براهين نبوة محمد  صلى الله وعليه وسلم

مقدمة

إنّ كلَّ حال من أحواله  صلى الله وعليه وسلم ، وكل حركة من حركاته دليلٌ على صدقه .

نعم، إن عدمَ التردد في كل حركة من حركاته، وعدمَ مبالاته بالمعترضين، وعدمَ تخوفه من المخالفين.. شاهدٌ على صدقه وجديته.

وإن إصابته روحَ الحقيقة في أوامره كلها تدل على أنه على الحق المبين.

نحصل من هذا: أنه في الوقت الذي هو مبرأ من التخوف والتردد والاضطراب وأمثالها من الأمور التي تومئ إلى الحيلة وعدم الثقة وفقدان الاطمئنان، تراه يلفت نظر أهلِ الدقة إلى كل فعل من أفعاله وإلى كل طور من أطواره... يلفتهم بالمبدأ على صدقه وفي المنتهى على إصابته الحق؛ إذ يعمل في أخطر المواقع دون تحرج وبقوة اطمئنان بالغ، ومن بعد ذلك بلوغُه الهدف في الختام بتأسيسه القواعد الحية المثمرة لسعادة الدارين، ولاسيما إذا لوحظ مجموع حركاته وامتزاجُها، فالجدية وإصابته الحق تشعان كالشعلة الجوالة، ويتجلى لعينك برهان نبوته من انعكاساتها وموازناتها.

إشارة: إن الزمان الماضي والزمان الحاضر -أي عصر السعادة النبويّ- والمستقبل يتضمنان براهين نيّرة على النبوة، ويرددان بلسان واحد برهانَ ذاته  صلى الله وعليه وسلم  بأنه معدن الأخلاق العالية وداعي الصدق ودَلاَّل النبوة. فهذه الأزمنة تدل وتعلن عن نبوته وتبينها حتى لمن فقدَ بصره، ولهذا سنطالع هذه الصحف الثلاث والمسالة العظمى من ذلك الكتاب.. وهي ذاتُه المباركة  صلى الله وعليه وسلم ، فنزوره ونبيّن مدَّعانا الذي هو البرهان الأكبر.

وبناء على هذه النقاط فمسالك النبوة أربعة. والخامسة منها مشهورة مستورة.

المسلك الأول للنبوة

يعني لا بد من معرفة أربع نكت لنرَ ذاته الشريفة:

إحداها: أنه "ليس الكَحَلُ كالتكَحِّل"([1]) أي لا يصل الصنعيُّ والتصنعيُّ -ولو كانا على أكملِ الوجوه- مرتبةَ الطبيعيّ والفطريّ ولا يقوم مقامَه، بل تومئ فلتاتُ هيئتِه العامةِ إلى التصنع والتكلف.

ثانيتها: أن الأخلاق العالية إنما تتصل بأرض الحقيقة بـ"الجدية"، وأن إدامة حياتها وانتظام مجموعها إنما هي بـ"الصدق"، ومتى ما انقطعت عرى الصدق والجدية منها صارت كهشيم تذروه الرياح.

ثالثتها: من القواعد وجودُ الميل والجذب في الأمور المتناسبة، ووجودُ التدافع والتنافر في الأمور المتضادة، فكما أن هذه القاعدة جاريةٌ في الماديات، جارية أيضاً في الأخلاق والمعنويات.

رابعتها: "للكل حكمٌ ليس لكلٍّ".. إن آثار محمد  صلى الله وعليه وسلم  وسيرته المباركة وتاريخ حياته تشهد -مع تسليم أعدائه- بأنه لعلى خلق عظيم، وأنه قد اجتمعت فيه الخصال العالية كافة. ومن شأن امتزاج كثرة من تلك الأخلاق وتجمّعها وإحاطتها، توليد عزة النفس، التي تولّد شرفاً ووقاراً يترفعان عن سفساف الأمور، كترفع الملائكة وتنزههم عن الاختلاط بالشياطين... فالأخلاق السامية كذلك لا تسمح أصلاً بتداخل الحيلة والكذب بينها، بل تتنزه وتتبرأ وتترفع عنها، بحكمة التضاد فيما بينها.

ثم إن حياةَ هذه الأخلاق الرفيعة وروحَها هي: الصدقُ وإصابةُ الحق... فهما يضيئان كالشعلة المنورة ويعلنان عنها.

أيها الأخ! ألا ترى أن الشخص المشتهر بالشجاعة وحدَها يترفع عن الكذب، لئلا يخل بالمقام الذي تعطيه تلك الصنعة، فكيف إذا اجتمعت جميعُ الخصال الرفيعة؟ نعم، للكلِّ حكمٌ ليس لكلٍّ.

نشاهد في الوقت الحاضر: أن المسافة بين الصدق والكذب لا تتجاوز الإصبع، فكلاهما يباعان في سوقٍ واحدة، ولكن لكل زمان حكمُه، إذ لم يحدث قط في أي وقت مضى أن اتسعت الشقةُ بين الصدق والكذب اتساعه الذي حدث في عصر السعادة النبوية. فقد انجلى الصدقُ ببهائه الحقيقي وبكمال الاحتشام والهيبة، واعتلى محمد  صلى الله وعليه وسلم  الصادق الأمين أعلى عليي الصادقين، وأوقعَ انقلاباً عظيماً في العالم، فأظهر بُعدَ الصدق عن الكذب بُعد ما بين المشرق والمغرب. فراجَ سُوقُ الصدق ومتاعُه في ذلك القرن.

أما الكذب الشبيه بأشلاء الأموات والجثث، فقد ظهر قبحُه وسماجتُه، وتردّى بمن تمسك به من أمثال مسيلمة الكذاب إلى أسفل سافلي الإنسانية. فكسد سوقُه ولم ترج بضاعته في ذلك القرن.

