نصف جناية:

انطلاقاً مـن مفهوم الحفاظ على مركز الخلافة -وهـو مركز المسـلمين وموضـع رابطتهم- والحيلولةِ دون ضياعه.. وظناً من كون حضرة السـلطان عبد الحميد الثاني على استعداد لاستيضاح الأمر والندم على أخطائه الاجتماعية السابقة.. وأخذاً بالقاعدة الجليلة ﴿وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ لتخفيف الأحداث الحالية التي سارت بعنف وبذرت بذور الفتن والاضطرابات، وتحويلها إلى أفضل ما يمكن.. لأجل كل ذلك قلت بلسان الجريدة للسلطان السابق ما يأتي:

اجعل قصر يلدز، ذلك النجم المنخسف، جامعة للعلوم ليرتفع إلى الأعالي كالثريا.

وأسكن فيه أهل الحقيقة وملائكة الرحمة بدلاً من السواح وزبانية جهنم ليصبح بهيجة بهجة الجنة.

وأعد إلى الأمة ما أهدته لك من ثروات في القصر بصرفها في إنشاء جامعات دينية لتزيل الجهل الذي هو داء الأمة الوبيل.

ووطّن الثقة بمروءة الأمة ومحبتها، فهي المتكفلة بإدارتكم السلطانية. دع الدنيا قبل أن تدعك، واصرف زكاة العمر في سبيل العمر التالي. إنه ينبغي التفكر في الآخرة وحدها بعد هذا العمر.

والآن لنقارن؛ أيُّهما أفضل: أن يكون قصر يلدز موضع لهو أم جامعة علوم؟ وأن يجول فيه السواح أم يدرّس فيه العلماء ؟ يُغصب أم يُهدى؟ فليقضِ أصحاب الإنصاف في هذا.

فأنا الفقير المعدم قمت بإســداء النصيحة إلى ســلطان عظيم، قد جنيت إذن نصف جناية!

أما النصف الآخر من الجناية فلم يحُنْ وقت الإفصاح عنه.([1])

وا أسفى لقد وضع المعجبون بالتطرف في هذه الحادثة سداً أمام رغبات الأمة المشتاقة إلى المشروطية المشروعة التي فيها سعادتنا ومنبعُ حياتنا الاجتماعية العطشى إلى المعارف والعلوم الحديثة المنسجمة مع الإسلام، وذلك بإلقائهم الأغراض الشخصية والفتن في المشروطية. زد على ذلك أعمال المثقفين المتسمةَ بالإلحاد وعدمِ الاكتراث بالدين.

فعلى الذين أقاموا هذا السد المنيع أن يرفعوه ويزيلوه، وهذا ما نرجوه منهم باسم الوطن.

أيها القواد والضباط!

إن الشهود على هذه الجنايات الإحدى عشرة ونصف الجناية هم ألوف، بل يمكن أن يكون نصفُ أهالي إسطنبول شهوداً على بعض الجنايات.

ولكن أطلب الإجابة عن الأسئلة الأحد عشرة ونصف. فضلاً عن رضايَ بالعقاب النازل بي على تلك الجنايات. ومع هذا فلي حسنة واحدة عوضاً عن هذه السيئات، وسأقولها.

وهي: أنني عارضت شعبة الاتحاد والترقي المستبدة هنا، تلك التي أذهبت شوق الجميع وأطارت نشوتهم وأيقظت عروق النفاق والتحيّز وسببت التفرقة بين الناس وأوجدت الفِرَق والأحزاب القومية، وتسمّت بالمشروطية، بينما مثّلت الاستبداد في الحقيقة، بل حتى لطخت اسم الاتحاد والترقي.

إن لكلٍّ فكرَه، وأنا حرّ في إبداء الفكر. فالصلح العام والعفو العام ورفعُ الامتيازات ضروري، لئلا يتولد النفاق من استخفاف أصحاب الامتياز الآخرين.

وأقول بلا فخر: نحن المسلمين الحقيقيين ننخدع ولكن لا نخدع، ونترفع عن الخداع لأجل حياة دنيوية. لأننا نعلم "إنما الحيلة في ترك الحيل". ولكن لأنني قد عاهدت المشروطية الحقيقية المشروعة سأصفع الاستبداد إن قابلتُه في أي لباس كان، حتى لو كان لابساً ملابس المشروطية أو تقلّد اسمها. وفي اعتقادي أن أعداء المشروطية هم أولئك الذين يشوّهون صورتها بإظهارها مخالِفة للشريعة وأنها ظالمة، فيُكثرون بهذا أعداءَ الشورى أيضاً. علماً أن القاعدة هي: "لا تتبدل الحقائق بتبدل الأسماء".

