المقدمة الثانية عشرة
مَن لم يجد اللب ينهمك في القشر([1]).. ومن لم يعرف الحقيقة يزلّ إلى الخيالات، ومن لم يرَ الصراط المستقيم يقع في الإفراط والتفريط، ومن لا يملك ميزاناً ولا موازنةَ له يخدع وينخدع كثيراً.
إن سبباً خادعاً للظاهريين هو: التباس علاقة القصة بالعبرة المرادة منها، واقتران المقدمة بالمقصود في الذهن، والاقتران الحاصل في الوجود الخارجي.
لاحظ هذه النقطة فإنك تحتاج إليها فيما بعد.
ثم إن أحد الأسباب المولّدة للفوضى والموقِعة في الاختلافات والموجدة للخرافات والمنتجة للمبالغات -بل أهم سبب لها- هو عدم القناعة والاطمئنان بما خُلق في العالم من حسن وعظمة وسمو. والذي يعني الاستخفاف بالنظام بذوق فاسد. حاشَ لله.
إن حسن الانتظام والعظمة والعلو المودَعة في حقائق العالم، التي كلٌّ منها أبهرُ معجزة من معجزات القدرة الإلهية في نظر العقل والحكمة، قد أبدعتها يدُ الحكمة الإلهية إبداعاً في غاية الروعة بحيث لو قورن بها ما يمرّ في خيال عشاق الخيال والمبالِغين من حسن وكمال خارقَين، لبقيت تلك الخيالات الخارقة اعتيادية جداً، ولبدت تلك السننُ الإلهية خارقةً حقاً، في غاية الحسن ومنتهى الكمال والعظمة. إلاّ أن الألفة -التي هي أخت الجهل المركب وأم النظر السطحي- هي التي عصبَت عيون المبالغين.
ولا يفتح تلك العيونَ المعصوبة إلاّ أمرُ القرآن الكريم بالتدبّر والتأمل في الآفاق والأنفس المألوفتين.
نعم، إن نجوم القرآن الثاقبة هي التي تفتح الأبصار وترفع ظلام الجهل وظلمات النظرة العابرة. إذ تمزق الآياتُ البيّنات بيدها البيضاء حجابَ الألفة والنظرَ السطحي وأستار التشبث بالظاهر المحسوس، فتُوجّه العقولَ وترشدها إلى حقائق الآفاق والأنفس.
ثم إن مما يولد الرغبة في المبالغة، حاجةَ الإنسان الفطرية إلى إخراج ميلِه من طور القوة إلى طور الفعل.([2]) إذ من ميوله: رؤيةُ العجائب المحيّرة وإراءتها، والرغبة في التجدد والإيجاد.
بناءً على هذا: لما عجَز الإنسانُ بنظره السطحي أن يتذوق ما في جِفان الكائنات وصحونِها من غذاء روحي مغطى بغطاء الألفة، سئِم من لَعق الجفان ولَحْس الغطاء، ولم يُفِده سوى عدم القناعة، والتلهّف إلى خوارق العادات والرغبة في الخيالات، مما ولّد لديه الرغبة في المبالغة للتجدد أو الترويج.. تلك المبالغة شبيهة بكرة الثلج المتدحرجة من أعلى قمة الجبل، كلما تدحرجت كبُرت... فالكلام المتدحرج أيضاً من ذروة الخيال إلى اللسان ومنه إلى لسان ولسان، تُشتَّت حقيقتُه الذاتية، إلاّ أنه يَجمع حوله خيالات من كل لسان بميل المبالغة، فيكبر ويكبر حتى لا يسعه القلبُ بل الصماخ بل حتى الخيال، ثم يجيء النظر بالحق فيجرّده من توابعه، ويُرجِعه عارياً مجرداً إلى أصله، فيظهر سر ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.
حكاية جرت في هذه الأيام تكون مثالاً على هذا:
إن أساس مسلكي منذ أيام صباي -ولا فخر- إزالةُ الشبهات التي تلوّث حقائق الإسلام سواء بالإفراط أم بالتفريط، وصقلُ تلك الحقائق الألماسية. والشاهد على هذا تاريخ حياتي في كثير من حوادثه.