وهكذا فمِن طبائع العرب الاعتزاز والتفاخر، والرغبة في الرائج من المتاع... لذا تسارعوا وتسابقوا للتجمل بالصدق والبعد عن الكذب، ونشروا راية العدل على العالمين. ومِن هنا نشأت عدالةُ الصحابة عقلاً. إذا أنعم الإنسان النظر في السيرة والتاريخ والآثار، ودقق حاله  صلى الله وعليه وسلم  من الرابعة من عمره إلى الأربعين، مع أن شأن الشبابية وتَوقُّد الحرارةِ الغريزية أن تظهر ما يخفى، وتلقى إلى الظاهر ما استتر في الطبيعة من الحيل والخداع، تراه  صلى الله وعليه وسلم  قد تدرج في سنيه وعاشر باستقامةٍ كاملة، ومتانةٍ بالغة، وعفّة تامة، مع اطراد وانتظام، وما أومأ حالٌ من أحواله إلى خديعة، لاسيما في مقابلة المعاندين الأذكياء.

وبينما تراه  صلى الله وعليه وسلم  كذلك إذ تنظر إليه وهو على رأس أربعين سنة الذي من شأنه جعل الحالات مَلَكة والعاداتِ طبيعةً ثابتة لا تخالَف، قد أوقع انقلاباً عظيماً في العالم.. فما هو إلاّ من الله.

فمن لم يصدّق أنه من الحق وعلى الحقيقة المحضة، فقد اختفى إذن في ذهنه سوفسطائي. ألاَ ترى أنه  صلى الله وعليه وسلم  كيف كان حالُه في أمثال واقعة الغار الذي انقطع بحسب العادة أملُ الخلاص، إذ يتصرف بكمال الوثوق وغاية الاطمئنان والجدية.

كل ذلك شاهد كاف على نبوته وجديته ودليل قاطع على تمسكه بالحق.

المسلك الثاني

إن صحيفة الماضي برهان على نبوته، بملاحظة أربع نكت:

إحداها: أن من يأخذ أساسات علم وفن -أو في القصص- ويعرف روحَه والعقدَ الحياتية فيه ويحسن استعمالها في مواضعها ثم يبني مدّعاه عليها، فإن ذلك يدل على مهارته وحذاقته في ذلك العلم.

ثانيتها: أيها الأخ! إن كنت عارفاً بطبيعة البشر، لا تر أحداً يتجاسر بسهولة على مخالفةٍ وكذبٍ ولو حقيراً، في قوم ولو قليلين، في دعوىً ولو حقيرة، بحيثية ولو ضعيفة. فكيف بمن له حيثية في غاية العظمة، وله دعوىً في غاية الجلالة، ويعيش بين قوم في غاية الكثرة، ويقابله عناد في غاية الشدة، ومع أنه أمّي لا يقرأ ولا يكتب، إلاّ أنه يبحث في أمور لا يستقل فيها العقلُ وحده، ويظهرها بكمال الجدية، ويعلنها على رؤوس الأشهاد.. أفلا يدل هذا على صدقه؟

ثالثتها: إن كثيراً من العلوم المتعارفة عند المدنيين -بتعليم العادات والأحوال وتلقين الوقوعات والأفعال- مجهولةٌ نظريةٌ عند البدويين. فلابد لمن يحاكم محاكمة عقلية، ويتحرى حال البدويين أن يفرض نفسه في تلك البادية.

فإن شئت فراجع المقدمة الثانية، فقد أوضحتْ هذه النكتةَ.

رابعتها: لو ناظر أميّ علماءَ علم، ثم بيّن رأيه في مسائله مصدّقاً في مظان الاتفاق، ومصححاً في مطارح الاختلاف، يدلك ذلك على تفوقه، وأن علمَه وهبيٌ لا كَسبي.

فبناء على هذه النكتة نقول:

إن الرسول الكريم  صلى الله وعليه وسلم  مع أميّته، كأنه بالروح الجوالة الطليقة طوى الزمانَ والمكان، فدخل في أعماق الماضي، وبيّن كالمشاهِد لأحوال الأنبياء عليهم السلام، وشرح أسرارَهم على رؤوس العالم، في دعوى عظيمة تجلب إليها أنظار الأذكياء. وقد قص قصصهم بلا مبالاة ولا تردد وفي غاية الثقة والاطمئنان، وأَخَذَ العقدَ الحياتية فيها وأساساتها، مقدمةً لمدّعاه مصدِّقاً فيما اتفقت عليه الكتب السالفة ومصححاً فيما اختلفت فيه. فثبت أن حاله هذه دليلٌ على نبوته.

إن مجموع دلائل نبوة الأنبياء عليهم السلام دليلٌ على صدقه  صلى الله وعليه وسلم ، وجميع معجزاتهم معجزة معنوية له.

أيها الأخ!

قد يَحلّ القَسَم محل البرهان، لأنه يتضمن البرهان لذا: [والذي قصّ عليه القصص للحصص، وسيّر روحه في أعماق الماضي وفي شواهق المستقبل، فكَشَفَ له الأسرارَ في زوايا الواقعات، إن نظره النقاد أدق من أن يُدلَّس عليه، ومسلكه الحق أغنى من أن يُدلِسَ على الناس].

نعم، إن الخيال لا يستطيع أن يظهر نفسه حقيقة لنور نظره  صلى الله وعليه وسلم ، ومسلكه الحق أغنى من أن يدلس أو يغالط الناس.

