حوار في رؤيا
"المعنى وكذا الألفاظ التي ظلت في الخاطر هي نفسها كما جاءت في الرؤيا"
كنت في أيلولِ سنة 1919 أتقلب في اضطراب شديد، من جراء اليأس البالغ الذي ولّدته حوادث الدهر؛ كنت أبحث عن نور بين هذه الظلمات المتكاثفة القاتمة.. لم أستطع أن أجده في يقظة هي رؤياً في منام. بل وجدته في رؤيَا صادقةٍ هي يقظةٌ في الحقيقة.
سأسجل هنا تلك النقاط التي استُنطقتُها وأُجريتْ على لساني من كلام، دون الخوض في التفاصيل. وهي كالآتي:
دخلتُ عالَم المثال في ليلة من ليالي الجمعة. جاءني أحدهم وقال:
يدعوك مجلس موقر مهيب منعقد لبحث مصير العالم الإسلامي، وما آلت إليه حاله.
فذهبتُ، ورأيت مجلساً منوراً قد حضره السلف الصالحون، وممثلون من العصور؛ من كل عصر ممثل.. لم أر مثيلهم في الدنيا.. فتهيبت، ووقفت في الباب تأدباً وإجلالاً.
قال أحدهم موجهاً كلامه لي:
يا رجل القدر!.. ويا رجل عصر النكبة والفتنة والهلاك!.. بيّن رأيك في هذا الموضوع. فإن لك رأياً فيه.
قلت وأنا واقف: سلوني أُجبْ!
قال أحدهم: ماذا ترى في عاقبة هذه الهزيمة التي آلت إليها الدولة العثمانية، وماذا كنتَ تتوقع أن يؤول إليه أمر الدولة العثمانية لو قُدِّر لها الانتصار؟.
قلت: إن المصيبة ليست شراً محضاً؛ فقد تنشأ السعادة من النكبة والبلاءِ، مثلما قد تفضي السعادة إلى بلاء.. فهذه الدولة الإسلامية التي أخذت على عاتقها -سابقاً- القيامَ بفريضة الجهاد -فرضاً كفائياً- حفاظاً على العالم الإسلامي وهو كالجسد الواحد، ووضعت نفسها موضع التضحية والفداء لأجله، وحَملت راية الخلافة إعلاءً لكلمة الله وذوداً عن استقلال العالم الإسلامي.. ستعوِّض عما أصابتها من مصيبة وستزيلها السعادةُ التي سوف يرفل بها عالم الإسلام؛ إذ عجّلتْ هذه المصيبةُ بعثَ الأُخُوّة الإسلامية ونماءَها في أرجاء العالم الإسلامي، تلك الأخوة التي هي جوهر حياتنا وروحنا. حتى إننا عندما كنا نتألم كان العالم الإسلامي يبكي، فلو أَوغلت أوروبا في إيلامنا لصرخ العالم الإسلامي... فلو متنا فسوف يموت عشرون مليوناً -من العثمانيين الأتراك- ولكن نُبعث ثلاثمائة (أي ثلاثمائة مليونٍ من المسلمين).
نحن نعيش في عصر الخوارق؛ فبعد مضيّ سنتين أو ثلاث على موتنا سنُرى أحياءً يبعثون.
لقد فَقدنا بهذه الهزيمة سعادة عاجلة زائلة، ولكن تنتظرنا سعادة آجلة دائمة، فالذي يستبدل مستقبلاً زاهراً فسيحاً بحال حاضرٍ جزئي متغير محدود، لاشك أنه رابح..
وإذا بصوت من المجلس: "بيّن! وَضِّحْ ما تقول!"
قلت: حروب الدول والأمم قد تخلت عن مواضعها لحروب الطبقات البشرية. والإنسانُ مثلما يرفض أن يكون أسيراً لا يرضى أن يكون أجيراً أيضاً.
فلو كنا منتصرين غالبين، لكنا ننجذب إلى ما لدى أعدائنا من الاستعمار والتسلط، وربما كنا نغلو في ذلك. علماً أن ذلك التيار -التيار الاستعماري الاستبدادي- تيار ظالم ومنافٍ لطبيعة العالم الإسلامي، ومباين لمصالح الأكثرية المطلقة من أهل الإيمان، فضلاً عن أن عمره قصير، ومعرَّض للتمزق والتلاشي. ولو كنا متمسكين بذلك التيار لكنا نسوق العالم الإسلامي إلى ما ينافي طبيعته الفطرية.
فهذه المدنية الخبيثة التي لم نرَ منها غير الضرر، وهي المرفوضة في نظر الشريعة، وقد طغت سيئاتُها على حسناتها، تحكم عليها مصلحةُ الإنسان بالنسخ، وتقضي عليها يقظةُ الإنسان وصحوتُه بالانقراض.
فلو كنا منتصرين لكنا نتعهد حماية هذه المدنية السفيهة المتمردة الغدارة المتوحشة، معنىً، في أرجاء آسيا.
قال أحدهم من المجلس: لِمَ ترفض الشريعةُ هذه المدنية؟([1])
قلت: لأنها تأسست على خمسة أسس سلبية:
فنقطة استنادها هي: القوة، وهذه شأنها الاعتداء.
وهدفها وقصدها: المنفعة، وهذه شأنها التزاحم.
ودستورها في الحياة: الجدال والصراع، وهذا شأنه التنازع.
