقط البالغون من الذكور.
فلما نزل قوله تعالى:
{ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ ...} (النساء: 11)
اعترض المشركون وقالوا: "يُعطى للمرأة ربع أو ثمن، وللبنت النصف، وللصغير نصيب، وهؤلاء لا يركبون الخيل ولا يقاتلون!".
هذا الاعتراض يوضح كيف كانت تُقاس قيمة الإنسان في الجاهلية بمدى مساهمته الاقتصادية. أما الإسلام فقد جاء بمنظور مختلف يقوم على العدل الإلهي وليس المعايير الاقتصادية أو الجسدية.
وفي حادثة واقعية، جاءت زوجة الصحابي سعد بن الربيع رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو أن عمّ بناتها أخذ مال زوجها بعد استشهاده في أحد، ولم يترك للبنات شيئًا، مع أنهن لن يستطعن الزواج بدون مال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سيقضي الله في ذلك". فنزلت آيات الميراث.
هكذا أعاد الإسلام للمرأة والطفل مكانتهما القانونية والشرعية، ومنحهم حق الإرث، الذي كانوا محرومين منه. ولذا فإن من يدّعي الدفاع عن حقوق المرأة يجب عليه أن يُثني على هذا الإصلاح الثوري الذي قام به الإسلام في مجتمع قَبَلي، بدلاً من مهاجمة الإسلام.
بل إن القرآن لم يكتف بإعطاء الأبناء نصيبًا، بل ذكر صراحة نصيب الأم، والبنت، والأخت، والجدّة، والحفيدة، وغيرهن من النساء، وبيّن لكل منهن نصيبًا مفروضًا لا يمكن تغييره لا بالوصية ولا بالعُرف.
ب. الآيات المتعلقة بميراث المرأة
من الواضح أن الإسلام منح المرأة حق الميراث كما منح الرجل. والاعتراض الشائع هو أنها تأخذ نصف ما يأخذه الرجل. غير أن هذه المعلومة غير دقيقة وتقوم على قراءة مبتورة للآيات. 
فالتفصيل كالتالي:
1.    المرأة تأخذ نصف نصيب الرجل فقط في حالة واحدة، وهي عندما تكون أختًا أو بنتًا لرجل يتقاسمان التركة من نفس الوالدين.
قال تعالى:
{ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ ...}(النساء: 11)
إذا كان للميت بنات فقط، أكثر من اثنتين، فلهن الثلثان من التركة. وإذا كانت بنتًا واحدة، فلها النصف {...فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ...}(النساء: 11)