المسلك الثالث

في بيان صحيفة الحال الحاضرة -أعني عصر السعادة النبوية-

فها هنا أيضاً أربع نكت؛ ونقطة لا بد من إنعام النظر فيها:

إحداها: أنك إذا تأملت في العالم ترى أنه قد يتعسر ويستشكل رفعُ عادةٍ ولو حقيرة، في قوم ولو قليلين، أو خصلة ولو ضعيفة في طائفة ولو ذليلين، على ملِك ولو عظيماً، بهمّة ولو شديدة، في زمان مديد بزحمة كثيرة، فكيف أنت بمن لم يكن حاكماً، تشبث في زمان قليل بهمّة جزئية بالنسبة إلى المفعول، وقلَعَ عادات ورفعَ أخلاقاً قد استقرت بتمام الرسوخ واستؤنس بها نهاية استئناس واستمرت غاية استمرار، فأرسى فجأةً بدلَهَا عاداتٍ وأخلاقاً تكمّلت دفعةً في قلوب قوم في غاية الكثرة ولمألوفاتهم في نهاية التعصب، أفلا تراه خارقاً للعادات؟ فإن لم تصدِّق بهذا فسأورد اسمك في قائمة السوفسطائيين.

ثانيتها: هي أن الدولة شخصٌ معنوي، تشكُّلها تدريجي -كنمو الطفل- وغلبتُها للدول العتيقة -التي صارت أحكامها كالطبيعة الثابتة لملّتها- متمهلة تدريجية أيضاً. أفلا يكون حينئذ من الخارق لعادةِ تشكّلِ الدول تشكيلُ محمد  صلى الله وعليه وسلم  لحكومةٍ عظيمة، في زمان قصير، وغلبتُها للدول العظمى دفعة، مع إبقاء حاكميته لا على الظاهر فقط بل ظاهراً وباطناً ومادةً ومعنىً. فإن لم تستطع رؤية هذه الأمور الخارقة، فأنت في طائفة العميان!

ثالثتها: هي أنه يمكن بالقهر والجبر تحكّمٌ ظاهري، وتسلّط سطحي، لكن الغلبة على الأفكار والتأثيرَ بإلقاء حلاوته في الأرواح والتسلّط على الطبائع مع محافظة حاكميته على الوجدان دائماً لا يكون إلاّ من خوارق العادات. وليس إلاّ الخاصة الممتازة للنبوة. فإن لم تعرف هذه الحقيقة فأنت غريب عنها.

رابعتها: هي أن تدوير أفكار العموم وإرشادَها بحِيَل الترهيب والترغيب، إنما يكون تأثيرها جزئياً سطحياً مؤقّتاً يسدّ طريق المحاكمة العقلية في زمان. أما من نفذ في أعماق القلوب بإرشاده، وهيّج دقائق الحسيات، وكَشَفَ أكمامَ الاستعدادات، وأيقظ السجايا الكامنة، وأظهر الخصال المستورة، وجعل جوهرَ إنسانيتهم فوّارة، وأبرز قيمة ناطقيتهم، فإنما هو مقتبِسٌ من شعاع الحقيقة ومن الخوارق للعادة.

نعم، إن صَقْلَ القلوب وتطهيرَها من أمثال القساوة المتجسمة في وأد البنات، وجَعْل تلك القلوب ترق وتترحم حتى على النمل الصغير، إنما هو انقلاب عظيم. لاسيما لدى أولئك البدويين. بحيث إن أرباب البصائر يصدقونه حتماً، ويقولون إنه خارق للعادة لا يشملها قانون طبيعي.

فإن كنت ذا بصيرة تصدّقْ هذا بلا ريب.

والآن استمع إلى هذه "النقطة":

إن تاريخ العالم يشهد أن الداهي الفريد، هو الذي اقتدر على إنعاش استعداد عمومي، وإيقاظ خصلة عمومية، والتسبب لانكشاف حس عمومي، إذ مَن لم يوقظ هكذا حساً نائماً يكون سعيُه هباءً منثوراً ومؤقتاً لا يدوم.

وهكذا فإن أعظم الدهاة قد وُفّق لإيقاظِ واحد أو اثنين أو ثلاث من هذه الحسيات العمومية: كحس الحرية، وكحس الحمية الملية، وحس المحبة. أفلا يكون إذن من الخوارق إيقاظُ ألوف من الحسيات العالية المستورة النائمة، وجَعْلها دفعةً فوارة منكشفة في قوم بدويين منتشرين في جزيرة العرب، تلك الصحراء الواسعة.

إن من لم يُدخل هذه النقطةَ في عقله، نتحداه بجزيرة العرب فهي ماثلة أمام عينه.. بعد ثلاثة عشر عصراً، وبعد ترقي البشر في مدارج التمدن!. فلينتخب المعاندون مئةً من أكمل الفلاسفة، وليسعوا مائة سنة، فهل يفعلون جزءاً من مئة جزء مما فعله النبي  صلى الله وعليه وسلم  بالنسبة إلى زمانه؟

إشارة: إن من أراد التوفيق يلزمه مصافاةٌ مع عادات الله، ومعارفةٌ مع قوانين الفطرة، ومناسبةٌ مع روابط الهيئة الاجتماعية. وإلاّ أجابَته الفطرةُ بعدم الموفقية جوابَ إسكات! أما النواميس العامة الجارية فتقذف مَن يخالفها إلى صحراء العدم. تأمل في هذا، تر أن حقائق الشريعة التي هي قوانين دقيقة عميقة جارية في فطرة العالم، كم حافظتْ على موازنة قوانين الفطرة وروابط الاجتماعيات التي بدقتها لا تتراءى لعقول أولئك القوم!!

