الرسالة السابعة

 

زهرة

من رياض القرآن الحكيم([1])

 

 

259
_____________________

 

 

كلُّ حيّ في الدنيا كعسكر موظّف، إنما يعمل بحساب المَلِك وباسمه.

فمن زَعمَ أنه مالِكٌ، فهو هالِكٌ..

إنَّ هذا النظام والميزان المشهودين عنوانان لقبضتي الرحمن وبابان من الكتاب المبين.. ومن كتاب الكائنات.

والقرآن ترجمانُ الكتابين وفهرستة البابين وفذلكةُ القَبْضَتين.

 

260
_____________________

 

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه الحاكم الحَكَمِ الحكيمِ الأزلي الذي نظَّمَ هذه الكائنات بقوانينِ عادتهِ وسنَّتهِ، وعيَّنها بدساتير قضائهِ وقدَره، وأسس بنيانَها بأُصول مشيئته وحِكمته، وزيَّنها بنواميسِ عنايتهِ ورحمتهِ، ونوَّرَها بجلواتِ أسمائه وصفاتِه. وهو القادرُ القيومُ السرمدي الذي ما هذه الكائنات بماهياتها وهُوياتها وتمايزاتِها وتزييناتِها وموازينها ومحاسنها إلا خطوطُ قلمِ قضائهِ وقدَره، ونقوشُ بركار عِلمه وحِكمته، وتزييناتُ يدِ بيضاء صُنعه وعنايته، وأزاهيرُ رياضِ لُطفه وكرمه، وثمراتُ فيّاض رحمتهِ ونعمتهِ، ولمعاتُ تجليات جمالهِ وكمالهِ جلَّ جلالهُ؛ حمداً يزيدُ على ضرب جميع الذرات في الذرات.

فيا من بتلألؤ لمعاتِ بروقِ شروق أسمائه ظهر عجائب المخلوقات..

ويا مَن تساوى بالنسبة إلى قدرته الذراتُ والسياراتُ..

ويا من كتبَ على مِسطَرِ الكتاب المبين -المصدرِ للنظام والميزان- هذه الكائنات المتزينات:

إنّا نُقدِّمُ إليك بين يَدي كلِّ سُكونٍ وحركةٍ تتحركُ بها ذراتُ العالَم ومركباتها شهادةً:

نشهدُ أن لا إله إلاّ أنتَ وحدَكَ لا شريكَ لك، ونشهد أن محمّداً عبدُك ورسولُك، أرسلته رحمةً للعالمين.

اللّهمَّ صلّ وسلّم عليه وعلى آله وصحبه بعددِ جميعِ الحروفات المتشكّلة في الكلمات المتمثلة بإذنِكَ في مرايا تموجات الهواء عند قراءة كلِّ كلمةٍ من القرآن مِن كل قارئٍ من حين النـزول إلى يوم النشور...

اعلم([2]) أن ما يوصل إليك -بحسب الظاهر- من الوسائل؛ إمّا له اختيار أو لا. وما لا اختيار له، لا ريب أنه يعطيك ما يعطيك بحساب اللّٰه وباسمه. فخذ وكُل أنت باسم اللّٰه، وتوجَّه بتمام شكرك إليه.. وإما له اختيارٌ ما، فلا تأخذ ولا تأكل منه ما لَمْ يُذكَرِ اسمُ اللّٰه عَليهِ، أي بإخطار صاحبه الحقيقي وبتوجيه نظرك إليه كما ترمز إليه الآية: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّٰه عَلَيْهِ﴾ (الأنعام: 121) .. فإن لم يَذكُر هو، فاذكر أنت. وانظر من فوقِه إلى مَن أنعمَ عليه وعليك.

 

261
_____________________

 

فانظر في النعمة إلى الإنعام، ومنه إلى المنعم الحقيقي. فاشكره بهذا النظر، فإنّ هذا النظر شكرٌ، ثم ارجع إن شئت وانظر إلى الوسيلة وأدعُ له مُثنياً عليه بسبب إرسال النعمة على يده. وإياك إياك يا قلبي أن تنظر أوّلاً وبالذات إلى المنعم الظاهري..

الحاصل: لابد من «بسم اللّٰه»: مرتين في المختار، ومرة في غيره. وإياكِ إياكِ يا نفسي أن تظني «الاقترانَ عِلّية..» فقد يقارن وصولُ نعمةٍ فعلَ أحدٍ، فيظنُ قاصرُ النظر أن فعلَه علّتُها، كلا!. وإياك أن تجعلَ عدمَ نعمةٍ عند عدمِ شيءٍ دليلاً على أن وجودَ ذلك الشيء علةُ وجودها. فقد تترتب النتيجةُ على ألوف أمورٍ، فلا توجد -بسنّة اللّٰه - تلك النعمة لفِقَدْ أي جزءٍ كان ولو أضعف الأمور. فهل يجوز لمن فتحَ قنطرة جدولٍ فسال الماءُ على نواة وبذر فانشجرت وتسنبلت، أن يدّعيَ أن الشجرة صُنعُه ومُلكه ومالُه حقيقةً؟ فهذه المسألة ميزان تُعرف به درجاتُ الغفلة والشرك الخفي..

وإياكَ إياك يا قلبي أن تسنِد ما يُفاض على الجماعة أو يتظاهر منها أو يتحصل من مساعيها إليكَ وإلى غيرك من ممثل الجماعة أو أُستاذِها أو مرشدها؛ إذ مع أن هذا الإسناد والتصوّر ظلمٌ عظيم يوقع المسنَد إليه -المستتر فيه «أنا» - في غرور عظيم، وأنانية غليظة، ويفتح لمَن يسنِد منافذَ إلى نوع شركٍ خفي، فتأخذ الوسيلةُ حُكمَ المقصود ويلبس البوّابُ زيّ السلطان..

وإياك إياك إذا رأيت من أحدٍ فيوضاتٍ تَردُ عليك، أن تظن أنه مصدرُها أو منبعها. بل ما هو إلاّ مظهرها ومَعكِسُها، بل يحتمل أن لا يكون مصدراً ولا مظهراً، بل لأجل حصر نظرك عليه تتخيل ما يُفاض عليك من مقلّبِ القلوب إلى قلبك، كأنه تمثّل أولاً في مرشدك، ثم انعكس عليك. كَمَثل من يُمعن النظر في زجاجة، فيتجرد ذهنه فيجول في عالم المثال، فيشاهد غرائبَ فيزعمها متمثلة في الزجاجة، كلا!.([3])

اعلم([4]) يا من يستمد من الأسباب : «تنفخُ في غير ضرمٍ وتستسمن ذا وَرَم».([5])

 

262
_____________________

 

مثلاً: إذا شاهدتَ قصراً عجيباً يُبنَى من جواهرَ غريبةٍ لا يوجد وقتَ البناء بعضُ تلك الجواهر إلا في الصين، وبعضها إلاّ في فاس، وبعضها إلاّ في اليمن، وبعضها إلاّ في سيبيريا، وهكذا.. أفلا تشهدُ أن ذلك القصر بناءٌ يبنيه مَن يحكم على كرة الأرض ويجلب من أطرافها ما يريد في أسرع وقت؟

وهكذا؛ كلُّ حيٍّ بِناءٌ، وكلُّ حيوان قصرٌ إلهي، لاسيما أن الإنسان من أحسن تلك القصور، ومن أعجبها، لأنه امتدت حاجاتُه إلى الأبد، وانتشرت آمالُه في أقطار السماوات والأرض، وشرعت روابطهُ في ما بين أدوار الدنيا والآخرة. فيا هذا الإنسان، لا يليق بك ولا يحق لك وأنت تحسَبك إنساناً أن تدعوَ وتعبدَ إلاّ مَن يَحكم على الأرض والسماء ويملك أزمةَ الدنيا والعقبى!..

اعلم([6]) يا قلبي أن الأبله الذي لا يعرفُ الشمسَ إذا رأى في مرآةٍ تمثالَ شمس، لا يحب إلا المرآة ويحافظ عليها بحرص شديد لاستبقاء الشمس، وإذا تفطن أن الشمس لا تموت بموت المرآة ولا تفنى بانكسارها، توجَّه بتمام محبته إلى الشمس؛ إذ ما يشاهَد في المرآة ليس بقائم بها، بل هو قيومُها. وبقاؤه ليس بها، بل بنفسهِ.. بل بقاءُ حيوية المرآة وتلألؤها إنما هو ببقاء تجليات الشمس ومقابلتِها، إذ هي قيومُها. يا هذا قلبُك وهويتُك مرآةٌ. فما في فطرتك من حُب البقاء ليس لأجلها، بل لأجل ما فيها.. فقل: «يا باقي أنت الباقي» فإذ أنت باقي فليفعل الفناءُ بنا ما شاء فلا نبالي بما نلاقي..

