لما لم يصرح القرآن بخوارق المدنية
الأستاذ: منير توران
المقام الثاني
من الكلمة العشرين
لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء
"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"
جوابانِ مُهمَّانِ عن سؤالينِ مُهمَّينِ أحدُهما: السؤال الاول: لَـمَّـا كانَ القرآنُ الكريم قد نـزَلَ لأجلِ الإنسانِ، فلِمَ لا يُصرِّحُ بما هو المهمُّ في نظرهِ من خوارقِ المدنيةِ الحاضِرَةِ؟ وإنَّما يكتفي برمزٍ مستترٍ، وإيماءٍ خَفيٍ، وإشارةٍ خفيفةٍ، وتنبيهٍ ضعيفٍ فحسب؟ فالجوابُ: إنَّ خوارقَ المدنيةِ البشريةِ لا تستحقُّ أكثرَ من هذا القدْرِ، إذ إنَّ الوظيفةَ الأساسيَّةَ للقرآنِ الكريمِ هي تعليمُ شؤونِ دائرةِ الرُّبوبيةِ وكمالاتها، ووظائفِ دائرةِ العبوديةِ وأحوالِـها؛ لذا فإنَّ حقَّ تلك الخوارقِ البشريةِ وحِصَّتَها من تلك الدائرتَينِ مُجرَّدُ رمزٍ ضعيفٍ وإشارةٍ خفيةٍ ليسَ إلّا.. فإنَّها لو ادَّعت حقوقَها من دائرةِ الرُّبوبيةِ، فعندَها لا تحصلُ إلّا على حقٍ ضَئيلٍ جدًا. فمثلا: إذا طالبتِ الطائرةُ البشريَّةُ القرآنَ الكريمَ قائلةً: أعطِني حقًّا للكلامِ، وموقعًا بين آياتِكَ؛ فإنَّ طائراتِ دائرةِ الربوبيةِ، تلكَ الكواكبُ السيَّارةُ والأرضُ والقمرُ، ستقولُ بلسانِ القرآنِ الكريمِ: إنّكِ تستطيعينَ أن تأخذي مكانَكِ هنا بمقدارِ جِرمك لا أكثرَ. وإذا أرادَتِ الغَوَّاصةُ البشريةُ موقعًا لنفسها بين الآياتِ الكريمةِ فستَتَصدَّى لها غواصاتُ تلك الدائرةِ؛ التي هي الأرضُ السَّابحةُ في محيطِ الهواءِ، والنُّجومُ العائمةُ في بحرِ الأثيرِ قائلةً: إن مكانَكِ بيننا ضَئيلٌ جدًا يكادُ لا يُرى!. وإذا أرادتِ الكهرباءُ أن تدخلَ حرَمَ الآياتِ بمصابيحها اللامعةِ أمثالِ النُّجومِ، فإنَّ مصابيحَ تلك الدائرةِ التي هي الشموسُ والشُّهبُ والأنجمُ المُزيِّنةُ لوجهِ السَّماءِ، سترُدُّ عليها قائلةً: إنَّكِ تستطيعينَ أن تدخلي معنا في مباحثِ القرآنِ وبيانِه بمقدارِ ما تمتلكينَ من ضوءٍ! ولو طالبَتِ الخوارقُ الحضاريَّةُ بلسانِ صناعاتِها الدَّقيقةِ بحقوقِها وأرادَت لها مقامًا بين الآياتِ.. عندَها ستصرخُ ذبابَةٌ واحدةٌ بوجهِها قائلةً: اسكتُوا.. فليسَ لكم حقٌّ، ولو بمقدارِ أحد جناحَيَّ هذينِ! ولَئن اجتمعَ كلُّ ما فيكُم من المصنوعاتِ والاختراعاتِ التي اكتُشفَت اكتسابًا بإرادةِ الإنسانِ الجزئيةِ مع جميعِ الآلاتِ الدقيقةِ لديكُم، لن تكونَ أعجبَ بمقدارِ ما في جِسميَ الصغيرِ جدًا من لطائفِ الأجهزةِ ودقائقِ الصَّنعةِ؛ وإنَّ هذهِ الآيةَ الكريمةَ تبهتُكم جميعًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج:73). وإذا ذهبَت تلكَ الخوارِقُ إلى دائرةِ العبوديَّةِ وطلبَت منها حقَّها فستَتَلقَّى منها مثلَ هذا الجوابِ: إنَّ علاقَتَـكم مَعنا واهيةٌ وقليلةٌ جدًا، فلا يُمكنُكُم الدُّخولُ إلى دائرَتِنا بسهولةٍ، لأنَّ منهجَنا هو: أنَّ الدنيا دارُ ضيافةٍ، وأنَّ الإنسانَ ضَيفٌ يلبَثُ فيها قليلًا، ولهُ وظائفُ جمَّةٌ، وهو مُكَلَّفٌ بتحضيـرِ وتجهيزِ ما يحتاجُه لحياتِهِ الأبديةِ الخالدةِ في هذا العُمُرِ القَصيرِ، لذلك يجبُ عليهِ أن يقدِّمَ ما هوَ الأهمُّ والألزمُ. إلّا أنَّه تبدو عليكُم على اعتبارِ الأغلبيةِ ملامِحُ نُسجَت بحبِّ هذه الدُّنيا الفانيةِ تحت أَستارِ الغفلةِ والَّلهوِ، وكأنها دارٌ للبقاءِ ومُستقرٌ للخلودِ؛ لذا فإنَّ حظَّكم من دائرةِ العبوديةِ المؤسَّسةِ على هُدى الحقِّ والتَّفكرِ في آثارِ الآخرةِ قليلٌ جدًا. ولكن.. إن كانَ فيكُم أو من ورائِكُم من الصُنَّاعِ المهَرةِ والمخترعينَ الملهَمين وهم قِلَّةٌ وكانوا يقومونَ بأعمالهم مخلِصينَ لأجلِ منافعِ عبادِ الله وهي عبادةٌ ثمينةٌ ويبذلونَ جهدَهم للمصلحةِ العامَّةِ وراحتَهم لرقيِّ الحياةِ الاجتماعيَّةِ وكمالِها، فإنَّ هذهِ الرموزَ والإشاراتِ القرآنيةَ كافيةٌ بلا ريبٍ لأولئكَ الذَّواتِ المرهفي الإحساسِ، ووافيةٌ لتقديرِ مهاراتِهم وتشويقِهم إلى السَّعي والاجتهادِ.

التعليقات