نعم، إن المحافظةَ على حقائق الشريعة، في هذه الأعصار المديدة، مع تلك المصادمات العظيمة بل انكشافَها أكثرَ، يدل على أن مسلك الرسول الكريم  صلى الله وعليه وسلم  مؤسَّسٌ على الحق الذي لا يزول.

فإذا عرفت هذه النكت الأربع مع هذه النقطة، فاستمع بذهن متفتح واسع يملكُ قوة في المحاكمة العقلية ودقة في الملاحظة، إلى ما يأتي:

إن محمداً الهاشمي  صلى الله وعليه وسلم  مع أنه أمّي لم يقرأ ولم يكتب، ومع عدم قوته الظاهرية، وعدم ميله إلى تحكم وسلطنة.. قد تشبث بقلبه -بوثوق واطمئنان في موقع في غاية الخطر وفي مقام مهم- بأمر عظيم، فغلَب على الأفكار، وتحبّب إلى الأرواح، وتسلط على الطبائع وقلع من أعماق قلوبهم العادات والأخلاق الوحشية المألوفة الراسخة المستمرة الكثيرة. ثم غرس في موضعها في غاية الإحكام والقوة - كأنها اختلطت بلحمهم ودمهم - أخلاقاً عالية وعادات حسنة.. وقد بدّل قساوةَ قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة وأظهر جوهر إنسانيتهم، ثم أخرجهم من زوايا النسيان ورقى بهم إلى أوج المدنية وصيّرهم معلمي عالَمهم، وأسس لهم دولة عظيمة في زمن قليل. فأصبحت كالشعلة الجوالة والنور النوار بل كعصا موسى تبتلع سائر الدول وتمحوها. فأظهر صدقَه ونبوتَه وتمسُّكه بالحق إلى كل مَن لم تعمَ بصيرته.

فإن لم تر صدقه ذاك فسوف يشطب اسمك من سجل الإنسان!

المسلك الرابع

في مسألة صحيفة المستقبل، لاسيما مسألة الشريعة.

لابد من ملاحظة أربع نكت فيها:

إحداها: أن شخصاً لا يكون متخصصاً، وصاحب مَلَكة، في أربعة علوم أو خمسة منها، إلاّ إذا كان خارقاً.

ثانيتها: أن مسألة واحدة قد تتفاوت بصدورها عن متكلمَين، إذ أحدهما لما نظر إلى مَبدئها ومنتهاها، ولاحظ ملاءمتها مع السياق والسباق، واستحضر مناسبتها مع أخواتها، ورأى موضعاً مناسباً فأحسن استعمالها فيه، وتحرى أرضاً مُنبتةً فزرعها فيها.. مما دلّ كلامُه على ماهريته وحذاقته.. أما الآخر فلأنه أهمل هذه النقاط، دلّ كلامُه في المسالة على سطحيته وتقليده وجهله، علماً أن الكلام هو الكلام نفسه. فإن لم يميّز عقلُك هذا فروحُك تحس به.

ثالثتها: أن كثيراً من الكشوف التي كانت تُعدّ من الخوارق قبل عصرين، لو كانت في هذا العصر لعدّت من الأمور الاعتيادية، وذلك بسبب تكمل المبادئ والوسائط، حتى يلعبُ بها الصبيان كما ذكر في المقدمة الثانية.

استحضرْ هذا واجعله نُصبَ عينك، ثم ارجع بخيالك إلى ما قبل ثلاثة عشر قرناً وتجردْ من التأثيرات الزمانية والمكانية، وانظر إلى الأمور في جزيرة العرب تر: إنساناً وحيداً لا خبرةَ سابقة له في أمور الأنظمة والمجتمع، ولم تُعِنه أحوالُ زمانه وبيئته، إلاّ أنه أسس نظاماً، وأرسى عدالة، تلك هي الشريعة، التي هي كخلاصة جميع قوانين العلوم وكأنها حصيلةُ تجاربَ كثيرة، بل لا يبلغ إدراكَها الذكَاءُ مهما توسع، تلك الشريعة متوجهةٌ إلى الأزل، معلنةً أنها آتية من الكلام الأزلي، ومحققةٌ سعادة الدارين.

فإن أنصفت تجد أن هذا ليس في طوق بشر، في ذلك الزمان، بل خارجٌ عن طوق النوع البشري قاطبة. إلاّ إذا أفسدت أوهامٌ سيئة بالتغلغل في الماديات طرفَ فطرتك المتوجهة نحو هذه الحقائق.

رابعتها: كما ذكر في المقدمة العاشرة وكما سيأتي في جواب نقطة الاعتراض كالآتي: إن الإرشاد إنما يكون نافعاً إذا كان على درجة استعداد أفكار الجمهور الأكثر، والجمهور باعتبار الكثرة الكاثرة منه عوام والعوام لا يقتدرون على رؤية الحقيقة عريانة، ولا يستأنسون بها إلاّ بلباس خيالهم المألوف. فلهذا صورت الشريعةُ تلك الحقائق بمتشابهات وتشبيهات فأبهَمت وأطلَقت في مسائل العلوم الكونية، التي يعتقد الجمهور بالحس الظاهري خلاف الواقع ضرورياً. وذلك لعدم انعقاد المبادي والوسائط.. ولكن مع ذلك أومأتُ إلى الحقيقة بنَصب أمارات.

تنبيه: إن الصـدق يلمع في كـل فعل وكـل حــال مـن أفعاله وأحـواله  صلى الله وعليه وسلم . إلاّ أن هـذا لا يلزم أن تكون أفعالُه وأحـوالُـه خارقة، لأن إظهار الخوارق والمعجزات لتصديـق المدّعَى. وإن لـم تكن إليه حاجـة يكون الانقيـاد لقوانين عادات الله بالانسـياق للنواميس الجاريـة العامة.

