القرآن يفتح الاذهان نحو الاختراعات
الأستاذ: منير توران
المقام الثاني
من الكلمة العشرين
لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء
"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾(الأنعام:59)
لقد كتبتُ قبل أربع عشرة سنة(5) بحثا يخص سرا من أسرار هذه الآية الكريمة في تفسيري الذي كتبته باللغة العربية الموسوم بـ"إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" والآن استجابة لطلب أخوين كريمين عزيزين عندي أكتب إيضاحا باللغة التركية لذلك البحث، مستعينا بتوفيق العلي القدير ومستلهما من فيض القرآن الكريم، فأقول:
إن "كتاب مبين" -على قولٍ- هو القرآن الكريم. فهذه الآية الكريمة تبيّن أنّه ما من رطب ولا يابس إلاَّ وهو في القرآن الكريم.
- أتراه كذلك؟
- نعم، إنّ في القرآن كلَّ شيء. ولكن لا يستطيع كلُّ واحد أن يرى فيه كلَّ شيء. لأنّ صور الأشياء تبدو في درجات متفاوتة في القرآن الكريم. فأحيانا توجد بذور الشيء أو نواه، وأحيانا مجملُ الشيء أو خلاصتُه، وأحيانا دساتيرُه، وأحيانا توجد عليه علامات. ويرد كلّ من هذه الدرجات؛ إما صراحة أو إشارة أو رمزا أو إبهاما أو تنبيها. فيعبّر القرآنُ الكريم عن أغراضه ضمن أساليب بلاغته، وحسب الحاجة، وبمقتضى المقام والمناسبة.
فمثلا: إنّ الطائرة والكهرباء والقطار واللاسلكي وأمثالها من منجزات العلم والصناعة، التكنولوجيا الحديثة، والتي تعدّ حصيلة التقدم الإنساني ورقيِّه في مضمار الصناعة والعلم، أصبحت هذه الاختراعات موضع اهتمام الإنسان، وتبوّأت مكانة خاصة في حياته المادية. لذا فالقرآن الكريم الذي يخاطب البشريةَ قاطبة، لم يهمل هذا الجانب من حياة البشر،
بل قد أشار إلى تلك الخوارق العلمية من جهتين:
الجهة الأولى: أشار إليها عند إشارته إلى معجزات الأنبياء عليهم السلام.
الجهة الثانية: أشار إليها عند سرده بعض الحوادث التاريخية.
فعلى سبيل المثال: فقد أشار إلى القطار في الآيات الكريمة الآتية: ﴿قُتِلَ أصْحَابُ الْأخْدُودِ % النّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ % إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُود % وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُود % وَمَا نَقَمُوا مِنهُمْ إِلَّا أن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾(6) (البروج:4-8). وأيضا: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ % وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾(يس:41-42)
والآية الكريمة الآتية ترمز إلى الكهرباء علاوة على إشارتها إلى كثير من الأنوار والأسرار: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمٰوَاتِ وَالْأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأنّهَا كَوْكَب دُرِّيّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار نُّور عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾(7) (النور:35).
ولما كان الكثيرون من الفضلاء قد انصرفوا إلى هذا القسم، وبذلوا جهودا كثيرة في توضيحه، علما أنّ القيام ببحثه يتطلب دقة متناهية ويستدعي بسطا للموضوع أكثر من هذا وإيضاحا وافيا. فضلا عن وجود أمثلة وفيرة عليه، لذا لا نفتح هذا الباب، ونكتفي بالآيات المذكورة.
أما القسم الأول الذي يشير إلى تلك الاختراعات الشبيهة بالخوارق ضمن إشارات القرآن إلى معجزات الأنبياء.. سنذكر نماذج منه.
المقدمة: يبيّن القرآن الكريم أنّ الأنبياء عليهم السلام قد بُعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمةَ الهدى يُقتدى بهم، في رقيهم المعنوي. ويبين في الوقت نفسِه أنّ اللّٰه قد وضع بيد كلٍ منهم معجزة مادية، ونَصَبهم روّادا للبشرية وأساتذة لها في تقدمها المادي أيضا. أي إنّه يأمر بالاقتداء بهم واتباعهم اتباعا كاملا في الأمور المادية والمعنوية؛ إذ كما يحض القرآنُ الكريم الإنسان على الاستزادة من نور الخصال الحميدة التي يتحلَّى بها الأنبياء عليهم السلام، وذلك عند بحثه عن كمالاتهم المعنوية، فإنّه عند بحثه عن معجزاتهم المادية أيضا يومئ إلى إثارة شوق الإنسان ليقوم بتقليد تلك المعجزات التي في أيديهم، ويشير إلى حضّه على بلوغ نظائرها، بل يصح القول: إنّ يدَ المعجزة هي التي أهدت إلى البشرية الكمالَ المادي وخوارقه لأول مرة، مثلما أهدتْ إليها الكمال المعنوي. فدونك سفينة نوح عليه السلام وهي إحدى معجزاته، وساعة يوسف عليه السلام، وهي إحدى معجزاته. فقد قدمتهما يد المعجزة لأول مرة هدية ثمينة إلى البشرية. وهناك إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة، وهي اتخاذ أغلب الصنّاع نبيا من الأنبياء رائدا لصنعتهم وقطبا لمهنتهم. فالملاحون -مثلا- اتخذوا سيدنا نوحا عليه السلام رائدهم، والساعاتيون اتخذوا سيدنا يوسف عليه السلام إمامهم، والخياطون اتخذوا سيدنا إدريس عليه السلام مرشدهم..