2.    في حالة وفاة أحدهم وله أولاد، فالأب والأم يرثان السدس كل منهما. أما إذا لم يكن له أولاد، فالأم ترث الثلث. وإذا كان له إخوة، فالأم ترث السدس. {... وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ..}(النساء: 11)
3.    الزوجة ترث الربع إذا لم يكن للزوج أولاد، والثُمن إذا كان له أولاد. [النساء: 12] {... وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ..}(النساء: 12)
إذن، القول بأن "المرأة تأخذ نصف الرجل" ليس صحيحًا على الإطلاق في جميع الحالات، بل يعتمد على نوع العلاقة وعدد الورثة الآخرين.
ج. لماذا يأخذ الرجل ضعف نصيب المرأة؟
يبدو من النظرة الأولى أن في ذلك ظلمًا، لكن بالتمعن يظهر أن ذلك هو العدل بعينه، للأسباب التالية:
1.    العبء المالي على الرجل: الإسلام كلف الرجل بالنفقة على زوجته، وبناته، وأمه، وأحيانًا أخواته. أما المرأة فلا تكلف بالإنفاق على أحد. إذًا من الطبيعي أن يُعطى الرجل أكثر لأنه مُلزَم بمصاريف أكثر.
2.    المرأة ليست ملزمة بالإنفاق من مالها: حتى وإن كانت غنية، فلا يلزمها الشرع بالإنفاق على أحد. أما الرجل فملزم بالنفقة حتى وإن كان فقيرًا.
قال بديع الزمان سعيد النورسي: ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ {ﻓﻠﻠﺬﻛﺮ ﻣﺜﻞُ ﺣﻆِّ ﺍلاﻧُﺜﻴﻴﻦ}ﻣﺤﺾُ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﻋﻴﻦُ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ.
ﻧﻌﻢ، ﺇﻥَّ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻋﺪﺍﻟﺔٌ؛ لأﻥَّ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﻜﺢ ﺍﻣﺮﺃﺓ ﻳﺘﻜﻔﻞ ﺑﻨﻔﻘﺘﻬﺎ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍلأﻛﺜﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻓﻬﻲ ﺗﺘﺰﻭﺝ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻭﺗﺬﻫﺐ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭﺗﺤﻤِّﻞ ﻧﻔﻘﺘَﻬﺎ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺘـلاﻓﻲ ﻧﻘﺼَﻬﺎ ﻓﻲ ﺍلإﺭﺙ.
3.    المرأة تحصل على مهر وهدايا عند الزواج، ولا تُجبر على الإنفاق من مالها، بينما الرجل يصرف من ماله على الزواج والبيت والأسرة. حتى إن كانت المرأة عازبة أو أرملة، فهي في كفالة أبيها أو أخيها، ولهما مسؤولية إعالتها.
4.    الرجل يمكنه أن يعطي أخته من نصيبه، دون أن يمنعه أحد، وهذا يُعتبر تبرعًا أو هدية، ولا حرج فيه.
5.    البعد النفسي والاجتماعي: في أغلب المجتمعات، البنت تُنظر إليها على أنها "ستنقل مال الأسرة إلى عائلة أخرى". لذا فقد يؤدي تساوي الحصص بين البنت والولد إلى تآكل المحبة والرحمة بين الإخوة.
قال النورسي:(ﺛﻢ ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ ﺭﺣﻤﺔٌ؛ لأﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺒﻨﺖ ﺍﻟﻀﻌﻴﻔﺔ ﻣﺤﺘﺎﺟﺔ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﺇﻟﻰ ﺷﻔﻘﺔ ﻭﺍﻟﺪﻫﺎ ﻭﻋﻄﻔِﻪ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﺇﻟﻰ ﺭﺣﻤﺔ ﺃﺧﻴﻬﺎ ﻭﺭﺃﻓﺘﻪ ﺑﻬﺎ ﻓﻬﻲ ﺗﺠﺪ، ﺣﺴﺐ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻲ، ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﻔﻘﺔ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻭﺍﻟﺪﻫﺎ ﻭﻋﻄﻔﻪ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻜﺪّﺭﻫﺎ ﺣﺬﺭ، ﺇﺫ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭﺍﻟﺪُﻫﺎ ﻧﻈﺮﺓ ﻣﻦ لا ﻳﺨﺸﻰ ﻣﻨﻬﺎ ﺿﺮﺭﺍً، ﻭلا ﻳﻘﻮﻝ ﺑﺄﻧﻬﺎ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﺳﺒﺒﺎً ﻓﻲ ﺍﻧﺘﻘﺎﻝ ﻧﺼﻒِ ﺛﺮﻭﺗﻲ ﺇﻟﻰ ﺍلأﺟﺎﻧﺐ ﻭﺍلأﻏﻴﺎﺭ. ﻓـلا ﻳﺸﻮﺏ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﻔﻘﺔَ ﻭﺍﻟﻌﻄﻒَ ﺍلأﺑﻮﻱ ﺍﻟﺤﺬﺭُ ﻭﺍﻟﻘﻠﻖُ.
ﺛﻢ ﺇﻧﻬﺎ ﺗﺮﻯ ﻣﻦ ﺃﺧﻴﻬﺎ ﺭﺣﻤﺔً ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ لا ﻳﻌﻜّﺮﻫﺎ ﺣﺴﺪٌ ﻭلا ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ، ﺇﺫ لا ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺃﺧﻮﻫﺎ ﻧﻈﺮ ﻣَﻦ ﻳﺠﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻨﺎﻓﺴﺎً ﻟﻪ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺒﺪﺩ ﻧﺼﻒ ﺛﺮﻭﺓ ﺃﺑﻴﻬﻤﺎ ﺑﻮﺿﻌﻬﺎ ﻓﻲ ﻳﺪ ﺍلأﺟﺎﻧﺐ. ﻓـلا ﻳﻌﻜﺮ ﺻﻔﻮَ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺣﻘﺪٌ ﻭﻛﺪﺭ).
وإذا لم يُقبل تقسيم الله للحقوق، فسينشأ الظلم. وقد رأينا كثيرًا من النزاعات والمشاكل العائلية، والضغط على البنات للتنازل عن حقوقهن في الميراث.
لذلك، فإن ما فعله الإسلام من إعطاء الرجل حصة أكبر في بعض الحالات يتماشى مع عبء المسؤوليات المالية عليه. أما المرأة، فحتى إن كانت فقيرة، فإن المجتمع الإسلامي يكفلها ويصونها.
ولو لم يكن هذا الحكم من الله العادل الحكيم، لقلنا إنه لا عدالة على الأرض.
الخلاصة:
نظام الإرث في القرآن أحد أكثر المواضيع تفصيلًا. والنظر إلى الموضوع من زاوية "المساواة المطلقة" فقط هو خطأ كبير. فالقرآن ينظر إلى "العدالة" وليس فقط "المساواة"، ويُفرّق بين الرجل والمرأة حسب المسؤوليات والاحتياجات. لذا فإن إعطاء المرأة نصف ما يأخذه الرجل في بعض الحالات لا يدل أبدًا على تفضيل الرجل، بل هو توزيع عادل يتناسب مع التكليفات والواجبات، ويهدف إلى تحقيق التوازن في الأسرة والمجتمع.
إذا لم تُراعَ هذه الاعتبارات، وتُرك الأمر للعادات البشرية والأنانية، فلن يكون هناك عدل حقيقي، بل صراعات لا تنتهي. أما إذا طُبقت أحكام القرآن بحكمة، فسيتحقق العدل الحقيقي، والتراحم داخل الأسرة، وستزدهر الطبقة المتوسطة، مما يدل على أن النظام الإسلامي ليس فقط شرعيًا، بل أيضًا إنسانيًا واجتماعيًا متوازنًا.
 