اعلم([7]) يا أيها الإنسان! إنّ من غرائب ما أودع الفاطرُ الحكيم في ماهيتك أنه قد لا تَسعك الدنيا فتقول (أوف)([8]) كالمسجون المخنوق، مع أنه تَسعُك خردلةٌ وحُجيرةٌ وخاطرةٌ ودقيقةٌ حتى تفنَى فيها، وتستعمل أشد حسياتك لها.. وأعطاك لطائف بعضُها يبتلع الدنيا فلا يشبع، وبعضها يضيق عن ذرة ولا يتحمل شُعيرة، كما أن العين لا تتحمل شعرة.

فاحذر وخفّف الوطء، وخَف أن تغرقَ ويغرق معك ألطفُ لطائفك في أكلةٍ، أو كلمةٍ، أو شعرة، أو شُعيرة، أو لمعةٍ، أو لحمةٍ، أو بقلةٍ، أو قُبلةٍ..

 

263
_____________________

 

فإن في كل شيء جهة من عدم التناهي يطيق أن يُغرقَك، ولا يضيق عن بلعِك. فانظر إلى مرآتك كيف يغرقُ فيها السماء بنجومها! وإلى خردلة حافظتك كيف كتب «الحق» فيها أكثر ما في صحيفة أعمالك وأغلبَ ما في صحائف أعمارك! فسبحانه من قادرٍ قيوم! .

اعلم([9]) أن دنياك كمنـزل ضيق كالقبر، لكن لأجل أن جدرانه من زجاجة تتعاكس تراه واسعاً مقدار مد البصر؛ إذ الماضي المعدومُ من جهة الدنيا، والآتي المفقودُ؛ مرآتان متقابلتان تصلان جناحَ حالك وتتصلان بزمانك. فلا تفرقُ بين الحقيقة والمثال؛ فيصير خطُ «آنِكَ» سطحاً، حتى إذا تحركتَ بتحريك المصائب ضربت الجدرانُ رأسَكَ فيطيرُ خيالكَ ويُطرَد نومُك، فترى دنياكَ أضيقَ من القبر والجسر، وزمانَك أسرعَ من البرق والنهر..

اعلم([10]) يا من يريد أن يرى شواهدَ تجليات اسمه «الحفيظ» المشار إليه بـ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾( الزلزلة: 7،8) وبـ:﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾( يونس: 61) في صحائف كتاب الكائنات المكتوب ذلك الكتاب على مِسطرِ الكتاب المبين.

انظر إلى غُرفَةٍ تأخذها بقبضتك من أشتات بذور الأزهار والأشجار، قد اختلطت تلك البذور والحبَّات المختلفة الأجناس والأنواع، المتشابهة الأشكال والأجرام، بحيث لا يميَّز بينها. ثم ادفنْها معاً -في الظلمة- في ظلمات تراب بسيط جامد محدود. ثم اسقِه بالماء الذي لا ميزانَ له ولا يفرّق بين الأشياء، فأينما توجّهْه يذهب. ثم انظر إليها عند الحشر السنوي وقد حُشر بنفخ الرعد في الصُور في الربيع، حتى ترى تلك البذورَ المختلطة المتشابهةَ كيف امتثلت بلا خطأ الأوامرَ التكوينيةَ من فاطرها الحكيم، بصورة يتلمعُ منها كمالُ الحِكمة والعلم والإرادة والقصد والبصيرة والشعور!. ألا ترى تلك المتماثلات كيف تمايزت؟ حتى صارت هذه شجرةَ التين تنشُر وتنثر على رؤوسكم نِعَم ربّها!. وصارت هذه أزاهيرَ تزيَّنت لأجلك وتضحك في وجهك وتتودّد لك؟ وصارت هاتيك فواكهَ مما تشتهون تدعوك إلى أنفسها وتفديها لك؟ حتى صارت تلك الغَرفة بإذن خالقها جَنةً مشحونةً من الأزهار المختلفة والأشجار.

 

264
_____________________

 

وانظر هل ترى فيها غلطاً أو قصوراً؟. ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾( الملك: 3) بل قد أعطى «الحفيظ» لكلٍ منها ما ورثه من مال أبيه وأصله بلا نقصان وبلا التباس. فما يفعل هذا الفعل إلا من يقتدر على أن يقيم القيامة. فمَن يفعل هذا، هو الذي يفعل تلك.. فإظهارُ كمالِ الحفظ ها هنا مِن الأمور التافهة الزائلةِ حُجةٌ بالغة على محافظة ما له أهميةٌ عظيمة وتأثير أبدي، كأفعال خلفاء الأرض وآثارهم، وأعمال حَملة الأمانة وأقوالهم، وحسنات عبدة الواحد الأحد وسيئاتهم. ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة: 36) بلى إنه لمبعوث إلى الأبد، فيحاسَب على السبَد واللبَد.([11])

فهذا المثال الذي تنسج أنت على منواله ليس قبضةً من صُبرة([12]) أو غرفة من بحر، بل حَبَّة من رمال الدهناء، ونقطة من تلال الفيفاء([13])، وقطرة من زلال السماء.. فسبحانه مِن حفيظ رقيب وشهيد حسيب.

اعلم أيها السعيد الغافل! إن ما لا يرافقك بعد فناء هذا العالم بل يفارقك بخراب الدنيا، لا يليق أن تلزق قلبَك به. فكيف بما يتركك بانقراض عصرك؟.. بل فكيف بما لا يصاحبك في سفر البرزخ؟.. بل فكيف بما لا يشيّعك إلى باب القبر؟.. بل فكيف بما يفارقك سنة أو سنتين فراقاً أبدياً مورِثاً إثمَه في ذمتك؟.. بل فكيف بما يتركك على رغمك في آن سرورك بحصوله؟.

فإن كنت عاقلاً لا تهتم ولا تغتم، واترك ما لا يقتدر أن يرافقَك في سفر الأبد، بل يضمحل ويفنَى تحت مصادمات الانقلابات الدنيوية والتطورات البرزخية والانفلاقات الأُخروية. ألا ترى أن فيك شيئاً لا يَرضى إلاّ بالأبد والأبدي، ولا يتوجه إلاّ إليه، ولا يتنـزل لما دونه؟ وذلك الشيء سلطانُ لطائفك، فأطِعْ سلطانك المطيع لأمر فاطره الحكيم جلّ جلاله.

......... ([14])

 

265
_____________________

 

اعلم([15]) يا أيها السعيد الغافل! تنظر إلى أطرافك الآفاقية فتراها ثابتة مستمرة في الجملة وبالنوع، فتظن نفسَك أيضاً ثابتةً دائمةً حتى لا تتدهشُ إلاّ من القيامة، كأنك تدوم إلى أن تقوم هي. كلا!.. إنك ودنياك في مَعرض الزوال والفناء في كل آن. فمثلك في هذا الغَلط كمثل مَن في يده مرآة متقابلةٌ لمنـزل أو بلد أو حديقة ارتسمتْ هي فيها، ففي أدنى حركة للمرآة وتغيرها يحصل الهرج والمرج في تلك الثلاثة التي اطمأننتَ بها. وأما بقاؤها في أنفسها فلا يفيدك، إذ ليس لك منها إلا ما تعطيك مرآتُك بمقياسها وميزانها. فتأمل في مرآتك وإمكان موتها وخراب ما فيها في كل دقيقة. فلا تحمِل عليها ما لا طاقةَ لها به..

اعلم([16]) أن من سنة الفاطر الحكيم -في الأكثر- ومن عادته، إعادةَ ما لَهُ أهميةٌ وقيمةٌ غاليةٌ بعينهِ لا بمثله في الأدوار والفصول المتكررة بتجدد الأمثال في أكثر الأشياء. فانظر إلى الحشر العصري والسنوي واليومي، تَرَ هذه القاعدةَ مطّردة. وقد اتفقت الفنونُ وشهدت العلومُ على أن الإنسان أكملُ ثمرات شجرة الخلقة، وله أهمية عظيمة وقيمة غالية، وفردُه كنوعِ غيره. فبالحدس القطعي يُعادُ كلُّ فردٍ من البشر في الحشر والنشر بعينه وجسمه واسمهِ ورسمهِ..