والرابطة التي تربط المجموعات البشرية هي: العنصرية والقومية السلبية التي تنمو على حساب الآخرين. وهذه شأنها التصادم، كما نراه.
وخدمتها للبشرية خدمة فاتنة جذابة هي: تشجيع هوى المنفعة، وإثارة النفس الأمارة، وتطمين رغباتها وتسهيل مطاليبها. وهذا الهوى شأنه إسقاط الإنسان من درجة الملائكية إلى درك الحيوانية الكلبية. وبهذا تكون سبباً لمسخ الإنسان معنوياً.
فمعظم هؤلاء المدنيين لو انقلب باطنهم بظاهرهم لوجد الخيال تجاهه صور الذئاب والدببةِ والحيات والقردة والخنازير.
ولأجل هذا فقد دفعت هذه المدنية الحاضرة ثمانين بالمئة من البشرية إلى أحضان الشقاء، وأَخرجت عشرة بالمئة منها إلى سعادة مموهة زائفة، وظلت العشرة الباقية بين هؤلاء وأولئك، علماً أن السعادة إنما تكون سعادة عندما تصبح عامة للكل أو للأكثرية؛ بيد أن سعادة هذه المدنية هي لأقل القليل من الناس.
لأجل كل هذا لا يَرضى القرآن الكريم بمدنية لا تَضْمَن سعادة الجميع أو لا تعم الغالبية العظمى.
ثم إنه بتحكم الهوى الطليق من عقاله، تحولتْ الحاجاتُ غير الضرورية إلى ما يشبه الضرورية، إذ بينما كان الإنسان محتاجاً إلى أربعة أشياء في حياة البداوة والبساطة إذا به في هذه المدنية يحتاج إلى مئة حاجة، وهكذا أردَته المدنية فقيراً مدقعاً.
ثم، لأن السعي والعمل لا يكفيان لمواجهة المصاريف المتزايدة، انساق الإنسان إلى مزاولة الخداع والحيلة وأكلِ الحرام... وهكذا فسد أساس الأخلاق.
وبينما تعطي هذه المدنية الجماعةَ والنوعَ ثروةً وغنى وبهرجة إذا بها تجعل الفرد فقيراً محتاجاً، فاسد الأخلاق.
ولقد قاءت هذه المدنية وحشيةً فاقت جميع القرون السابقة.
وإنه لجدير بالتأمل، استنكافُ العالم الإسلامي من هذه المدنية، وعدمُ تلهفه لها، وتحرجه من قبولها، لأن الهداية الإلهية التي هي الشريعة تعطي خاصية الاستقلال والاستغناء عن الآخرين، ولا يمكن أن تطعَّم هذه الشريعة بالدهاء الروماني ولا أن تمتزج معها ولا يمكن أن تبلعها أو أن تتبعها.
إن دهاء الرومان واليونان -أي حضارتيهما- وهما التوأمان الناشئان من أصل واحد، قد حافظا على استقلالهما وخواصهما رغم مرور العصور وتبدل الأحوال ورغم المحاولات الجادة لمزجهما بالنصرانية أو إدماجها بهما، فلقد ظل كلٌ منهما كالماء والدهن لا يقبلان الامتزاج، بل إنهما يعيشان الآن بروحهما بأنماط متنوعة وأشكال مختلفة.
فلئن كان التوأمان -مع وجود عوامل المزج والدمج والأسباب الداعية له- لم يمتزجا طوال تلك الفترة، فكيف يمتزج نور الهداية الذي هو روح الشريعة مع ظلماتِ تلك المدنية التي أساسها دهاء روما! لا يمكن بحال من الأحوال أن يمتزجا أو يهضما معاً.
قالوا: فما هي المدنية التي في الشريعة؟
قلت: أما المدنية التي تأمرنا بها الشريعة الغراء وتتضمنها، فهي التي ستنكشف بانقشاع هذه المدنية الحاضرة، وتضع أسساً إيجابية بَناءة مكانَ تلك الأسس النخرة الفاسدة السلبية.
نعم، إن نقطة استنادها هي الحق بدلاً من القوة. والحق من شأنه العدالة والتوازن. وهدفها: الفضيلة بدلاً من المنفعة، والفضيلة من شأنها المحبة والتجاذب.
وجهة الوحدة فيها والرابطة التي تربط بها المجموعات البشرية: الرابطة الدينية، والوطنية، والمهنية بدلاً من العنصرية. وهذه شأنها الأخوّة الخالصة، والسلام والوئام، والذود عن البلاد عند اعتداء الأجانب.
ودستورها في الحياة: التعاون بدل الصراع والجدال، والتعاون من شأنه التساند والاتحاد.
وتضع الهدى بدل الهوى ليكون حاكماً على الخدمات التي تقدم للبشر، وشأن الهدى رفعُ الإنسانية إلى مراقي الكمالات، فهي إذ تحدد الهوى وتحدّ من النزعات النفسانية تُطَمئن الروح وتشوّقها إلى المعالي.
بمعنى أننا بانهزامنا في الحرب تبعنا التيار الثاني الذي هو تيار المظلومين وجمهور الناس. فلئن كان المظلومون في غيرنا يشكلون ثمانين بالمئة منهم ففي المسلمين هم تسعون بل خمس وتسعون بالمئة.