أيها الأخ! إن هذا التنبية من طائفة مقدمة المسلك الأول، إلاّ أنه بسبب النسيان ضاع في الطريق فدخل هاهنا.

تفطن لهذه النكت، ونحن ندخل النتيجة:

إن الديانة والشريعة الإسلامية المؤسسة على البرهان ملخصةٌ من علوم وفنون تضمنت العقد الحياتية في جميع العلوم الأساسية، منها: فن تهذيب الروح، وعلم رياضة القلب، وعلم تربية الوجدان، وفن تدبير الجسد، وعلم إدارة المنزل، وفن سياسة المدنية، وعلم أنظمة العالم، وفن الحقوق، وعلم المعاملات، وفن الآداب الاجتماعية، وكذا وكذا...

فالشريعة فسّرت وأوضحت في مواقع اللزوم ومظانّ الاحتياج، وفيما لا يلزم أو لم يستعد له الأذهان أو لم يساعد له الزمان، أجملتْ بخلاصة ووضعت أساساً، وأحالت الاستنباط منه وتفريعه ونشو نمائه على مشورة العقول. والحال أنه لا يوجد في شخصٍ كلُّ هذه العلوم، ولا ثلثها بعد ثلاثة عشر عصراً، في المواقع المتمدنة، ولا في الأذكياء. فمن زيّن وجدانَه بالإنصاف يصدّق بأن حقيقة هذه الشريعة خارجة عن طاقة البشر دائماً ولاسيما في ذلك الزمان.

والفضل ما شهدت به الأعداء:

فهذا "كارلايل"(*) فيلسوف العالم الجديد، ينقل عن أحد حكماء الألمان وسياسييه، أنه قال بعد ما أنعم النظر في حقائق الإسلام: "إن كان الإسلام هكذا فيا ترى أيمكن للمدنية الحاضرة أن تعيش ضمن إطار الإسلام؟. فأجاب نفسه: نعم." بل المحققون الآن يعيشون ضمن تلك الدائرة.

ثم قال كارلايل: "ما كاد يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب وجدليات النصرانية وكل ما لم يكن بحق فإنها حطبٌ ميت أكلته نارُ الإسلام فذهب".

نعم، إنه منذ ثلاثة عشر قرناً حافظ الإسلامُ على حقائقه رغم التحولات والانقلابات والمصادمات بل كانت تلك مخفِفةً كاهله عما تســاقط من تـراب الأوهام والريوب.

نعم، إن الوجود والحال الحاضرة للعالم شاهد على هذا.

ولا بد مِن أَخْذ مقدمات المقالة الأولى بنظر الاعتبار.

إن قلت: إن معرفة خلاصةٍ وفذلكةٍ من كل علم ممكن لشخص.

الجواب: نعم، لا.. لأن الخلاصة بحسن الإصابة في موقعها المناسب واستعمالها في أرض منبتة، مع أمور ونقاط ذُكرت سابقاً، تشفّ كالزجاجة عن مَلَكة تامة في ذلك العلم واطلاع تام فيه. فتكون الخلاصةُ في حكم العلم، ولا يمكن لشخص أمثال هذه.

إن كلاماً واحداً يصدر عن متكلمَين اثنين، يدل -لبعض الأمور المذكورة غير المسموعة- على جهل هذا، وحذاقة ذاك.

يا أخا الوجدان! يا من يرافقني بخياله من أول منازل هذا الكتاب! انظر بمنظار واسع ووازِن الأمورَ وكوّنْ في خيالك مجلساً رفيعاً لإجراء محاكمات عقلية، واستحضِرْ ما تنتقيه من المقدمات الاثنتي عشرة، ثم شاور القواعد الآتية:

إن شخصاً لا يتخصص في علوم كثيرة... وإن كلاماً واحداً يتفاوت من شخصين.. وإن العلوم نتيجةُ تلاحق الأفكار وتتكمل بمرور الزمن.. وإن البديهي في المستقبل قد يكون نظرياً في الماضي.. وإن معلوم المدني قد يكون مجهول البدوي.. وإن قياس حال الماضي على المستقبل قياس خادع مضل.. وإن بساطة أهل البادية والوبر لا تتحمل حِيَلَ ودسائسَ أهل المدينة والمدر. نعم، إن الحيَل ربما تتستر تحت حجاب المدنية.. وإن كثيراً من العلوم إنما يتحصل بتلقين العادات والوقوعات.. وإن نور نظر البشر لا ينفذ في المستقبل ولا يرى الكيفيات المخصوصة به.. وإن لقانون البشر عمراً طبيعياً ينقطع وينتهي كما ينتهي عمره.. وإن للمحيط الزماني والمكاني تأثيراً عظيماً في أحوال النفوس.. وإن كثيراً من الخوارق الماضية قد يكون اعتيادياً الآن بسبب تكمّل المبادئ.. وإن الذكاء ولو كان خارقاً لا يكفي في كمال علمٍ، فكيف في علوم عدة!

فيا أيها الأخ! شاور هذه القواعدَ، ثم جرد نفسك، وانزع عنك لباس الخيالات المحيطة والأوهام الزمانية، ثم غُصْ من ساحل هذا العصر في بحر الزمان، حتى تخرج إلى جزيرة عصر السعادة النبوية..