......... ([17])

اعلم أن الفذلكات المذكورةَ في أواخر الآيات لا تنظر إلى تلك الآية التي هي فيها فقط، بل تنظر إلى مجموع القصة، بل إلى تمام السورة، بل إلى جميع القرآن؛ لتساند الآيات وتلاحظها وتناظرها، فلا تزن ما في الفذلكة بميزان مآل آيتها فقط، ولا تحمِل عظمتَها على حُكمٍ جزئي مُهّد المحلُ لذكرها، وإلاّ بَخَسْتَها حقَّها. مثلاً قال: ﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ﴾(الأعراف: 174).. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾( الإسراء: 41).. ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾(الروم: 58).. و﴿إِنَّ اللّٰه عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(التوبة: 71)..

 

266
_____________________

 

و﴿إِنَّ اللّٰه عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾(النحل: 70) ومثل: ﴿لعَلّكم تَذَكَّرون﴾(الذاريات: 49) و﴿لعَلَّكم تتقونَ﴾(البقرة: 183) وأمثالها مما له عيون ناظرة إلى أكثر الآيات التنـزيلية، وأكثر الآيات التكوينية، وأكثر الأحوال البشرية.

فهذه الخواتيم القرآنية التي تُمهَرُ بها الآيات مع تأييدها لآياتها، ترفع رأسَ المخاطَب من الجزئي المشتّت إلى الكلي البسيط؛ ومن الجزء المفصّل إلى الكل المجمل. وتوجِّه نظره إلى المقصد الأعلى.. وغير ذلك من أسرار البلاغة.

اعلم([18]) يا قلبي قد يغالطك الشيطان بإراءة الغير الغير المحدود، ليهوّنَ عندك قيمةَ ما أُنعم عليك. فانظر حينئذٍ إلى احتياجك ونفسِك وعجزك وحكمة النعمة والإنعام القصدي في النعمة، وإلى عدم تناهي تجلي القدرة والعلم والإرادة، وإلى غايات وجودك ونتائجه العائدة إلى مالكه وصاحبه الحقيقي الذي له الأسماء الحسنى. وكذا يغالطك الموسوِس مستمداً من أنانيتك ومستنداً بفرعونية النفس بإراءة صغار الحيوانات وخساس الحشرات، ويضعها نصب عينك ويقول لك: ما الفائدة في خلقتها السريعة الزوال؟ فيلقنك العبثيةَ -بعد تلقين أن غايةَ الحياة هي الحياة، وأن قيمة الحياة بالبقاء- ليُسقِطَ في عينك أهميةَ الرحمة والنعمة وإتقان الصنعة فيما تشاهد هذه الثلاثة فيه، ليُنسيكَ الصانعَ بالتعطيل. فقابلْ أنت بإراءة السماوات بنجومها والأرض بحيواناتها. هذا إذا نظرتَ إليها وأنت أنت.. وأما إذا نظرتَ إلى ما هو أصغر منك، فانظر أيتها الحُجيرةُ الكبرى إلى غرائب حياة حُجيرات جسدك ووظائف الكريوات الحمراء والبيضاء في دمك الدائر مادمتَ في هذه الدار، وإلى رقائق لطائفك الطائفة بقلبك.

اعلم يا أيها الأوروبا!.([19]) إنك أخذتَ بيمينك الفلسفةَ المضلة السقيمة، وبيسارك المدنية المضرة السفيهة، تدّعي أن سعادة البشر بهما. شُلّت يداك وبئست هَديتاك.

ألا يا ناشر الكفر والكفران! هل يمكن لمن أُصيب في قلبه وعقله ووجدانه وروحه بمصائبَ هائلة، السعادةُ بكونه في ذروة الرفاه والزينة بجسمه؟

 

267
_____________________

 

ألا ترى أن مَن انكسر خيالُه أو خابَ من أمل وهمي أو انقطع رجاؤه من أمر جزئي كيف يَمرّ([20]) له الحلو ويعذّبه العَذبُ اللذيذ وتضيق عليه الدنيا؟ فكيف بمَن أُصيب بشؤمك في أعماق قلبه وروحه باليُتم الروحي والضلالة التي فيها انقطاع كل الآمال وانشقاق كل الآلام؟ فهل يقال لمَن روحُه مع قلبه في جهنم، وجسمُه في جنةٍ كاذبة زائلة: إنه مسعود؟

فاستمع أيها الروح المفسد لما يُتلى عليك، أَذكر لك واحداً فقط، من أُلوف المهالك التي أوقعت البشرَ فيها، وأُقدّم لإيضاحه مثالاً.

مثلاً: هاهنا طريقان؛ فذهبنا في هذه، فنرى في سيرنا بمد النظر في مدة السفر عند كل خطوة رجلاً عاجزاً يتهاجم عليه رجالٌ غُلَّبٌ يغتصبون مالَه ودوابَّه ويخرّبون بيتَه، وقد يجرحونه بحيث تبكي عليه السماء، فأينما نظرنا نرى الحال على هذا المنوال بحيث لا تسمع إلاّ صيحات الظالمين ونياحات المظلومين، فطمّ عليهم المأتم العمومي. فبسر: « أن الإنسان يتألم بألم الغير» والحال أن الوجدان لا يتحمل التألم بهذه الدرجة، يضطر الناظرُ للتجرد عن الإنسانية والتزام نهاية الوحشة بتبطّن قلبٍ لا يبالي بهلاك الناس عند سلامته.

فيا أوروبا ! أهديتَ بدهائك الأعور لروح البشر هذه الحالة الجهنّمية، ثم تفطنتَ لهذا الداء العضال دواءً لإبطال الحسّ في الجملة، وهو الملاهي الجذابة والهَوسات الجلابة. فتعساً لكَ ولدوائك..

ثم ذهبنا في الطريق الأخرى؛ فترى في كل منـزل وفي كل مكان وفي كل بلاد عساكر موظفين منتشرين في الآفاق والطرق، فيجيء بعضُ المأمورين فيرخّصون([21]) بعضَهم من الوظيفة ويأخذون سلاحَهم ودوابهم ولوازماتهم الميرية ويعطون لهم تذكرة الإذن، فيفرحون بالترخيص وبالرجوع إلى المَلِك وزيارته باطناً، وإن حزنوا بترك المألوف ظاهراً. ونرى أنه قد يصادف المأمورون نفراً عجمياً لا يعرفهم فيقول لهم: أنا عسكر السلطان وفي خدمته، وإليه أرجع، فإن جئتم بإذنه ورضائه فعلى الرأس والعين، وإلاّ تَنَحوا عني لأقاتلنّكم وحدي ولو كنتم أُلوفاً، لا لنفسي بل لحفظ أمانة مالكي، وحماية حيثية سلطاني وعزته. وهكذا نرى في مد طريقنا ومدة سفرنا تحشيدات بتهليل وسرور تسمى «تولدات» و«ترخيصات» بتكبير وحُبور تسمى«وفيات».

 

268
_____________________

 

فالقرآن الحكيم أهدى للبشر هديةً لو اهتدوا بها لسلكوا بها في مثل هذا الطريق..﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾( يونس: 62).

فيا أوروبا ! تزعم أن كل ذي حياة من أصغر السمك إلى أكبر المَلَك مالكٌ لنفسه ويعمل لذاته وإنما يسعى للَذته، له حق حياة وغايةُ همته حفظ البقاء. وما ترى فيما بينها من «التعاون» المأمور به من جانب خالقها: كإمداد النباتات للحيوانات والحيوانات للإنسان، تظنه «جدالاً».. حتى حكمتَ بأن «الحياةَ جدال»([22]). فيا سبحان اللّٰه كيف يكون إمدادُ ذرات الطعام بكمال الشوق لتغذية حُجيرات البدن جدالاً وخصاماً؟ بل إنما الإمدادُ تعاونٌ بأمر رب كريم.

