نظرة القرآن للعلوم المادية

الأستاذ: منير توران

 

 

الكلمة التاسعة عشرة

تَخصُّ الرسالةَ الأحمديةَ

أمَّا إجمالُ القرآنِ الكريمِ بعضَ المسائلِ الكونيَّةِ وإبهامَهُ في بعضٍ آخرَ فهو لمعةُ إعجازٍ ساطعٍ وليسَ كما تَوهمهُ أهلُ الإلحادِ من قُصورٍ ومدارَ نقدٍ. فإن قلتَ: لأيِّ شيءٍ لا يبحثُ القرآنُ عن الكائناتِ كما يبحثُ عنها فنُّ الحكمةِ والفلسفَةِ؟ فَيَدعُ بعضَ المسائلِ مُجمَلًا ويذكرُ أخرى ذكرًا ينسجمُ مع شُعورِ العوامِ وأفكارِهم فلا يَمسُّها بأذًى ولا يُرهِقُها بل يَذكُرُها سَلِسًَا بسيطًا في الظَّاهرِ؟ نقول جوابًا: لأنَّ الفلسفةَ عَدَلتْ عن طريقِ الحقيقةِ وضلَّتْ عنها، وقد فهمتَ حتمًا من الدروسِ والكلماتِ السَّابقةِ أنَّ القرآنَ الكريمَ إنَّما يبحثُ عن الكائناتِ استطرادًا، للاستدلالِ على ذاتِ الله وصفاتِهِ وأسمائِهِ الحسنى، أي يُفهِمُ معاني هذا الكتابِ، كتابِ الكونِ العظيمِ كي يُعرِّف خالقَهُ، أي أنَّ القرآنَ الكريمَ يستخدمُ الموجوداتِ لخالقِها لا لأنفسِها، فضلًا عن أنَّه يخاطبُ الجمهورَ، وعلى هذا، فمادامَ القرآنُ يستخدمُ الموجوداتِ دليلًا وبُرهانًا، فمن شرطِ الدَّليلِ أن يكونَ ظاهرًا وأظهرَ من النتيجةِ أمامَ نظرِ الجمهورِ. ثم إنَّ القرآنَ مادامَ مرشدًا فمن شأْنِ بلاغةِ الإرشادِ مماشاةُ نظرِ العوامِ، ومراعاةُ حِسِّ العامةِ ومُؤانسةُ فكرِ الجمهورِ، لِئلا يتوحَّشَ نظرُهُم بلا طائلٍ ولا يَتشوَّشَ فكرُهُم بلا فائدةٍ، ولا يَتشرَّدَ حسُّهم بلا مصلحةٍ، فأبلغُ الخطابِ معهم والإرشادِ أن يكونَ ظاهرًا بسيطًا سهلًا لا يُعجزهُم، وجيزًا لا يُمِلُّهُم، مُجملًا فيما لا يلزمُ تفصيلُهُ لهم، ويضربُ بالأمثالِ لتقريبِ ما دَقَّ من الأمورِ إلى فَهمهِم. ولأنَّ القرآنَ مُرشدٌ لكلِّ طبقاتِ البشر، تستلزمُ بلاغةُ الإرشادِ أن لا يَذكُرَ ما يُوقِعُ الأكثريةَ في المغلطةِ والمكابرةِ مع البديهياتِ في نَظرِهِم الظَّاهريِّ، وأن لا يُغيِّرَ بلا لزومٍ ما هوَ مُتعارَفٌ مَحسوسٌ عندَهُم، وأن يهملَ أو يجملَ ما لا يلزمُ لهم في وظيفتهِمُ الأصليَّةِ. فمثلًا: يبحثُ عن الشَّمس لا للشمسِ، ولا عن ماهيَّتِها، بل لمن نوَّرَها وجعلَها سراجًا، وعن وظيفتِها بصيرورتها محورًا لانتظامِ الصَّنعةِ ومركزًا لنظامِ الخِلقةِ، وما الانتظامُ والنظامُ إلا مرايا معرفةِ الصَّانعِ الجليلِ؛ فيُعرِّفُنا القرانُ بإراءةِ نظامِ النَّسجِ وانتظامِ المنسوجاتِ كمالاتِ فاطرِها الحكيمِ وصانِعِها العليمِ، فيقولُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ ، ويفهِّمُ بها وينبهُ إلى تصرفاتِ القُدرة الإلهيةِ العظيمةِ في اختلافِ الليلِ والنَّهارِ وتَناوبِ الصَّيفِ والشِّتاءِ، وفي لفتِ النَّظرِ إليها تنبيهُ السَّامعِ إلى عظمةِ قُدرةِ الصَّانعِ وانفرادِهِ في ربوبيَّتِهِ؛ فمهما كانت حقيقةُ جريانِ الشَّمسِ وبأيِّ صورةٍ كانت لا