إن بقاء العالم الإسلامي مستغنياً عن هذا التيار الثاني، أو معارضاً له، ظل دون مستند أو مرتكز، وهَدَر جميع مساعيه. فبدلاً من الذوبان والتميع تحت استيلاء المنتصِر، كان عليه أن يتصرف تصرف العاقل فيكيّف ذلك التيارَ إلى طراز إسلامي ويستخدمه، ذلك لأن عدو العدو صديق ما دام عدواً له، وصديق العدو عدو مادام صديقاً له.
إن هذين التيارين، أهدافهما متضادة، منافعهما متضادة، فلئن قال أحدهما: مُتْ، لقال الآخر: انبعث. فنفعُ أحدهما يسلتزم ضررنا واختلافَنا وتدنينا وضعفَنا مثلما تقتضي منفعةُ الآخر قوتنا واتحادنا بالضرورة.
كانت خصومة الشرق تخنق انبعاث الإسلام وصحوته. وقد زالت وينبغي لها ذلك. أما خصومة الغرب فينبغي أن تدوم لأنها سبب مهم في تنامي الأخوّة الإسلامية ووحدتها.
وإذا بأمارات التصديق تتعالى من المجلس. فقالوا:
نعم، كونوا على أمل؛ إن أعظم صوت مُدَوٍ في انقلابات المستقبل هو صوت الإسلام الهادر.
وسأل أحدهم أيضاً:
إن المصيبة نتيجة جناية، ومقدمة ثواب. فما الذي اقترفتم حتى حَكم عليكم القدر الإلهي بهذه المصيبة، إذ المصائب العامة تنزل لأخطاء الأكثرية؟ وما ثوابكم العاجل؟
قلت: مقدمتها إهمالنا لثلاثة أركان من أركان الإسلام؛ الصلاة، الصوم، الزكاة. إذ طَلب منا الخالقُ سبحانه ساعة واحدة فقط من أربع وعشرين ساعة لأداء الصلوات الخمس فتقاعسْنا عنها، فجازانا بتدريب شاق دائم لأربع وعشرين ساعة طوال خمس سنوات متواليات، أي أَرْغَمَنَا على نوع من الصلاة.. وإنه سبحانه طلب منا شهراً من السنة نصوم فيه رحمة بنفوسنا، فعزّت علينا نفوسنا فأرغَمَنا على صومٍ طوالَ خمس سنوات، كفّارة لذنوبنا. وإنه سبحانه طلب منا الزكاة عُشراً أو واحداً من أربعين جزءاً من ماله الذي أنعم به علينا، فَبَخِلنَا وظلمنا، فأرغَمَنَا على دفع زكاة متراكمة. فـ"الجزاء من جنس العمل".
أما ثوابنا العاجل، فرفعُه سبحانه وتعالى خُمس هذه الأمة المذنبة -أي أربعة ملايين منهم- إلى مرتبة الولاية ومنحُهم درجة الشهادة والمجاهدين. فالمصيبة العامة الناشئة من خطأ العامة أزالت ذنوب الماضي.
فقال أحدهم أيضاً: إن كان آمراً بخطأٍ ألقى الأمة إلى الهلاك؟
قلت: إن المُصاب يرجو الثواب؛ فإما أن تُعطى له حسنات الأمر الذي ارتكبه خطأً، وهي لا تعدّ شيئاً. أو تعطيه خزينة الغيب. وثوابه في مثل هذه الأمور من خزينة الغيب هي درجة الشهادة والمجاهدين.
رأيت أن المجلس قد استَحسن هذا الكلامَ. وانتبهتُ من النوم من شدة انفعالي. ووجدتُ نفسي في الفراش مشبِّكاً يديّ، يتصبب مني العرق.
وهكذا مضت تلك الليلة.
* * *
وفي اليوم نفسه والأمل يطفح مني ذهبتُ إلى مجلس آخر، مجلس دنيوي فسألوني.
لِمَ لا تتدخل بالسياسة منذ مجيئك؟
قلت: أعوذ بالله من الشيطان والسياسة.
نعم، إن السياسة الحاضرة لإسطنبول شبيهة بالأنفلونزا تسبب الهذيان. فنحن لسنا متحركين ذاتياً، بل نتحرك بالوساطة. فأوروبا تنفخ ونحن نرقص هنا، فهي تلقّن بالتنويم -المغناطيسي- ونحن نتصورها نابعة من أنفسنا ونجري أثر تلقينها بتخريب أعمى أصم. فمادام المنبع في أوروبا فالتيار القادم إما سيكون تياراً سلبياً أو إيجابياً.
فالذين يتبعون السلبي هم كالحَرفِ الذي يعرّف "دلّ على معنى في نفس غيره، أو لا يدل على معنى في نفسه" بمعنى أن جميع أفعاله ستكون لصالح الخارج مباشرة، لأن إرادته لا حكم لها. فلا تنفعه النية الخالصة. ولاسيما التيار سلبي فيكون أداة -لا تعقل- للخارج بضعف من جهتين.
أما التيار الآخر الإيجابي فيلبس لبوس التأييد والموافقة من الداخل، فهو كالاسم الذي يعرّف بأنه ما "دلّ على معنى في نفسه". فأفعاله لنفسه، ولكن ما يتبعها للخارج. إلاّ أنه لا يؤاخذ عليه لأن لازم المذهب ليس مذهباً. ولا سيما إذا انضم بجهتين إلى الإيجابي والضعيف في التيار الخارجي، فيمكن أن يجعل الخارجَ أداةً له لا تشعر.
قالوا: ألا ترى الإلحاد يتفشى؟ إنه من الضرورة الاندفاع إلى الميدان باسم الدين.