18 الحِكمة من الحجاب

مبدأ أن "الاسم يدل على المعنى" ينطبق تماماً على الحجاب، حيث إن تغطية المرأة تجعلها جوهرة مصونة، تزداد قيمتها بالحفاظ عليها وصونها.
الطريقة التي نعامل بها الأشياء تحدد قيمتها، فالاسم الذي نمنحه لها يمنحها صفات معينة، وهذه الصفات تحدد مكانتها.
ومن أسماء الله الحسنى "الستّار"، الذي يعني شرعاً مَن يستر العيوب ويغطيها. ومنه اشتُقَّت كلمة "التستر" التي تعني الستر والاحتجاب.
حتى زمن قريب، كان الحجاب يُعتبر رمزاً للشرف، لكن بعض الناس الذين ابتعدوا عن الفطرة لم يعودوا يرونه كذلك.
عند التأمل في تاريخ الأمم، نجد أن الأصل والطبيعي هو الحجاب، فقد كان في بعض الثقافات رمزاً للشرف والمكانة، بينما كان العري علامة على الانحطاط والمهانة، وكان يُستنكر عبر التاريخ من معظم الشعوب.
يخبرنا القرآن الكريم بأن الحجاب هو "وسيلة للتعريف بالمرأة واحترامها وحمايتها من الأذى"، كما في قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}(الأحزاب:59)

الحكمة من الحجاب
- التعريف والتقدير:
الحجاب يُعرّف المرأة كإنسانة ذات قيمة، وهو ليس فقط لتعريفها للناس، بل ليجعلها معروفة بين جميع المخلوقات، بحيث تتعامل معها باحترام.
- الكرامة والحماية:
الحجاب يعكس كرامة المرأة ويحميها من أذى الآخرين، ويجعل المجتمع يتعامل معها بعناية واحترام.
- الانتماء للأمة الإسلامية:
ارتداء الحجاب يعني الانتماء لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو جزء من الهوية الإسلامية.
- حفظ الفطرة:
الحجاب يعزز الفطرة السليمة للمرأة، حيث يجعلها تدرك أنها كائن ثمين يستحق الحماية، تماماً كما تحافظ الأمة الإسلامية على شرفها ونقاءها.
- وجود من يحميها:
عندما تحافظ المرأة على حجابها، فهي تلقائياً تضمن أن يكون هناك من يساندها ويحميها، كما حدث مع الصحابية التي دافعت عنها الأمة عندما أُهينت في سوق بني قينقاع.

المرأة بطبيعتها مستورة
الحجاب ليس مجرد زي، بل هو صفة أصيلة في المرأة، تعكس حياءها وعفتها. فالمرأة بحكم فطرتها مستورة، وهذا الحجاب يحفظ لها هذه الفطرة النقية.
 