 والدليل على أن ذا الحياة ليس مالكاً لنفسه، هو: أنَّ أشرفَ الأسباب وأوسعَها «اختياراً» الإنسانُ. والحال أنه ليس في يد اختياره ودائرة اقتداره من أظهر أفعاله الاختيارية -كالأكل والكلام والتفكر - من المائة إلاّ جزء واحد منهم. فإذا كان الأشرف الواسع الاختيار هكذا مغلولَ الأيدي عن التملك والتصرف الحقيقي، فكيف بسائر البهيمات والجمادات؟

وما ورّطك في هذا الخطأ إلاّ دهاؤك الأعور؛ إذ نسيَ ربّه الذي هو خالق كل شيءٍ، واستند بالطبيعة الموهومة وأسندَ الآثار إلى الأسباب ، وقسَّم مالَ اللّٰه على الطواغيت. فعنده يضطر الإنسان وكل ذي حياة أن يصارعَ مع ما لا يُعد من الأعداء لتحصيل ما لا يحد من الحاجات، باقتدارٍ كذرة، واختيار كشعرة، وشعور كلمعة تزول، وحياة كشعلة تنطفئ، وعمرٍ كدقيقة تنقضي؛ مع أنه لا يكفي كلُّ ما في يده لواحد من مطالبه. فإذا أُصيب بمصيبة لا يستمد إلاّ من أسباب صمّ وعمي: ﴿وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾(الرعد: 14) فقَلَب دهاؤك المظلم نهارَ البشر ليلاً متنوراً بأنوار كاذبة مستهزية. وصَيَّر كلَّ ذي حياة في نظر تلاميذه كالرجل المسكين المبتلى بهجوم الظلمة كما رأينا في الطريق الأولى.. ويرى في الدنيا مأتماً عمومياً، ويرى الأصواتِ نعياتِ الموت ونياحات اليتامى.

وصيَّرَ تلميذَه الخاص: «فرعوناً» لكن يعبد أخسَّ الأشياء. ويرى كلَّ سبب نافع أنه ربَّه.. «متمرداً» لكن يتمسكن بنهاية الذلة للذَّته. ويقبّل رِجلَ الشيطان لمنفعة خسيسة.. و«جباراً» لكن لعدم نقطة الاستناد عاجزٌ في ذاته بغاية العجز.

 

269
_____________________

 

وأن غايةَ همة تلميذك: بطنُه وفرجُه أو منفعةُ قومه، لا لقومه بل لأجل منفعة نفسه أو تطمين رقة الجنسية([23]) ،أو تسكين حرصه وغروره. ولا يحب إلاّ نفسَه، ويفدي لها كلَّ شيء..

وأما خالص تلميذ القرآن فـ«عبد» لكن لا يتنـزل للعبودية لأعظم المخلوقات ولا لأعظم المنفعة ولو كانت جنة.. و«ليّن هيّن» لكن لا يتذلّل لغير فاطره إلاّ بإذنه.. و«فقير» لكن يستغني بما ادّخر له مالكه الكريم.. و«ضعيف» لكن يستند بقوة سيده الذي لانهاية لقدرته. ولا يرضى تلميذهُ الحقيقي حتى بالجنة الأبدية مقصداً وغايةً، فضلاً عن هذه الدنيا الزائلة. فانظر إلى درجة تفاوت همة التلميذين.

وكذا، ما يرى أعظمَ الأشياء كالعرش والشمس إلا مخلوقاً عاجزاً مسخّراً مأموراً، ويرى في روحه علاقةً شديدة مع كل الصالحين من أهل السماوات والأرض، فيدعو لهم من صميم قلبه، كما يدعو المرء لأهل بيته..

فانظر التفاوتَ بين مروءة التلميذين؛ ذاك يفر من أخيه لنفسه، وهذا يرى كل العباد إخوانَه. والقرآن يعطي ليد تلاميذه بدلَ هذا التسبيح العادي([24]) أعدادَ ذرات الكائنات فيسبّحوا للّٰه، وفي أيديهم بدل التسبيح الذي عدده تسعة وتسعون «سلسلةُ جميع ذرات الكائنات» فيقرءون أورادَهم بذلك التسبيح العجيب، ويذكرون ربَّهم بأعداد ذلك، بل يزيدون.. فانظر إلى تلاميذ التنـزيل من الأولياء أمثال الكيلاني، والرفاعي(*)، والشاذلي كيف أخذوا في أياديهم سلاسلَ الذرات والقطرات وأنفاس المخلوقات وغيرها كالتسبيح يذكرون اللّٰه بها، بل يستقلّونها فيمدون أيديهم إلى ما لا يتناهى من عدد معلومات «علام الغيوب»!.. انظر إلى هذا الإنسان الذي يصارعه أصغرُ مكروب ويصرعه أدنى كرب، كيف ترفَّع وانبسط لطائفُه بفيض إرشاد القرآن، حتى استصغر الدنيا أن تكون تسبيحاً لوِرده، واستقل الجنةَ أن تكون غايةً لذكره!.. ومع ذلك لا يرى لنفسه فضلاً على أدنى شيء من خلقه سبحانه.

وأما هَدي القرآن فيقول: يا أيها الإنسان إن ما في يدك أمانةً، ومُلكاً لمالك قدير على كل شيء وعليم بكل شيء، رحيم بك، كريم يشتري منك مُلكَه الذي عندك ليحفظَه لك، لئلا يضيعَ في يدك، وأجَّل لك ثمناً عظيماً وأنت مأمور وموظف كالعسكر فاعمل بحسابه وباسمه، وهو الذي يرزقك ما تحتاج إليه، ويحفظك مما لا تقتدرُ عليه.

 

270
_____________________

 

 

وغايةُ حياتك: مظهريتُك لتجليات أسمائه وشؤونه. فإذا أصابتك مصيبةٌ فقل: «إنّا للّٰه» وفي خدمته، فإن جئتِ أيتها المصيبة بإذنه ورضاه فمرحباً بك: «إنّا إليه راجعون» وإلى رؤيته مشتاقون. وسيعتقُنا من تكاليف الحياة يوماً ما، فليكن على يدك وإن جئت بإرادته وأمره فقط ابتلاءً دون إذنه ورضاه فلا أُسلّم أمانته لغير الأمين ما استطعت.

فحقيقة الحال في الطرفين على هذا المنوال. لكن درجات الناس متفاوتة في الهداية والضلالة. ومراتب الغفلة مختلفة. لكن الغفلة أبطلت الحس بدرجة لا يحس المدنيّون بإيلام هذا الألم الأليم، ولكن بتزايد الحساسية العلمية وإيقاظات الموت تتشقق الغفلة. فويل ثم ويل لمن ضلّ بطواغيت الأجانب.

فيا شبان الترك! فهل بعد كل ما رأيتم من ظلم أوروبا معكم وعداوتهم لكم تتبعونهم في سفاهاتهم وأفكارهم بل تلتحقون بصفّهم بلا شعور؟.. ألاَ إنكم تكذبون في دعوى الحمية، إذ هذا الاتّباع استخفافٌ بالمليّة واستهزاء بالملة. «هدانا اللّٰه وإياكم إلى الصراط المستقيم».

اعلم([25]) يا من يستكثر عددَ الكفار ويتزلزلُ باتفاقهم على إنكار بعض حقائق الإيمان!

أما أولاً: إن القيمةَ ليست في الكمية، إذ الإنسان إذا لم يصر إنساناً انقلبَ حيواناً شيطاناً، لأن الإنسان إذا ترقى في الاحتراصات([26]) الحيوانية كالمنكرين للأديان، فهو أشد حيوانية. وأنت ترى كثرةَ كميات الحيوانات بلا حد وقلةَ الإنسان مع انه هو الخليفة.

وثانياً: إن الإنكار نفي، وألفُ نافٍ لا يرجَّحون على اثنين من أهل الإثبات.

فإن قلت: كافرٌ ما هو؟ .

قيل لك: فالكفار الذين لا دين لهم نوعٌ خبيث من حيوانات اللّٰه، خَلَقهم لعمارة الدنيا، وللنار.. وليكون([27]) واحداً قياسياً لدرجات نِعَمه تعالى على عباده المؤمنين.

وأما اتفاقهم على إنكار حق ونفيه فلا قوةَ في اتفاقهم بسر النفي. إذ الكفر نفيٌ وإنكارٌ وجهلٌ وعدمٌ، ولو كان في صورة الإثبات. مثلاً: لو نفى كلُّ أهل استانبول رؤية الهلال؛ وأثبت رؤيتَه شاهدان،

 

271
_____________________

 

ترجّحا على إجماعهم بسر تساندِ الإثبات، ونظرِ الإثبات إلى نفس الأمر، ونظر النفي إلى نفس النافي وعندَه.