ففي هذه الأيام ذكرتُ مسألة بديهية كـ"كروية الأرض"، وطابقتُ عليها ما يوافقها ويتعلق بها من مسائل دينية، دفعاً لاعتراضات الأعداء وإزالةً لشبهات المحبين للدين. كما سيأتي مفصلاً في "المسائل".
ثم ظهر المغرَمون بالظاهر المعتادون على الخيالات المهولة، وكأن عقولهم لا تقبل هذه المسألة، إلاّ أن السبب الأساس غيرُ هذا بلا شك، فتصرفوا تصرفات جنونية، كمن يريد أن يجعل النهارَ ليلاً بإغماض العين، أو يطفئ الشمسَ بالنفخ! وفي ظنهم كأن الذي يحكم بكروية الأرض يخالف كثيراً مسائل الدين. فتذرعوا بهذا وافتروا فرية كبيرة، ولم يبق الأمر في هذا الحد بل تجاوز إلى تضخيم الفرية حيث وجدوا لها جواً ملائماً في الأذهان المرتابة، بل ضخموها إلى حد كبير كَوَوا بها كبد أهل الدين. وأيّسوا أهلَ الحمية في رقي الإسلام.
ولكن كان هذا درساً عظيماً لي، إذ أيقظني إلى أن الصَديق الجاهل يمكنه أن يضرّ الدين بمثل ما يضرّ به العدو، ولهذا فلقد كنتُ منذ بداية الكتاب أتوجّه إلى حيث يكون العدو، أقطعُ بالسيف الألماسي الذي في اليد بخْسَهم حقَّ الإسلام.. أما الآن فلأجل تربية أمثال هؤلاء الأصدقاء، أضطر إلى أن لا أمس -بذلك السيف- إلاّ قليلاً من خيالاتهم المفرطة التي يتلهف لها العوام.
وعلى الرغم من أن أموراً شخصية كهذه لا تستوجب مثل هذه المباحث، فإن الأمر لم يعد أمراً شخصياً، بل أصبحت مسألة عامة تتعلق بحياة المدارس الدينية.
ألاَ فليعلم أولئك الظاهريون أنهم عبثاً يحاولون.. فلقد تركونا حتى الآن في غيابة الجهل بهذَرهم وسفسطَتهم هذه التي يغرم بها العوام ويريدون أن يدَعونا جاهلين، ليستغلوا جهلنا.
هيهات! لا.. ولن يكون هذا.. ستُبعث الحياةُ في المدارس الدينية! والسلام.
ثم إنه مما يشوّش أفكار الظاهريين، ويخلّ بخيالاتهم، اعتقادُهم أن دلائل صدقِ الأنبياء عليهم السلام محصورةٌ ضمن خوارق العادات، واعتبارهم أن جميعَ أحوال رسولنا الكريم صلى الله وعليه وسلم وحركاته -أو معظمها- لابد أن تكون خارقة. وهذا ما لا يسمح به الواقع، لذا لا يستقيم ولا يصلح لهم ما يتخيلون؛ إذ إن اعتقاداً كهذا غفلةٌ عظيمة عن سر الحكمة الإلهية في الوجود، وعن تسليم الأنبياء عليهم السلام مقاليد الانقياد إلى قوانين الله الجارية في العالم.
نعم، إن كلَّ حال من أحواله صلى الله وعليه وسلم وكلَّ حركة من حركاته دليل على صدقه، وتشهد على تمسكه بالحق، مع أنه يتبع السنن الإلهية وينقاد إليها (سينبّه إلى هذا في المقالة الثالثة).
ثم إن إظهار الخوارق ما هو إلاّ لتصديق النبوة، والتصديقُ يحصل على أكمل وجهٍ بمعجزاته الظاهرة، فإذا زادت عن الحاجة، فإما أن تكون عبثا، أو منافية لسر التكليف -الذي هو امتحان في الأمور النظرية دون البديهيات أو ما يقرب منها حيث يتساوى الأدنى مع الأعلى- أو تكون مخالفة للتسليم والانقياد لجريان الحكمة. بينما الأنبياء عليهم السلام مكلّفون بالعبودية والتسليم أكثر من أي أحد.
* * *
فيا طالبَ الحق، الناظر إلى كلماتي المشتتة!
