الخطبة الشامية - المحبة

الأستاذ: منير توران

الخطبة الشامية

تأليف

بديع الزمان سعيد النّورسي

ترجمة وتحقيق

 إحسان قاسم الصّالحي

بسْمِ اللّٰه الرّحمنِ الرّحيم

مقدمة المحقق

 

بين يدي هذه الرسالة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومَن والاه، وبعد؛

فقد ألقى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، وهو في شرخ الشباب هذه الخطبة باللغة العربية في الجامع الأموي بدمشق، برجاءٍ من علماء الشام وإلحاحهم، وحضرها جمهور غفير من الناس يَربون على عشرة آلاف شخص، فاستمعوا إليها بلهفة وشوق، حتى إن الخطبة لما طُبعت لأول مرة نفدتْ نسخها في غضون أيام قليلة فأُعيد طبعها خلال أسبوع واحد.

كان ذلك في شتاء سنة 1911م، أي قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. ثم توالت أيام الحرب الدامية، وانتهت بأُفول نجم الدولة العثمانية، وبدأت بعدها أيامُ محَنٍ توالت على الأستاذ النورسي بسلسلة اعتقالاته ونفيه ومحاكماته التي دامت حتى سنة 1950م.

فطوال هذه السنين العجاف لم يتسنَّ له مراجعة هذه الخطبة، بل حتى إنه لم يرها، إلى أن أَرسل إليه في سنة 1951م أحد أصدقائه من مدينة "وان" نسخة مطبوعةً منها.

كان الأستاذ النورسي عند ذاك في منفاه في "أميرداغ" فأعاد النظر في خطبته التي ألقاها قبل أربعين سنة، وبدأ بترجمتها إلى التركية، أو بالأحرى بتنقيحها وصياغتها مجدداً، إذ ضمَّ إليها فقرات مهمة وهوامش قيّمة([1]) وحذف منها ما يحدد شموليتها، وأحال بعض مسائلها إلى أجزاء رسائل النور، ثم درّسها لقسمٍ من طلابه.

قام الملا عبد المجيد "شقيق الأستاذ النورسي" بترجمة هذا النص التركي إلى العربية -بتوصية من المؤلف نفسه- حسب أسلوبه، ونُشرتْ بالاستنساخ اليدوي في أوساط ضيقة، إذ كانت الطباعة محظورة بالحروف العربية آنذاك.

وفي بداية الستينات تناول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ترجمة الملا عبدالمجيد هذه، وصاغها بأسلوبه العذب. ونُشرتْ منها طبعات كثيرة في حينه.([2])

ولكن لما كانت الترجمة العربية هي في الأصل غير كاملة وغير مستوعبة للموضوع، فقد جاءت تلك الصياغة الجميلة -مع الأسف- ينقصها الكثير من الفقرات المهمة والمسائل الجليلة التي تمس الأحداث، فضلاً عن أن الصياغة اقتصرت على الخطبة وحدها دون ذيولها ولواحقها.

ثم تناول الأستاذ عاصم الحسيني (رحمه الله رحمة واسعة) النصَّ التركي بالترجمة إلى العربية، فأجاد أسلوباً وأداءً للمعنى، وقام طلاب النور بطبعها في المطبعة البولسية ببيروت سنة 1974م.

ما قمت به في هذه الرسالة:

قابلتُ ترجمة الأخ عاصم بالنص التركي فتوصلت إلى الآتي:

1- إنها ترجمة قيّمة لا ترقى إليها ترجمة أخرى، سواء في الأداء أو السبك الرصين للجمل، وهي تكاد تكون مطابقة لمتن الخطبة بالنص التركي، إلاّ في بعض الجمل أو أجزاءٍ من فقرات.

2- بيد أن الأخ الكريم لم تتح له الفرصة -كما يبدو- لإكمال ترجمته، فلم يترجِم ذيول الخطبة كاملة، إذ المقالات التي كتبها الأستاذ النورسي في الصحف المحلية في عهد الاتحاديين وألحقها بالنص التركي، ذاتُ أهمية في إعطاء الصورة الكاملة والواضحة للأحوال السياسية والاجتماعية وكذا التيارات الفكرية التي كان يموج بها المجتمع وقتئذٍ.