مثلاً: لو طبّق الغيمُ في وجه السماء فرفعنا رؤوسنا، فما رأى الشمس من جميع أهل المملكة إلا حزبٌ قليل. فهل يُقبَل منك أن تقول: إن النافين متواترون، والرائون أقلّ قليل فاتّباع الأكثر أولى؟ كلا.. إذ لمن لم يرَ أن يقول: لا شمس عندي، وفي رؤيتي، دون لا شمسَ في نفس الأمر وفي وجه السماء. وهكذا فلتعددِ المدّعَى بهذا الاعتبار بين النافين لا يقوَى حُكمُ بعض ببعض. فإجماعُهم في قيمة الفرد كالاجتماع لحل مسألة، أو المرور في ثقبة ضيقة. خلافاً للمثبتين الناظرين إلى نفس الأمر لاتحاد المدّعَى وتعاونِ القوى، كالتساند على رفع صخرة عظيمة.

اعلم([28]) يا من يشوّق المسلمين على الدنيا ويدعوهم إلى صنائعها وترقياتها ويضربهم بعصا التشويق، تمهّل وتأمّل في رقة بعضِ حبالهم المربوطين بها بالدين، واحذر أن ينقطعَ قسمٌ من حبالهم فيصيرون ضرراً محضاً في الحياة الاجتماعية، بسرّ أن المرتدّ لا حقّ له في الحياة لانفساده بالكلية، خلافاً للكافر، فالشريعة تعطي له حقَّ حياة، وأن الفاسق خائن ومردودُ الشهادة، لانفساد وجدانه خلافاً للذمي في مذهب الحنفية.([29]) فاعتبر! ولا تغتَر بكثرة الفساق؛ فإن الفاسق لا يرضى بالفسق، وما طَلبه بالذات بل وقع فيه.. وما من فاسق إلاّ ويتمنى أن يكون متقياً وأن يكون آمرُه متديناً صالحاً، إلاّ إن ارتدّ، العياذ باللّٰه!..

 أتظن أن المسلمين لا يحبون الدنيا ويحتاجون لأن يُنبَّهوا ولا ينسَوا نصيبهم من الدنيا؟ كلا! بل اشتدَّ الحرصُ.. والحرصُ في المؤمن سببُ الخيبة؛ إذ الدعاةُ إلى الدنيا في كل شخص بكثرة؛ كنفسه واحتياجه وحواسه وهواه وشيطانه، وأمثالِكم من رفقاء السوء، وحلاوةِ العاجلة وغيرِها، مع أن الداعي إلى الآخرة الباقية بقلّة. فمن الحَمية والهمة إمداد القليل.

 أم تحسب أن فقرنا من زهدنا؟ كلا.. ألا ترى المجوس والبراهمة وسائر مَن تسلط عليهم الأوروبائيون أفقرَ منا؟ أم أنت أعمى لا ترى أن ما زاد على القوت الضروري لا يبقى في يد المسلمين في الأكثر، بل يغتصبه أو يختلسه الكفار بدسائسهم؟ وإن أردتَ من تمدنِهم،

 

272
_____________________

 

تسهيلَ إدارتهم وحصولَ الأمن في المملكة؛ فقد أخطأتَ الطريق. لأن إدارة مائةٍ من الفاسقين الذين فسدت أخلاقهم وتزلزلَ اعتقادُهم أصعبُ من إدارة أُلوفٍ من المتدينين. فأهل الإسلام لا يحتاجون إلى التشويق على الحرص على الدنيا، بل يحتاجون إلى تنظيم مساعيهم، والتعاون، والأمنية بينهم([30])، وما هي إلاّ بالتقوى..

اعلم!([31]) أن الحق سبحانه بكمال كرمه أَدمج قسماً من مكافأة الخدمة في نفس الخدمة، وأَدرج أجرةَ العمل في نفس العمل. حتى إن الموجودات ولو الجمادات تمتثل أوامره التكوينية بكمال الشوق والتلذذ، وبالامتثال تصير معاكسَ تجليات أسماء نور الأنوار. كالحباب الحقير المظلم الذي يتوجه بقلبه الصافي إلى الشمس، فيتنور مبتسماً في وجهك، بجعل قلبه سريرَ الشمس. وكيف لا تلتذ الذراتُ ومركباتها -بفرض شعورٍ فيها - بمظهريتها لتجليات أسماء ذي الجلال والجمال والكمال المطلق مع ارتقائها بالامتثال، مثل الحباب من نهاية الخمود والظلمة إلى نهاية الظهور والنور!

انظر إلى حواسك وأعضائك وخدَمتها التي تخدم لبقاء الشخص أو النوع كيف تتلذذ بنفس خدمتها حتى يكونُ التَركُ عذاباً لها.

ثم انظر إلى الحيوانات كيف تلتذ بوظائفها، ألا ترى الديكَ مثلاً: كيف يؤْثر الدجاجات على نفسه في دعوتها إلى أكل ما رآه من الغذاء ولا يأكل هو؟ ويُرى من طوره أنه يفعل هذا بالشوق والتلذذ والافتخار. وهكذا الدجاجة الراعيةُ لأفراخها وهي صغيرة، التاركةُ لها إذا كَبُرت كسائر الوالدات النباتية والأمهات الحيوانية غير الإنسان!.. فيظهر من هذه الحال أنها لا تعمل بحساب نفسها ولا لكمالها، بل بحساب من وظَّفها مُنعِماً عليها برحمته بإلقاء لذةٍ في وظيفتها.

ثم انظر إلى النباتات والأشجار كيف تمتثل أوامرَ فاطرها بطورٍ يرمز بشوقٍ ولذة؛ إذ تزّيناتُها ونشرُ روائحها تُظهِر شوقَها، وفداؤها نفسَها لسنبلتها ولثمراتها تُعلن أن لذتَها في امتثال الأمر. إذ تُعِدّ وتُحضر وهي سائلة من باب الرحمة أطيَب الغذاء، فتطعِم ثمرتَها بإذن ربّها. ألا ترى شجرةَ التين كيف تُطعم التين لبناً خالصاً تأخذه من خزينة الرحمة وهي لا تُطعم نفسها إلا الطين!..

 

273
_____________________

 

وشجرة الرمان تسقي الرمان شراباً صافياً مما أعطاها ربُّها وهي لا تشرب إلاّ الماء!.. وهكذا.

ثم انظر إلى الحبوبات تَرَ فيها اشتياقاً ظاهراً للتسنبل كمثل المحبوس في أضيق المكان كيف يشتاق للخروج إلى البستان. ومن هذا السر الجاري في الكون بسنةِ اللّٰه يكون العاطلُ المستريح أشقى من الساعي المجدّ، إذ ذاك شاكٍ من عمره، وهذا شاكرٌ. واندمجت الراحةُ في الزحمة، والزحمة في الراحة.([32])

ثم انظر إلى الجامدات تَرَ فيها أن ما «بالقوة» يجتهد لأن يصيرَ «بالفعل» ويسعى بسنة اللّٰه بطور يرمز إلى أن في المسألة شوقاً ولذة. ألا ترى قطرةَ الماء كيف يشتمل قلبُها على شوق لامتثال أمر بارئها، بحيث اقتدر الماءُ بشدّة ذلك الشوق مع لطافة الماء وضعفه على شق الحديد مع قوة مقاومته عند سماع أمر: «توسَّع أيها الماء بإذن ربك» بواسطة لسان البرودة! وهكذا.

حتى إن جميعَ ما في الكون من السعي والحركة: من اهتزاز الذرات، إلى دوران الشمس إنما يجري على قانون القَدر، وإنما يصدر من يد القُدرة، وإنما يَظهر بالأمر التكويني المتضمن للعلم والأمر والإرادة، بل يتضمن القُدرةَ أيضاً. حتى إن كل ذرة وكل مركب وكل ذي حياة كنفرٍ من العسكر له نَسَب في دوائر المركبات. وله وظائف لفوائد، بعدد نَسَبه فيها كذرة عينك في حُجيرة عينك، وفي عينك، وفي أعصاب وجهك، وفي شرايين بدنك.. لها في كل نسبةٍ وظيفةٌ لفائدة وهكذا.. فكل شيء يشهدُ على وجوب وجود القدير الأزلي بلسان عجزه عن تحمل ما لا طاقة له به، من وظائفه المحمولة عليه في نظام الكون وحفظ موازنة قوانينه؛ إذ «النظام والموازنة» بابان مهمان دقيقان من «الكتاب المبين». فأين الذرةُ والنحلة -مثلا- وأين قراءةُ ذلك الكتاب الذي هو في يد مَن يطوي السماء كطي السجلّ للكتب!.. وكذا يشهد كلُّ شيء على وحدة واجب الوجود الحق سبحانه بعلاقته وهو فرد بالمركبات المتداخلة المتصاعدة ووظائفِه في مقاماتها ونَظَر نِسَبِه ووضعيته إلى نقوشها!.. ثم إن الفاطر الحكيم أجملَ لكل شيء دساتيرَ بابَي «الكتاب المبين» في لذة خاصة واحتياج مخصوص بذلك الشيء، إذا عمل الشيء عليها صار ممتثلاً من حيث لا يشعر لأحكام ذلك الكتاب.