تُؤثِّرُ تلك الحقيقةُ في مقصدِ القرآنِ في إراءةِ الانتظامِ المشهودِ والمنسوجِ معًا. ويقولُ أيضًا: ﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴾ (نوح:16)، ففي تعبيرِ السِّراجِ تصويرُ العالمِ بصورةِ قَصرٍ، وتَصويرُ الأشياءِ الموجودةِ فيهِ في صورةِ لوازمِ ذلك القصرِ، ومُزيَّناتِهِ، ومطعوماتِهِ لسكَّانِ القصرِ ومُسافِريهِ، وإحساسٌ أنَّه قد أحضَرتها لضيوفِه وخُدَّامِهِ يدُ كريمٍ رحيمٍ؛ وما الشَّمسُ إلَّا مأمورٌ مُسَخَّرٌُ وسراجٌ مُنوَّرٌ؛ ففي تعبير السِّراجِ تنبيهٌ إلى رحمةِ الخالقِ في عظمةِ ربوبيَّتِه، وإفهامُ إحسانِهِ في سَعةِ رحمتِه، وإحساسُ كرمِه في عظمةِ سَلطنتِهِ. فالآنَ استمعْ ماذا يقولُ الفلسفيُّ الثَّرثارُ في الشَّمسِ، يقولُ: «هي كتلةٌ عظيمةٌ من المائعِ الناريِّ تدورُ حولَ نفسِهَا في مُستقرِّها، تطايرَت منها شراراتٌ وهي أرضُنا وسياراتٌ أُخرى فتدورُ هذه الأجرامُ العظيمةُ المختلفةُ في الجَسامةِ.. ضخامتُها كذا.. ماهيتُها كذا..» فانظر ماذا أفادَتكَ هذهِ المسألةُ غيرَ الحيرةِ المدهشةِ والدَّهشةِ الموحشةِ، فلم تُفِدْك كمالًا علميًا ولا ذوقًا روحيًّا ولا غايةً إنسانيَّةً ولا فائدةً دينيَّةً. فقس على هذا لتقدِّرَ قيمةَ المسائلِ الفلسفيَّةِ التي ظاهرُها مُزخرفةٌ وباطنُها جهالةٌ فارغةٌ؛ فلا يَغُرَّنَّكَ تشعشعُ ظاهرِها فتُعرِضُ عن بيانِ القرآنِ المعجزِ. اَللَّّهمَّ اجْعَلِ الْقُرآنَ شِفَاءً لَنَا وَلِكَاتِبِهِ وَأمثَالِهِ مِن كُلِّ دَاءٍ، وَمُؤنِسا لَنَا وَلَهُمْ فِي حَيَاتِنَا وَبَعْدَ مَوتِنَا، وَفِي الدُّنيَا قَرينا، وَفِي الْقَبرِ مُؤنِسا، وَفِي الْقِيَامَةِ شَفِيعا، وَعَلَى الصِّرَاطِ نُورا، وَمِنَ النّارِ سِترا وَحِجَابا، وَفِي الْجَنّةِ رَفِيقا، وَإلَى الْخَيرَاتِ كُلِّهَا دَلِيلا وَإمَاما، بِفَضْلِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أكْرَمَ الْأكْرَمِينَ وَيَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ آمِينَ. اَللَّّهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَن أُنـزِلَ عَلَيهِ الْفُرقَان الْحَكِيم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِين.. آمِينَ، آمِينَ. تنبيه: لقد ذَكرْنا في المثنويِّ العربيِّ النوريِّ خمسةَ عشرَ نوعًا من أنواعِ إعجازِ القرآنِ البالغِ أربعينَ نوعًا وذلكَ في ستِّ قطراتٍ للرَّشحةِ الرَّابعةَ عشرةَ، ولا سيَّما النُّكتِ الدقيقةِ السِّتِّ للقطرةِ الرَّابعةِ؛ لذا أجملْنا هُنا مكتفينَ بما ذكرنَاهُ هناكَ، فمن شاءَ فليُراجِعْهُ.

 

https://asyilaislamiyya.com/risale-i-nur-kulliyati/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AA/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B3%D8%B9%D8%A9-%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D8%A9/254

 

 

التعليقات