قلت: نعم، ضروري، ولكن بشرط قاطع هو أن يكون الدافع المحرك عشقُ الإسلام والحمية الدينية. إذ الخطورة هي أنه إن كان الدافع أو الموجّه هو السياسة أو التحيز، فالأول قد يعفى عنه حتى لو أخطأ بينما الثاني مسؤول عن عمله حتى لو أصاب.
قيل: كيف نفهم ذلك؟
قلت: مَن فضّل رفيقه السياسي الفاسق على متدين يخالف رأيه السياسي، بإساءة الظن به، فالدافع إذن هو السياسة.
ثم إن إظهار الدين الذي هو ملك مقدس للناس كافة -بالتحيز والتحزب- أنه أخص بمن في مسلكه دون غيره، يثير الأكثرية الغالبة ضد الدين، فيكون سبباً في التهوين من شأن الدين.. فالدافع إذن هو التحيز.
مثال: يتصارع اثنان فما إن يشعر أحدهما أنه سيُغلب، عليه أن يعطي القرآن الذي بيده إلى القوي ليقوم الآخر بحمايته ولئلا يسقط القرآن معه في الوحل، مُظهِراً محبته وتبجيله للقرآن، فتكون محبته للقرآن لكونه قرآناً، ولكن لو اتخذه تُرْساً تجاه القوي، فإنه يثير غضبه بدلاً من أن يحرك غيرته لحمايته.
فمن يحرم القرآنَ من خادم قوي ويجعلْه في يد ضعيف، حتى إذا سقط سقط معه أيضاً، فهذا يعني أنه يحب القرآن لنفسه لا للقرآن.
نعم، إن خدمة الدين وسَوق الناس إليه إنما تكون بالحث على الالتزام وتذكير أصحابه بوظائفهم الدينية. وبخلاف ذلك، فإن مخاطبتهم بـ"إنكم ملحدون"، يسوقهم إلى التعدي.
ألا لا يُستغلَّ الدينُ في الداخل في الأمور السلبية التخريبية. ولقد رأيتم الاعتداء على الشريعة بظن أن الخليفة الذي دام حكمه ثلاثين سنة قد استُغل في إجراءات سياسية سلبية. تُرى مَن الذي يستفيد من آراء السياسيين السلبيين الحاليين؟ أتعرفونهم؟.. إنني أرى أنهم الخصوم الألداء الذين غرزوا خناجرهم في قلب الإسلام.
قالوا: كنتَ تعارض الاتحاد والترقي، إلاّ أنك تسكت عنهم الآن.
قلت: لكثرة هجوم الأعداء عليهم.
إن هدف الهجوم الذي يشنّه الأعداء هو العزم والثبات اللذان يتحلون بهما وعدمُ كونهم وسيلة لتنفيذ مآرب الأعداء في تسميم أفكار المسلمين. وهذا من حسناتهم.
إنني أرى أن الطريق طريقان؛ ككفتي الميزان؛ خفة إحداهما تولد ثقل الأخرى.
فأنا لا أصفع أنور(*) بجانب "انترانيك"،(*) ولا أصفع "سعيد حليم"(*) بجانب "فنزيلوس"(*). وفي نظري أن الذي يصفعهما سافل منحط.
قالوا: التحزب ضرورة من ضروريات المشروطية.
قلت: إن خطوط الأفكار عندنا بدلاً من أن تتقارب للتلاقي تنحرف مبتعدة الواحدة عن الأخرى كلما امتدت . لذا لا نجد نقطة التلاقي، لا في الوطن، ولا في الكرة الأرضية. فالأفكار أشبه ما تكون بالوجود والعدم لا يجتمعان، حيث إن وجود أحدهما يقتضي عدم الآخر.
إن العناد يلزم أحياناً المغالين في التعصب الضلال والباطل، حتى إذا ساعد الشيطان أحدهم قال له: "إنه -أي الشيطان- مَلك" ويترحم عليه، بينما إذا رأى ملَكاً في صفِّ مَن يخالفه في الرأي، قال: "إنه شيطان قد بدل ملابسه"، فيبدأ بمعاداته ويلعنه. ويرى الأمارة الواهية برهاناً بظنه الحسن، بينما يرى البرهان أمارة واهية بسوء الظن، كمن ينظر في المنظار أحد طرفيه الذي يقرّب والآخر يبعّد الشيء. وهذا ظلم فاضح يبيّن الحكمة في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾(إبراهيم:34) وذلك لأن قواه وميوله لم تتحدد فطرةً بخلاف الحيوان، فميله -أي الإنسان- نحو الظلم لا يحد ولا سيما إذا انضمت إلى ذلك الميل الأشكال الخبيثة للأنانية كالإعجاب بالنفس وتحري المصلحة الشخصية والكبر والعناد والغرور، تتولد جرائم بشعة لم تجد البشرية لها اسماً، ولا جزاء لها إلاّ نار جهنم، مثلما هي دليل على ضرورة وجودها.
فمثلاً: إذا استاء من صفةٍ جانية لشخص، فإنه يشمل ظلمه إلى جميع صفاته البريئة أيضاً بل إلى أحبته بل إلى من في مسلكه، فيكون متمرداً أمام الآية الكريمة ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(الأنعام:164).