 

274
_____________________

 

مثلاً: إن البعوض في حين ما يجيء إلى الدنيا يخرج من بيته بلا توقف، فيهجم على وجه الإنسان فيضربه بعصاه فينفجر منه له ماءُ الحياة، فمَن علّمه بهذه الصنعة كرّا وفراً؟. وأعترفُ أني لو كنتُ في موقعه لما تعلّمتها إلا بتدرّس مديد وتدرب عديد. فقس على البعوضة والنحلة والعنكبوت الملهَمين كلَّ الحيوانات والنباتات، قد أعطى الجوادُ المطلق سبحانه ليدِ كل فرد منها «تذكرةً مكتوبة بمداد اللذة والاحتياج». فسبحانه سبحانه! كيف أَدرج سرائرَ ما في سطور بابَي «الكتاب المبين» في تذكرة مسطورة في رأس النحلة مثلاً، مفتاحُها لذة خاصة بالنحلة المأمورة؟

وهكذا فيظهر مما سمعتَ مما مر بالحدس الإيماني سرٌ من أسرار: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 156) وسرٌ من أسرار: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: 44) وسرٌ من أسرار: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: 82 ، 83).

اعلم يا من يدعو المسلمين إلى الدنيا، أخطأتَ!.. أتحسبُ أيها الغافلُ أن المطلوبَ بالذات من الإنسان عمارةُ الدنيا، واختراعُ الصنايع، وتحصيلُ الرزق وغيرُ ذلك مما يعود إلى الدنيا؟ والحال أن صاحب الملك الذي أمرُه بين الكاف والنون يقول بقولٍ يصدقّه الوجود والكون والواقع وتجهيزاتُ الفطرة الإنسانية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).. ﴿وَكايّن مِن دآبَةٍ لا تَحمِلُ رِزقها اللّٰه يَرْزُقُهَا وإيَاكُم﴾ (العنكبوت: 60) . أم تزعم أن مَن صنعك ويصنعك دائماً بتجديدِ وجودكَ في كل زمان يحتاجُ لما تصنعُ في نظام ملكه وإلى توسيطك في تصرفاته؟.. أترى كل مصنوعاتِ البشر تساوي خلقة نخلة أو نحلة أو صنعة عين أو لسان؟

اعلم يا أيها الغافل! إن من أبعد المحالات أن لا يَعلم مَن خلَقَك ما يتوارد عليك وأنت تتقلب فيه من الأحوال الاجتماعية والأطوار الدنيوية. فكن مَن شئت اعتقاداً وفكراً ولو معطِّلاً وماديّوناً.([33]) فبالضرورة والمشاهدة ترى في النطفة والبيضة والحبة والنواة فعالية وخلاقية وصنعة وتصرفاً. أ يمكن في عقلك أن يكون المتصرفُ في النواة -هذا التصرف البصير الحكيم الناظر إلى مناسبات تلك النواة لعالَم نوعها ولمن يستفيد منها- غيرَ عالمٍ بعالَم الأشجار وأحوالها وارتباطها بسائر العوالم؟

 

275
_____________________

 

وأن لا يرى ولا يشاهد «فالقُ الحبة ومُسَنبلها» مَن يزرعها ولِمَ يزرعها وما يحصل منها وما يحصد منها وجهةَ ارتباطها بعالم الحيوانات ومحيطها وما يجري فيه؟ أم يُحتمل عندك أن يكون مَن يصوّر البيضة -فرخاً مجهَّزاً بالآلات اللائقة بعالم الطير- غيرَ بصيرٍ بأحوال عالم الطيور وأطوار جيران الطيور من سائر الأنواع؟ أم يجوز في زعمك أن لا يرى خالقُ النطفةِ علقةً، والعلقةِ مضغةً، والمضغةِ عظاماً وكاسِ العظامَ لحماً ومُنشئه خلقاً آخر ذا حياة؛ ومصوّره بصورة تتلمع منها أثرُ صنعةِ عليمٍ، بصير حكيم، بما لا غاية فوق علمه ورؤيته وحكمته؛ ومُجهِّزُه بجهازات يتصرف بها ذلك الإنسان المخرَج من النطفة في كثير من الأنواع والعوالم. وأن لا يشاهِدَ ذلك الخلاقُ عالَم الإنسان وأحوالَه وشؤونه وما يجري على رأس نوع الإنسان. وأن لا يعلم أدوار الإنسان والعوالم التي يجول الإنسانُ فيها بجسمه وحواسه وروحه وعقله وخياله، وغير ذلك مما أُودع في جوهر الإنسان من نظارات العوالم ومراصد الحقائق؟

أيها الغافل! أ تظن أنك حرّ ومأمون من مداخلةِ مَن يمدّ إلى يدك بعصا الغصن رمانةً مصنوعةً لك وبخيط الشار([34]) بطيخةً مطبوخةً لأجلك؟ فمن غفلتك تظن صانعَ البطيخ غافلاً عن آكله، ومِن عماكَ تتوهم صانعَ الرمانة قوةً عمياء لا تعلمُ ما تعمله للمتفكّهين بالرمانة وطراوتها والمتحيرين في صنعتها القائلة: «سبحان من صوّرني فأحسن صورتي». والمتفكرين في لطافتها الناطقة بـ: ﴿فَتَبَارَكَ اللّٰه أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14). والمتأملين في انتظامها المتقن المنضّد المنادي بأعلى صوته: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14). أم تحسب أيها الجاهل أن لا يرانا ولا يعرفُنا مَن يرسل إلينا لحاجاتنا الخصوصية هذه الثمرات؟ أو لا يشاهدنا مَن يبث في ما بين أيدينا وفي خلال ديارنا ولمنافعنا بهيمات الأنعام وسائرَ الحيوانات؟

اعلم يا من يعتمد على نفسه وعلى الأسباب وعلى الدنيا! أنك حينئذٍ تصير كالذباب ذي النُجيم يترك النهارَ بشمسه، ويعتمد على نُجيم نفسه وتلمّعه في الليل.. ومثَلُك كمثل نفر عسكر يتصور أن سلطانه يعمّ إحسانُه وإنفاقُه حتى أدنى نفر وحيوان؛ ثم يقول في نفسه أين أنا؟ وأين نظرُه الخاص وعنايتُه الخصوصية من بين مالا يتناهى من المنعَم عليهم،

 

276
_____________________

 

مع أن قلبي محتاج لحبيب وشفيق خاص يعينني على حسياتي ويصاحبني. فالأولى أن أتّخذَ من دونه ولياً ومرجعاً، ثم يتحرى في خارج نظام العسكر روابطَ ومعاملات حتى يصير عاصياً، فيُطرَدُ ويُحبس «كالفاسق المحروم». ويقال له: ألم تعلم أيها المسكين أن خزينة المَلكِ تكفي لكل حاجتك وحاجات سائر الأفراد المرتزقين؟. وأما ما في يدك ويد أربابك فلا يكفي لأدنى حاجتك، إذ أنت بين أعداء لا تُعدّ وآمال لا تُحد. وإن قانون المَلك لتجرده عن الماديات لا يُشغل -ذلك القانونَ- نفرٌ عن نفر، بل يتوجه بتمامه لأي فردٍ كان. ولو كنتَ وحدكَ في السلك العسكري لما تفاوتَت المعاملة. فكأن السلطان ينظر إليك خاصةً دائماً في منظار قانونه، ويراك بأبصار ملتزمي قانونه، لاسيما إذا لم يكن السلطان مادياً كقانونه المجرد، فلا يغفل عنك حينئذٍ ولو طرفةَ عين. ففي عموم إحسانه نظرٌ خصوصي إليك، بدليل انطباق الإحسان على الحوائج التي تخصك بذاتها، أو تخصك بكيفياتها. ومفتاح هذا السر هو: أن الأحدية تتلمع في خلال وُسعة الواحدية، كتلمّع عين الشمس في خلال الضياء المحيط حتى في كل ما مسّه الضياءُ من الذرات الشفافة وكتلمع النظام التام في خلال المشوشية الظاهرية الناشئة من اشتباك أشتات الأشياء.