ولما كان العلماء المحققون من أهل البلاغة قد اتفقوا جميعا أنّ لكل آية كريمة وجوها عدة للإرشاد، وجهات كثيرة للهداية. فلا يمكن إذن أن تكون أسطعُ الآيات وهي آيات المعجزات، سردا تاريخيا، بل لابد أنها تتضمن أيضا معاني بليغة جمة للإرشاد والهداية.
نعم، إن القرآن الكريم بإيراده معجزات الأنبياء إنما يخط الحدودَ النهائية لأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مجال العلوم والصناعات، ويشير بها إلى أبعدِ نهاياتها، وغايةِ ما يمكن أن تحققه البشرية من أهداف. فهو بهذا يعيّن أبعدَ الأهداف النهائية لها ويحددها. ومن بعد ذلك يحث البشرية ويحضّها على بلوغ تلك الغاية، ويسوقها إليها. إذ كما أنّ الماضي مستودع بذور المستقبل ومرآة تعكس شؤونه، فالمستقبل أيضا حصيلة بذور الماضي ومرآة آماله.
وسنبين بضعة نماذج مثالا، من ذلك النبع الفياض الواسع:
فمثلا: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْر وَرَوَاحُهَا شَهْر﴾(سبأ:12).
هذه الآية الكريمة تبين معجزةً من معجزات سيدنا سليمان عليه السلام. وهي تسخير الريح له، أي إنّه قد قطع في الهواء ما يُقطع في شهرين في يوم واحد. فالآية تشير إلى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء.
فيا أيها الإنسان! حاول أن تبلغ هذه المرتبة، واسعَ للدنو من هذه المنـزلة ما دام الطريق ممهدا أمامك. فكأن اللّٰهَ سبحانه وتعالى يقول في معنى هذه الآية الكريمة: إن عبدا من عبادي ترك هوى نفسه، فحملتُه فوق متون الهواء. وأنت أيها الإنسان! إن نبذتَ كسل النفس وتركته، واستفدت جيدا من قوانين سنتي الجارية في الكون، يمكنك أيضا أن تمتطي صهوة الهواء.
ومثلا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا..﴾(البقرة:60).
هذه الآية الكريمة تبيّن معجزة من معجزات سيدنا موسى عليه السلام، وهي تشير إلى أنه يمكن الاستفادة من خزائن الرحمة المدفونة تحت الأرض بآلات بسيطة، بل يمكن تفجير الماء، وهو ينبوع الحياة، من أرضٍ صلدة ميتة كالحجر بوساطة عصا.
فهذه الآية تخاطب البشرية بهذا المعنى: يمكنكم أن تجدوا الماء الذي هو ألطفُ فيض من فيوضات الرحمة الإلهية، بوساطة عصا، فاسعوا واعملوا بجد لتجدوه وتكشفوه. فاللّٰه سبحانه يخاطب الإنسان بالمعنى الرمزي لهذه الآية: ما دمتُ أسلّم بيد عبدٍ يعتمد عليّ ويثق بي عصا، يتمكن بها أن يفجّر الماء أينما شاء. فأنت أيها الإنسان إن اعتمدتَ على قوانين رحمتي، يمكنك أيضا أن تخترع آلةً شبيهة بتلك العصا، أو نظيرة لها. فهيَّا اسعَ لتجد تلك الآلة.
فأنت ترى كيف أنّ هذه الآية سبّاقة لإيجاد الآلة التي بها يتمكن الإنسان من استخراج الماء في أغلب الأماكن، والتي هي إحدى وسائل رقي البشرية. بل إنّ الآية الكريمة قد وضعت الخط النهائي لحدود استخدام تلك الآلة ومنتهى الغاية منها، بمثل ما عيّنت الآية الأولى أبعد النقاط النهائية، وأقصى ما يمكن أن تبلغ إليه الطائرة الحاضرة.

التعليقات