إن الميول المزروعة في ماهيتك ستنمو وتفتَح الأزاهير بشمس الحقيقة التي تجري وهي ساكنة في المقدمات الاثنتي عشرة المذكورة.
خاتمة:
مَن يدّعي أنه سيّد (من أهل البيت) وهو ليس منهم، ومَن ينكر انتسابه إليهم وهو سيد، كلاهما مُذنب. فالدخول في السادة والخروج منهم كما أنه حرام، كذلك النقصان والزيادة في القرآن الكريم والحديث الشريف ممنوع، بل الزيادةُ أضرُّ لإفسادها النظامَ وفتحِها أبواباً لمرور الأوهام؛ لأن الجهل ربما يكون عذراً للنقصان، بينما الزيادةُ لا تكون إلاّ بالعلم، والعالِم لا يُعذَر، فكما أن هذا هكذا، فالوصل والفصل في الدين لا يجوز أيضاً، بل إن إدخالَ زيفِ الحكايات وخبَثِ الإسرائيليات وأباطيل التشبيهات في ألماس العقيدة وجوهر الشريعة ودُرر الأحكام إنما هو حطٌّ لقيمتها وتنفيرٌ لطالبيها من متحرّي الحقيقة، ودفعهم للندامة.
خاتمة الخاتمة: إن ترك المستعِد لِما هو أهلٌ للقيام به، وتشبثَه بما ليس أهلاً له، عصيانٌ كبير وخرق فاضح لطاعة الشريعة الكونية (شريعة الخِلقة)؛ إذ من شأن هذه الشريعة انتشارُ استعداد الإنسان ونفوذُ قابليته في الصنعة، واحترامُ مقاييس الصنعة ومحبتها، وامتثالُ نواميسها والتمثل بها. وخلاصة الكلام: إن شأن هذه الشريعة الفناءُ في الصنعة.
وإذ وظيفة الخلقة هذه، فإن الإنسان بمخالفته هذه الشريعة يغيّر الصورة اللائقة بالصنعة ويخل بنواميسها، ويشوّه صورةَ الصنعة غير الطبيعية -التي تشبث بالقيام بها- بميله الكامن للصنعة الأخرى لعدم الامتزاج بين الميل والصنعة، فيختلط الحابل بالنابل.
وبناءً على هذا، فإن كثيراً جداً من الناس يمضي بميل السيادة والآمرية والتفوّق على الآخرين، فيجعل العلمَ المشوّق المرشد الناصح اللطيف وسيلةَ قسرٍ وإكراه لاستبداده وتفوقه، فبدلاً من أن يخدم العلمَ يستخدمه. وعلى هذا فقد دخلت الوظائفُ بيد من ليسوا لها أهلاً، ولاسيما الوظائف في المدارس الدينية، فآلت إلى الاندراس نتيجة هذا الأمر.
والعلاج الوحيد لهذا: تنظيم المدرّسين الذين هم في حكم العاملين في دائرة واحدة، في دوائر كثيرة كما هو الحال في الجامعة، كلٌّ في مجال اختصاصه، ليذهب كلُّ واحدٍ بسَوقِ إنسانيته، وبتوجهه نحو حقه، ينفِّذ قاعدةَ تقسيم الأعمال بميله الفطري امتثالاً للأمر المعنوي للحكمة الأزلية.
تنبيه: إن السبب المهم الذي أدّى إلى تدنّي علوم المدارس الدينية، وصرَفَها عن مجراها الطبيعي هو أن العلوم الآلية([3]) لما أُدرجت في عداد العلوم المقصودة، أصاب الإهمالُ العلومَ العالية، فسيطر على الأذهان حَلُّ العبارة العربية التي لباسُها (لفظُها) في حكم معناها، وظلَّ العلمُ الذي هو أصل القصد تبعياً. زد على ذلك، أن الكتب التي أصبحت في سلسلة التحصيل العلمي رسمية، وعباراتها متداولة إلى حد ما. هذه الكتب حصرت الأوقات والأفكار في نفسها ولم تُفسح المجال للخروج منها.
* * *
يا أخا الوجدان!
كأني بك قد اشتقت إلى رؤية ماهية الكتب الثلاثة التي ستترتب على هذه المقدمات...