ومثلاً: قد قال أحد الحريصين بدافع الانتقام: سيُغلب الإسلام، وسيتمزق قلبه. فلأجل أن يظهر صدق كلامه المشؤوم النابع من روح سقيمة وفكر كاذب، يتمنى أن يُهان المسلمون ويُصفِّق له ويتلذذ من ضربات العدو. فهذا التصفيق والترحيب واللذة جعلت الإسلام في موضع مجروح.
حيث العدو الذي غرز خنجره في قلب الإسلام لا يكتفي بسكوتنا عليه بل يقول: رحِّب بي، تلذَّذْ من أعمالي، وكنّ لي حِباً...
فدونكم ذنباً عظيماً وظلماً شنيعاً لا يجازيهما إلاّ ميزان الحشر الأعظم.
قيل: كنا نعلم أننا نُغلب، فقد دفعونا إلى المصيبة عن علم.
قلت: كيف تكون نتيجة الحرب بديهياً بالنسبة لكم وأنتم لا ثقافة لكم؛ وتكون خافية عن شخص عظيم كهندنبرغ(∗)؟ أخشى أن يكون ما تسمونه فكراً هو رغبة، والعياذ بالله. إذ يلبس الانتقامُ الشخصي الظالم أحياناً لباس الفكر. يا هؤلاء لقد وقعتم في طين نجس تلوثون وجوهكم به وكأنه المسك والعنبر؟
فهذا إيضاحي وبياني لما دار في مجلس مثالي في الليل المنير وفي محفل الدنيويين في النهار المظلم. فليست هذه المحاورة من بنات الفكر ولم تَسِل من العقل سيلاناً بل تفجرت من القلب. فإن شئت فاقبلها وإن شئت رُدَّها وارفضها، ولكن بشرط أن تفهمها.
* * *
ذيل الرؤيا
سكت في الحج في أثناء سرده الرؤيا، لأن إهمال الحج وإهمال ما ينطوي عليه من حكم لا يُنزل المصيبة وحدها بل ينزل غضب الله وقهر الجبار. وجزاؤه ليس كفارة الذنوب بل كثّارتها.
نعم، إن إهمال السياسة الإسلامية الرفيعة في الحج والمتضمنة توحيد الأفكار بالتعارف وتشريك المساعي بالتعاون هو الذي أدّى إلى تهيئة الوسط الملائم للأعداء ليستخدموا ملايين المسلمين في العداء للإسلام.
فها هو الهندي جالس يبكي على رأس أبيه الذي قتله، ظناً منه أنه عدوّه.
وها هما التتار والقفقاس، واقفان عند قدمَيْ جثةٍ ساعدا على قتلها.. وبعد فوات الأوان يدركان أنها والداهما.
وها هم العرب قتلوا شقيقهم البطل خطأً، ومن حيرتهم لا يعرفون كيف يبكون وينتحبون.
وهاهي إفريقيا قتلت أخاها دون علم به، والآن تصرخ وتولول.
وها هو العالم الإسلامي ساعد على قتل ولده المقدام غافلاً دون علم به، فهو يلطم وينفّش شعره كالوالدة الحنون.
فالملايين من المسلمين دُفعوا إلى سياحات طويلة في العالم، تحت لواء العدو الذي هو الشر المحض، بدلاً من شدّ الرحال إلى الحج وهو الخير المحض.
فاعتبروا!
[كما أن الضرورات تبيح المحظورات، كذلك تسهّل المشكلات].
إن الدجاجة التي يضرب بها المثل في الخوف والجبن تهاجم الجاموس الضخم حفاظاً على فراخها.. فها هي الجسارة الفائقة.
وخوف العنز من الذئب يضرب به المثل، إلاّ أن خوفه ينقلب إلى دفاع ومقاومة في حالة الاضطرار حتى يقارع الذئب.. فها هي الشجاعة الخارقة.
نعم، إن الميل الفطري لا يُقاوَم، فغرفة من ماء إذا وضعت في كرة من حديد، فتّت الماءُ الحديدَ كلما تعرض للبرودة في الشتاء، وذلك لميله إلى الانبساط والتمدد.
فجسارة الدجاجة الرؤوم على فراخها.. وشجاعة الاضطرار لدى العنز العزيز النفس يمثلان هيجاناً فطرياً.. فمثل هذا الهيجان الفطري إذا تعرض له ظلم الكافر البارد، فتّت كل شيء أمامه كالماء في كرة الحديد. (والقرويون الروس أمثلة شهود على هذا).
ومع هذا فإن الشهامة الخارقة التي تنطوي عليها ماهية الإيمان، والشجاعة التي تتحدى العالم الكامنة في طبيعة العزة الإسلامية يمكن أن تُظهر المعجزات في كل وقت وآن بانبساط الأخوة الإسلامية وتَوَسُّعِها.
ستشرق شمس الحقيقة يوماً
أفيظل العالم في ظلام إلى الأبد؟
* * *
ذيل الذيل
لدواء اليأس([2])
الحمد لله الذي قال: ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾(الحجرات:12).
والصلاة على محمد الذي قال: "من قال: هلك الناس هلك الناس فهو أهلكهم".([3])
فإن محاكم التفتيش المدنية لهذا العصر، أنجبت لقطاءها -غير الشرعيين- باستعمالها وسائل رهيبة في تلقيح بعض الأذهان، وتجري بهم حقدها الدفين على الإسلام للثأر منه، محاوِلةً فتح الباب أمام ما يصرف المسلمين عن الدين، أو جَعْلهم في الأقل مهملين له، أو بإمالتهم نحو النصرانية، أو التخلي عن الإسلام بإلقاء الشبهات والشكوك في العقول، وتشيع بهذا مكراً سيئاً هو الآتي:
"أيها المسلم! تأمل، أينما وجد مسلم فهو فقير، غافل، جاهل إلى حدٍ ما، بينما النصراني أينما حلّ فهو متحضر، يقظ، صاحب ثروة... وهذا يعني.. الخ.."