والحاصل: إن فاطرَك ومالكَك أرحمُ وأكرمُ وألطفُ وأرأفُ بك من كل قريبٍ وحبيبٍ ورفيقٍ وشفيقٍ وهو العليمُ بك وبأسرارك، وهو القديرُ على أعظمِ مطالبك وعلى أخفاها. فاترك الكلَّ وتوكل عليه..

اعلم([35]) أن كتابَ الكائنات الذي هو «كتابُ القُدرة» مكتوبٌ على مِسطرِ «الكتاب المبين» الذي هو «كتاب العلم» بشهادة أن هذا النظام والميزان المشهودَين المحيطين بابان بعينهما من هذين الكتابين، ورابطةُ اتصالهما، وبرزخٌ بينهما، وعنوانان لقبضتي الرحمن: ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلاّ وهما داخلانِ من باب هذين البابين في «الكتاب المبين». ولأجل أنه لا خارج في الكون والوجود من البابين بالمشاهدة، فكل شيء داخل في ذلك الكتاب.

وأما القرآن المبين الذي هو كتاب «صفة الكلام» فهو ترجمان الكتابين الغيبيّ والشهودي، القُدرتي والعلمي. وفهرستةُ البابين وفذلكة القبضتين.

 

277
_____________________

 

ومن دساتير هذه الكتب الثلاثة الآتية من الصفات الثلاث التي هي، «العلم والقدرة والكلام»؛ أنّ كلَّ حي بل كلَّ شيء كعسكرٍ موظفٍ وكعبدٍ مأمورٍ، إنما يعمل بحساب الملِكِ المالكِ له، لا بحساب نفسه ومالكيتها، ولا لِذاته ولِلَذّته، بل إنما لذّتُه في ذاتِ وظيفته. ومن زَعمَ أنه مالكٌ فهو هالكٌ، ومَن تملّك تهتّك.

اعلم أن السماوات مصنوعةٌ من غير فطور ترونها. فصانعُها أعزُّ وأجلُّ وأكبرُ وأعظمُ من أن يتعسَّر عليه إيجادُ كل جزئيات كلِّ ما في جوفها، ومن أن يخرُج من ملكه شيءٌ ما من الأشياء.. فلأجل الاشتباك التام بين جزئيات الأنواع لابد أن يكون خالقُ نوعٍ واحد كالسمك والذباب مثلاً، خالقَ كل الأنواع. فله المُلكُ وله الحمد وله الخلقُ وله الأمرُ وله الحُكمُ لا إله إلاّ هو..

اعلم([36]) أن النبي صلى الله وعليه وسلم ونبوتَه فذلكةُ الكمال والخير، وأن مسلكَه والدينَ فهرستةُ السعادة والحُسن المجرد. وقد نرى في العالم كمالاً فائقاً وحقاً ناطقاً، وخيراً شاهقاً وحُسناً شارقاً، فبالضرورة يكون الحقُ والحقيقة في جانب النبي، والضلالةُ والوهم والعدم في خلافه. فإن شئت فانظر من أُلوفِ أُلوف محاسن العبودية التي جاء بها النبيُّ إلى هذا الواحد: وهو توحيدُ قلوب الموحدين وجمعُ ألسنتهم في أمثال صلاة العيد والجمعة والجماعة، بحيث يقابل هذا الإنسان عظمةَ خطاب المعبود الأزلي بجميع أصوات القلوب وأدعيتها وأذكارِها، بتظاهرٍ وتظافرٍ في اتفاقٍ وتساندٍ وتجاوب في وسعةٍ كأن هذه الأرضَ تنطقُ هي بنفسِها، وتصلي بأقطارها وتمتثل بأطرافها أمرَ: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاةَ﴾ النازلَ بالعزّة والعظمة من فوق السماوات السبع، حتى صار هذا الإنسان المخلوق الضعيف -مع صغره وكونه كذرة بين هذه العوالم- عبداً محبوباً لخالق الأرض والسماوات وخليفةَ الأرض، ورئيسَ الحيوانات، وغايةَ خِلقةِ الكائنات. ألا ترى أن لو اجتمع في الشهادة كما في الغيب أصواتُ المكبِّرين البالغين مئاتِ الملايين في آن واحد بـ«اللّٰه أكبر» في صلاة العيد وأدبار الصلوات تساوي تكبيرَ كرة الأرض لو كبّرت، فكأن الأرض في العيد تتزلزل زلزالَها فتكبّر اللّٰه بأقطارها وأوتادها، وتتكلم من صميم قلب قِبلَتِها، بفم مكَّتِها بـ«اللّٰه أكبر» فتتموج كلمتُها متمثلةً في هواء كهوف أفواه المؤمنين المنتشرين في أطرافها، بل -وكذا- في أطراف البرزخ والسماوات جل جلالُ مَن خَلَقها ومَهَّدها وجعلها مسجداً لعباده سبحانه..

 

278
_____________________

 

اعلم([37]) يا من يُحبُّ أن ينظر ويصلَ إلى نور معرفة الحق سبحانه من مسامات الدلائل والبراهين ومن مرايا الآيات والشواهد، لا تتجسّس بأصابع التنقيد ما جرى عليك، ولا تنقد بيد التردد ما هبّ إليك، ولا تمدنّ يدَك لأخذ نورٍ أضاء لك. بل تجرّد وتعرّض وتوجّه.. فإني قد شاهدتُ من أنواع الشواهد والبراهين ثلاثة:

قسم منها كالماء يُرى ويُحسّ، ولكن لا يُستمسَك بالأصابع، فتجرد عن خيالاتك وانغمس فيه بكليتك، ولا تتجسسّ بإصبع التنقيد، فإنه يسيل ولا يرضى بالإصبع محلاً.

وقسم منها كالهواء يُحسّ ولكن لا يُرى ولا يُتخذ.. فتعرّض بوجهك وفمك وروحك لنفحات رياح الرحمة، ولا تقابلها بيد الأخذ والتنقيد والتردد بدل تنفسِ الفم وتروّح الروح، فإنه يزول، وهو منطلقٌ ولا يرضى باليد منـزلاً.

وقسم منها كالنور يُرى ولكن لا يُحس ولا يُؤخذ؛ فتوجّه ببصرِ بصيرتك مقابلاً له بقلبك، فإن النور لا يؤخذ ولا يُصاد إلا بالنور، ولا تمدّ يداً ماديةً حريصة، ولا تزنه بميزان الماديات فانه يختفي، وإن لم ينطف. ولا يرضى بالماديّ حَبساً وقيداً وبالكثيف مالكاً وسيداً..

اعلم([38]) وانظر إلى درجة رحمة القرآن وشفقته على جمهور العوام ومراعاته لبساطة أفكارهم كيف يكرر ويُكثر الآياتِ الواضحةَ المسطورة في جباه السماوات والأرض فيُقرؤهم الحروفات الكبيرة الظاهرة التي تُقرأ بكمال السهولة بلا شبهة كخلق السماوات والأرض، وإنزالِ الماء من السماء، وإحياء الأرض وأمثالها. ولا يوجّه الأنظار إلى الحروف الدقيقة المكتوبة في الحروف الكبيرة إلاّ نادراً. ثم انظر إلى جزالة بيان القرآن كيف يتلو على الإنسان ما كتبَتْه القدرةُ في صحائف الكائنات، حتى كأن القرآن قراءةٌ للكائنات ونظاماتها وتلاوةٌ لشؤون مكونها وأفاعيله. فإن شئت فاستمع بقلب شهيد أمثال سورة «عمَّ» وآية: ﴿قُل اللّهُمَّ مالِكَ المُلك..﴾ ( آل عمران: 26) وأمثالهما..

اعلم([39]) أني قد أكتب تضرّعَ قلبي إلى ربي -مع أن من شأنه أن يُستَرَ ولا يُسطر- رجاءً من رحمته تعالى أن يقبل نطق كتابي، بدلاً عني إذا أسكت الموتُ لساني «ومنه هذه المناجاة»:

 

279
_____________________

 

يا ربي الرحيم ويا إلهي الكريم!.