صبراً! سأذكر لك موضوعاً يمثّل مُجمل ما فيه، أو بتعبير آخر يمثل صورتَها المصغرة أو خريطتها المختصرة. ولكني سأبادر بتقديم تسع مسائل مما في تلك الكتب، على أمل أن أفصل الموضوع تفصيلاً عقب المقالة الثالثة إن شاء الله ووَفَّق الربُّ الكريم. فها هو ذا الموضوع!
سأعرج إلى علوم السماوات بسير روحاني، بالوسائل التي يريها القرآن الكريم وبقوة الفلسفة الصائبة، لأنظر من هناك ونشاهد:
أن الكرة الأرضية عبارة عن كرة ضخمة تديرها يدُ القدرة للصانع الحكيم، ونرى بعين الحكمة أنه يقذفها كحجر المقلاع، إلى أن يشتتها، ليبدّلها إلى أفضل منها. ثم نتدلى ونتدرج من جو السماء حتى ننزل إلى مهدنا، الأرضِ التي بسطها وهيأها الخالقُ الرحمن لراحتنا.. ثم ننظر بإنعام إلى الإنسان، كيف أنه يرمي بمهده بعد تجاوزه مرحلة الطفولة، فإنه يُرسَل إلى قصور السعادة الأبدية كذلك بتخريب الأرض.
وبعد أن نُديم التأمل في هذا، ندخل ميدان الماضي بالسير الروحاني الذي لا يقيده زمانٌ ولا مكان ونحاور أبناء جنسنا، أبناء الماضي بأمواج البرقيات التاريخية، ونتعلم العبر والأحداث التي وقعت في تلك الزوايا الآفلة، ونصنع منها قطاراً للأفكار. ثم نرجع عائدين ونزور أبناء جنسنا ونتوجه إلى مشرق المستقبل لنرى -ونري الآخرين- فجرَ سعادته الصادق الذي يتراءى من بعيد. ثم نركب قطار "الرقي والتقدم" وسفينة "السعي" المسماة بالتوفيق، حاملين في أيدينا مصباح البرهان وندخل معه "الزمان" الذي يبدو مُظلم البداية، إلاّ أن وراءه سطوعاً، لكي نصافح أبناء المستقبل ونهنئهم بسعادتهم التي يرفلون فيها.
وهكذا ففي هذه الصورة الفوطوغرافية المصغرة تندرج صورةٌ جميلة، ستظهر لك محرَّراً.
والآن.. في هذه الأرض تنبت أشجارُ الكتب المذكورة وتُسقى بجداول المقالات الثلاث.
أيها الأخ! قبل أن آخذ بيدك وأُوصلك إلى خزينة الحقائق، أُبادر إلى سرد بضع مسائل وعدتُك إياها، لأدفع بها غشاوةَ الخيالات عن بصر بصيرتك، تلك الخيالات التي صارت كالغول تضع أيديها على عينك فتُغمضها، وتدفع صدرك وتخوّفك.. وإن أرتك شيئاً فالنور نارٌ والدرّ مَدَرٌ. فاحذرها.
واعلم أن أعظم منشأ يولد شبهاتك، مسائل تتعلق:
بكروية الأرض.. ثم الثور والحوت.. وجبل قاف.. وسد ذي القرنين.. وأوتادية الجبال.. ووجود جهنم تحت الأرض.. والآيات الكريمة: ﴿دَحَاهَا﴾ و﴿سُطِحَتْ﴾ و﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ و﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾(النور:43) وأمثالها من المسائل. سأبين لك حقيقتها كي تسدّ عيون الأعداء وتفتح أبصارَ الأصدقاء.
وها أنذا أستهل بـ:
[1]() "كل عمل لا إخلاص فيه فهو قشر لا لبّ فيه.." (الفتح الرباني للشيخ الكيلاني، المجلس24).
[2]() طور القوة أي الكامن المستتر في الشيء. أما طور الفعل فهو الوضع المشاهَد الظاهر.
[3]() العلوم الآلية: كالنحو والصرف والمنطق وأمثالها من العلوم التي تكون وسيلة لفهم العلوم العالية التي هي كالتفسير والحديث والفقه وأمثالها من العلوم.