فأول ما يتجلى لعينك أنك ترى: إنساناً وحيداً لا ناصر له ولا سلطان، يبارز العالَم وحده، وقد حمل على كاهله حقيقةً أجلَّ من كرة الأرض، وأخذ بيده شريعةً هي كافلةٌ لسعادة الناس كافة. وتلك الشريعة كأنها زبدة جميع العلوم الإلهية وخلاصة الفنون الحقيقية. وتلك الشريعة ذات حياة -لا كاللباس بل كالجلد- تتوسع بنمو استعداد البشر وتثمر سعادةَ الدارين، وتنظّم أحوال نوع البشر كأنهم في مجلس واحد. فإن سألت قوانينَها: من أين إلى أين؟ لقالت بلسان إعجازها: نجيء من الكلام الأزلي، ونرافق فكر البشر لضمان سلامته ونتوجّه إلى الأبد. وبعد ما نقطع هذه الدنيا الفانية، تبقى معنوياتُنا دليلاً وغذاءً روحياً للبشرية، مع أننا نفارقهم صورة.

خاتمة:

إن الشبهات والريوب منبعها ثلاثة أمور وهي:

أنك لو تجاهلت عن مقصد الشارع، وعن كون الإرشاد بنسبة استعداد الأفكار، واعترضت بمغالطة -هي وكر الأوهام السيئة- بأن القرآن الكريم الذي هو أساس الشريعة فيه ثلاث نقاط:

أولاها: وجود المتشابهات والمشكلات في القرآن، وهذا مناف لإعجازه المؤسس على البلاغة، المبنية على ظهور البيان ووضوح الإفادة.

ثانيتها: الإطلاق والإبهام في العلوم الكونية، مع أنه منافٍ لمسلك التعليم والإرشاد الذي هو المقصود الحقيقي للشريعة.

ثالثتها: إن قسماً من ظواهر القرآن أميَل إلى خلاف الدليل العقلي، فيحتمل خلاف الواقع، وهو مخالف لطريق القرآن الذي هو التحقيق والهداية.

أيها الأخ! أقول وبالله التوفيق:

إن ما تتصورونه سبباً للنقص -في هذه النقاط الثلاث- ليس كذلك، بل هو أصدق شاهد على إعجاز القرآن.

أما الجواب عن الريب الأول: وقد رأيتَ هذا الجواب -ضمناً- مرتين:

اعلم أن الجمهور الأكثر هم عوام، والأقلُّ تابع للأكثر في نظر الشارع، لأن الخطاب المتوجه نحو العوام يستفيد منه الخواص ويأخذون حصتهم منه، ولو عُكس لبقي العوامُ محرومين. وأن جمهور العوام لا يجرِّدون أذهانَهم عن المألوفات والتخيلات، فلا يقتدرون على درك الحقائق المجردة والمعقولات الصرفة إلاّ بمنظار متخيلاتهم وتصويرِها بصورة مألوفاتهم. لكن بشرط أن لا يبقى نظرُهم على الصورة نفسها حتى يلزم المحال، كالجسمية أو الجهة بل يمر نظرهم إلى الحقائق.

مثلاً: إن الجمهور إنما يتصورون حقيقة التصرف الإلهي في الكائنات بصورة تصرف السلطان الذي استوى على سرير السلطنة، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾(طه:5)، وإذ كانت حسيات الجمهور في هذا المركز، فالذي يقتضيه منهجُ البلاغة ويستلزمه طريق الإرشاد، رعاية أفهامهم واحترام حسياتهم ومماشاة عقولهم ومراعاة أفكارهم. فهذه المنازل التي يُراعى فيها عقول البشر ويُحترم تسمى بـ"التنزّلات الإلهية" فهذا التنزل لتأنيس أذهانهم. راجع المقدمة العاشرة.

فلهذا وضـعَ صـور المتشابهات التي تـراعـي الجمهور المقيديـن بأحاسـيـسـهم ومتخيلاتهم منظاراً على نظرهم لرؤيـة الحقائق المجردة. ولهذا فقد أكثَرَ الناسُ في كلامهم من الاستعارات لتصوّر المعاني العميقة أو لتصوير المعاني المتفرقة، في صورة سهلة بسيطة، بمعنى أن هذه المتشابهات من أكثر أقسام الاستعارات غموضاً، إذ إنها صورٌ مثالية لأخفى الحقائق الغامضة، بمعنى أن الإشكال إنما هو من دقةِ المعنى وعمقِه لا من إغلاق اللفظ وتعقيده.

فيا أيها المرتاب! انظر بإنصاف! ألا يكون مِن عين البلاغة -التي هي مطابقة مقتضى الحال- تقريبُ مثل هذه الحقائق العميقة البعيدة عن أفكار الناس ولاسيما العوام، تقريبُها إلى أفهام العوام بطريق سهل واضح.. أهذا يطابق المعنى بوضوح تام أم الوهم الذي في ذهنك؟ كن أنت الحاكم في هذا.

أما الجواب عن الريب الثاني وقد مرّ تفصيله في المقدمة الثانية،

فاعلم أن في شجرة العالم ميلَ الاستكمال، وتشعَّبَ منه في الإنسان ميلُ الترقي، وقد تشكلت العلوم -التي هي كدرجات سُلَّم الترقي- من ثمرات ميل الترقي بالتجارب الكثيرة وتلاحق الأفكار. هـذه العلوم مترتبةٌ ومتعاونةٌ ومتسلسلةٌ، بحيث لا ينعقد المتأخر إلاّ بعد تشـكّل المتقدم، ولا يكون المتقدم متقدمةً للمؤخر إلاّ بعد صيرورته كالعلوم المتعارَفة.

فبناء على هـذا السـر: فإن العلم الذي تَولَّد وظهر في هـذا الزمـان نتيجةَ تجارب كثيرة لـو كان قبل عشـرة عصـور وحـاول أحدٌ أن يفهّمه للنـاس لشوّش عليهم وأوقَعهم في السفسطة والمغلطة.