وأنا أقول: أيها المسلم لا ترخِ يدك عن الإسلام الذي هو حامي وجودنا وكياننا تجاه الدمار الذي تولّده هذه النتيجة المُخيفة لتقدم أوروبا، بل عض عليه بالنواجذ واستعصم به بقوة، وإلاّ فمصيرك الهلاك.
نعم، نحن نتدنى إلى أسفل وهم يرقون إلى أعلى، ولهذا سببان اثنان: أحدهما مادي، والآخر معنوي.
السبب الأول:
الوضع الفطري لأوروبا التي هي كنيسة النصرانية عامة، ومنبع حياتها، فهي ضيقة، جميلة، تملك الحديد، متعرجة السواحل، تلتف فيها الأنهار والبحار التفاف الأمعاء في الجسد، مناخها بارد.
نعم، إن أوروبا على الرغم من كونها عُشر الخمس للكرة الأرضية، فإنها جذبت ربع البشرية نحوها بلطافة مناخها الفطري.
وإنه ثابت حكمةً: أن اجتماع الأفراد الكثيرين يولّد الحاجات، فلا يستوعب إنتاجُ الأرض تلك الحاجاتِ التي تتزايد بأسباب كثيرة -كالتقليد وغيره- ومن هنا تصبح الحاجةُ أمَّ الاختراع والصناعة، وحبُّ الاستطلاع معلّمَ العلم، والضيقُ الروحي مولدَ السفاهة.
نعم، إن التـوجـه نحو الصنـاعة والميـل إلى المعرفة ينشـأ من الكثـرة؛ فبسـبب ضـيق المكان في أوروبا، وكثرة بحارها وأنهارها التي هي وسـائط نقل طبيعية فيها، فإن التعارف ينتج التـجـارة، والتـعاونَ الاشـــتراك في الأعمال، مثلما يـولـد التّماس تَلاَحُقَ الأفكار والمنافسةَ والتسابق.
ولكثرة ما فيها من الحديد -الذي هو منبع جميع صناعات أوروبا- أعطى لمدنيتهم السلاحَ القوي حتى غصبت أنقاضَ مدنيات الدنيا كلها وأغارت عليها، إلى حد أثقلت كفتها وأخلّت بميزان الكرة الأرضية.
ثم إن البرودة المعتدلة التي من شأنها أن تأخذ كل شيء ببطء وتتركه ببطء، قد أعطت لسعيهم الثبات والمتانة، فأدامت مدنيتهم.
ثم إن تَشكُّل دولهم المستندة إلى العلم، وتصادُم قواهم المتكافئة، وإزعاجاتِ استبداداتهم الغدارة، ومضايقاتِ تعصبهم المقيت الظالم -كتعصب محاكم التفتيش- والذي آل إلى خلاف المقصود، والتسابقَ الجاري بين عناصرها المتوازنة.. كل ذلك نمّى استعداداتِ الأوروبيين، وفجّر قابلياتِهم، فظهرت لديهم المزايا، والفكر القومي.
السبب الثاني:
هو نقطة الاستناد. نعم، إن أيّ نصراني كان إذا ما رفع رأسه ومدّ يده إلى أي مقصد من المقاصد المتسلسلة المتداخلة، إذا به يجد وراءه نقطة استناد قوية تعزز قوته المعنوية وتبعث فيها الحياة، حتى يجد في نفسه من القوة ما يمكّنه أن يقتحم كل صعب وعظيم من الأعمال.
فتلك النقطة، نقطة الاستناد، هي مدنيةُ أوروبا التي هي معسكر (كتلة مسلحة) وكنيستُها العظيمة، وهي مستعدة في كل آن أن تنفخ الحياة في عروق رفقاء دينها الذين يمدون إليها أيديهم من كل صوب، ومتهيأة أيضاً لقطع الشريان النابض للمسلمين، فلقد عجنت بتعصب محاكم التفتيش المدنية الماكرة، والإلحاد النابع من الفكر المادي. فأوروبا تختال غروراً بانتصار مدنيتها على الآخرين.
ألا يُشاهد الإنكليز الذين تقنّعوا بقناع الحرية، يَمدّون أيدهم إلى كل جهة ويتحرون عن نصراني، فأينما وجدوه بعثوا فيه الحياة.. فها هي الحبشة والسودان... وها هي الطيار والأرتوش وها هي لبنان وحوران.. وها هي ماسور وألبانيا.. وها هم الكرد والأرمن.. والترك والروم.. الخ.
حاصل الكلام: إن الذي ينفث فيهم الحياة هو الأمل.. والذي يقتلنا هو اليأس. وقد اشتهر أحدهم بقوله: "أستطيع أن أحرّك الكرة الأرضية من مكانها إذا وجدتُ نقطة استناد"، ففي هذا القول المفترض نقطة عجيبة، هي: أن هذا الإنسان الصغير جداً إذا ما وَجد نقطة استناد يستطيع أن يدير أعظم الأشياء كالكرة الأرضية.
فيا أهل الإسلام!
