القرآن يفتح الابواب الى الكمال البشري
الأستاذ: منير توران
المقام الثاني
من الكلمة العشرين
لمعة إعجاز قرآني تتلألأ على وجه معجزات الأنبياء
"أنعم النظر في الجوابين المذكورين في الختام"
ومثلا: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ﴾ (البقرة:31) تُبيِّنُ هذهِ الآيةُ أنَّ المعجزةَ الكُبرى لآدمَ عليهِ السَّلام، في دعوى خِلافَتِهِ الكُبرى، هي تعليمُ الأسماءِ. فمثلما ترمزُ معجزاتُ سائِرِ الأنبياءِ إلى خارقةٍ بَشريةٍ خاصَّةٍ لكلٍّ منهم، فإنَّ معجزةَ أبي الأنبياءِ وفاتحِ ديوانِ النَّبوةِ آدمَ عليهِ السَّلام، تشيـرُ إشارةً قريبةً من الصَّراحةِ إلى منتهى الكمالِ البشريِّ، وذُروةِ رُقيِّهِ، وإلى أقصى أهدافِهِ، فكأَنَّ الله سبحانَهُ يقولُ بالمعنى الإشاريِّ لهذهِ الآيةِ الكريمةِ: يا بني آدمَ!.. إنَّ تفوُّقَ أبيكم آدمََ في دعوى الخلافةِ على الملائكةِ كان بما علَّمتُه الأسماءَ كلَّها، وأنتم بَنوهُ ووارثو استعداداتِهِ، ومواهبِهِ فعليكُم أن تتعلموا الأسماءَ كلَّها لتُثبتوا جدارتَكم أمامَ المخلوقاتِ لتسنُّمِ الأمانةِ العُظمى، فلقد مُهِّدَ الطريقُ أمامَكم لبلوغِ أسمى المراتبِ العاليةِ في الكونِ، وسُخِّرتْ لكم الأرضُ، هذه المخلوقةُ الضَّخمةُ؛ فهيَّا انطلقوا وتقدَّمُوا، فالطريقُ مفتوحٌ أمامَكم.. واستمسِكُوا بكلِّ اسمٍ من أسمائي الحسنى، واعتصموا به، لِتَسمُوا وترتفعُوا؛ واحذروا! فلقد أغوى الشيطانُ أباكُم مرةً واحدةً، فهبطَ من الجنَّةِ تلك المنـزلةِ العاليةِ إلى الأرضِ مؤقتًا، فإيَّاكُم أن تتبعُوا الشيطانَ في رُقيِّكُم وتَقدُّمِكُم، فيكونَ ذريعةَ تَردِّيكُم من سماواتِ الحكمةِ الإلهيةِ إلى ضلالةِ الماديةِ الطبيعيةِ.. ارفعوا رؤوسَكم عاليًا، وأَنعموا النظرَ والفكرَ في أسمائيَ الحسنى، واجعلوا علومَكم ورُقيَّكم سُلَّمًا ومَراقيَ إلى تلكَ السماواتِ، لِتبْلغُوا حقائقَ علومِكُم وكمالِكم، وتَصلوا إلى منابعِها الأصليةِ، تلك هي أسمائي الحسنى، وانظروا بمنظارِ تلك الأسماءِ ببصيرةِ قلوبِكم إلى ربِّكُم. بيانُ نُكتةٍ مهمةٍ وإيضاحُ سرٍّ أَهم إنَّ كلَّ ما نالَهُ الإنسانُ من حيثُ جامعيةُ ما أودعَ الله فيهِ من استعداداتٍ من الكمالِ العلميِّ والتقدمِ الفنيِّ، ووصولِه إلى خوراقِ الصِّناعاتِ والاكتشافاتِ، تُعبِّرُ عنهُ الآيةُ الكريمةُ بتعليمِ الأسماءِ: ﴿ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ ، وهذا التعبيرُ ينطوي على رمزٍ رفيعٍ ودقيقٍ، وهو: أنَّ لكلِّ كمالٍ، ولكلِّ علمٍ، ولكلِّ تقدمٍ، ولكل فَنٍ أيًا كانَ حقيقةً ساميةً عاليةً؛ وتلك الحقيقةُ تستندُ إلى اسمٍ من الأسماءِ الحسنى، وباستنادها إلى ذلك الاسمِ الذي له حُجُبٌ مختلفةٌ، وتجلياتٌ متنوعةٌ، ودوائرُ ظهورٍ متباينةٌ يجدُ ذلكَ العلمُ وذلكَ الكمالُ وتلكَ الصَّنعةُ، كلٌّ منها كمالَهُ، ويُصبِحُ حقيقةً فعلًا، وإلّا فهو ظِلٌّ ناقصٌ مَبتورٌ باهِتٌ مُشَوَّشٌ. فالهندسةُ مثلًا علمٌ من العلومِ، وحقيقتُها وغايةُ مُنتهاها هي الوصولُ إلى اسمِ «العدلِ» و«المقدِّرِ» من الأسماءِ الحُسنى، وبلوغُ مشاهدةِ التَّجلياتِ الحكيمةِ لذلكَ الاسمِ بكلِّ عظمتِها وهيبتِها في مرآةِ علمِ «الهندسة». والطبُّ مثلًا علمٌ ومهارةٌ ومِهنةٌ في الوقتِ نفسهِ، فمنتهاهُ وحقيقَتُه يَستندُ أيضًا إلى اسمٍ من الأسماءِ الحسنى وهو «الشَّافي»؛ فيصلُ الطبُّ إلى كمالِه ويُصبحُ حقيقةً فعلًا بمشاهدةِ التجلياتِ الرَّحيمة لاسم «الشَّافي» في الأدويةِ المبثوثةِ على سطحِ الأرضِ الذي يُمثِّلُ صيدليَّةً عظمى. والعلومُ التي تبحثُ في حقيقةِ الموجوداتِ كالفيزياءِ والكيمياءِ والنباتِ والحيوان .. هذه العلومُ التي هي «حكمةُ الأشياءِ» يمكنُ أن تكونَ حكمةً حقيقيةً بمشاهدةِ التجلياتِ الكُبرى لاسمِ الله «الحكيم» جلَّ جلالُه في الأشياءِ، وهي تجلياتُ تدبيرٍ، وتربيةٍ، ورِعايةٍ؛ وبرؤيةِ هذه التجلياتِ في منافعِ الأشياءِ ومصالحها تصبحُ تلكَ الحكمةُ حكمةً حقًّا، أي باستنادِها إلى ذلكَ الاسمِ «الحكيمِ» وإلى ذلكَ الظَّهيرِ تُصبحُ حكمةً فعلًا، وإلَّا فإمَّا أنَّها تنقلبُ إلى خُرافاتٍ وتُصبحُ عبثًا لا طائلَ من ورائِها، أو تفتحُ سبيلا إلى الضلالةِ، كما هو الحالُ في الفلسفةِ الطبيعيةِ الماديةِ. فإليك الأمثلةُ الثلاثةُ كما مرَّت.. قِسْ عليها بقيةَ العلومِ والفنونِ والكمالاتِ.. وهكذا يضربُ القرآنُ الكريمُ بهذهِ الآيةِ الكريمةِ يدَ التشويقِ على ظَهرِ البشريةِ مُشيرًا إلى أسمى النُّقاطِ وأبعدِ الحدودِ وأقصى المراتِبِ التي قَصُرت كثيرًا عن الوصولِ إليها في تَقدُّمِها الحاضِرِ، وكأنَّه يقول لها: هيَّا تَقدَّمي. نكتفي بهذا الجوهرِ النَّفيسِ من الخزينةِ العُظمى لهذه الآيةِ الكريمةِ، ونُغلقُ هذا البابَ.

التعليقات