فمثلاً: لو قيل "انظروا إلى سكون الشمس وحركة الأرض واجتماعِ مليون حيوان في قطرة، لِتتصوروا عظمةَ الصانع!" ويرى جمهور العوام بسبب الحس الظاهري أو غلط الحس خلاف ما قيل لهم من البديهيات، إذن لانساقوا إلى التكذيب أو مغالطة نفوسهم، أو المكابرة تجاه شيء مخصوص، والحال أن تشويش الأذهان لاسيما في مقدار عشرة أعصر مناف لمنهاج الإرشاد.

تنبيه: إن أمثال هذه المسائل لا تُقاس بالنظريات التي تظهر في المستقبل، لأن الحس الظاهري لا يتعلق بالأشياء التي تعود للمستقبل، لذا فاحتمال الجهتين وارد. لأنه ضمن دائرة الممكنات، فيمكن الاعتقاد والاطمئنان بها، فحقها الصريح التصريح بها، ولكن "ما نحن فيه" لمّا خرج من درجة الإمكان والاحتمال إلى درجة البداهة أي إلى الجهل المركّب، فحقُّه في نظر البلاغة الذي لا يمكن إنكاره هو: الإبهام والإطلاق، لئلا تتشوش الأذهان. ولكن مع ذلك لابد من الرمز والإيماء أو التلويح إلى الحقيقة، وفتحِ الأبواب للأفكار ودعوتِها للدخول كما عملت الشريعةُ الغراء. فيا هذا أمِن الإنصاف وتحرِّي الحقيقة أن تتوهّم ما هو إرشادٌ محض وعينُ البلاغة ولب الهداية أنه مناف للإرشاد ومباين له. وأن تتخيلَ ما هو عينُ الكمال في البلاغة نقصاً فيها؟!.

فيا هذا أهكذا البلاغةُ في ذهنك السقيم: تكليف بتغليط الأذهان وتشويش الأفكار، وبما لا تهضمه العقول، لعدم ملاءمة المحيط وإعدادِ الزمان.. كلا بل [كلِّم الناسَ على قدر عقولهم]([2]) دستور حكيم. فإن شئت فراجع المقدمات، ولاسيما المقدمة الأولى وتأمل فيها جيداً.

أما الجواب عن الريب الثالث:

وهو إمالة بعض ظواهر الآيات إلى ماينافي الدلائل العقلية:

فتدبّر في المقدمة الأولى، ثم استمع إلى أن المقصد الأصلي للشارع الحكيم من إرشاد الجمهور محصورٌ في إثبات الصانع الواحد والنبوةِ والحشرِ والعدالةِ. لذا فذكرُ الكائنات في القرآن إنما هو تبَعي واستطرادي للاستدلال، أي الاستدلال بالنِظَام البديع في الصنعة -الظاهرة لأفهام الجمهور- على النَّظَّام الحقيقي جل جلاله. والحال أن أثر الصنعة ونظامَها يتراءى في كل شيء. وكيف كان التشكل فلا علينا إذ لا يتعلق بالمقصد الأصلي.

تنبيه: من المقرر أن الدليل ينبغي أن يكون معلوماً قبل المدَّعى، لذا قد أُميل ظواهرُ بعض النصوص لاتضاح الدليل واستئناس الأفكار بالمعتقدات الحسية للجمهور، لا ليدلّ عليها بل قد نصَب القرآنُ في تلافيفِ آياته أماراتٍ وقرائنَ ليشير إلى ما في تلك الأصداف من جواهر وإلى ما في تلك الظواهر من حقائق لأهل التحقيق.

نعم، إن الكتاب المبين الذي هو كلام الله إنما يفسِّر بعضه بعضاً. أي إن بعض الآيات تُبين ما في ضمائر أخواتها. لذا قد تكون بعض الآيات قرينة لأخرى، فالمراد ليس المعنى الظاهري.

فلو قيل في مقام الاستدلال: تفكروا في سكون الشمس مع حركتها الظاهرية، وحركةِ الأرض اليومية والسنوية مع سكونها الظاهر، وتأملوا في غرائب الجاذبية العمومية بين النجوم، وانظروا إلى عجائب الكهرباء، وإلى غرائب الامتزاجات الكيمياوية بين العناصر التي تزيد على السبعين لتعرفوا الصانع الجليل.. لكان الدليلُ -الذي هو الصنعة- أخفى وأغمضَ من النتيجة التي هي الصانعُ. وما هذا إلاّ مناف لقاعدة الاستدلال، لذا أُميلت بعضُ الظواهر وفق الأفكار، لأن هذا من قبيل مستتبع التراكيب ونوع من الكنايات، فلا تكون معانيها مدار صدق وكذب.

 ألا ترى أن "قال" ألفه إن كان أصلها واواً أو قافاً لا يؤثر في شيء.

أيها الأخ!

أنصِفْ! ألا تكون هذه النقط الثلاث دلائل واضحة على إعجاز القرآن الذي نزل لجميع الناس في جميع الأعصار. نعم، [والذي علّم القرآن المعجِز، إن نظر البشير النذير وبصيرتَه النقادة أدقُّ وأجلُّ وأجلى وأنفذُ من أن يلتبس أو يشتبه عليه الحقيقة بالخيال، وإن مسلكه الحقَّ أغنى وأعلى وأنزهُ وأرفعُ من أن يُدلِّسَ أو يغالط على الناس].

نعم، أنّى للخيال أن يبين نفسَه حقيقةً تجاه القرآن الذي يتفجر نوراً.

نعم، إن مسلك القرآن هو الحق نفسُه، ومذهبُه عينُ الصدقِ، والحقُّ أغنى من أن يدلس أو يغالط الناس.