إن نقطة استنادنا تجاه المصائب والدواهي، التي ألقت بثقلها العظيم، عِظم الأرض، على العالم الإسلامي، هي الإسلام الذي يأمر بالاتحاد النابع من المحبة، وبامتزاج الأفكار الناشئ من المعرفة، وبالتعاون الذي تولده الأخوّة.
فانظر بدءاً من العالم الإسلامي، تلك الدائرة الواسعة، وانتهاء إلى طالب علم في المدرسة الشرعية كأصغر دائرة... تجد أن لكل منها عُقداً حياتية، وتلك العقد مرتبطة ببعضها متسلسلة ومستندة إلى تلك النقطة العظمى، كأفراد المجتمع وروابطه.. بمعنى أنه يمكن أن يصحو المسلمون ويبدأوا بالرقي متى ما نُبِّهوا وبُث فيهم روحُ النماء، فلا صحوة بخنق تلك العقد الحياتية.
وإلاّ فإن قيام أحد بالموازنة والمقارنة بين محاسن أوروبا ومساوئنا، وثمرةِ تلاحق الأفكار لديهم مع ثمرة سعي شخص واحد عندنا([4])... فكما أنه يبين بهذه المقارنة الظالمة المجحفة الخادعة أنه لقيط أوروبا لإظهار افتتانه بها ونفوره من أمته، فإنه أيضاً بالهجاء النابع من الخِداع والفكر الثوري والميل إلى التخريب، والمشحون بالعصيان والافتراء والتعرض للشرف، يُظهر فرعونيتَه والثناءَ على نفسه والتربيت على غروره ضمناً، مبدياً دون علم منه عداءه للإسلام. علماً أنه المكلف بالشعور بالشفقة على أمته شرعاً وعقلاً وحكمة، إلاّ أنه بحكم الفرعونية والأنانية والغرور يضع الشعور بالتحقير بدلاً من الشعور بالشفقة، والميلَ إلى النفور من الأمة بدلاً من ميل الانجذاب إليها، وإرادةَ الاستخفاف بها بدلاً من محبتها، ويَصِمُها بالجهل بدلاً من احترامها، ويرغب في التكبر عليها بدلاً من الرحمة بها، ويقيم روح الانفرادية بدلاً من روح التضحية والفداء لها... فيثبت بهذا كله أنه لا يملك حَمِيَّة للأمة وأنه مبتوت الأصالة، فيكون جانياً منفوراً منه في نظر الحقيقة بحيث يتصرف تصرف الأحمق الأبله، كمن يحاول إلباس عالم فاضل في المسجد ملابسَ أعجبته لراقصة ساقطة في باريس.
ذلك لأن الحمية هي نتيجة ضرورية للمحبة والاحترام والرحمة، فلا حمية بدون هذه الأمور، وإلاّ فهي حمية كاذبة وخادعة. والنفورُ من الأمة خلافُ الحمية أيضاً، فقساوسة أوربا الذين يشنون هجومهم على المتعصبين عندنا، كل منهم أكثر تعصباً وتزمتاً في مسلكهم السقيم؛ فلو مَدَح عالمٌ دينيٌ الشيخَ الكيلاني بإفراطٍ كمدحِ أولئك لشكسبير لكُفِّرَ.
هيهات، أين المحبة من هؤلاء؟
إن إحدى العقد الحياتية المحرِّكة للمجتمع والدافعةِ إلى الفعالية، هو الفكر الأدبي. الذي بدأ فينا وحده بالنمو -مع الأسف- ولا سيما أدب الهجاء ورغبة تحقير الآخرين. والذي ينطوي على الإعجاب بالنفس والغلو في الوصف في أسلوب شعري وبما لا يليق بالأدب. فهو أدب خارج عن الأدب الحقيقي الذي تُؤَدِّبنا به الآيةُ الكريمة ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾(الحجرات:12) بحيث يهاجم كلٌّ الآخرَ. ومع ردّ تعرضات ضمنية للأمة وللإسلام بوجه أولئك القسس، نمر مرّ الكرام على هجائهم اللاديني وإهانة الآخرين، فنمضي قائلين: ربما يستحقون ذلك.
إنني أظن أن الباعث على ذل هذه الأمة أكثرَ من الجهل هو الذكاء الأبتر العقيم غيرُ المرافق لنور القلب. وفي نظري أن أخطر مرض هو الانحياز المتطرف، لأنه يدفع إلى خلاف المقصود، بإخراج كل شيء عن طوره.
أيها الأخ!
لقد بدأتْ عندنا تباشيرُ أسبابِ فتية، قوية، بدلاً من تلك الأسباب الهرمة التي ولّدت تقدم النصرانية.
وقد فصّلت ذلك في كتاب آخر.([5])
حكاية:
قبل عشر سنوات (المقصود سنة 1910م) ذهبتُ إلى "تفليس" وصعدتُ تل الشيخ صنعان، كنت أتأمل تلك الأرجاء وأراقبها. فاقترب مني أحد رجال البوليس فقال:
بم تنعم النظر؟
قلت: أخطّط لمدرستي!
قال: من أين أنت؟
قلت: من بتليس
قال: وهنا تفليس!
قلت: بتليس وتفليس شقيقتان
قال: ماذا تعني؟
قلت: لقد بدأ ظهور ثلاثة أنوار متتابعة في آسيا، في العالم الإسلامي، وستنقشع عندكم ثلاث ظلمات بعضها فوق بعض، سيُمزَّق هذا الستار المستبد ويتقلص، وعندها آتي إلى هنا وأُنشئ مدرستي.