3- ولأجل هذا كله، رأيت لزاماً عليّ القيام بترجمة النص التركي للخطبة مجدداً، مع ذيولها ولواحقها كاملة، ليلمس القارئ الكريم بنفسه أبعاد المسائل التي يطرقها الأستاذ النورسي، ويطّلعَ عليها من جميع جوانبها.

ولقد انتهجت أثناء الترجمة والمقابلة على النص التركي والعربي، الخطوات الآتية:

 

 

الكلمة الرابعة: "المحبة"

إن مما تعلمته من الحياة الاجتماعية البشرية طوال حياتي، وما أملَته عليّ التتبعات والتحقيقات هو:

أن أجدر شيء بالمحبة هو المحبة نفسها. وأجدر صفة بالخصومة هي الخصومة نفسها. أي إن صفة المحبة التي هي ضمان الحياة الاجتماعية البشرية والتي تدفع إلى تحقق السعادة هي أليق للمحبة، وأن صفة العدواة والبغضاء التي هي عامل تدمير الحياة الاجتماعية وهدمِها هي أقبح صفة وأضرها وأجدر أن تُتجنب وتُنفَر منها. ولما كنا قد أوضحنا هذه الحقيقة في المكتوب الثاني والعشرين (رسالة الأخوة) نشير إليها هنا إشارة مقتضبة:

لقد انتهى عهد العداوة والخصام. ولقد أظهرت الحربان العالميتان مدى ما في روح العداوة من ظلم فظيع ودمار مريع. وتبين أن لا فائدة منها البتة. وعليه فلا ينبغي أن تَجلب سيئاتُ أعدائنا -بشرط عدم التجاوز- عداوتَنا، فحَسْبُهم العذاب الإلهي ونار جهنّم.

 

إن غرور الإنسان وحبّه لنفسه قد يقودانه أحياناً إلى عداء إخوانه المؤمنين ظلماً ومن دون شعور منه فيظن المرء نفسه محقاً. مع أن مثل هذه العداوة تُعدّ استخفافاً بالوشائج والأسباب التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض -كالإيمان والإسلام والإنسانية- وحطاً من شأنها. وهي أشبه ما يكون بحماقةِ من يرجّح أسباباً تافهة للعداوة كالحصيات على أسباب بجسامة الجبال الراسيات للودّ والمحبة.

فما دامت المحبة مضادة للعداوة ومنافية لها فلا تجتمعان قطعاً كما لا تجتمع الظُّلمة والنور. فالذي تتغلب أسبابُه على الآخر هو الذي يجد موضعه في القلب بحقيقته، أما ضده فلا يكون بحقيقته.

فمثلاً: إذا وُجدت المحبةُ بحقيقتها في القلب فإن العداوة تنقلب حينئذ إلى الرأفة والشفقة، فهذا هو الوضع تجاه أهل الإيمان. أما إذا وجدت العداوة بحقيقتها في القلب، فإن المحبة تنقلب عندها إلى المداراة والمماشاة والصداقة الظاهرية. فهذا إنما يكون مع أرباب الضلال غير المتجاوزين.

أجل، إن أسباب المحبة هي الإيمان والإسلام والإنسانية وأمثالها من السلاسل النورانية المتينة والحصون المعنوية المنيعة؛ أما أسباب العداوة والبغضاء تجاه المؤمن فإنما هي أمور خاصة تافهة تفاهة الحصيات. لذا فإن إضمار العداء لمسلم إضماراً حقيقياً، إنما هو خطأ جسيم لأنه استخفاف بأسباب المحبة التي هي أشبه بالجبال.

نحصل مما سبق:

أن الود والمحبة والأخوة هي من طباع الإسلام وروابطه. والذي يحمل في قلبه العداء فهو أشبه ما يكون بطفل فاسد المزاج يروم البكاء بأدنى مبرر للبكاء، وقد يكون ما هو أصغرُ من جناح ذبابة كافياً لدفعه إلى البكاء، أو هو أشبه ما يكون برجل متشائم لا يحسن الظن بشيء ما دام سوء الظن ممكناً، فيحجب عشر حسناتٍ للمرء بسيئة واحدة. ومن المعلوم أن هذا منافٍ كلياً للخُلُق الإسلامي القاضي بالإنصاف وحسن الظن.

 

 

التعليقات