المسلك الخامس

هذا المسلك يخص الخوارق المعروفة المشهورة والمعجزات الظاهرة.

وكتبُ السيرة والتاريخ مشحونة بها. وقد أوفى العلماءُ الكرام حقَّه من التدوين والتفسير فجزاهم الله خيراً، وقد أحلنا التفصيل على كتبهم لأن تعليم المعلوم عمل ضائع.

إن الخوارق الظاهرة وإن كان كلُّ فرد منها غيرَ متواتر، ولكن جنسها، وكثيراً من أنواعها متواتر بالمعنى.

ثم إن هذه الخوارق على أنواع عدة:

منها: الإرهاصات المتنوعة وكأن ذلك العصر الذي وُلد فيه  صلى الله وعليه وسلم  استفاد واستفاض منه فصار حساساً ذا كرامة فبشّر بالإرهاصات، بقدوم فخر العالم بحس قبل الوقوع.

ومنها: الإخبارات الغيبية الكثيرة حتى لكأن روحَه المجرد الطيّار  صلى الله وعليه وسلم  مزّق قيدَ الزمان المعين والمكان المشخّص فجال في جوانب الماضي والمستقبل، فقال لنا ما شاهده في كل ناحية منهما وبينه لنا.

ومنها: الخوارق الحسية التي أظهرها وقت التحدي والدعوى وقد بلغ هذا النوع إلى ما يقرب الألف. بمعنى أن مجموع هذا النوع متواتر بالمعنى وإن كان أفراده آحادياً.

ومنها: نبعان الماء من أصابعه المباركة، وكأنه يصوّر تصويراً حسياً فورانَ زلال الهداية الباعث للأرواح من لسانه الذي هو منبع الهداية بنبعان الماء الباعث على الحياة من يده المباركة التي هي معدن السخاء.

ومنها: تكلُّم الشجر والحجر والحيوان، وكأن الحياةَ المعنوية في هدايته  صلى الله وعليه وسلم  قد سرت إلى الجمادات والحيوانات فأنطقتها.

ومنها: انشقاق القمر، وكأن القمر الذي يمثل قلب السماء قد انشق اشتياقاً إليه بإشارة من إصبعه المبارك علّه يجد علاقة مع قلبه الشريف  صلى الله وعليه وسلم .

إن انشقاق القمر ثابت بنص الآية الكريمة، وهو متواتر بالمعنى حتى إن ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾(القمر:1) هذه الآية الكريمة لم يتصرف في معناها من أنكر القرآن أيضاً، ولم يؤوّل ويحوّل معناها إلاّ لاحتمال ضعيف.

إن اختلاف المطالع ووجودَ السحاب وعدمَ الترصد للسماء كما في هذا الزمان، ولكون الانشقاق في وقت الغفلة، ولحدوثه في الليل ولكونه آنيّاً، لا يلزم أن يراه كلُّ الناس أو أكثرهم.

ثم إنه قد ثبت في الروايات أنه قد رآه كثيرٌ من القوافل الذين كان مطلعهم ذلك المطلع .

ثم إن أعظمَ هذه المعجزات وأكبرَها وأولاها هو القران الكريم المبرهَن إعجازُه بجهات سبع، أُشير إليها سابقا... وهكذا. وأحيلُ ســائر المعجزات إلى الكتب المعتبرة.

خاتمة:

أيها الأفاضل المطالعون لكلامي، أرجو أن تتأملوا في مجموع كلامي، أي المسالك الخمسة، بفكر واسع ونظر حاد وبصيرة ذات موازنة وتجعلوه ضمن سُور محيط به. واجعلوا نبوة محمد  صلى الله وعليه وسلم  في مركزها ثم انظروا إليها كالعساكر المتنوعة المصطفة حول السلطان، وذلك لكي يتمكن سائر الجوانب من رفع الأوهام المهاجِمة من الأطراف.

وهكذا فجواباً عن سؤال اليابانيين: ما الدليل الواضح على وجود الإله الذي تدعوننا إليه؟

أقول: إنه محمد  صلى الله وعليه وسلم .

إشارة وإرشاد وتنبيه: لما توجه نوعُ البشر نحو المستقبل سأل فنُّ الحكمة المرسَلُ من قبل الكائنات، ومن جانب حكومة الخلقة مستنطِقاً: يا بني آدم! من أين؟ والى أين؟ ما تصنعون؟ مَن سلطانكم؟ من أين مبدؤكم وإلى أين المصير؟. فبينما المحاورة، إذ قام سيد نوع البشر محمد  صلى الله وعليه وسلم  وخطيبهم ومرشدهم: أيها السائل نحن معاشر الموجودات أتينا بأمر السلطان الأزلي، مأمورين ضمن دائرة القدرة الإلهية، وقد ألبسَنَا واجبُ الوجود المتصفُ بجميع صفات الكمال، وهو الحاكم الأزلي، حلَّةَ الوجود هذه، ومنحَنَا استعداداً هو رأسمال السعادة.. ونحن معاشر البشر ننشغل الآن بتهيئة أسباب تلك السعادة الأبدية.. ونحن على جناح السفر، من طريق الحشر إلى السعادة الأبدية. فيا أيتها الحكمة اشهدي وقولي مثلما ترين، ولا تخلطي الأمور بالسفسطة.

 

 

[1]() لأنَّ حِلمَكَ حِلمٌ لا تَكَلَّفُهُ    لَيسَ التَكَحُّلُ في العَينَينِ كَالكَحَلِ (للمتنبي)

[2]() الحديث (أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) العجلوني، كشف الخفاء 1/225؛ السيوطي، تدريب الراوي 2/167؛ الزرقاني ، مختصر المقاصد 162.

 

 

Ekranı Genişlet