قال: هيهات! إنني أحار من فرطِ أَمَلِكَ؟
قلت: وأنا أحار من عقلك! أيمكن أن تتوقع دوام هذا الشتاء؟ إن لكل شتاء ربيعاً ولكل ليل نهاراً.
قال: لقد تفرق المسلمون شذر مذر.
قلت: ذهبوا لكسب العلم، فها هو الهندي الذي هو ابن الإسلام الكفء يَدرس في إعدادية الإنكليز.
وها هو المصري الذي هو ابن الإسلام الذكي يتلقى الدرس في المدرسة الإدارية السياسية للإنكليز..
وها هو القفقاس والتركستاني اللذان هما ابنا الإسلام الشجاعان يتدربان في المدرسة الحربية للروس.. الخ.
فيا هذا! إن هؤلاء الأبناء البررة النبلاء، بعد ما ينالون شهاداتهم، سيتولى كل منهم قارة من القارات، ويرفعون لواء أبيهم العادل، الإسلام العظيم، خفاقاً ليرفرف في آفاق الكمالات، معلنين سر الحكمة الأزلية المقدرة في بني البشر رغم كل شيء.
وهذا هو نصف حكايتي.
مثال:
والآن سأمثل للحالة الروحية التي تدفع إلى القول: "نفسي نفسي.. ماذا عليّ". بالآتي:
يتقابل شخصان وتبدأ المناظرةُ والمفاخرة بينهما، أحدهما جسور ولكن عضت النوائبُ([6]) عشيرتَه الأصيلة. والآخر جبان، لكنه ينتمي إلى عشيرة أخرى تبسمت لها الأقدار. فالأول يرفع رأسه ويرى ذلّ عشيرته لا تستطيع عزة نفسه تحمّل الذل، فيخفض رأسه وينظر إلى نفسه، فيراها محملة إلى حدٍّ ما بالعزة. وعندها يبدأ غروره المجروح بالأنانية بالصراخ قائلاً: وماذا عليّ.. ها أنذا! وهاهي أفعالي أنا.. فينسحب من تلك العشيرة أو ينتسب إلى أخرى مُظهِراً عدم أصالته.
أما الثاني فكلما رفع رأسه سطعت أمام ناظرَيْه مفاخرُ عشيرته فينتفخ غروره. ولكن ما إن ينظر إلى نفسه يراها واهية، وعندها يتيقظ روح التضحية والفداء في الشعور القومي، فيقول: فداكِ نفسي يا عشيرتي!.
فإذا فهمتَ الرمز الكامن في هذا المثال، فإن في ميدان العالم هذا، ميدانُ الامتحان والمجاهدة والسباق، إذا تظاهرت مشاعر كل مسلم ونصراني، وكردي ورومي، في أثناء المبارزة في الحَمِيَّة، تجد سر المثال. ولكن هذا التفاوت ليس كما يظنه الناس وربما هو ناتج من النظر الظاهري والسطحي وغلط الحس.
أيها المسلم!
إياك أن تنخدع. فلا تخفضْ رأسك! فإن قطعةَ ألماسٍ نادرة مهما كانت صَدِئَةً أفضلُ من قطعة زجاج لامعة دوماً. فضعفُ الإسلام الظاهري ناشئ من خدمة هذه المدنية الحاضرة في سبيل دين آخر.
آن الأوان إذن أن تبدل هذه المدنيةُ صورتَها، فإذا ما بَدَّلَتْها فالقضية تنعكس.
فكما قيل في البداية أينما كان المسلم فهو البدوي بالنسبة للنصراني، مستنكف عن المدنية لا يكترث بها ويتحرج في قبولها، فإذا ما بُدّلت الصورة فالوضع يتبدل.. وكل آت قريب. وإن مع العسر يسراً.
سعيد النورسي
* * *
[1]() المقصود محاسن المدنية التي أسدتها إلى البشرية، وليست سيئاتها وآثامها التي يلهث وراءها الحمقى ظناً منهم أن تلك السيئات حسنات حتى أوردونا الهلاك، ولقد تلقت البشرية صفعتين مريعتين وهما الحربان العالميتان من جراء ما طفحت به كفةُ سيئات المدنية على حسناتها وتغلبت آثامها على محاسنها حتى أبادتا تلك المدنية الآثمة فقاءت دماً لطخت به وجه الكرة الأرضية كله. نسأل الله أن تَغلب بقوة الإسلام في المستقبل محاسنُ المدنية لتطهّر وجه الأرض من لوثاتها وتَضْمَن السلام العام للبشرية قاطبة. (المؤلف)
[2]() رسالة "دواء اليأس" هي "الخطبة الشامية" وذيلها "تشخيص العلة" وهذا البحث ذيل لذيلها. إلاّ أنه نشر مع هذه الرسالة فأبقيناه في موضعه. (المترجم).
[3]() مسلم (4/2024، رقم 2623)؛ أبو داود (4/296، رقم 4983)؛ أحمد (2/342، رقم 8495) عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم".
[4]() إن إسناد محاسن المدنية إلى النصرانية التي لا فضل لها فيها، وإلصاق التدني والتقهقر بالإسلام الذي هو عدوّ له، دليل على دوران المقدرات بخلاف دورتها، وعلى قلب الأوضاع.(المؤلف).
[5]() المقصود الخطبة الشامية.
[6]() بمعنى أن "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" ليس مجازاً. (المؤلف).
