الرسالة الثالثة عشرة
نور
من أنوار نجوم القرآن
425
_____________________
باسمه سبحانه
اعلم لقد كشف هذه الرسالةَ الباحثُ الدؤوب أخونا الكريم «نجم الدين شاهين أر» وذلك أثناء تحرّيه وتنقيبه عن آثار الأستاذ النورسى ، فوجدها ضمن مجموعة هائلة من الأوراق المتفرقة المدفونة تحت منصّة الوعظ في الجامع الملاصق لمنـزل الأستاذ النورسى في منفاه «بارلا». ولمّا كانت الرسالة مؤلّفةً باللغة العربية سلّمها لي مشكوراً وقد قمتُ بترجمتها إلى اللغة التركية وضممتها إلى ترجمتي للمثنوي العربي.
والمخطوط هو بخط جيّد للحافظ توفيق الشامي، وقد أجرى عليه الأستاذ تصحيحاتٍ دقيقة. والرسالة بحد ذاتها أصول موجزة وأسس ملخّصة لأجزاء من «رسائل النور»، ومن هنا فلها أهمية خاصة.
وإذ أُقدّم هذا المخطوط لأخي الكريم إحسان قاسم الصالحي أبارك له عمله في التحقيق والنشر راجياً له التوفيق.
عبد القادر بادللى
أورفة
* * *
426
_____________________
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
﴿الْحَمْدُ للّٰه الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّٰه لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾(الأعراف: 43).
والصلاة والسلام على حجّةِ الحقّ على الخَلق سلطانِ الأنبياء وبرهان الأصفياء حبيبِ ربِّ العالمين وعلى آله وصحبه أبد الآبدين.
اعلم([1])! أنه ما ِمنْ سهل ولا جبلٍ ولا وادٍ ولا بادٍ ولا بحرٍ ولا بَرٍّ ولا قطعةٍ ولا بقعة في أقطار الأرض إلاّ وقد تزاحمَتْ عليها أنواعُ سكّاتِ الأحدِ الصمدِ، حتى كأن هذا الجبلَ -مثلاً- يُعلَمُ أَنَّهُ مملوكُه سبحانه، بعدد ما فيه من مماليكهِ المتوطنةِ فيهِ من أقسام الحيواناتِ وأصناف الأشجار.. وكذا يُعرَف أنّه مصنوعُهُ تعالى بعدد شهاداتِ ما ضُرِبَ عليه من سِكّاتهِ المتلألئة عليه من أجناسِ النباتات وأنواع الطيور.. ويُفهَم أنَّهُ مكتوبُهُ جلّ جَلاله بعدد ما ضُرِب على جوانبهِ من خواتمهِ سبحانَهُ من مُزيّنات الأزهار وجميلات الأثمار.
فإذا عَرَفْتَ أن النَّحلَ والنَّخلَ -مثلاً- مالُهُ وصُنعُهُ سبحانه تَعرِفُ أنّ كلَّ ما يُوجَدُ فيه نحلةٌ أو نخلةٌ هو أيضاً مُلكُه. وهكذا الكلُّ شاهدُ الكلِّ. وكلٌّ دليلُ كلٍّ.
والدليل على أنّ السِكّاتِ والخواتمَ في جميع الأقطار لِمَلِكٍ واحدٍ ومالكٍ صمدٍ وحدةُ زمانِ ضَربها ووضَعِها. ففي آنٍ واحدٍ يُوجَدُ ما لا يُحدّ في أقطار الأرض من المتماثلات من أجناس الأشياء. فما هذا التوافقُ في الوجود والإيجاد والصورة والإنشاء والزمان إلاّ لأن صانعَها واحدٌ أحدٌ لا يمنعُه فعلٌ عن فعل ولا يُشغلُهُ شأنٌ عن شأن ولا يلهيه قولٌ عن قول ولا يختلطُ عليه سؤالٌ -قولاً أو حاجةً أو استعداداً- بسؤالٍ كذلك، جلّ جلالُه ولا إله إلاّ هو.
اعلم([2])! أنّك إن شئْتَ أنْ ترشُف إعجازيةً أُفيضتْ على قلبي من عمان القرآن.. فاستمعْ بقلبٍ شهيد ما أُخاطب نفسي.
427
_____________________
أيها السعيد الغافل حتى عن نفسه وعن غفلته!.
إنَّ الغفلةَ والكفرانَ والكفرَ تأسسّتْ على محالات متضاعفة متسلسلة غير محصورة؛ إذ إذا نظرتَ إلى أيّ شيءٍ كان -لاسيما من ذوي الحياة- ثم غفلتَ بسبب عدمِ الإسناد إليه تعالى -أي إلى الإله الواحد- لَزِمتك هذه المحالات العجيبةُ بقبولِ آلهاتٍ بعدد أجزاء التراب والهواء والماء.. بل بعدد الذرات ومركباتها.. بل بعدد تجليات اللّٰه .. ولو أمكن عدمُ الإسناد لما لَزِم من فرضِ وقوعِهِ محالٌ -إذ إذا لَزِمَ المحالُ فهو ممتنعٌ، لا ممكنٌ، مع أنه لا يلزمُ محالٌ واحد- بل محالاتٌ غير محصورة.
أمّا لزومُ آلهاتٍ بعددِ أجزاءِ التراب: فلأنّك تعلم أن أيّ جزء من التراب ترى، يَصْلُح لحصول أيِّ نباتٍ وشجرٍ وأيَّةِ زهرة وثمرةٍ.. فإنْ شِئْتَ عينَ اليقين فاملأ قصعَتك هذه من التراب.. ثم ادفن فيها نواةَ التين حتى تتشجّر تينةً مثمرةً.. ثم اقلعها وادفنْ بَدَلَها نواةَ الرُّمانةِ. ثم بعدُ نواةَ التّفاح.. ثم.. وثم.. وثم.. حتى تستوعب جَميعَ الأشجار المثمرةِ، وقد ترى كم ما بينها من التفاوتِ في الجهازاتِ المنظمةِ والتشكلاتِ الموزونة.
مثلاَ: لو كانت (الماكينة القَدَرية) المندمجةُ في نواة التينة (كالفابريقة) التي تصنع السكّرَ من النباتاتِ لكانت (الميكانيكية القُدرتية) المندرجة في نواةِ الرّمانة كالماكينة التي تنسج الحريرَ وهكذا فقس. ثم ادفن بدلَ نواةِ الأثمار كلَّ واحدٍ من بذور الأزهار، بذراً فبذراً، واحداً بعد واحد إلى أن لا تبقى بذرةٌ في الدنيا إلاّ وقد دخلتْ في قصعتك ذرّةً ميتةً جامدةً ثم خرجتْ حيةً متسنبلةً متزهرّة.
فيا صاحبَ القصعةِ إنْ حصلتْ غفلتُك من مذهب المادّيين؛ لزِمك البتة وبالقطع واليقين الأوليّ -لإدامة غفلتك- أن تقبل وجودَ (فابريقات) معنوية بعدد الأشجار (وماكيناتٍ) بعدد الأزهار في قصعتك هذه. فلو كان المرجِع «الطبيعةَ» لَزِمَ أن يكون للطبيعة في كلِّ جزءٍ من التراب بل في ذرّةٍ مطبعات غير محصورة.. وما النواتاتُ والبذورُ إلاّ أمورٌ متماثلة في المادة، ومشابهة في التشكيل، ومتقاربةٌ في الشكل.. وما هي إلاّ كمثل مثقالٍ واحد من قطن مع أنه يُنسَج منه قناطيرُ مقنطرة من أثواب الحرير والجوخ والصوف وغيرها. وآية: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾(النساء: 1) وآية: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء﴾(النور: 45) وغيرهما، تشير إلى أن المادة التي تُخلَقون منها لمّا كانت واحدة لا مركبةً كمثل أحدِكم، بل أصغر،
428
_____________________
لا يمكن أن تكون مصدراً تنشقّون منه أو منشأً تُصنَعون منه، للزوم كونِ المصنوع منه أكبرَ أو مساوياً للمصنوع، على أن إيجاد البذور والنواتات -التي كلٌّ منها مع بساطتها كأنّها مِسطر قُدّرت خيوطُه بهندسة القَدَر، ومع صغرها كأنّها أصلٌ متضمن لمجموع دساتيرِ وجودِ ما هو كأصلها- مع إبداعها في رقائقِ نهاياتِ دقائق حدودِ أغصان الشجر وأعضاء النبات.. من أصدقِ شاهدٍ على أن خلْقَها هكذا لا يُتصوّر إلاّ ممن خَلق السماوات والأرض، الذي تتساوى بالنسبة إلى قدرته الذراتُ والشموس.
وإن نشأتْ غفلتُك من مذهب الطبيعيين، لَزِمك لحفظِ غفلتك -إن كنتَ ذا شعور- أن تقبلَ في قصعتك وجودَ قدرةٍ بصيرةٍ خارقةٍ، بحيث تقتدر على تصوير جميع الأثمار والأزهار وإنشائها وإبداعها.. وكذا وجودَ علمٍ محيطٍ بتفاصيل خواصها وخاصيّاتها.. وكذا وجودَ إرادة علمية بتفاريق موازينها ولوازماتها.. وهكذا من سائر الأسماء المطلقة المحيطة التي لا يمكن أن يكون مسمىً لها إلاّ مَن يطوي ﴿السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾(الأنبياء: 104) ومَنْ؛ كما أن الأرضَ قبضتُه يتصرف فيها كيفما يريد، كذلك القلبُ بين إصبعيه يقلّبه كيفما يشاء، لا يُشغلُه كبيرٌ عن صغير، ولا يُلهيه خطيرٌ عن حقير.. وإلاّ مَن يتجلّى بنور قدرته على العرش والشمس والذرّ، باليُسر والتساوي؛ كانعكاس الشمس على البحر والمرآة والقطرات بكمال السهولة والمساواة في ماهية الفيض وإن تفاوتت الكيفيةُ التابعة للقابلية.
كما يشهد لهذا السرّ ما يشاهَد في الربيع من الجود المطلق نوعاً.. في الإتقان الأكمل -شخصاً- في السهولة المطلقة، في السرعة المطلقة في إيجاد ما لا يحدّ من أفرادِ ما لا يُعدّ من أنواع الأزهار والأثمار المنثورة والمنشورة في غالب وجه الأرض في زمان واحد.
ثم أفرِغ قصعَتك في هذا التراب واملأها من صُبرة الأرض واعمل في هذا أيضاً كل المعاملة الجارية في أخيه الأول، ثم جدِّد الكيل والمعاملة إلى أن تكيل كلَّ التراب.
كما يشهد لمساواة المعاملة في كلّ كَيلٍ جريانُ المعاملة بالفعل في الجملة في غالب وجه التراب بظهور أشتات أفراد كثيرٍ من الأنواع في ما صادفته من صفحات التراب في سيرك في الأرض.
429
_____________________
ثم توجّه إلى الهواء والماء والضياء فَزِن وكِلْ بقسطاس قصعتك تخرج لك النتيجةُ سواءً بسواء.
هذا بالنظر إلى جميع أفراد جميع الأنواع، والحال أن كل فرد واحد من كلّ زهرة وثمرة وحيوان وحُوَيْنَةٍ كقطرة محلوبةٍ معصورة من كل الكون، ومأخوذة من أجزاء العالم بموازين دقيقة حسّاسة وبنظامات رقيقة جسّاسة لا يقتدر على خلقها هكذا إلاّ مَن في قبضته تصرُّف كلّ الكون، فيعصر تلك القطرةَ من تلك الكائنات بموازين ومقادير قَدَره إن شاء النشوّ([3])، أو يُبدعُ مثالاً مصغراً يكتب في نسخته مآل ما في الكائنات، إن أراد الإبداعَ وإيجاد الأيس من الليس([4])، كما هو الحق أو الأكثر المطلق.
وأما لزوم ذي الكفر والكفران آلهةً بعدد ذرّات العالم، فقد مرّ في «حَباب» و«قطرة» وغيرهما.. [4] وأما بعدد تجليّات اللّٰه ، فقد مرّ في ذيل «شعلة» زبدتُه؛ كما أن تماثيلَ الشمس المتجلية على الشفافات والقطرات إذا لم تُسند إلى الشمس الواحدة بالتجلّي السهل، لزِم قبول شموس بالأصالة في كلّ شفاف وقطرة وذرة متشمسة.
فإن تفهمتَ ما تلوتُ على نفسي، تفطنتَ للمعةٍ من أنوار إعجاز بيان القرآن من جهةِ المعنى، إذ هذه المسألة رشحةٌ من رشحات بحر إعجازه الزاخر المعنوي.
اعلم ([5])! أن الإيمانَ إكسيرٌ يقلِبُ فحمَ المادة الفانية ألماساً مصنّعاً مرصّعاً باقياً بمعناه بنسبته إلى الصّانع الباقي.. والإنسانُ بالكفر يعكس فينتكس، إذ كما أنه يوجد في مصنوعات البشر ما تكون قيمةُ مادته خمسةَ دراهم، وقيمةُ صنعته ألوف الدنانير، وتتزايد القيمة بكون صانعه شخصاً مشهوراً خارقاً عتيقاً.
كذلك في مصنوعات الصانع القديم ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾(الأعراف: 54) وزيّن السماءَ بمصابيحَ، والأرضَ بأزاهير. بل من أغرب مصنوعاته «الإنسانُ» الذي مادتُه «صلصالٌ كالفخار» ينكسر ويتمزّق بسرعة، ما قيمتُه إلاّ شيءٌ قليل.. وأما ما فيه من الصنعة فأمرٌ عظيمٌ تزيد قيمتُها على قيمة المادة بدرجات لا تعد ولا تحصى.. إذ الإنسانُ بنقش الصنعة قصيدةٌ منظومةٌ من لطائف آثار جلوات الأسماء الحسنى.. ومرآةٌ مجلوةٌ لتجليات أشعّات شؤون شمس الأزل والأبد.
430
_____________________
فالإيمان نسبةٌ يَنسِبُ الإنسانَ إلى مالكه، وجهةُ النسبة إنما تنظر إلى الصّنعة، فيكون مدارُ النظر حينئذٍ إلى المصنوعية والصنعة. فبالإيمان تزيد قيمةُ الإنسان إلى أن تصيرَ الجنةُ ثمنَه، وتكون الخلافةُ رتبتَه، ويطيق على حمل الأمانة.. وأما الكفر فهو قاطعُ النسبةِ، وقاطعُ الوصلة.. فإذا انقطعت النسبةُ استتر الصنعُ، وانتكست الصنعةُ واختفى التجلي، وظهرت المادةُ، وانقلبت المرآةُ وسقطت القيمةُ إلى دركة يتمنّى الكافرُ العدمَ، أو ينقلب تراباً.
الحاصل: إنَّ الإنسان كماكينةٍ مشتملة على ملايين آلاتِ الوزنِ وميزاناتِ الفهم، توزَن بها مدّخراتُ خزينة الرحمة.. وجواهر ثروة الكنـز الخفي. حتى أُودعَ في اللسان فقط جهازاتٌ للوزن بعدد المطعومات، ليحسّ ذوو اللّسان بأنواع دقائق نِعَم الحق. فإذا استعمل تلك الماكينة أمينُ يمين يُمن الإيمان أثمرت ثمرات وأورثت آثاراً عند مَن لا يضلّ ولا ينسى.
وأما إذا ما وقعت في يد الكفر صارت كمثل ماكينة غالية القيمة بلا مثيل، أخذها وحشيّ لا يعرف ما هي، فاستعملها في خدمة النّار -كآلة عادية- حتى أحرقها.
فيا مَن بيده ملكوتُ كلِّ شيء، وبيده مقاليدُ كل شيء، ويا مَن هو آخذٌ بناصيةِ كل شيء، ويا مَن عنده خزائن كل شيء، لاتكِلنا إلى أنفسنا، وارحمنا، ونوّر قلوبَنا بنور الإيمان والقرآن.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللّٰه حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللّٰه الْغَرُورُ﴾(لقمان: 33)
اعلم([6])! أيها السكران السفيه الغافل الضّال! تورطتَ في مزبلة الدنيا فتُريد إضلالَ الناس بتصوير تلك المزبلة معدنَ السّعادة ليتخَفّف عنك. فإن أمكن لك قلبُ أربعِ حقائق فاصنع ما شئت.
أحدها: الموت؛ مع أنّك لا تقلِب، بل تبدّل الموتَ الذي هو تبديلٌ لمكان في نظر المؤمن إعداماً أبدياً.
والثاني: العجز؛ في مقابلة الحاجات والأعداء الغير المحصورين، مع أنك تحوّل العجزَ المنجر للاستناد إلى القدير المطلق -كأن العجزَ داعٍ يدعوك إليه- إلى عجز مطلقٍ مع اليُتم وعدم نقطة الاستناد.
431
_____________________
والثالث: الفقر؛ في الأكثر المطلق، مع أنك تصرِف الفقر -الذي هو وسيلة التوجه إلى خزينة الغني المطلق كأن الفقر تذكرةٌ دعوة- إلى فقرٍ مظلمٍ مؤلم متزايد بتزايد رذائل المدنية.
والرابع: الزوال؛ إذ زوالُ اللذة ألمٌ دائم. فلا خيرَ في لذةٍ لا تدوم. مع أنك تحوِّل الزوال –الذي هو وسيلة الوصول إلى اللذة الباقية إن قارنَ نيةً صالحة– زوالاً أليماً، لا إلى بديلٍ، مورثاً آلاماً وآثاماً. فمَن ينتظر الموتَ دائماً.. ويحيط به العجزُ.. ويستولي عليه الفقر.. وهو على جناح السفر.. إنما ينخدع بسفسطياتك. حالهُ السُكر فقط، والسُكر لا يدوم. [5] فالتي تسمّيها سعادةَ الحياة، هي عينُ شقاوةِ الحياة من كل الوجوه، وإنما تكون سعادةً ظاهرية بشرط دفع الموت أو نسيانه على الإطلاق.. ورفعِ العجز أو الغرور المطلق.. ودفعِ الفقر. أو الجنة المطلقة ودوام الخلود أو تسكين جرخ الفلك.
نبّهني اللّٰه وإياكم عن نوم الغفلة الذي تظنون فيه اليقظةَ الكاذبة -التي هي انغماسٌ في غمرات النوم- انتباهاً، وأفاقني اللّٰه وإياكم من الجنون المطلق الذي تتوهمونه عقلاً منوراً.
اعلم وانظر كيف أدرجَ الصانعُ القدير ملايينَ عوالمَ من أنواع الحيوانات والنباتات في سطح الأرض، كلُّ عالَمٍ كبحرٍ صارت قطراتٍ للتوظيف، كتوظيف النمل لتنظيف وجه الأرض من جنائز الحُوَينات. وقد أطبقت تلك القطرات على وجه الأرض.. أو ككلٍّ ذي أجزاء صار ككلّيّ ذي جزئيات.
كما أن الماءَ والهواء والضياء والتراب لاسيما الثلج كقطراتٍ صارت بحراً لتماثل الوظيفة، ووحدةِ الأمر، وتلقي الأمر الوحداني. فأجزاء الأربعة ككلياتِ تلك مشعورةٌ معلومة موظفةٌ. فتداخلت تلك العوالمُ الغيرُ المحصورة واختلط الكلُّ بالكلّ واشتبك، مع أن الصانعَ الحكيم ميّز كلَّ واحدٍ عن كلِّ واحدٍ بتشخصّاته المخصوصة ولوازماته المشخّصة، فأظهر نهايةَ الامتياز في غاية الاختلاط، بحيث يَضعُ عالمَ النمل أو الذباب -مثلاً- فيما بين أجزاءِ عوالم ذوي الحياة بإيجاد يخصّه ثم يرفعه بإماتة تخصّه، كأن سطحَ الأرض وطنُه فقط، فلا تتشوش حياةُ الخاصة ولا مماتُها المعيّن. فنسبةُ عالَمٍ إلى سائر العوالم المجاورة له، كنسبة حُسن انتظام تربيةِ فردٍ -مغمور في الأفراد- إلى تدبير النوع. لا يُشغل الصانعَ هذا عن ذاك، ولا ذاكَ عن هذا.
432
_____________________
فيا مَن غشي بصرَه بالطبيعة! وختم قلبَه بالطبع! إنْ تصورتَ الطبيعةَ الموهومة -التي لو تحققت لكانت كالمطبعة- طابعةً صانعةً لَزمك أن ترى للطبيعة في كلّ جزءٍ من التراب مطبعات مكمَّلات تزيد على جميع مطابع المدنيين.
اعلم أيها الحيوان! لا تفتخر هكذا على النبات؛ إذ تفنُّن الصنعةِ في أختك أتمُّ منها فيك. ألاَ ترى أن أجناسَ الحيوانات متقاربةٌ أو متماثلة في لحومهم مع أن لحومَ أجناسِ الثمراتِ حتى أنواعها بل حتى أصنافها متفاوتةٌ متخالفة؟ فهذا أمارةٌ على أن قلمَ القُدرةَ تأنّقَ فيها. وكذا إنَّ بركةَ النسلِ في الحيوانِ والبشرِ إذا كانت سبعاً ففي النباتِ والشجر سبعون، وسبعُ مائة، وسبعة آلاف. إلاّ السمك فإنه لأجل ضعف الحسيات الحيوانية فيه ملحَقٌ بالنباتات. تشير هذه الحالة إلى أنه للإطعام كالحَبّ.. فهذا علامةُ الخيرية والأهمية فيه.
وكذا إن أُختك النبات والشجرَ مخدومةٌ متوكِّلةٌ، يجيء إليها رزقُها ورزقُ أولادِها الكثيرة. حتى كأنَّ جرثومةَ كلِّ شجرٍ متصلةٌ بخزينة الرحمة، لها منها منفذٌ إليها. فتقسمُ الرحمةُ عليها ما يوافقُ حاجاتِها المتخالفةَ فتعطي ولد التين لبناً خالصاً -ولبنات الرمّان شراباً طهوراً- ولأبناء الزيتون دهناً مباركاً.. وللجوز زيتاً منوّراً.. وهكذا فهذا آية (الحُرمة).([7])
فيا أيها الحيوان المتكبر إنّ سبب ترجيحِ مرجوحِك بمراتِبَ، عليك بثلاث مراتبَ هو أنانيتُك ومرضُك واختيارُك فأسْلِمْ تسْلَمْ.
﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28)
اعلم ([8])! أيها الإنسان! لا تتكبّر على الحيوان، إن سببَ رفعتِك على سائر الحيوانات إنما هو ضعفُك وعجزك، كما أنَّ الصبيَّ يحكم على والديه وإخوانه بقدرة عَجزه وقوة ضَعفه.. هل ترى في الحيوانات أعجزَ منك في تحصيل لوازمات الحياة، بل ما يحصل لك بالتجارب والتدرّس في عشرين سنةً -مما يلزم لحفظ حياتك- يحصل للحيوان في عشرين يوماً، وبعضاً في عشرين ساعة، وبعضاً في عشرين دقيقة، بل فردُه برأسه يساوي في حفظ الحياة الحيوانية جماعةً متعاونةً منكم. كما أن فرداً منكم يساوي أنواعاً منهم، من جهة كمال الإنسانية المنحصرة في الإسلامية والعبودية.
433
_____________________
يا هذا ويا أنا! إمّا تصير أدنى من أدنى الحيوانات وأذلَّ وأعجَزَ. وإمّا تصير أعزَّ وأكملَ من أنواعها. فاختَر ما شئت.. فإذ هذا هكذا فاعرف عجزَك وضعفك. واعلم بأن قدرتَك وقوتَك في الدعاء والبكاء لدى مالكك.
وأما ما تفتخرُ به من المصنوعات الإنسانية فمن أثَرِ إلهامه، وخَلْقه، وإكرامه، ليجمعَ بك أشتاتَ الأنواع المتخالفة، لإظهار حُسنٍ غريب، وإيجادِ كتابةٍ عجيبةٍ، وتشهير مصنوعاته المختلفة مجتمعةً، وإذاقة مراتبِ نِعَمه الحاصلة من تمزيج بسائط النعم بهندسة هَوَسات الإنسان.
اعلم([9]) يا مَن يتوسوس من اختلافات الروايات في أمثالِ مسألة المهدي، وقرب الساعة والملاحم الاستقبالية! أتريدُ إيماناً ضرورياً في كل مسألة؟ حتى في المسائل الفرعية التي ليست من ضروريات الاعتقاد؟! بل يكفي فيها القبول التسليمي، وعدم الردّ، لا الإذعان اليقيني القصدي حتى تحتاج إلى طلب البرهان القطعي.
ألاَ تعلم أن متشابهات القرآن كما تحتاج إلى التأويل كذلك مشكلات الأخبار تحتاج إلى التعبير والتفسير؟ فإذا صادفَك روايةٌ مخالفةٌ للواقع – في نظرك الظاهري – فمع احتمالِ أن تكون من الإسرائيليات، وأن تكون من أقوال الرّواة، وأن تكون من مستنبطات الناقلين، وأن تكون من كشفيات الأولياء المُحدَّثين المحتاجة للتعبير، وأن تكون من المسموعات المتعارَفة بين الناس، يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام لا للتبليغ السماوي بل للمصاحبة العُرفية للتنبيه.. يلزم الناظرَ أن لا يَقْصر النظرَ على الظاهر، بل يؤوّلَ بتأويل تمثيلي كنائي مسوقٍ لمقصدٍ إرشادي.. أو يفسّرَ بتعبير كتعبير النائم في نومه ما رآه اليقظانُ في يقظته.. فكما تُعبّر أيّها اليقظان ما رآه النائم، كذلك فعبِّر أيُهّا النائم – إن استطعت- في غفلة هذه الحياة ما رآه اليقظانُ الذي لا ينام قلبُه الذي هو مظهرُ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾( النجم: 17).
ثم إن الحكمة في إبهام أجَل الشخص وموتهِ.. «لينتظرَه دائماً فيستعدَّ لآخرته» هي الحكمة في إبهام الساعة، التي هي موتُ الدنيا لينتظرَها أبناءُ الدنيا.
ومن هذا السر؛ انتظَرَها أهلُ كلِّ عصرٍ من عصرِ السعادة إلى الآن،
434
_____________________
كما هي الحكمة الدافعة للغفلة العامة، وهذا الانتظار من هذه الحكمة، لا من إرشاد النبوة في التعيين والحكم بالانتظار للوقوع، بل بالانتظار الذي يقتضيه الإبهام لدفع الغفلة. ولقد سها مَن لم يميّز الحكمةَ من العلّة.
وأما المهديُّ، فلِتقوية القوة المعنوية وردّ اليأس عند استيلاء الضلالة، ولتشجيع ذوي الهمم المجدّدين في الانسلاك في سلك نوراني إمامُه ورأسُه المهدي رضي اللّٰه تعالى عنه. فهذه الحكمة تقتضي الإبهامَ ليُمكن الانتظارَ في كلّ زمان.
اعلم ([10])! أيها المسلم في الظاهر والاسم! مَثَلُك في تقليد الكفار في السفاهة، ومعارضة الأحكام الإسلامية، كمثل فردٍ من عشيرة يرى رجلاً عدوّاً من عشيرة أخرى يَذمُّ عشيرةَ الأول ويزيّف رئيسَها ويحقّر عاداتها، مستنداً إلى عشيرته متمدِّحاً بمفاخرها. فيظنّ ذلك المسكين أَنْ لَو ذمّ هو أيضاً عشيرةَ نفسِه وحقّر عاداتها صار كذلك الرجل العدو! ولا يعرف ذلك أنَّهُ بهذا الردِ والارتداد، إما مجنونٌ جريء أو رذيل دنيء يكسر ظهرَهُ فيصير يتيماً طريداً.
ألا ترى أن الشخص الأوروبائي ينكر محمّداً عليه الصلاة والسلام ولكن يتسلى (بالخرستيانية)([11]) المموّهة وبمدنيتهم المخصوصة الممزوجة بعاداتهم الملّية، فيمكن أن يبقى في روحه بعضُ الأخلاق الحسنة الدنيوية، وبعض الهمم العالية لأجل هذه الحياة الدنيوية. فلا يرى بسبب هذا التسلي ظلماتِ روحِه ولا يُتْمَ قلبِه.
وأما أنت أيّها المرتد! إن أنكرت محمداً عليه الصلاة والسلام وآثاره لا يمكن لك قبولُ واحدٍ من الأنبياء. بل ولا قبولُ ربّك، بل ولا قبولُ شيء من الكمالات الحقيقية. فانظر إلى دهشة التخريبات في روحك، وأبصرْ شدة الظلمات في وجدانك، ووحشة اليُتم واليأس في قلبك، وعن قريب يترشح قبحُ باطنِك إلى ظاهرك فيصير حُسنُكم وجميلتُكم المرتدّة أقبحَ من أقبح كافر. فالمرتدُّ محرومٌ من الحياتين دون الكافر، إذ الكافرُ لهُ حقُّ حياةٍ إن لم يُحارِبْ.
اعلم ([12])! يا من يضيق صدرُه ولا يسع فكرُه عظمةَ بعضِ المسائل من الحقائق القرآنية كأمثال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾(يونس: 3) و ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾(النحل: 77) و﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾(لقمان: 28) و ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾(الزمر: 68) و ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾(الأنبياء: 104) وأمثالها...
435
_____________________
إن كتابَ الكونِ المشهود بآياته الشؤونية تفسّر تلك الآيات القرآنية، وتقرِّبُها إلى فهمك بإراءة كثيرٍ من نظائرها المشهودة لعينك، في تلافيف اختلاف الليل والنهار، وفي معاطفِ تحولِ الفصول والأعصار.
فإن شئت الشهودَ فافتح كنـزَ آية: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللّٰه كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾( الروم: 50) لترى بعينك ما لا يُعد من المسائل العظيمة نظائرَ ما استبعدتَ!
مثلاً: تشاهِد في الحشر الربيعي إحياءَ آلافِ عوالمَ من أنواع النباتات والحيوانات التي ماتت في القيامة الخريفية. وإيجادَ كلٍّ منها بنظامات مخصوصة، وموازينَ معينة في أيام معدودة. مع أن لكلِّ واحدٍ من أكثر تلك العوالم وسعةً، بحيث يُزيّن أكثر وجه الأرض كبرقعٍ منمنم.. وهكذا مما لا يحد ولا يحصى من الشّواهد المشهودة الصادقة.
فمما لا يحدّ من تلك العوالم انظُر إلى عالم الشجر.. ومما لا يعد من أنواعها إلى نوع شجر التفاح.. ومما لا يحصى من أفرادها إلى هذه الشجرة! لترى ثلاث حشرٍ ونشرٍ([13]) متعاقبة متداخلة.. بنشر أوراقها المهتزّة المنتظمة.. وحشرِ أزهارها المزينة المنظومة.. وإحياءِ أثمارها اللذيذة الموزونة.. فمن يفعلْ هذه الأفاعيلَ في سطح الأرض ويكتب بتقليب صحيفةِ الشتاء أُلوفَ صحائفَ كصفحة الأرض في الوسعة، هو الذي يُخبر عن نفسه بأنّه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ إلى آخر ما مرّ.
اعلم([14])! أن لكل أحدٍ علاقاتٍ بالمحبة والشفقة مع أقاربه، ثم مع أفراد عشيرته، ثم مع أفراد ملّته، ثم مع أفراد نوعه، ثم مع أبناء جنسه، ثم مع أجزاء الكائنات. بحيث يمكن أن يتألمَ بمصائبهم ويتلذذَ بسعاداتهم وإن لم يشعر. لاسيما مع مَن أحبّه لكماله من جماهير الأنبياء والأولياء والأتقياء.
436
_____________________
وكم من أحدٍ لاسيما إذا كانت «أُمّاً» تفدي نفسَها وتزيل راحتَها لعلاقةٍ واحدة، ولمحبوب واحدٍ مما لا يُحد من أودّائها.. فالغافل الحاكمُ على نفسه وعلى أودّائه حالة الغفلةِ باليُتم وعدم التعهد مُبتلىً بحمل آلامٍ لا تعد منهم، مع آلام نفسه وإن لم تشعر نفسُه السكرانةُ بعذابِ قلبه وروحه!. فلو ظفر هذا الغافلُ بجنةٍ -مثلاً- صار مِثل الـذُبيبةِ المتلمعة في الليل لها لمعةُ نورٍ لكن استولت الظلماتُ الموحشة على جميع مناظرها ومحبوباتها ومأنوساتها، مع أن نورها الذاتي قد يضرّها باراءتها لرقيبها. وأما إذا طرد الغفلةَ وردّ المُلك إلى مالكه الحقيقي ينفتح لقلبه منفذٌ إلى أشعّات شمسٍ سرمد، خطُّ استوائها الأزل والأبد، ورأى أن كلَّ هذه المحبّات المنتشرةِ على هذه المحبوبات الكثيرة كانت لهذا الواحد الذي يكفي عن الكلِّ ويُنسيك الكلَّ، ولا يكفي عنه الكلُّ، بل ولا عن تجلٍّ من تجليات حبّه. فلو دخل هذا المؤمن الموقن جهنّماً -مثلاً- أمكنَ له بإذن اللّٰه الظفرَ بجنّة روحانية بالتلذذ بالعلم بأن كل أودّائه مصونون من الفراق الأبدي، ومنعَّمون بالسعادة السرمدية.
فيا أيها السعيدُ الغافل؛ اترك نفسَك ووهمَ مالكيتك؛ تظفر بسلامة جميع محبوباتك وسعاداتهم؛ بتسليمهم لمالكهم الكريم الرحيم.
اعلم ([15]) أن كل شيء بخلقِه سبحانه، إلاّ أن الشرور والقبائحَ والقصور والمساوي إنّما تترتّب على لوازمات ماهيّات الممكنات وقابلياتها، فيُجيب الخالقُ الجواد المطلق بالإيجاد، كلَّ ما تسألُه الممكناتُ بألسنةِ استعداداتها.. فالحُسن راجعٌ إليه بالوجهين: أي بالخلق والاقتضاء. وأما القبحُ والقصور، فبالخلق راجعٌ إليه، دون المقاضاة والسؤال. فله الحمدُ دائماً؛ إذ السؤال في الحُسن والخيرُ كالجواب منه ومن أسمائه. وله التسبيح دائماً؛ إذ سؤالُ الشر والقبح من الممكنات، والجواب المتضمن لمحاسن كثيرة مترتبةٌ على وجود القبح منه سبحانه.﴿ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰه وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾( النساء: 79).
اعلم أن أنواع المصنوعات في العالم لاسيّما أنواع النباتات والحيوانات في سطح الأرض كاللفائف المبسوطة المفروشة على وجه الأرض بعضٌ على بعضٍ، وكالأقمصة المنمنمة المتراكبة المتداخلة، لبستْها الأرضُ أو العالمُ. لكن بعضَها أرقّ، وبعضَها أقصر، وبعضَها منفصل الأنساج، وبعضها يتمزّق خريفاً ويتجدّد ربيعاً، وفيها كلها نسجٌ موزون بانسجام منظوم.
437
_____________________
فتعانقُ الأنواع وتعاونُها بشوقٍ، وترافُق الأفراد وتجاورُها بحسنِ معاشرةٍ تشهد:
بأن الكلَّ نسجُ نسّاج واحدٍ وخُدّام سيّد واحدٍ. ونسجُ كلِّ واحدٍ منها بنسجٍ مخصوصٍ بلا مزجٍ، وبإسداءٍ([16]) ممتازٍ بلا درجٍ، وألحامٍ([17]) معيّن بلا التحام، في تلافيف تلك اللّفائف المشتبكة المختلطة بلا تشوش ولا خلطٍ ولا غلطٍ يشهد كعين اليقين: بأنها صنعةُ مَن لا نهايةَ لقدرته وحكمته.
وإن ما يشاهَد من ترتّب أمثال التزيين القصدي على جميع المتخالفات يشهد:
بأن مَن زيّن قصرَ العالم بمزيّنات ألوان الأنواع؛ هو الذي خلق لوازماته وأساساته وأجزاءه. لَعَمرُك إن التزيينَ في الصنعة من أهمّ المقاصد المهمّة المعرِّفة للصانع، ومن أشفِّ مرايا التودد والتعرُّف، ومن ألطف عنوانات التحبّب.
فإن شئت فانظر مما لا يتناهى من الأمثلة إلى هذه الواحدة وهي: الزّهرةُ الصّفراءُ الشمسية المتبرقعةُ ليلاً والمتبرّجة نهاراً، الشابةُ من أول الربيع إلى آخر الخريف. صيّرها صانعُها مسكناً لطيفاً نظيفاً لبعض الحوينات اللطيفة تجول مسبّحاتٍ -جماعةٌ منها في واحدةٍ منها- كأنّها حديقةٌ لها أو قصر أو قرية.
فسبحان مَن ظهر في كل شيء لُطفُه.. ويعرِّف الخلائقَ قدرتَه، ويتعرّف متودّداً إلى عباده بتزيينات مصنوعاته، جلّ جلالُه ولا إله إلاّ هو.
[9] ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾(الأنعام: 73)..﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾(الأنبياء: 23).
اعلم([18]) أنه لا يُسأل عما يفعلُ. فلا حقّ لشيء ولا لعلمٍ ولحكمةٍ أن يَسأل عنه؛ إذ يتصرف في مُلكه كيف يشاء وهو عليم حكيم. يعلم ما لا نعلم. فعدمُ علمِنا بحكمةِ شيء لا يدلّ على عدمها. إذ شهود الحكمة في الأكثر المطلق شاهدٌ على وجود حكمة مستورة عنا هنا أيضاً.
مثلاً: نتألّم من موت ذوي الحياة.. ولا نرى حُسناً في قِصَر عُمر بعض الحيوانات اللطيفة.. ولا نفهم وجه الرحمة في انقراض بعض المصنوعات الحيويّة الطالبة للحياة في أمثال الشتاء..
438
_____________________
والحال أن هذا التألمَ والاعتراضَ المعنويَّ إنّما ينشأ من جهلنا بحقيقة الحال، إذ ما من ذي حياة إلاّ وهو كَنَفرٍ موظفٍ وعبدٍ مأمورٍ بإيفاء وظائفِ تكاليفِ الحياة، الكاتبة تلك الوظائف تسبيحات وتحميداتٍ بحساب خالق الموت والحياة وباسمه. وحقوق الحياة وغاياتها عائدة إليه سبحانه، يكفي لشهوده آنٌ، بل تكفي النيّةُ الحالية بالقوة، كما في نيّة النواتات والبذور. فما الموتُ إلاّ ترخيصٌ وتحرير وإذنٌ وترويجٌ ودعوةُ حضور، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾(الأنعام: 38) على أن من كمال رحمته أن لا يُبقي ذوي الحياة في أرذل العمر، وأن لا يديمهم في شدائد العمر في الشرائط المزعجة، كترخيص عشاق الأزاهير وسفرائها، والمتلذذين بالخضراوات وأُمرائها من الوظيفة، التي صارت كُلفةً بعد ما كانت لذةً، فاستعملَهم صانعُهم، واستخدمَهم سيّدُهم، في مدة شوقهم مع موافقة شرائط الحياة وسهولة حمل تكاليفِ الحياة. فإذ تعبّس في وجوههم شرائطُ الحياة بأمثال الشيب والشتاء واستيلاءِ سلطنتِها بتحولات الشؤون وانطفاء شوقهم، أمدَّهُم رحمةُ الرحمن بالإذن والترخيص. إلى أن يُرسل أمثالَهم فينسجون على منوالهم فيسبّحون مولاهم.. يبتدؤون في أعمالهم من حيث انتهت أعمالُ أسلافهم.
فيا أيّها الغافل المتفرعنُ الزاعم أنّك مالكٌ نفسَك وحياتَك والمتوهمُ أن سعادتك في بقاء حياتك بالراحة! أخطأتَ وخَلَطتَ وغلطتَ وعصيتَ وَقِسْتَ الحيوانَ الممنون([19]) المأمور والمتمثلَ المسرور على نفسك الناسيةِ لمالكها، فتراءت لكَ وَلْوَلَةُ جلوات الرحمة العامة في الشؤون «وا ويلاه» نعيات المأتم العمومي، فلا تتألم لهم حتى يكون «التألم» شفقةً ممدوحة، بل «تألم» لنفسك المفروضة في موقعهم، الفانيةِ بطريق القياس فيهم.
وأما تسليط([20]) بعض الحيوانات على بعضٍ؛ فلحمل الضّعفاء على الحزم والتيقظ والجوالية والخفّة واستعمال جهازاتها اللطيفة وإخراج استعداداتها من القوة إلى الفعل وغير ذلك.
فوازِن بين الأهلية والوحشية كَيْ ترى هذه الحكمة ظاهرةً باهرةً.
اعلم([21]) أن سرّ تَخالُف أحكام الأولياء في مشهوداتهم مع الاتفاق في الأصول.. وأن سرّ إجمال الأنبياء السالفين وإبهام الأولياء العارفين في غير التوحيد من سائر أركان الإيمان؛
439
_____________________
إذ قد أجمل قسمٌ من أولئك في الجملة في تفاصيل الحشر وغيره وأبهم بعضٌ من هؤلاء في ما سوى معرفةِ اللّٰه، مع أن القرآن والمنـزَل عليه القرآنُ فصّلا كلاًّ من المقاصد الإيمانية بما لا مزيدَ عليه تفصيلاً قصدياً واضحاً، وأن حكمتها؛ هو توسّط البرازخ.. وتفاوت القابليّات.. وتنوّع ألوان جلوات الأسماء في المظاهر الكلية والجزئية والظلية والأصلية.
[10] مثلاً «وللّٰه المثل الأعلى» أن الشمسَ لها تجلٍّ كلّي بإذن خالقها على الأزاهير، ثم تجلٍّ أخصّ على نوعٍ نوعٍ منها، ثم تجلٍّ جزئيّ على زهرةٍ زهرةٍ، على قول مَن يقول: إن ألوانَها من استحالات ضياء الشمس.
وكذا لها تنويرٌ وإفاضة كلّية بإذن مُبدِعها على السيّارات والقمر، مع أن القمر يفيض ذلك النور الظلّي المُستفاد منها على البحار وحَباباتها وقطراتها، وعلى التراب وشفافاته. وعلى الهواء وذراته.
وكذا لها انعكاسٌ صافٍ كلّي بأمر فاطرها في مرايا جوّ الهواء ووجوه البحار. ثم لها انعكاساتٌ جزئية وتماثيلُ صغيرةٌ في الظاهر على حبابات وجهِ البحر، وقطرات الماء، ورشحات الهواء، وزُجَيجات الثلج.
فللشمس إلى كلّ زهرة، وقطرة، ورشحة في الوجوه الثلاثة طريقان:
أحدهما: بالأصالة وبلا برزخ، بلا حجاب.. الممثِّل لمنهاج فيض النبوة.
والثاني: تتوسّط فيها البرازخ.. وتُصبَغ الجلوات بقابليات المرايا والمظاهر، وهذا ممثلٌ لمسلك الولاية.
فللزهرة، والقطرة، والرشحة أن تقول في الأول: أنَا مرآة شمس العالم، وفي الثاني: إنما تقول أنَا مرآةُ شمسي أو شمس نوعي. مع أن شمسَ نفسها أو نوعها أو جنسها لا تسع «وهي في مضيقات البرازخ» كلَّ لوازمات الشمس المطلقة من ربط السيارات بها وتسخين الأرض وتنويرها وتحريك حياة النباتات وغيرها، بل إنما تسندها إلى المقيد المشهود لها، من جهة أن المقيَّدَ عينُ المطلق، لكن هذا الحُكم له، عقليٌّ لا شهودي. بل قد يصادم شهودَه.
يا رفيقي فلنفرض أنفسنا إياها. فَصِرْ أنت يا ذا النفس الكثيفة الترابية «زهرة» تضمن لونُها ضياءً محلّلاَ متضمناً للتمثال الممتزج للشمس. وليكن هذا الفيلسوف المنغمس في الأسباب «قطرة» تأخذ من القمر ظلَّ ضوء الشمس. أنا قائلاً: «لا مؤثر في الكون إلا اللّٰه »، شَبْنمة([22]) فقيرة خالية من كل لَون، صيرتْ مثالَ عين الشمس إنسانَ عينيها.
440
_____________________
ثم إن جاذبة محبة مَن بإحسانه تَنوَّرنا وتَزيَّنا، حَرّكَتْنا لطلبِ قُربه وقصدِ شُهوده. فسلكتِ «أيتها الزهرة» إلى أن وصلت إلى المرتبة الكلية لجنس الزهرة -المرآةُ الكثيفة التي تحلل فيها ألوانُ ضياء تمثال الشمس- فلا تخلصُ من التفرق والتشتت بين خصوصيات ألوان المقيدات، ولا تسلمُ من الفراق بتستر عين الشمس بحُجب البرازخ والصور، إلاّ أن ترفع رأسَك من الولوغ في محبَّة ذاتك، وتُصعِد نظَرك من الافتتان والتلذذ والتفاخر بمحاسن نفسك إلى عين الشمس في وجه السماء. وتوجّهَ بباطن وجهك المتوجّه إلى التراب بجلب الرزق المرسَل المسرِع إليك -وإن لم تتوجه إليه ولم تعلم به- إلى هذه الشمس.. إذ أنت مرآتُها كما أنها قطرةٌ متلمّعة من بحر السماء صارت مرآةً للَمعةٍ من أنوار قدرة «النور الحق» سبحانه.. ومع ذلك لا تراها كما هي في نفسها بل متلونةً بلون صفاتك ومرصادك ومقيدةً بقيود قابلياتك.
وذهبتَ أيها «القطرة» إلى أن ترقيتَ إلى القمر بسلّم فلسفتك فرأيت القمَر كثيفاً مظلماً لا ضياءَ في جرمه، بل ولا حياة. فصار سعيُك وعملُك هباءاً منثوراً. فلا تخلُصُ من ظلمات اليأس ووحشة اليُتم ودهشة الاضطراب بين ازعاجات الغِيلان المتشاكسين إلاّ بترك ليل الطبيعة والتوجّه إلى شمس الحقيقة واليقين بأن الأنوارَ الليلية ظلالٌ للأضواء الشمسية؛ ومع ذلك لا يصفو لك شهودُ الشمس وصفاؤها. وإنما تتجلى لك خلف مألوفاتك ومعلوماتك بصبغٍ من لَون قابلياتك.
فاذهبي أنت أيتها «الرشحة» [11] الفقيرةُ الضعيفة بالتبخر راكبةً على البخار إلى الهواء ثم انقلبي ناراً ثم تحوّلي نوراً ثم اركبي على شعاع من أشعات جلوات الضياء.. فأين ما كنتِ من تلك المراتب لكِ منفذٌ صافٍ إلى العين([23])، تراها بالعين اليقين -وإن لم يكن بالعين([24])- وترى لزوم لوازماتها لها، ولا يأخذ على يدك في إثبات آثار سلطنتها الذاتية ضيقُ البرازخ، ولا قيدُ القابليات، ولا صِغَر المرايا.
إذ تفطنت أنّ ما يُشاهَد في المظاهر جلواتُها لا هي هي أي ذاتُها في ذاتها. فالواصلون من هذه الطرق الثلاثة متفاوتون في تفاصيل المزايا والشهود وإن اتفقوا على الحق والتصديق.
441
_____________________
اعلم ([25]) أيها الإنسان أنك واحدٌ قياسيٌّ بخمسة وجوه:
إذ أنت فهرستةٌ جامعةٌ لغرائب آثار جلوات الأسماء الحسنى.
ومقياسٌ بجزئيات صفاتك وربوبيتك الموهومة لمعرفة صفاته المحيطة وفهمها بتصوّر حدودٍ موهومة.
وميزانٌ لدرجات نفي الشِركة في الآفاق، بحيث إذا أذعنتَ بأنك كُلَّكَ مُلكُه آمنتَ بأن لا شريك له في العالم، وإذا أعطيتَ ثلثَك له وثلثَك للأسباب وثلثك لنفسك حصل هذا التقسم في جميع الكائنات. وإذا ملّكتَ أنانيتَك درهماً من مُلكه لزِمك أن تصدّق مالكيةَ كل فردٍ وكل سببٍ لدرهمٍ فتُقسِّمَ مالَ اللّٰه على ما سواه.
وكذا خريطةٌ للعلوم الكونية والمعارف الآفاقية فإذا انفتحتْ (أنت) ([26]) لك انكشف لك الكون، وإذا أُنسيتَ نفسَك انغلق عليك المعارفُ الآفاقية، وانقلبت إلى جهالات مركبات وسفسطيات ما لا يَعنيات..
وكذا خزينةُ مفاتيح لمطلسَمات الكنوز المخفية في الأسماء الإلهية، فإذا رأيت فيك عجزاً بلا نهاية شَاهدتَ لخالقك قدرةً بلا غاية، وإذا شاهدتَ فيك فقراً بلا غاية، رأيت لرازقك غناءً بلا نهاية.. وهكذا كأن جلواتِ أسمائه حروفٌ نورية مكتوبة في ظلمات حالاتك، فبدرجة ظهور شدة الظلمة تظهر نورانيةُ الكتابة.
فأنت في الوجه الأول حاملٌ، وقابلٌ، ومَظهرٌ، ليس لك منك شيء، بل أنت قصيدةٌ منظومة للسان كن فيكون.
وأما في الوجه الخامس فأنت عاملٌ، وفاعلٌ، ومَعكِسٌ -برابطة الضدية- وسائلٌ بألسنة الاستعدادات والاحتياجات والأفعال والأقوال، لك منك كلُّ السيئات والقصورات والظلمات والفاقات، ولفاطرك منك كلُّ الحسنات والكمالات والنورانيات والفيوضات. وكذا إن الأول يُظهر الأصلَ، والخامس يُظهر مراتبَ الاسم المتجلّي. كما أن الحُسنَ بلا ملاحظة القبح واحدٌ، وبه تتفاضل مراتب الحُسن ودرجاته.
442
_____________________
﴿إِنَّ اللّٰه اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾(التوبة: 111)
اعلم ([27]) أيها الإنسان ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾( الانفطار: 6) الذي يشتري منك مُلكَه الذي عندك أمانةً ليحفظه لك من الضياع.. ولتترقّى قيمتُه من درجةٍ إلى أُلوفٍ.. ويعطيك بَدَله ثمناً عظيماً.. ويبقيه [12] في يدك لاستفادتك.. ويتكفّل عنك كلفة تعهّده.. ربحاً في ربح في ربح في ربح في ربح..
وأنت أيها الغافل لا تبيعُه.. فتخون في أمانته.. وتُسقط قيمتَه من الثريا إلى الثّرى.. ثم يضيع بلا فائدة.. فيفوتُك ذلك الثمنُ العظيم. وتبقى في ذمتك تكاليفُ تعهّده وآثامه ويثقل ظهرَك كلفة محافظته وآلامه.. خسارة في خسارة في خسارة في خسارة في خسارة.
مَثَلُكَ في هذهِ المعاملةِ كَمثَلِ رجل مسكين في رأس جبلٍ، أصابت ذلك الجبلَ زلزلةٌ جعلت يتساقط منه في أعماق الأودية جميعُ أمثال ذلك الرجل فيتمزّقُ ما في أيديهم، ويرى هذه الحالة وهو أيضاً «على شفا جُرف هار» أوشك أن ينهار به في البوار. مع أن في يده أمانةً وهي ماكينةٌ مرصّعة عجيبة، فيها موازين لا تُعد وآلات لا تُحد وفوائد لا تُحصى وثمرات لا تُستَقْصى. فقال له مالك الماكينة كرماً ورحمةً: أُريد أن أشتري منك مالي الذي في يدك كأنه مالُك -لئلا تنكسرَ ضايعاً بسقوطك- فأُحافظها وأُسلّمها لك حين خروجك من الوادي بصورة باقية لا تنكسر أبداً. ولأجل أن تتصرف في آلاتها وتستعمل موازينها في بساتيني الواسعة وخزائني المشحونة فتتزايد قيمتُها وتأخذَ أنواع أجوراتها وثمراتها، وإلاّ صارت كآلةٍ عاديةٍ ساقطةِ القيمة مستعملة في مضيقات بطنك وغارَيك([28]). إذ أين بطنُك وشهوتُك وأين البساتينُ والخزائنُ الإلهية وكيف يَسعُ غاراك استعمالَ ماكينة تضيق عنها الدنيا. وهاأنا أعطيك بدلَها ثمناً عظيماً. ولا أُخرجها من يدك في مدة بقائك في هذا الجبل، بل آخذ حلقتها العليا ليتخففَ عنك ثقلُها ولا تتعجز بكلفتها. فإن قبلتَ البيعَ فتصرّف فيها باسمي وحسابي كنَفرٍ يعمل في ما في يده باسم السلطان وحسابه بلا خوف مما يأتي ولا حزن على ما مضى، وإن لم تقبلْ هذا البيعَ الذي فيه ربحٌ بخمسةِ وجوهٍ؛ خسرتَ بخمسةٍ وجوهٍ وصرتَ خائناً في الأمانة مسؤولاً عن ضياعها.
443
_____________________
«خُداءِ بُر كَرَم خود ملك خودرا مى خَرَد أز تو
بهاء بى كران داده نِكَه دارد بَراءِ تو»([29])
ودرسُ القرآن للبشر وتعليمه له: «البيع». يقول له: بِعْ تربَحْ.. ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾(العنكبوت: 64) ،وأما درسُ فلسفةِ مدنيةِ الكفار يقول: تملّك ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾(الأنعام: 29). فانظر التفاوتَ بين الهدى المنوَّرِ، والدّهاء المزوَّر.
اعلم ([30])....
[24] اعلم ([31]) أنه سبحانه قريبٌ، وأنت بعيدٌ، إذ كما أنه معك، هو مع جميع أفراد نوعك، وكما أنه مع نوعك، هو مع جميع أفراد جنسك، وكما أنّه هو مع جنسك، هو مع جميع جزئيات ذوي الحياة، وكما أنه مع جميع ذوي الحياة هو مع سائر طبقات الموجودات ودوائرها، طبقةً إلى طبقة جميع الموجودات وإلى طبقة الذرّات والأثير والروحانيّات والمعنويات وإلى ما لا يحيط به الوهمُ.
فإذا أردتَ القربَ من جهتك؛ لابدّ أن تمرّ منك متبسطاً مترفّعاً من الجزئية إلى مقام كليةِ النوع، ثم تذهب مترقّياً في الكلية بإطلاق الرّوح في التجرّد إلى مقام الجنس، وهكذا إلى قطعِ قريبٍ من سبعين ألفَ حجاب؛ إذ إنّه كما أنّه عندك فهو عند كلّ شيء. فإنما تكون عنده -من عندك- إن كنتَ عند كلِّ شيء، ثم بعده يصادفك ما لا يُحد من مسافة ما بين الإمكان والوجوب.
كيف الوصول إلى بعيدٍ في قربه ودونَهُ ألوف سرادقات؟ ودونهنَّ حتوفٌ، فإذ كان هذا هكذا فافْنِ منْكَ بُعدَكَ لتبقى به وتَقرُب بقُربه.
اعلم ([32]) ....
[31]....
اعلم أن اللّٰه أقربُ إلينا منّا، ونحن بعيدون بلا نهايةٍ. ومن شواهد قُربه تصرّفُه،
444
_____________________
وإذا طلبناه عندما يتصرّف فيه لا نجده إلاّ "عند كلّ شيء"، وإذا وصلنا بالترقّي إلى "عند كلّ شيء" بالإحاطة بدائرة الإمكان، لا نجده أيضاً إلاّ خَلفَ الحُجُب النورانية في دائرة الوجوب من سُرادقات الأسماء والصفات والشؤونات في العزّة والعظمة والكبرياء، وأما إذا طلبناه من جهة قُربه بترك نفسنا، فالأمر سهلٌ إن شاء اللّٰه لا حول ولا قوة إلاّ باللّٰه .
اعلم ([33])....
[36] اعلم ([34]) يا مَن يحب أن يعرفَ الفرقَ بين حكمةِ القرآن وحكمةِ الفلسفة! إن مثَلَهما كمثل قرآنٍ كُتبت في حروفاته بتذهيبات متنوعة ونقوش مزيّنة بعضُها بالذهب والفضة وبعضها بالألماس والزمرّد وبعضها بالجواهر والعقيق.. وهكذا. وقرأه شخصان فاستحسَناه فقالا: فلنكتبْ على محاسن هذا الشيء المزيّن كتاباً؛ فكتب كل منهما كتاباً.
أمّا أحدهما: فهو أجنبيّ لا يعرف من العربية حرفاً واحداً حتى لا يعرف أنّ مشهودَه كتابٌ، لكن له مهارة في الهندسة والتصوير ومعرفة الجواهر وخاصياتها، فكتب كتاباً عظيماً يبحث عن نقوش الحروف ومناسباتها وجواهرها وخاصياتها ووضعياتها وتعريفاتها.
وأما الآخر: فحينما رآه عرف أنه كتاب مبين، وقرآن حكيم، فلم يشتغل بنقوش حروفه المزيّنة؛ بل اشتغل بما هو أعلى وأغلى وألطفُ وأشرفُ وأزينُ وأحسن بملايين المراتب مما اشتغل به رفيقُه، وهو بيان جواهرِ معانيه وأنوارِ أسراره، فكتب تفسيراً يبحث عن حقائق الآيات.
يا مَن له عقل! فباللّٰه عليك، لأيّ هذين الكتابين يُقال إنّه كتاب حكمة هذا القرآن؟ فإذ فهمتَ التمثيلَ فانظر إلى وجه الحقيقة: أما القرآن فهو هذا العالمُ وأما الشخصان فكُتُب الفلسفة والحكماء، والقرآنُ وتلامذته.
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰه فَهُوَ حَسْبُهُ﴾(الطلاق: 3)
اعلم([35]) يا أيها السعيدُ! أنّ السعادةَ في التوكل، فتوكّلْ على اللّٰه لتستريحَ في الدنيا وتستفيد في الأخرى.
445
_____________________
مَثَلُ المتوكل وغيرِ المتوكل الذي يرجع إلى التوكل، كَمَثَلَ رجلَين حاملَين على ظهورهما ورؤوسهما أحمالاً ثقيلةً، فدخلا سفينةً، فأما أحدُهما فوضع حِملَه في السفينة وقَعَدَ على متاعِه مستريحاً. وأما الآخر فَلِبلاهَتِهِ في غروره لم يضع حملَه، فقيل له:
اطرحْ حِملك الثقيلَ على السفينة!
فقال: أنا قويّ.
فقيل له: إن السفينةَ التي حملتْكَ أقوى وأحفظُ. مع أن ظهرَك ورأسَك -المتزايدَ ضعفهما- لا يُطيقانِ حملَ هذهِ الأحمالِ المتزايدِ ثقلها. فقيل له: بل سلامتُك أيضاً مربوطةٌ بوضعِ حملك. إذا رآك صاحبُ السفينة في هذه الوضعيةِ فإما يقولَ: هو مجنونٌ فليُطردْ أو خائن يتّهمُ سفينتَنا ويستهزئُ بنا، فليُحبس. بل لا تخلص من السخرية واستهزاء الخلق، إذ لمّا لم تكفِ قوتُك لدوامِ الحمل اضطررتَ إلى التصنّع المشير إلى الرياء، وإلى التكبر المشير إلى الضعف، وإلى الغرور المشير إلى العجز، فتصيرُ أضحوكةً يضحكُ من حالِك الناسُ. فتفطَّنَ إلى خطئه. فرجع من عناده فوضع حِمْلَهُ فقعد عليه. فتنفّس فاستراح فقال: جزاك اللّٰه خيراً أرشدتني إلى ما فيه راحتي وسلامتي وحيثيتي.
[50] النكتة الخامسة
اعلم أن في ختم الآيات في الأغلب بفذلكات متضمنة للأسماء الحسنى، أو بعينها، أو متضمنة للأمر بالتفكر والحوالة على العقل، أو متضمنة لأمر كلّي من المقاصد القرآنية، شرارات من نور حكمته العلوية ورشاشات من ماء هدايته الإلهية؛ إذ القرآن الحكيم ببيانه الإعجازي، يبسط الآثار وأفعالَ الصانع للنظر، ثم يستخرج منها الأسماء، أو ثبوت الحشر، أو التوحيد، كأمثال:
﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(البقرة: 29) ،﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً *وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾(النبأ: 6 - 17).
وكذا ينشر للبشر منسوجات صنعِه ثم يطويها في الأسماء، أو الحوالة على العقل كأمثال:
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّٰه فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ* فَذَلِكُمُ اللّٰه رَبُّكُمُ﴾(يونس: 31 - 32)
446
_____________________
و﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّٰه مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(البقرة: 164)
وكذا يفصّل أفاعيلَه ثم يُجمِلها بأسمائه أو بصفته، كأمثال:
﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(يوسف: 6)
﴿قُلِ اللّٰهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(آل عمران: 26)
وكذا يرتّب المخلوقات ويشففها بإراءة نظامها وميزانها وثمراتها ثم يُريك الأسماء المتجلية عليها، كأن تلك المخلوقات ألفاظٌ. وهذه الأسماء معانيها أو ماؤها أو نواتها أو خلاصتها، كأمثال:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّٰه أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾(المؤمنون: 12-14).. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّٰه رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾(الأعراف: 54)
وكذا قد يذكر الجزئيات المادية المتكيفة المتغيرة ثم يُجمِلها بالأسماء الكلية النورانية الثابتة وبفذلكة مشوّقة على التفكّر والعبرة، كأمثال:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾(البقرة: 31-32).
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ *وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل: 66-69).
447
_____________________
وكذا يفرش الكثرةَ المتوسعة ثم يضع عليها مظاهرَ الوحدة، كجهة الوحدة ويلفّها بالقاعدة الكلية، كأمثال:
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾(البقرة: 255).
﴿اللّٰه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّٰه لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾(إبراهيم: 32-34).
وكذا قد يُظهر بعدُ السبب الظاهري عن قابلية إيجاد المسبّب وثمراته، إذ أين السبب الجامد من تلك المسافة من قصد غايات عالية حكيمة، وللدلالة على أن الأسباب-وإن قارنَت واتصلت في النظر بالمسبّبات- لكن بينهما مسافة طويلة من تلك المسافة، تُظهر مطالعَ الأسماء، إذ لا طاقة لأعظم الأسباب على حمل أخف المسببات، كما ترى تماسَّ دائرة الأفق من الجبال بالسماء، مع ما بينهما من المسافة العظيمة التي تطلع فيها النجوم، كأمثال:
﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾(عبس: 24-32).
نعم، أشار بلفظ «متاعاً» وبذكر الثمرات العجيبة الصنعة والحكمة إلى عزل الأسباب الظاهرية الجامدة عن التأثير الحقيقي.
وكذا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰه يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللّٰه اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الْأَبْصَارِ *وَاللّٰه خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّٰه مَا يَشَاءُ إِنَّ اللّٰه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(النور: 43-45).
وكذا قد يَعُدُّ عجائبَ أفعاله تعالى ليُعِدّ الذهنَ ويُحضره لقبول خوارق أفعاله الأخروية أو يذكر أفعالَه الاستقبالية الأخروية بصورة تشير إلى نظائرها المشهودة لنا كأمثال:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾(يس: 77 –81).
448
_____________________
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾(التكوير: 1)
﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾(الانفطار: 1)
﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾(الانشقاق: 1)
[51] فإنّا نرى في الحشر الربيعي كثيراً من نظائر الحشر الأخروي مثلاً:﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾(التكوير: 10) ترى نظيرها، بل نظائرها في نشر البذورات والنواتات صحائف أعمال أمهاتها وأصولها وتاريخ حياتها في الحشر الربيعي.
وكذا قد يذكر مقاصد جزئية ثم يقررها ويحققها بأسماء هي كالقواعد الكلية كأمثال:
﴿قَدْ سَمِعَ اللّٰه قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللّٰه وَاللّٰه يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللّٰه سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾(المجادلة: 1)
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾(الإسراء: 1).
﴿الْحَمْدُ للّٰه فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللّٰه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(فاطر: 1)
وكذا قد يذكر أفعال الخلق فيهدّد ثم يسلّي بأسماء تشير إلى الرحمة كأمثال:
﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً *تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾(الإسراء: 42-44).
اعلم([36])
[52] مبحث عظيم ([37])
فإن قلتَ : ما وجهُ تفوقِ قيمةِ القرآن على الكل مع أن القرآن يقول: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾( الكهف: 109).
قيل لك: إنَّ القرآن كلامُ اللّٰه باعتبار أنه ربُ العالمين.. وبعنوان إله العالمين..
449
_____________________
وباسم ربِّ السماوات والأرضين.. ومن جهة الربوبية المطلقة.. ومن جهة السلطنة العامة.. ومن جانب الرحمة الواسعة.. ومن حيثية حشمة عظمة الألوهية.. ومن محيط اسمه الأعظم إلى مُحاط عرشه الأعظم.
وأما سائرُ الكلمات الإلهية: فمنها ما هو باعتبار خاص، وبعنوان خاص، باسم جزئي، في تجلً جزئي، ومن جهة ربوبية خاصة وسلطنة مخصوصة، ورحمة خصوصية، كأكثر الإلهامات. ومن هذا السرّ يقول الوليّ: «حدّثني قلبي عن ربي» ولا يقول: «عن رب العالمين».
نعم، أين فيضُك بمقدار قابليتك من تجلي ربّك في مرآة قلبك أيّها الولي، ثم أين فيضُ النبيّ من تجلي رب العالمين بالاسم الأعظم في مرآة العرش الأعظم الأم لجميع العروش باعتبار الأسماء بجلواتها؟.. كما أين فيضُك من شمسك في مرآتك الصغيرة المكدّرة، ثم أين الفيض من شمس العالم في سقف السماء؟ و..كما أين خطابُ مَلِكٍ لأحد رعيته بأمر جزئي لحاجة بتلفونه الخاص، ثم أين فرمان ذلك الملك بعنوان السلطنة العظمى وباسم الخلافة الكبرى ومن حيثية حشمة مالكيته العليا وبقصد تشهير أوامره في أطراف مملكته بواسطة سفرائه وأُمنائه؟.
فمن هذا السرّ العظيم يُفهم سرُّ كون أكثر الوحي بواسطة المَلَك، والإلهام الإلهي بدونه.. وسرُّ عدم بلوغ أعلى وليّ درجةَ أحد نبيّ من الأنبياء.. وسرُّ عظمة القرآن وعزة قدسيته وعلو إعجازه في غلو إيجازه.. وسرُّ لزوم المعراج إلى السماء إلى سدرة المنتهى إلى قاب قوسين، لمناجاة مَنْ هو أقرب إليه من حبل الوريد.. ثم الرجوع في طرفة عين. وغير ذلك من الأسرار.
ثم إن الكلام النفسي كالعلم والإرادة صفةٌ أزلية بسيطة معلومُ الوجود والثبوت، مجهولُ الكُنهِ والكيفية. وإن الكلمات لا نهايةَ لها.
﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾(البقرة: 32)
أيها الناظر! هذا المبحث العظيم من تتمات القطرة الرابعة من الرشحة الرابعة عشرة.
450
_____________________
[ 53] بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين ..
بسم اللّٰه ..
اعلم([38]) أن كل شيء يقول: بسم اللّٰه. إما بلسان قاله أو حاله أو استعداده؛ إذ ترى: أنه ما من شيء من الأشياء، من الذرات إلى الشموس إلاّ وهو مع عَجزه في ذاته قد تحمّل وظيفةً عجيبة لا تكفي قوّتَه لعُشر معشار عَشِير تلك الوظيفة. فبالبداهة يُعلم أنه إنما تحمّلها بحولِ قويٍّ عزيز، وإنما يباشرها باسم قدير حكيم.
وكذا هو مع جهله قد حمل على ظهره ورأسه غاياتٍ موزونةً وثمرات منظومة، فيها نفع العموم، مع أنه لا يعود منها إلى نفسه عُشر معشار عشيرها، فبالبداهة يُعلم أن ذلك الشيء؛ إنما حُمّل تلك الغايات الحكيمة باسم عظيم حكيم، ويوصلها إلى ذوي الحياة باسم رحمن رحيم وبحساب عليم كريم.
فإن شئت فانظر إلى النواتات والبذور وما تحمّلت من الأشجار والسنابل، وإلى الأشجار وثمراتها، وإلى الحيوانات والحوينات ووظائفها العجيبة. فمَن له أدنى شعور كما يفهم أن نفراً منفرداً إذا ساق جميع أهل بلد إلى محل بعيد بغير رضاهم ثم قسّمهم إلى وظائف وخدمات مختلفة، أنه ما يفعل إلاّ بقوة سلطانه، وما يعمل إلاّ باسمه، وما يستخدمهم إلاّ بحسابه، كذلك لابد أن يُفهم أن هذه الموجودات العاجزات الجاهلات، ما تحمِل هذه الوظيفات العظيمات المنتظمات، إلاّ باسم قدير عليم، وبحساب عزيز حكيم وإنما تهدي إلينا هذه الثمرات باسم رحمن رحيم، وليس من وظائفها وغاياتها إلاّ ما أعطته الرحمةُ العامة لكل فرد من اللذة الخصوصية في خدمته الخاصة، كلذّة الترحم في شفقة الوالدات، وكحلاوة الفعالية في استعداد النحل بامتثال الوحي، وكذوق التلقيح في الفحول، وكالتلذذ في التغذي، وكالاستراحة والتنفس في الخروج من القوة إلى الفعل -في نمو الأشياء- فإن ما بالقوة كالمحبوس المقيّد، وما خرج إلى الفعل كالمتنفّس المطلق... وهكذا فقس.
451
_____________________
فجعل الفاطر الحكيم والمالك الكريم هذه اللذات الجزئية معاشاتٍ لخدماتها.. وفهرستة لكيفيات وظائفها.. وزنبركاً لحركاتها.
فيا أيها الإنسان الحامل للأمانة الكبرى!
كيف لا تطيع قانوناً أحاط بكل شيء من العرش إلى الفرش! وكيف تتجاسر على العصيان في مقابلة دستور مسخِّر الشمس والقمر، ومستخدم النجم والذرّ.
اعلم أن الفرق بين طريق التوحيد وطريق الإلحاد، كالفرق بين الجنة والجحيم، والواجب والمحال. فإن شئت فانظر إلى الموازنة بين الطريقين:
أما التوحيد، فيُسند الكثيرَ الغير المحدود إلى الواحد فيتخففُ الكلفةُ والمَصرَف بدرجةٍ تتساوى الشموسُ والذرات والقليل والكثير الغير المتناهي بالنسبة إلى قدرته.
وكذا يُظهر التوحيدُ في كل شيء غاياتٍ كثيرةً مهمة من جهة نظره إلى صانعه، ومن تلك الغايات إظهارُ الشيء لأسماء خالقه، كأن الشيء كلمةٌ واحدة جامعة لرموز الأسماء، فتدل عليها.
وأما الغايةُ المشهورة بين أهل الغفلة التي هي جهة استفادتنا منه، من الأكل وغيره، فأقلُّ وأحصر، وأذلّ وأصغرُ من أن تكون غايةً تامة لخلقة الشيء، بل هي وسيلة إحدى غاياته.
وأما الإلحاد، فيُسنِد الواحدَ إلى الكثير الغير المحدود، أي يُسند كلَّ شيء إلى العناصر والطبائع العاجزة الجامدة، وإلى القوى والنواميس الصمّ العمي. فتتضاعف الكلفة بدرجة تساوي كلفةُ الفرد كلفةَ عام النوع، بل تساوي كلفةُ شيء واحد كلفةَ كل الأشياء.
وكذا لا يرى الإلحادُ من غايات الشيء إلاّ ما يعود إلى الإنسان في حظ نفسه الحيوانية أو إلى نفس الشيء في حفظ حياته الدنيوية.
فمَثَل الموحّد والملحد، كمثل رجلَين رأيا نواةَ تمر، وأرادا تعريفها:
أما أحدهما، فقال: هي فهرستة واحدة مما لا يحدّ من الفهرستات المسماة بالنواتات ومن بعض غايات هذه النواة، أنها تعرفةٌ معنويةٌ لشجرة.. وتعريفٌ لتاريخ حياتها.. وخريطة كينونتها بقابلياتها لأن تكون ماكينة تنسج نخلة كأصلها.
452
_____________________
وأما الآخر، فقال: لا، بل هذه الشجرة بجميع أجزائها وأوراقها اجتمعت عند هذه النواة، فأوجدَتها، وجمعت جهازات نخلة باسقة فجهّزتها، لكن بلا فائدة، فلا غاية لهذه الشجرة إلاّ هذه النواة، ولا غاية لهذه النواة إلاّ أكل الإبل بعد السحق والدّق.
فيا مَن له أدنى شعور -ولو كشعرة- هل يمكن مع مشاهدةُ هذه السهولة المطلقة في الجود المطلق في رخيصية مطلقة ومع شهود هذه الحكمة العامة في الانتظام المطلق، أن يستند خلقُ الشيء كهذه الرمانة مثلاً إلى أسباب جامدة، لكن تُجلَب جهازاتُ أكثرِ الأشياء لتصنيع ذلك الشيء الواحد الذي هو مثالٌ مصغّر لكل تلك الأشياء.. وأن لا تكون لهذه الرمانة غاية إلاّ أكلَها في دقيقة للذةٍ حيوانية.
نعم، كيف تساعد هذه الحكمة التي وظّفت رأس الإنسان في حواسه، بوظائف عديدة، لو خصصت لكل وظيفة منها في رأس الإنسان مقدار خردلة لصار رأس الإنسان كجبل الطور.
انظر إلى لسانك ووظائفه، ومن بعض وظائفه، وزنُه لجميع مدخّرات خزائن الرحمة..
بل وكيف توافق تلك الحكمةُ لأن لا تكون لمثل هذه الرمانة الخارقة الصنعة غايةٌ إلاّ أكلُك في آن في غفلة. فمحالٌ ظاهر أن يثمر رأسُك جبلاً من الأثمار، وأن لا يثمر مثلُ الجبل إلاّ ثمرةً كرأسك. إذ يلزم حينئذٍ جمعُ نهاية الحكمة مع نهاية العبثية، وهو من أمحل المحال وأبطل الباطل، بل تلك الرمانة، كأمثالِها تضمنت قصيدةً في بيان الأسماء الحسنى، فأفادت معانيها، فوفّت فتوفّت فدفنت من فيك فيك.
سبحان من تحيّرت العقولُ في صنعته.
[10] هذه نَورةٌ من شجرة آيةِ:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾( الإسراء: 44) رأيتُها وقتَ انكشاف الأزهار من الأشجار في زمن الربيع فهيّجتْ جذبتي فتفكرتُ في تسبيحاتها فتكلمتُ أنا لي لا لغيري بهذه التسبيحات الفكرية فظهرت هكذا في بعضها رقصُ الجذبة بنوع وزن يشبه الشعر وليس بشعر بل قافيةُ ذكرٍ في جذبة فكر.
453
_____________________
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه الذي يسبّح له كلُّ شيءٍ بكلماته المخصوصة المُبصَرَة كالمسموعة، مثلاً:
الأنوارُ والأنهارُ والأعصارُ كلماتُ الضياء والماء والهواء. فقس.
سبحان مَن يحمدُه:
الضياءُ بالأنوار.. والماءُ والهواء بالأنهار والأعصار..
والترابُ والنبات بالأحجار والأزهار..
والجوّ والأشجار بالأطيار والأثمار..
والسحبُ والسماء بالأمطار والأقمار..
تلألؤُ الضياءِ من تنويره، تشهيره..
تموُّجُ الهواءِ من تصريفه، توظيفه..
تفجُّرُ المياهِ من تسخيره، تدخيره.. مدحٌ بليغٌ بيّنٌ للقادر.
تزيُّنُ الأحجارِ من تدبيره، تصويره..
تبسُّمُ الأزهارِ من تزيينه، تحسينه..
تبرُّجُ الأثمار من إنعامه، إكرامه.. حمدٌ جميلٌ ظاهرٌ للفاطر.
تسجُّعُ الأطيارِ من إنطاقه، إرفاقه..
تهزُّجُ الأمطارِ من تنـزيله، تفضيله..
تحرُّكُ الأقمارِ من تقديره، تدويره.. تسبيحةٌ فصيحةٌ للقادر، بل آية نيّرة للقاهر.
سبحان من تحمدُه:
السماءُ بالبروجِ والأنوارِ
والأفلاكُ بالشموس والنجوم والأقمار
والجوّ بالرعود والبروق والأمطار
454
_____________________
والأرضُ بالحيوان والنبات والأشجار
وتحمد الأشجارُ بالأوراق والأزهار.. منظومةً موزونةَ الثمار.
إذ تسكتُ الأزهار من إنشادها، فتنطق الأثمار بالبدار.. حمداً بليغاً ناشرَ الأنوار.
وتنشد النواةُ في قلبها، ذكراً خفياً جامعَ الأسرار.
مكتوبةٌ مطويةٌ في سرّها صحائفُ الأعمال للأشجار
فيُظهر لسانُها حبّاتِ مدحِ الفالق والفاطر.
كلُّ نباتٍ حامدٌ وعابدٌ مسبّحٌ وساجدٌ للقادر.
تبسُّم النبات في تنوير الأزهار.. تحمدةٌ ظاهرةٌ للناظر..
أفواهُها السنبلُ والأكمام، ألفاظُها البذور والحبوب في الأشفار([39]).. منظومةً موزونةَ الأشعار..
لسانُها نظامُها، ميزانُها في نقشها النوّار..
صنعتُها صبغتُها تزيينها البهّار..
بطعمها، بلونها، بريحها، واصفةٌ حامدةٌ للفاطر..
إذ تصف أوصافَه، تُعرِّفُ أسماءه، تفسّر تودّداً تعرّفاً للقادر.
إذ تَرشَحُ الأسنانُ السنابلُ، وتقطُر العيونُ الأزهارُ.. قطراتِ رشحاتِ جلواتِ الفاطر..
تودّداً لعَبده.. تعرّفاً لخَلقه.. من غيبه في الظاهر
[11] حتى كأن الشجرَ المزهّرة..
قصيدةٌ منظومة محرّرة..
أو فتحت بكثرة عيونها المبصرة..
أو زَينت لعيدها أعضاءها المُخضَرَّة..
455
_____________________
ليشهد سلطانُها آثارَها المنوّرة..
وتُشهِرَ في المحضر مُرصّعات الجوهر..
لتُعرَضَ للنظر.. كالعسكر المظفّر.
وتُعلن للبشر: حكمةَ خلق الشجر..
بكنـزها المدَّخر من جود رب الثمر.
سبحانه ما أحسنَ إحسانَه! ما أزين برهانَه! ما أبيَنَ تبيانَه!
من بارئٍ مصوّرٍ.. من خالقٍ مقتدرٍ.. من فاطرٍ منوّرٍ.
فانظر إلى رحمته.. في موسم ربيعه.. لتشهير صنعته:
يظهرْ لك فصلُ الربيع: يَومَ عيد لعبده..
يَوم زينةٍ لخلقه.. من شجرٍ من نبته.
فيُظهر كلُّ نبات مقدارَ رتبته:
سلطنةَ سلطانِه.. هديةَ مالكه.. منتظرٌ لأمره.. ويخدم باسمه.. مزهرٌ مثمرٌ بإذنه.. كسفرة نظيفة لضيفه.
فالنور والهواء والتراب مع الماء:
سُفراء أمره، حَمَلةُ عرشه..
في نشر صَنعته.. في تبليغ حِكَمه.
فالعلمُ والحكمةُ عرشُهما في: النور
فالفضلُ والرحمة عرشُهما على: الماء
فالحفظ والإحياء عرشُهما: التراب
فالأمر والإرادة عرشُهما في: الهواء
456
_____________________
فاعلم بأن كلَّها -في فعلها- مَظاهرٌ باسمه، مَساطرٌ لا مصدرٌ، قوابلٌ لا فاعل، حواملٌ بحوله، تحمل ما تحمله بإذنه، باسمه.. تفعل ما تفعله بطَوله، بحَوله.
لو لم يكن هذا حقَّ الأشياء؛ يلزم للتراب والهواء، والنور مع الماء؛ أن تدّخِر في كل جزء ذرةٍ، وقطرةٍ من كلها.. معرفةً وقدرةً وصنعةً بلا انتهاء.
إذ مثلاً هذا الهواء؛ يمرّ في جوّ الفضاء.. يزور بذرّاته كلَّ نباتٍ ذي نماء.
فيُظهر مروره خوارقَ بلا انتهاء.. في معجزات صنعةٍ لمن له خلقُ السماء.
إن أمكن لذرةٍ بسيطة واحدة جامدة جاهلة؛ أن تنشئ هاتا الأشجار.. وتضع تاك الأثمار.. تصوّر هذه الأزهار، بل جملة هذي الأشياء.
وتقدر أن تحمل هذي الأرضُ، هذي الدنيا، حقّ لك أن تشك في وحدة لا شريك.
فإذ هذا ليس ذاك، فلا شك أن لا مُلكَ إلاّ لمَن كلُّ الخلق في قبضة قدرته.. في قبضة حكمته.
لأن كلّ حبّةٍ، وقطرة، وذرة تصلح لكل خضرة، ثمرة، وزهرة. فيلزم في ذرة واحدة وحبّة وقطرة، إن لم تكن مأمورةً بأمر رب السماوات، من صنعةٍ وحكمة وقدرةٍ، تكفي لكل المصنوعات، لحمل هذي الموجودات.
سبحان من تحمده الأشجار؛ بالأوراق والأزهار والأثمار..
تَكَشُّفُ الأزهار في تزايد الأوراق، في تكامل الثمار..
في رقص بناتها على أيادي غصنها الخِضار.
تهزّها مراوح نسائم الأشجار..
نُطقٌ فصيحٌ واضح للناظر، في مدح من يُنشئها، يُنشِدُها للواحد القهّار.
أفواهُها، حروفها، ألفاظها.. الأوراق والأزهار والثمار.
إذ تَرقُصُ الأوراق من فرحها في ذكرها للفاطر..
وتَبسُمُ الأزهارُ من زينتها تشكُّراً للقادر..
457
_____________________
وتضحك الأثمار بالرحمة في النثار.. لسانها ذو نغماتٍ عشرة في الناظر..
نظامُها المتّزن، ميزانُها المنظّم في لونها المنوَّر..
صنعتُها المنقشة، نقوشُها المصنّعة، في شكلها المصوّر.
صبغتُها المزينة، زينتها المصبّغة، في طعمها المسرّر.
عجائبُ صنعتها، تكثُّرُ أنواعِها، تنوُّع لحومها -بكلّها- حامدةٌ للفاطر.. واصفة للقادر..
إذ تصف أوصافَه، تُعرّف أسماءه تفسّر تحبباً، تحنناً للصانع، للناظر.
إذ ترشح الثمارُ من شفاهها قطراتِ رشحاتِ جلواتِ الفاطر..
تحبباً تعرّفاً لعبده.. تعهّدا ترحّماً لخلقه المفتقِر.
سبحانه ما أنورَ حجتَه! ما أبهرَ قدرتَه! ما أظهرَ رحمتَه! من منشئٍ مصوّرٍ ومُنشدٍ مدبّر.. ومنشر مبشّر.
سبحانه ما أجملَ جلاله!
ما أجلَّ جماله!
ما أكبرَ سلطانه!
(فانظر إلى أرضك فقل: اللّٰه أكبر. وانظر إلى الكائنات فقل: اللّٰه أكبر، هو الخّلاق الفعّال، هو الفتّاح العلاّم، هو الوهّاب الفيّاض، هو العزيز الحكيم، هو الكريم الرحيم).
[12] إن شئت أن تعرف معنى «اللّٰه أكبر» فانظر إلى الكائنات فإنها كلّها ظلالُ أنواره.. آثار أفعاله.. خطوطُ قلم قضائه وقدره.. نقوش أسمائه.. مرايا أوصافه.
فاعلم فقل: «اللّٰه أكبر».. انظر إلى العوالم.. فإنها كلّها مأخوذة بالتمام في قبضة علمه، في قبضة قدرته، في قبضة عدله، في قبضة حكمته.. منظومةٌ وزنُه، موزونةٌ نظمُه.
فالتنظيم بالنظام، والتوزين بالميزان: قبضتان للرحمن، عنوانان للبابَين.. من «الإمام المبين»، من «الكتاب المبين».. فذلك الكتاب مع ذاك الإمام.. عنوانان بيّنان.. العلمُ والقدرة للقادر العليم، للعادل الحكيم.. فلا شيء يخرج من نظمِ هذا النظام، من وزن هذا الميزان..
458
_____________________
يشهدُه مَن له في رأسه الإذعان، في وجهه العينان.. فبالحدس الشهودي بل بالشهود الحسّي.. لا شيء من الأشياء في الكون والزمان، يخرج من قبضة تصرّف الرحمن.
فأبصرْ، فقل: «اللّٰه أكبر».. هو العَدل الحاكم، هو الحَكَمُ الفرد، هو العادل الحكيم.. إذ هو الذي أسّس بنيان الكائنات، بمِسطَر المشيئة، بالحكمة النظّامة.. أصولُ حكمته رابطةُ الموجودات.. ففصّل الموجودات بدستور القضاء، بقانون القدر.. قوانين القُدرة، خيّاطة الصوَر، لقامة المصنوعات.. فنظّم الكائناتِ بناموس السُنّة، بقانون العادات.. نواميس السنّة، قوانين العادة.. نظّامةُ المخلوقات.. إذ «يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد» في الأرض والسماوات.. بتلطيف الرحمة، بتكريم العناية.. قد زيّن الكائنات.. نواميس الرحمة.. دساتير العناية.. حسّانة المصنوعات وزينة الموجودات.. فنوّر الكائنات.. بجلوة الأسماء، تجلّي الصفات.. تظاهرات الأسماء.. في جَلوات الصفات.. نوّراةُ الموجودات.. في الأرض والسماوات.
فافهم وقل: «اللّٰه أكبر». هو الفاطر العليم، هو الصانع الحكيم.. ذاك العالم الكبير، هذا العالم الصغير.. مصنوعا قدرته مكتوبا قدَره.. إبداعُه لذاك، صيّره مسجداً.. إيجادُه لهذا صيّره عابداً، إنشاؤه لذاك، صيّر ذاك مُلكاً.. بناؤه لهذا صيّره مملوكاً.. صنعته لذاك تظاهرت كتاباً، صبغتُه لهذا، تظاهرت خطاباً.. قدرته في ذاك، تُظهر عزّته.. ورحمته في هذا تنظّم نعمته.. سكّته في ذاك، في الكل والأجزاء.. خاتمه في هذا في الجسم والأعضاء..
فانظر وقل: «اللّٰه أكبر».. هو القادر المقيم.. هو البارئ العليم.. هو اللطيف الكريم.. هو الودود الرحيم.. هو الجميل العظيم.. هو نقاش العالم.. إن شئت أن تعرف هذا العالم ما هو كلُّه أجزاؤه، الكائنات ما هي نوعاً وجزئياتٍ، فإنما هو هي، خطوطُ قضائه.. رسوم قدره.. في تنظيم الذرات.. في تعيين الغايات.. في تقدير الهيئات.
فبعد هذا الترسيم.. لتعيين الحدود.. لمقدار القدود.. تجيء قدرتُه لتشخيص الصور.. ببركار القدر.. في حكمة الأثر.. مراعاةُ المصالح بالقطع قد شهدت: أن النقوشَ فاضت، من قلم عليم، من تدبير حكيم.
فبعد هذا التشخيص تجيء العنايةُ، لتزيين الصور، بيَد بيضائه، بلُطف إنشائه..
459
_____________________
تزيُّنُ الصور بأبدعِ ما يمكن.. يشهد باليقين لصاحب العينين.. أن الزينة والحسن، من أثر لطفه.. آيةُ كرمه.
فبعد هذا التزيين.. يجيء كرمُه.. بالتلطيف والتحسين.. لإبراز التودد.. في تزيين الحسان.. وإظهار التعرّف للجن والإنسان.. فما تلك المحاسن وما هاتى اللطائف إلاّ من هذا التودد.. إلاّ من هذا التعرف.. تحبّبُ الفاطر، يقطّر للناظر، من تحسين الأثر.. تعرّفُ القادر.. من تزيين الأثر، يظهر للنظر، بعد هذا التودد.
بعد هذا التودد تجيء رحمتُه، لإبراز الإنعام في نشر سُفرته لتلذيذ الأنام.. ترحُّمُ الخالق، يرشح من الأثر.. تحنّنُ الرزاق، يقطر من الثمر.
الحاصل:
هذا العالم.. خطوطُ قَدره.. نقوش قلمه.. زيناتُ كرمه.. أزاهير لطفه.. بالحدس والعيان.
أثمارُ رحمته.. لمعاتُ جماله.. جلوات جلاله.. مرايا كماله.. بالحق والإيمان.
ما يُشْهَدُ من جمال.. ما يُشهر من كمال.. مظاهرُ سيالة. مرايا جوالة [13] ظلال أنواره.. آيات كماله. ويشهد لهذا: كمالُ آثاره..
فالأثر المكمّلُ، يشهد لذي العقل، على الفعل المكمّل. ثم الفعلُ المكمّل يدل لذي الفهم على الاسم المكمّل. والفاعل المكمّل، والاسم المكمّل يدل بالبداهة على الوصف المكمّل. والوصف المكمّل يدل بالضرورة على الشأن المكمّل. ثم الشأن المكمّل، يدل باليقين على كمال الذات، مما يليق بالذات، وهو الحق المبين. رفيعُ الدرجات، خلاق العالم. يشهد لذي العين: أن الجمال الظاهر ليس مُلك المظاهر.
نعم تفاني المرايا، زوالُ الموجودات، مع التجلي الدائم، مع الفيض الملازم، من أوضح برهانٍ، من أفصح تبيان، للجمال المجرّد، للإحسان المجدَّد، للواجب الوجود، للباقي الودود.
فاعرف.. وقل: «اللّٰه أكبر».. هو الخلاق الكبير، هو الفعال القدير.
460
_____________________
فالأجسام السفلية، والزينات الأرضية، والأجرام العلوية والكواكب الدرّية، في بستان الكائنات:
معجزاتُ القدرة، شواهد الحكمة، براهين للواحد الأحد، والقادر الصمد.
سبحان من جعل حديقةَ أرضه: مشهرَ صنعته، مزهّر النباتات، مثمّر الشجرات، مزيّن الحيوانات، محسّن الطيورات. خوارقُ صنعه، شواهدُ علمه، دلائل لطفه.
تبسّم الأزهار، من زينة الأثمار، في هذه الجنان: تودّد الرحمن، ترحّم الحنان، تعرّف المنّان، للجن والإنسان، والروح والحيوان.
فالزهر والثمر، والحب والبذر، معجزات الحكمة، هدايا الرحمة، براهين الوحدة.. بشائر لطفه، في دار الآخرة، شواهد صادقة، بأن صانعها بكل شيء عليم، لكل شيء قدير، قد وسع كل شيء بالرحمة والعلم، باللطف والتدبير.
فالشمسُ كالذرة، والنجم كالزهرة، والأرض كالبيضة، لا تثقل عليه في الخلق والتدوير، والحفظ والتصوير، والصنع والتنوير.
فافهم .. وقل: «اللّٰه أكبر».. هو سلطان الأزل.. هو حاكم الأبد.. هو الملك السرمد.
انظر إلى وجه السماء.. كيف ترى سكوتاً في سكونةٍ.. حركة في حكمةٍ.. تلألؤاً في حشمة.. تبسّماً في زينة.. مع انتظام الخلقة.
تلألؤُ نجومها.. تعلن لأهل النهى.. سلطنةً بلا انتهاء.
فهذه النيّرات.. وهذه السيارات.. براهينُ منيرة.. شواهد مضيئة.. معلنةٌ لعزة كبرياء الألوهية.. مظهرةٌ لشوكة سلطنة الربوبية.. مبيّنة لحشمة عظمة قدرته.. مشيرة لوسعة إحاطة حكمته.
آمِن وقل: «اللّٰه أكبر».. وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم..
سبحانك يا مَن في كل شيء لك شاهدان على أنك واجب واحد.
سبحانك يا مَن في كل حيّ لك آيتان على أنك أحد صمد.
سبحانك يا مَن سكتُه مضروبة على جباه الخلق.. بالصدق شاهدة، بالحق ناطقة.
461
_____________________
فانظر إلى آثاره كيف ترى كالفَلق.. سخاوةً مطلقة في انتظام مطلق.. وقد ترى النظام في سهولة في اتزان مطلق.. في سرعة مطلقة في حسن صُنع مطلق.. في وسعة مطلقة في إتقان مطلق.. في رخيصية مطلقة مع غلوّ مطلق.. في خلطة مطلقة في امتياز مطلق.. في بُعدةٍ مطلقة في اتفاق مطلق.. في كثرة مطلقة مع كمال مطلق.
فهذه الكيفية المشهودة شاهدةٌ للعاقل المحقِّق.. مُجبِرة للأحمق المنافق.. على قبول الوحدة والصنعة للحق.. ذي القدرة المطلقة.. وهو العليم المطلق.
فتأمل وقل:
لا خالق إلاّ هو ..
لا فاطر إلاّ الحق
«تمت الجذبة الفكرية بهزجاتها»
[14[ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰه يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللّٰه فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللّٰه يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾(الحج: 18)
اعلم ([40]) أن القرآن الحكيم يصرّح: بأن كل شيء من العرش إلى الفرش، ومن النجوم إلى الهوام، ومن الأملاك إلى الأسماك، ومن السيّارات إلى الذرّات يعبد اللّٰه ويسجد له ويحمده ويسبّح له. إلاّ أن عباداتها متنوعةٌ. فنشير إلى وجهٍ من وجوه التنوع، بنوعِ تمثيل.
مثلاً: «وللّٰه المثل الأعلى» إن مَلكاً عظيماً إذا بنى مدينة جسيمةً وبنى قصراً محتشماً، فذلك الملك يستعمل فيهما أربعة أنواعٍ من العَمَلة:
الأول: مماليكُه: فليس لهم معاش([41]) ولا أجرة. بل لهم ذوقٌ وشوقٌ في كل ما يعملون بأمره، ويقولون في مدحه، ويكتفون بشرف انتسابهم له، ولذةِ نظرهم بحسابه.
والثاني: خَدَمة عاميون يستعملهم الملك بعِلمه بأجرةٍ جزئية تليق بهم.
462
_____________________
ولا يعرفون ما يترتّب على عملهم من الغايات العالية الكلية. حتى قد يتوهم البعضُ أنْ ليس لعمله غايةٌ إلاّ ما يعود إلى نفسه من الأجرة والمعاش.
والثالث: حيواناتٌ له يستخدمها، فليس لها إلاّ العَلَف، والتلذّذ بالعمل فيما تستعدّ له، إذ في خروج الاستعداد من «القوّة» إلى «الفعل» لذة عامة.
والرابع: عَمَلة عالمون بمَ ولِمَ يعملون وتعمل سائرُ العَمَلة، وعارفون بمقاصد الملك. فلهم رياسةٌ ونظارةٌ على سائر الخَدَمة، ولهم معاشٌ متفاوتٌ على درجات رُتَبهم.
كذلك إن مالك السماوات والأرض وبانيها، استخدم واستعبَد الملائكة، ثم الحيوانات، ثم الجمادات والنباتات، ثم الأناسي، لا للحاجة؛ إذ هو خالقُهم وما يعملون، بل للعزّة والعظمة وشؤونات الربوبية وغير ذلك.
فأما الملائكة فليس لهم ترقيات بالمجاهدة. بل لكلٍّ منهم «مقام معلوم» لكن له ذوقٌ مخصوص في نفس عملهم وفيوضاتٌ بنسبة درجاتهم، في نفس عباداتهم. فمكافآت خَدَماتهم مندرجةٌ في عين خدماتهم. فكما يتغذى الإنسان بالماء والهواء والضياء والغذاء ويتلذذ بها، كذلك الملائكة يتغذَّونَ ويتنعّمون ويتلذذون بأنوار الذكر والتسبيح والحمد والعبادة والمعرفة والمحبة، لأنهم من النور فيكفي لغذائهم النور والنوراني، كالروائح الطيّبة، ولهم سعادة عظيمة في فعلهم بأمر معبودهم، وفي عملهم بحسابه، وخدمتهم باسمه، ونظارتهم بنظره، وتشرّفهم بانتسابه، وتنـزهّهم بمطالعة مُلكه وملكوته، وتنعّمهم بمشاهدة تجليات جماله وجلاله.
وأما الحيوانات فلوجود النفس المشتهية فيها مع اختيارٍ جزئي ليست أعمالُها خالصةً بحسابه وحسْبةً محضةً لوجهه، فلهذا يعطيها مالِكُها الكريم معاشاً في ضمن عملها لأجله.
مثلاً: إن العندليب المشهور بالعشق للورد يستخدمُه فاطرُه الحكيم لإعلان المناسبة الشديدة بين طوائف النبات وقبائل الحيوان. فالعندليب خطيبٌ رباني من طرف الحيوانات -التي هي ضيوف الرحمن- وموظّفٌ لإعلان السرور بهدايا رازقها. ولإظهاره حُسن الاستقبال للنباتات المرسَلة لإمداد أبناء جنسه، ولبيان احتياج نوعه البالغ ذلك الاحتياج إلى درجة العشق، على رؤوس جميلات النباتات، ولتقديم ألطف شكرٍ في ألطف شوقٍ في ألطف وجهٍ لجنابِ مالكِ الملك ذي الجلال والجمال والإكرام..
463
_____________________
فهذه غايةُ عمله بحسابه سبحانه، فهو يتكلم بلسانه فنفهم هذه المعاني منه، وإن لم يَعرف هو معنى نغماته بتمامها. وعدمُ معرفة البلبل بهذه الغايات بتفصيلها لا يستلزم عدمَها، لا أقلَّ يكون كالساعة تُعلّمكَ الأوقات وهي لا تعلم ما تعمل. وأما معاشُه الجزئي فذوقه بمشاهدة الأزهار المتبسّمة وتلذّذه بمحاورتها. فليست نغماته الحزينة تألّمات شكايات حيوانية، كلاّ بل هي «تشكرات عطايا رحمانية» وقس عليه النحل والفحل والعنكبوت والنمل وبلابل الهوام وغيرها. فلكلٍّ منها معاشٌ جزئي في ذوق خصوصيّ في ضمن خدمتها لغاياتٍ كليةٍ ولصنعةٍ ربّانية كالنفر المستخدم في سفينة سلطانية.
فالحيوانات بامتثالها للأوامر التكوينية بكمال الإطاعة وإظهارها لغايات فطرتها بأحسن وجه باسمه، وتظاهرات حياتها بوظائف [15] بأبدع طرز بحوله، وهكذا من سائر تسبيحاتها تقدم هدايا عباداتها ومزايا تحياتها لجناب فاطرها.
فالتحيات تظاهرات الحياة بلطائف آثارها المطلوبة لواهب الحياة.
وأما النباتات والجمادات فلأجل أن لا اختيار لها، لا معاشَ لها، فأعمالُها خالصةٌ لوجه اللّٰه، وحاصلةٌ بمحض إرادة اللّٰه وباسمه وبحسابه وبحوله. إلاّ أنه يتظاهر من حال النباتات أن لها تلذّذات بوظائفها ولا تألماتِ لها، خلافاً للحيوان المختار. فله الألم كاللذّة. ولأجل عدم تداخل الاختيار في أعمال الجماد والنبات تكون آثارها أكمل من أعمال ذوي الاِختيار، ثم عمل ذي الاختيار المنوّر بالوحي والإلهام كالنحل وأمثاله أجملُ من غيره المعتمِد على اختياره.
وأما الإنسان فهو كالمَلَك في كلية العبادة وشمول النظارة وإحاطة المعرفة ودلاّلية الربوبية، بل أجمع منه. إلاّ أن له نفساً شريرة مشتهية، فله ترقيات وتدنيات.
وكالحيوان في إدخاله في عمله حظاً لنفسه وحصةً لذاته، فله معاشان معجّل جزئي حيواني، والآخر مؤجل كلي مَلَكي. فتأمل تَنَلْ.
ولقد ذكرنا في دروس «رسالة النور» كثيراً من أسرار عبودية الإنسان ووظيفته وقسماً من عبادة النبات والجماد وتسبيحاتهما فلا حاجة إلى التطويل هنا فإن شئت فراجع تلك الدّروس لترى سرّ سورة «والتين والزيتون» وسورة «والعصر».
464
_____________________
«تتمة لمبحث العندليب»
ولا تحسبن أن هذه الوظيفة الربّانية في الإعلان والدلاّلية والتغني لذوي الأسماع بهزجات التسبيحات مخصوصةٌ بالعندليب. بل كل نوعٍ له عندليبٌ يُمَثّل ألطفَ حسيّات ذلك النوع بألطف تسبيح في ألطف تسجيعِ. لاسيما في أنواع الهوام والحشرات.
فمنها ما له عندليب وبلابل كثيرة، تنشد على رؤوس كثير من أنواع الهوام والحشرات الصغيرة المختلفة سجعاتِ تسبيحاتٍ يلتذّ باستماعها جميعُ مَن له سمعٌ.
فمنها ليلية ذات سرود([42])؛ في مسامرةٍ لصغار الحُوَينات من نوعها وغير جنسها في سكوت الليل وسكونه حتى كأنها قُطبُ حلقةِ ذكرٍ خفيٍ. لأن الغناء كاللسان المشترك العمومي يفهمه كل من له سمع وحسّ.
ومنها نهارية؛ ذات تسبيحات بتسجيعات وهزجات لطيفة رفيعة تنشدها في فصل الصيف على منابر الأشجار على رؤوس جميع ذوي الحياة وهي تفوق البلبل المشهور بمراتب حتى كأنها رئيس حلقةِ ذكرٍ جهري تهيّج جذبات المستمعين وتُنطقهم كلٌّ بلسانه.
وأفضلُ جميع الأنواع وأشرفُ عندليبها وأنورُها وأبهرُها وأعظمُها وأكرمُها وأعلاها صوتاً وأجلاها نعتاً وأتمّها ذكراً وأعمّها شكراً، عندليبُ نوعِ البشر في بُستان الكائنات، حتى صار بلطيفات سجعاته بلبلَ جميع الموجودات في الأرض والسماوات..
عليه وعلى آله وأمثاله أفضل الصلوات وأجمل التسليمات. آمين.
اعلم([43]) أنه يُفهم من كمال ذكاوة الحيوان وقتَ خروجه إلى الدنيا ومهارته في العلم العملي المتعلق بحياته، أن إرساله إلى الدنيا للتعمّل لا للتكمل بالتعلّم.
ويُفهم من كمال جهالة الإنسان وعجزه وقت إخراجه إلى الدنيا واحتياجه إلى التعلّم في كل مطالبه وفي جميع عمره أن إرساله إلى الدنيا للتكمّل بالتعلّم والتعبّد لا للتعمّل. وما عمله المطلوب؛ إلاّ تنظيم أعمال ما سخّره اللّٰه له من النباتات والحيوانات والاستفادة من نواميس الرحمة.. وإلاّ الدعاءُ والالتجاء والسؤال والتضرع والتعبّد لمن سخّر له مع نهاية ضعفه وعجزه وغاية فقره واحتياجه هذه الموجودات.
465
_____________________
وما علمُه المقبول إلاّ معرفةُ مَن كرّمه وسخّر له وجهّزه للعبادة والسعادة بتعلّمِ حكمةِ الكائنات بوجهٍ يُنتج معرفةَ خالقها بأسمائه، وصفاته وجلاله وجماله وكماله. وغيرُ هذا الوجه إما ما لا يعنينات أو ضلالات.
اللّٰهم اجعلنا لك عبيداً في كل مقام قائمين بعبوديتك متضرّعين لألوهيتك مشغولين بمعرفتك.
اعلم أن الخالق الحكيم، لامتناع العجز عليه، ولكمال جُوده، يخلق الذرة كما يخلق الشمس، ويعطي لها الوجود مثلها.
فكما يخلق الذرة مع الشمس كذلك يخلق أصغر النبات كأكبر الشجر. وكما يخلق المَلَك المسخّر على الشمس مع المَلَك المسخّر على القطرة، كذلك يخلق أصغر الحوينات كأكبر الحيوان، فيستعبده مثلَه، ويوجد الفردَ الواحد بأحسن وجه، كما يوجد مجموع الأفراد الغير المحدودة.
ولكل من الموجودات صغيراً وكبيراً قليلاً وكثيراً وظيفةٌ لائقة.. وحكمة مناسبة وغاية حسنة.. من خزينة رحمةِ مَن: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾( يس: 82 ، 83).
[16] اعلم([44]) أيها المسلم أن لك في تطبيق عملك العرفي ومعاملتك العادية على الأصول الشرعية.. خزينةً أُخروية وإكسيراً كبيراً. يصير به كلُّ عمرك عملاً، وكلُّ عاداتك المباحة عبادةً، وغفلتُك بمشاغلك حضوراً.
مثلاً: إذا بعتَ أو اشتريت شيئاً وعملت بما يقوله الشرع في تلك المعاملة فتخطرتَ حُكمه في الإيجاب والقبول، صار لك نوع حضورٍ وعبادةً وإطاعة وعملاً أخروياً، فقِس واغتنم.
طوبى لمن نوّر حركاته بالآداب الشرعية. فيا سعادة مَن وفّقه اللّٰه لاتّباع السنّة في أعماله ومعاملاته حتى أورث عمرُه الفاني أثماراً باقية.. ويا خسارة مَن خَذَله اللّٰه باتباعِ الهوى فاتّخذ إلهه هواه حتى صار عمرُه هواءً وعمله هباءً.
اللّٰهم وفّقنا لمرضاتك والعمل بكتابك وسنة نبيّك. آمين.
466
_____________________
اعلم([45]) أنه كما أن من الإنسان مَن هم رُعاة، ولهم نظارةٌ على تنظيم حركات قسمٍ من الحيوانات، ونوع محافظةٍ له. وكذا منهم زرّاع لهم نظارة على تنظيم زرعِ قسمٍ من الحبوبات، ونوع ترتيب له.
كذلك إن من الملائكة مَن هو راعٍ بنوع من الحيوان في مرعى وجه الأرض. لكن ليس كالإنسان بل نظارتُه وَرَعْيُه بمحض حساب اللّٰه وباسمه وبحوله وبأمره، بل نظارتُه هي: مشاهدتُه لتجليات الربوبية في ذلك النوع.. ومطالعته لجلوات القدرة والرحمة فيه.. وإلهام الأوامر الإلهية لها لأفعال ذلك النوع الاختيارية.
ومنهم من له نظارة على نشر نوع من النباتات في مزرعة الأرض بإذن اللّٰه وبأمره وباسمه وبحوله. بل نظارتُه لها: تمثيلُ تسبيحاتها وتحيّاتِها لفاطرها، وإعلانها، مع نوع تنظيم وحماية بحسنِ استعمال الجهازات الموهوبة لها.
فهذه الخدمة، بنوع كسب، بدون تصرّف حقيقي (إذ في كل شيء سكّةٌ خاصّةٌ بخالق كل الأشياء ليس لغيره فيها مجال) عبوديةٌ وعباداتٌ لهم، لا عادات كالإنسان. فحضرةُ ميكائيل عليه السلام الذي هو من حَمَلة عرش الرزاقية له عبوديةٌ بنظارةٍ على جنس النباتات في مزرعة الأرض، وتحتَه نظّار على نوعٍ نوعٍ بقوة اللّٰه وبحَوله وبأمره وباسمه، وهكذا نُظّار الحيوانات.
فإن شئتَ درك هذا المعنى فانظر إلى الأرض كيف صيّرها الفاطر الحكيم مزرعةً واسعة ومرعىً عظيماً للنباتات والحيوانات.. ثم انظُر إلى أنواع النباتات المنشورة بانتظام عجيب في توزيع بذوراتها في الأطراف بتقسيم غريب بحكمة فاطرها القدير العليم.. وإلى أنواع الحيوانات المنشورة بطرز غريب بتقسيم عجيب وهي تسرح في مرعى الأرض في حُسن انتظامٍ بعنايـة خالقها الحكيم الكريم جل جلاله وعمّ نواله ولا إله إلاَّ هو.
* * *
467
_____________________
468
_____________________
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يـا اللّٰه يا رحمن يا رحيم يا فرد يا حيّ يا قيوم يا حكم يا عدل يا قدوس
بحرمة الاسم الأعظم أسكن طلبة النور الذين قاموا بطبع هذا المثنوي النوري في فردوس جنتك وأسعدهم فيها ووفّقهم دائماً في خدمة الإيمان والقرآن، واكتب اللّٰهم في سجل حسنات كلٍّ منهم حسناتٍ كثيرة مقابل كل حرف من حروف هذه المجموعة.
آمين. آمين. آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
سعيد النورسي
469
_____________________
-----------------------------
([1]) تفصيل هذا البحث في «الكلمة الثانية والعشرين»، لاسيما اللمعة السادسة والثامنة منها.
([2]) توضيح هذا البحث في «الكلمة الثانية والعشرين» وبخاصة اللمعة الرابعة والثامنة، وكذا اللمعة الثالثة والعشرون، رسالة «الطبيعة».
([3]) النشوء: النماء.
([4]) الأيس: الوجود. والليس: العدم الصرف.
([5]) «الكلمة الثالثة والعشرون» توضح هذا المبحث.
([6]) «الكلمة الثامنة» توضح هذا المبحث بتمثيل لطيف.
([7]) أي: الاحترام والتقدير.
([8]) «الكلمة الثالثة والعشرون» توضح هذا المبحث بتفصيل.
([9]) راجع إن شئت توضيحاً لهذا المبحث «الكلمة الرابعة والعشرين -الغصن الثالث».
([10]) المسألة الثالثة من «رسالة الثمرة - الشعاع الحادي عشر » توضح هذا المبحث.
([11]) الخرستيانية: كلمة يونانية يقصد بها: النصرانية.
([12]) إن شئت التفصيل راجع «الكلمة الرابعة عشرة».
([13]) اي ثلاثة أنواع من الحشر والنشر.
([14]) «المسألة الثامنة من رسالة الثمرة» فيها بيان قيّم لهذا المبحث.
([15]) «رسالة القدر - الكلمة السادسة والعشرون» فيها شرح وافٍ .
([16]) مصدر أسدى الثوب: جعل له سدى وهو ما يمد طولا في النسج خلاف اللحمة.
([17]) يقال: ألحم الثوب: نسجه. واللحمة خيوط النسج العرضية يلحم بها السدى.
([18]) «الكلمة السابعة عشرة» توضح مسألة وجه الرحمة في الموت والانقراض الذي يعترى الموجودات.
([19]) السعيد والقانع.
([20]) «النقطة الثانية من الكلمة الثامنة عشرة» تشرح الحكمة في هذا.
([21]) راجع -إن شئت- بالتفصيل «الكلمة الرابعة والعشرين - الغصن الثاني».
([22]) ندى.
([23]) المقصود: الشمس.
([24]) أي بالبصر.
([25]) توضيح هذا المبحث في «اللمعة الثلاثين - اسم اللّٰه القيوم» و«النافذة الحادية والثلاثين من الكلمة الثالثة والثلاثين».
([26]) أي أنانيتك أنت.
([27]) «الكلمة السادسة» شرحت هذا المبحث بمثال جميل.
([28]) الغاران: فمُ الإِنسان وفرجُه، وقيل: هما البطن والفرج؛ ومنه قيل: المرء يسعى لِغارَيْه؛ وقال: أَلم تر أَنَّ الدهْرَ يومٌ وليلة، وأَنَّ الفتَى يَسْعَىْ لِغارَيْه دائبا؟. ( لسان العرب)..
([29]) يعني : إنَّ اللّٰه ذا الكَرَمِ الواسعِ يشتري مُلكَهُ منك، وأعطى مقابل ذلك ثمناً غالياً، ثم يحافظ عليه لأجلك.
([30]) المباحث الموجودة هنا ابتداء من ص [12] إلى ص [16] ومن ص [17] الى ص [24] من المخطوط منشورة في رسائل متفرقة من «المثنوي العربي النوري».
([31]) هذه المسألة الدقيقة تتناولها «الكلمة الرابعة عشرة» بتفصيل وتوضيح.
([32]) هذا المبحث من هذه الصفحة [24] منشور في «المثنوي العربي النوري».
([33]) المباحث الموجودة ضمن صفحات المخطوط [31 - 35] منشورة في «المثنوي العربي النوري».
([34]) راجع -إن شئت- «الكلمة الثانية عشرة -الأساس الأول والثاني والثالث».
([35]) «الكلمة الثالثة والعشرون» فيها توضيح وافٍ.
([36]) هذه المباحث الموجودة في ص[36-50] وكذا [51 وقسم من 52] من المخطوط منشورة في «المثنوي العربي النوري».
([37]) الأساس الرابع من «الكلمة الثانية عشرة» وكذلك «الكلمة الخامسة والعشرون -المعجزات القرآنية» تفصّلان هذا المبحث، وانظر إن شئت أيضاً رسالة «المعراج النبوي».
([38]) «الكلمة الأولى» توضح هذه المسألة.
([39]) الأشفار: وهي حروف الأجفان التي ينبُت عليها الشعر، وهو الهُدْب.
([40]) هذا المبحث القيم خلاصة جيدة للغصن الرابع من «الكلمة الرابعة والعشرين».
([41]) أي المرتّب والأجرة.
([42]) سرد سرداً الحديث أو القراءة: أجاد في سياقها.
([43]) «الكلمة الثالثة والعشرون» توضح هذه المسألة.
([44]) «النكتة الأولى من اللمعة الحادية عشرة» تفصّل هذه المسألة.
([45]) تراجع «الكلمة الرابعة والعشرون - الغصن الرابع».