19 المرأة في الشريعة الإسلامية؟

حصلت المرأة على المكانة والقيمة التي تستحقها من خلال الدين الإسلامي، ووجدت فيه الطمأنينة والسعادة التي كانت تتوق إليها عبر التاريخ. لقد أزال الإسلام مظاهر الإفراط والتفريط في العلاقات بين الرجال والنساء، وأقام توازناً وانسجاماً كاملين بين الجنسين.
وفقاً للإسلام، فإن الرجل والمرأة متساويان تماماً من حيث كونهما مخلوقين من قبل الله. كما جاء في القرآن الكريم:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات:13)
ويقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: [الناس سواسية كأسنان المشط] 

تكامل المرأة والرجل
الرجل والمرأة هما جزءان مكملان لبعضهما البعض، وهذا ما يعبر عنه القرآن الكريم في قوله:
{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}(البقرة:187)
فاللباس يستر العيوب، ويحمي من البرد والحر، وهكذا الرجل والمرأة يكمل كل منهما الآخر ويغطي نقائصه. لذا فإن الجدال حول أي الجنسين أكثر تفوقاً هو أمر غير مجدٍ.
وكما أوضح القرآن الكريم، يتمتع الرجل ببعض الصفات التي قد لا تتوفر لدى المرأة، والعكس صحيح. فكلاهما يحتاج إلى الآخر، ولكلٍ منهما ميزات وتفوقات متبادلة. لهذا فإن المقارنة بينهما بنفس المعايير تؤدي إلى استنتاجات خاطئة. يقول الله تعالى:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}(النساء:34)

معيار التفاضل في الإسلام
لا يوجد في الإسلام تمييز في القيمة بناءً على الجنس، بل إن التفاضل عند الله يقوم على التقوى والعمل الصالح فقط، كما ورد في قوله تعالى:
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(الحجرات:13)
ويؤكد القرآن أن الرجال والنساء المؤمنين الذين يعملون الصالحات سيحصلون على الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النحل:97)

العادات الجاهلية التي أزالها الإسلام لصالح المرأة
رفض الإسلام الاعتقادات السائدة بين اليهود والنصارى بأن المرأة كائن ملعون، كما حرم بشدة عادة وأد البنات التي كانت منتشرة في الجاهلية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:[لا طيَرةَ ، ولا صفرَ ، ولا هامَّة] مبيّناً أنه لا يوجد شيء اسمه "نحس" أو "سوء طالع"، مما ألغى الاعتقاد بأن المرأة مصدر شؤم.
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال بالإحسان إلى النساء قائلاً: [اسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا] كما رفع من شأن البنات، حيث قال:[مَن عالَ جارِيَتَيْنِ حتَّى تَبْلُغا، جاءَ يَومَ القِيامَةِ أنا وهو وضَمَّ أصابِعَهُ]  
الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة

1. الحق في النفقة
الرجل ملزم بالإنفاق على زوجته وأولاده، وتأمين متطلباتهم من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، وليس للمرأة أي التزام مالي تجاه الأسرة.

2. الأهلية القانونية
المرأة في الإسلام لها أهلية قانونية كاملة، فلها الحق في امتلاك وإدارة أموالها الخاصة دون الحاجة إلى إذن من أحد.

3. حق الميراث
خلافاً للأنظمة القانونية الأخرى السائدة وقت ظهور الإسلام، أعطى الإسلام المرأة حق الميراث. ورغم أن هناك حالات تأخذ فيها المرأة نصف نصيب الرجل، إلا أن هذا التقسيم له حكمته وأسبابه العادلة.

4. الحق في التعليم
أكد الإسلام على أهمية تعليم المرأة، واعتبرها المربية الأساسية للأجيال. لذلك كان هناك العديد من النساء العالمات في الحديث والفقه والأدب عبر التاريخ الإسلامي.

5. حق العمل
يمكن للمرأة أن تمارس أي مهنة لا تتعارض مع تعاليم الدين والأخلاق.

6. حقوق أخرى
للزوجة حق المطالبة بالمهر، كما أن الزوج ملزم بحسن معاملتها، ولا يجوز له التعدي على حقوقها أو معاملتها بقسوة.

قيادة الأسرة
رغم أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها، إلا أنه جعل الرجل هو القائم على الأسرة، وذلك ليس بسبب تفوقه، ولكن بسبب مسؤوليته في الإنفاق ورعاية الأسرة، كما قال تعالى:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}(النساء:34)
وهذا لا يعني أن الرجل أعلى من المرأة في القيمة، بل إنه دور تكاملي لتوزيع المسؤوليات بينهما