قد ضاع بسوء اختياري عمري وشبابي وما بقي من ثمراتهما إلاّ آثام مؤلمة مذلة، وآلامٌ مضرة مضلة، ووساوسُ مزعجة معجزة. وأنا بهذا الحمل الثقيل والقلب العليل والوجه الخجيل متقربٌ بالمشاهدة بكمال السرعة؛ بلا انحراف، وبلا اختيار كآبائي وأحبابي وأقاربي وأقراني إلى باب القبر، بيت الوحدة والانفراد في طريق أبد الآباد للفراق الأبدي من هذه الدار الفانية الهالكة باليقين، والآفلة الراحلة بالمشاهدة، ولاسيما الغدارة المكارة لمثلي ذي النفس الأمارة.

فيا ربي الرحيم، ويا ربي الكريم!.

أراني عن قريب قد لبستُ كفني وركبت تابوتي وودّعت أحبابي وتوجهت إلى باب قبري، فأنادي في باب رحمتك:

الأمانَ .. الأمانَ يا حنان يا منان نجّني من خجالة العصيان.

آه كفني على عنقي، وأنا قائم عند رأس قبري، أرفعُ رأسي إلى باب رحمتك أنادى:

الأمان .. الأمان يا رحمن يا حنان خلصني من ثقل حمل العصيان.

آه أنا ملتفٌ بكفني وساكن في قبري وتركني المشيعون، وأنا منتظر لعفوك ورحمتك.. ومشاهد بان لا ملجأ ولا منجا إلا إليك وأنادي:

الأمان .. الأمان من ضيق المكان ومن وحشة العصيان ومن قبح وجه الآثام، يا رحمن يا حنان يا منان يا ديان نجّني من رفاقة الذنوب والعصيان..

الهي !.. رحمتُك ملجئي ووسيلتي، وإليك أرفع بثي وحزني وشكايتي..

يا خالقي الكريم، ويا ربي الرحيم، ويا سيدي، يا مولاي!

مخلوقُك ومصنوعُك وعبدك العاصي العاجز الغافل الجاهل العليل الذليل المسيء المسن الشقي الآبق قد عاد بعد أربعين سنة إلى بابك؛ ملتجئاً إلى رحمتك، معترفاً بالذنوب والخطيئات، مبتلىً بالأوهام والأسقام، متضرعاً إليك. فإن تقبل وتغفر وترحم فأنت لذاك أهل وأنت ارحم الراحمين . وإلاّ فأي باب يُقصَد غيرُ بابك، وأنت الرب المقصود والحق المعبود. ولا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك..

آخر الكلام:

أشهد أن لاَ إله إلاّ اللّٰه وأشهد أن محمّداً رسول اللّٰه

 

*  *  *

 

280
_____________________

 

-----------------------------

([1])  طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة «نجم استقبال» باستانبول سنة 1341هـ (1923م) ثم ترجمها الأستاذ النورسي إلي اللغة التركية مع شيء من الإيضاح وجعلها «اللمعة السابعة عشرة» في خمس عشرة مذكرة وقد أشرنا إلى موضع كل مسألة من اللمعة المذكورة، فمن شاء فليراجعها.

([2])  المسألة الرابعة من المذكرة الثالثة عشرة للّمعة السابعة عشرة  توضح هذه المسألة. وفي (ط1): اعلم يا سعيد الشقي: إن ما يوصل...

([3])  المسألة الخامسة من المذكرة السابعة للّمعة السابعة عشرة  .

([4])  يراجع الرمز الأول من المذكرة الرابعة عشرة للّمعة السابعة عشرة  .

([5]) «نفخت في غير ضرم».. مثل يضرب لمن يصنع الشيء في غير موضعه. والضرم: النار أو الحطب السريع الالتهاب، ونفخ في غير ضرم أي في مكان لا نار فيه.

 وللشريف الرضي: تَسومُني الضَيمَ لَقَد       نَفَختَ في غَيرِ ضَرم

ولصفي الدين الحلي: رَجَوتُكُم نُصَحاءَ في الشَدائِدِ لي      لِضُعفِ رُشدِيَ وَاِستَسمَنتُ ذا وَرَمِ

([6])  الرمز الثاني من المذكرة نفسها.

([7])  الرمز الثالث منها.

([8])  كلمة تضجر.

([9])  يراجع الرمز الرابع من المذكرة الرابعة عشرة للّمعة السابعة عشرة .

([10])  المسألة الأولى من المذكرة الخامسة عشرة للّمعة السابعة عشرة .

([11]) السَبَد: جمع أسباد: القليل من الشعر، يقال: «ما له سبدٌ ولا لَبَد» أي لا شعر ولا صوف، يقال: لمن لا شيء له (انظر: مجمع الأمثال للميداني).

([12]) الصُبرة: ما جُمع من الطعام بلا كيل ولا وزن.

([13])  الفيفاء: الصحراء الملساء والجمع: فيافي.

([14])  في (ط1): اعلم! أنى رأيتني في المنام وأنا أقول للناس: يا أيها الإنسان! إن من دساتير القرآن: أن لا تحسبن شيئا مما سواه سبحانه أعظم منك بحيث تتعبد له.. وأن لا تحسبن أنك أعظم من شيء من الأشياء بحيث تتكبر عليه. إذ يتساوى ما سواه في البعد عن المعبودية وفي نسبة المخلوقية.

([15])  تراجع المذكرة الثالثة للّمعة السابعة عشرة .

([16])  تراجع المذكرة الرابعة للّمعة السابعة عشرة .

([17])  في (ط1) اعلم! يا نفسي الجاهلة المغرورة! إن لكل مقام ومرتبة ظلاً، بل ظلالاً متباينة وأين الظل من الأصل؟ فهل يليق بمن يرى عكس سرير سلطان في الماء تحته أو في المنام، فقعد عليه أن يظن نفسه سلطاناً أو مساوياً للسلطان؟ أو يشاهد النجوم في حوضه فيظن نفسه في السماء كمن يسري بين النجوم وفوقها. على أن من يرافقه علمه وعقله في السير الملكوتي على خطر عظيم من الغرور، فيقيس نفسه بسبب أخذ علمه ظلاً من ظلال مرتبة على صاحب أصل المرتبة. وكذا على خطأ جسيم من العجب فقد يقول كفراناً للنعمة: ﴿إنما أوتيته على علم...﴾ ﴿بل هي فتنة﴾.

([18])  قد مرّ في ذيل الحباب إجمال هذه المسألة. المؤلف.

([19])  إن أوروبا اثنان: أحدهما: نافع للبشر باستفادته من الدين العيسوي والمدنية الإسلامية. أظهر بإحسان اللّٰه ما يستريح به البشر في هذه الحياة.. وأوروبا الثاني: خالف الأديان السماوية واستند بالفلسفة الطبيعية المادية وغلبت سيئات المدنية حسناتها، وصار سبباً لمشقة اكثر البشر وشقاوتهم. فإني أخاطب هذا القسم الثاني - المؤلف. والمذكرة الخامسة للّمعة السابعة عشرة توضح المسألة أكثر.

([20])  من المرارة التي هي ضد الحلو.

([21])  أي: يسرحونهم من الوظيفة.

([22])  أي: أن الحياة صراع دائم والبقاء فيها للأقوى!

([23])  تطمين ما يشعر به من رقةٍ نحو بني جنسه.

([24])  المراد: المسبحة.

([25])  تراجع المذكرة السادسة للّمعة السابعة عشرة .

([26])  أي: أوغل في الحرص على الحياة الدنيوية المادية.

([27])  ليكون كل كافر واحداً قياسياً.

([28])  تراجع المذكرة السابعة للّمعة السابعة عشرة .

([29]) انظر : بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج 1  ص156  والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ج 9 ص 310

([30])  إشاعة الثقة، فيأمن بعضهم بعضاً.

([31])  تراجع المذكرة الثامنة للّمعة السابعة عشرة .

([32])  أي الراحة في التعب والنصب، والضيق والتعب في الراحة.

([33])  أي: ولو منكرا لوجود اللّٰه وممن يحصرون الوجود فيما يرونه من مادة فقط.

([34])  شار العسل: اجتناه.

([35])  في المكتوب العاشر وفي حاشية المقصد الثاني من الكلمة الثلاثين يميّز الأستاذ النورسي بين «الكتاب المبين» و«الإمام المبين».

([36])  تراجع المذكرة التاسعة للّمعة السابعة عشرة .

([37])  تراجع المذكرة العاشرة للّمعة السابعة عشرة .

([38])  تراجع المذكرة الحادية عشرة للّمعة السابعة عشرة .

([39])  تراجع المذكرة الثانية عشرة للّمعة السابعة عشرة .

 

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet