المقدمة الحادية عشرة
قد يتضمن الكلام الواحد أحكاماً عدة، فربما يحوي الصدَفُ الواحد كثيراً من الدرر.
والمقرَّر لدى أرباب العقول: أن القضية الواحدة تتضمن قضايا عدة؛ كل يثمر ثمراً مبايناً للآخر، كما نبعَ ونشأ من أصل مختلف.. فالعاجز عن التمييز يُجانب الحق ويغترب عنه.
مثال ذلك: ورد في الحديث الشريف: "بعثتُ أنا والساعة كهاتين".([1]) أي لا نبيَّ بعدي إلى قيام الساعة.. فأياً كان المقصود من الحديث فهو حق.
فهذا الحديث الشريف يتضمن ثلاث قضايا:
أولاها: أن هذا الكلام هو كلام النبي صلى الله وعليه وسلم ..
هذه القضية هي نتيجة التواتر إن كان (أي إن كان الحديث متواتراً).
ثانيتها: أن المعنى المراد من هذا الكلام حقٌّ وصدق..
هذه القضية هي نتيجة للبرهان المستند إلى معجزاته صلى الله وعليه وسلم فلا يصدر عنه غير الصدق. فينبغي الاتفاق في هاتين القضيتين، لأن مَن ينكر الأولى فهو كاذب مكابر، أما الذي ينكر الثانية فهو ضال قد هوى في الظلمات.
القضية الثالثة: أن المراد من هذا الكلام هو هذا (أي الذي أسوقه).. فها هو الدرّ الموجود في هذا الصدف.
هذه القضية هي نتيجة الاجتهاد، لا التشهي؛ إذ من المعلوم أن المجتهد ليس مكلّفاً بتقليد غيره من المجتهدين.
هذه القضية الثالثة هي منبع الاختلافات. وأصدق شاهد على ذلك هو ما نراه من الأقوال المتضاربة (في مسألة واحدة).
فالذي ينكر هذه القضية لا يكون مكابراً ولا ضالاً، ولا ينساق إلى الكفر، إن كان إنكاره نابعاً من الاجتهاد؛ إذ العام لا ينتفي بانتفاء الخاص، وكم من قطعي المتن ظنّي الدلالة.. فلا بد من الدخول إلى البيوت من أبوابها، فإنّ لكلٍّ باباً، ولكل قفل مفتاحاً.
خاتمة:
هذه القضايا الثلاث تجري في الآية جرَيانَها في الحديث الشريف، حيث إنها قضايا عامة. إلاّ أن الأولى منها فيها فرق دقيق.
وهكذا يتضمن الكلام أحكاماً كثيرة، إلاّ أنها أحكام خاصة، كل منها يختلف عن الآخر في الأصل مثلما يثمر ثمرة مباينة للآخر.
تنبيه: قد يجد من يريد أن يغالط في مثل هذه المقامات ذرائعَ تافهة وحججاً واهية ناجمة من حب النفس:
كالتزام الطرف المخالف..
والتعصب الذميم..
وحب الظهور..
والشعور بالانحياز إلى جهة..
وتسويغ الأوهام والخيالات بإسنادها إلى أصل..
ورؤية الأمور الواهية قوية، لموافقتها رغباته الشخصية.
وإظهار كماله بتنقيص الآخرين والتهوين من شأنهم..
وإبراز كونه صادقاً بتكذيب الآخرين..
وبيان استقامته بإضلالهم..
وغيرها من الأمور السافلة المنحطة!
وإلى الله المشتكى.
[1]() البخاري، تفسير سورة النازعات 1، الطلاق 25، الرقاق 39؛ مسلم، الفتن 132؛ الترمذي، الفتن 39.