وحيث إن أعظم الخطأ هو ظن المرء أنه لا يخطأ، فإني أعترف بخَطَئِي وهو: أنني أردت نصح الناس قبل أن آخذ بنصيحتهم، وسعيت في إرشاد الآخرين قبل إرشاد نفسي، فهوّنت بهذا شأن الأمر بالمعروف حتى أصبح لا يجدي.

ثم إنه ثابت بالتجربة أن العقاب يأتي نتيجة ذنب، إلاّ أنه أحياناً ينزل العقاب ولمّا يُرتكب ذلك الذنب إلاّ أنه أظهر نفسه في صورة ذنب آخر. فذلك الشخص رغم أنه بريء من هذا الذنب إلاّ أنه يستحق العقاب لذنب آخر خفي. فالله سبحانه ينزل به المصيبة فيلقيه في السجن لذنب خفي، فيعدل. بينما الحاكم يظلم لعدم ارتكاب الشخص ذلك الذنب، ولخفاء الذنب الخفي عنه.

فيا أولي الأمر!

كانت لي كرامة وعزة، وكنت أرغب أن أخدم بها الأمة الإســــلامية، إلاّ أنكم أهنتموها.

وكنت أملك شهرة كاذبة -دون رغبتي- وأُجري نصحي بها إلى العوام، فأفنيتموها مشكورين.

والآن ظلت لدي حياة ضعيفة مللت منها، فليهلكني الله إن صُنتها خوفاً من الإعدام، ولا أكون شريفاً إن لم أقدم على الموت ببشاشة.

إن الحكم عليّ صورةً يورث الحكم عليكم وجداناً، وهذا لا يضرني بل هو رفعة وشرف لي، ولكنكم تُلحقون الضرر بالأمة، لأنكم تزيلون تأثير نصائحي، فضلاً عن إضراركم بأنفسكم، حيث أكون حجة قاطعة بيد عدوّكم.

فلقد وضعتموني على المحك، تُرى لو وُضعت ما تسمونه بالفرق الخالصة (الأحزاب) على مثل هذا المحك كم سيسلم منهم؟

إن كانت المشروطية تعني مخالفة الشريعة واستبداد جماعة معينة، [فليشهد الثقلان أني مرتجع] ([2]).

ذلك لأن الاتحاد القائم على الكذب كذب أيضاً، والمشروطية القائمة على أسس فاسدة ومفسدة مشروطية فاسدة، إذ المشروطية الحقة التي لها الدوام والبقاء هي المشروطية القائمة على الحق وعلى الصدق وعلى المحبة وعلى أساس عدم الامتيازات.

إنني أنبّه إلى هذا وكلي أسف وقلق:

مثلاً: عالم جليل تحجزه صفة العلم عن الفساد، ولكن يُقرن ذكر الفساد الناشئ من تهوره كلما ذكر علمه، ومن ثم تُمسّ صفة العلم بسوء. ألا يومئ هذا إلى العداء للعلم؟ كذلك حينما زَرعت الفرقاء بذور التفرقة والفتن -خلافاً للشريعة- وأطلقت مليوناً من الطلقات عبثاً، وظلت السياسة والنظام العام بيد أفراد اعتياديين وعمّت الفوضى في الأوساط .. وما هدأ ذلك الطوفانَ العارمَ إلاّ معجزةُ الشريعة حتى مرّ بسلام من دون إراقة دم. بمعنى أن الاسم السامي للشريعة المطهرة والاتحاد المحمدي أنزل تأثير ذلك الفساد الرهيب من الألف إلى الواحد.

فبينما الأمر هكذا فإن ذكر ذلك الاسم الطاهر (الشريعة)، مقروناً بأصحاب الفتن وجَعْله تُرساً لهم هو مسّ لنقطة خطرة جداً، بل هو تعرض لعقدة الحياة، بحيث يرجف من هوله كل صاحب وجدان سليم وتذهب نفسه حسرات عليه.

إن الذي يستطيع أن يتصور أنه بالإمكان جعل الثريا مكنسة وإطفاؤه بالنفخ، لا يعلن إلاّ عن بلاهته!

فلو أن مَلَكاً في جو السماء، في زحل مثلاً، أمسك بيده ميزاناً يزن جبل آرارات وجبل سبحان، وأضيف إلى جبل آرارات وزنٌ بقدر درهم، فالمشاهدون القاصرو النظر عندما يرون نزول كفة آرارات إلى الأرض وصعودَ كفة سبحان إلى السماء، يُسندون الأمر والثقل إلى ذلك الوزن البسيط بقدر درهم!

وهكذا فالكرامة العسكرية والحمية الإسلامية والشريعة المحمدية شبيهة بتلك الجبال الشامخة، أما الأسباب الخارجية فهي بوزن درهم فحسب. فاتّخاذ هذه الأسباب التافهة أساساً في الأمور دليل على الجهل بشأن الإنسانية والإسلام، بل تهوين بهما.

سوف أقول الحقيقةَ فقط، ولن أجانب الحق أبداً، ذلك لأن مقام الحق سامٍ ولن أُضحي به لأجل أحد، لذا لن تَصرفني عن ذكر الحق لومة لائم.

إن ما يسمى بحادثة 31 مارت، ذلك الطوفان الرهيب والصاعقة المحرقة، قد هيأت -تحت أسباب اعتيادية- استعداداً طبيعياً بحيث ورد -من عند الله- على لسان القائمين بها اسم الشريعةِ المظهرةِ معجزتَها دوماً رغم أن نتائج تلك الحادثة كانت الهرج والمرج.

ولأن اسم الشريعة جعل ذلك الطوفان يمر بسلام فإنه يُدين -أمام الله- تلك الصحفَ التي أَطلقت لسانها بالسوء بعد منتصف نيسان.

فإذا ما أُخذ بنظر الاعتبار الأسبابُ السبعة والأحوال السبع التي أدت إلى تلك الحادثة تظهر الحقيقة بجلاء وهي الآتية:

1- لقد كان تسعون بالمائة من هذه الحركة موجهة ضد الاتحاد والترقي وضد استبدادهم ودكتاتوريتهم.

2- كما كانت ترمي إلى تبديل الوزراء الذين كانوا محل نقاش وجدال بين الفرقاء والأحزاب.

3- إنقاذ السلطان المظلوم من الخلع الذي قد تقرر وصُمّم عليه.

4- منع التعليمات وإنهاء التلقينات التي لا تليق بالآداب العسكرية والدينية.

5- الكشف عن قاتل السيد "حسن فهمي"(*) بعد أن تم تضخيم موضوع اغتياله.

6- تسوية موضوع الضباط "الآلايلي"([3]) الذين أُخرجوا من الخدمة العسكرية وإنصافُهم.

7- الوقوف تجاه تعميم مفهوم الحرية على التصرفات السفيهة، أي تحديد معنى الحرية بالآداب الشرعية، ثم القيام بتطبيق الحدود الشرعية التي لا يَفهم العوام منها سوى القصاص وقطع اليد.

بيد أن الأرضية الآسنة كانت مهيأة، والخططَ والمنزلقات كانت جاهزة حتى ذهبت الطاعة العسكرية السامية جداً ضحية بها.

إن أس أساس الأسباب هو المناقشات العنيفة المتحيّزة للفرقاء وغلوُّ الصحف في المجادلات المبالغِ فيها بالكذب عوضاً عن بلاغة الكلام. وكما أن دوران القرص الملون لا يُظهر إلاّ اللون الأبيض فالشريعة الغراء هي التي تجلت من بين هذه المطالب السبعة المذكورة فسدّت طريق الفساد.

الحاصل:

لقد عمت الفوضى والإرهاب في الأوساط بما نشرته الصحف من مقالات محرضة، وشروعِ الفرقاء بتسجيل أسماء الفدائيين، وسيطرةِ الأشخاص الذين قادوا الانقلاب، وسريانِ الحرية المطلقة إلى الجنود بما ينافي الطاعة العسكرية، وتلقينِ بعض المهملين الجنود ما يظنونه مخالفاً للآداب الدينية. وبعد أن انفرط عقد الطاعة زرع المستبدون والمتعصبون الجهلاء -والذين تنقصهم المحاكمة العقلية في الدين- البذورَ في ذلك المستنقع الآسن -بظن الإحسان- وظلت السياسة العامة للدولة بيد الجهلاء وأطلق ما يقارب المليون من الطلقات في الهواء وتدخلت الأيادي الداخلية والخارجية. فبينما الأمر الطبيعي أن تؤدي هذه الحادثة إلى الهرج والمرج وتدخُّل الأجانب في البلاد، إلاّ أن اسم الشريعة -بفضل الله- أرجع الأرواحَ الخبيثة الناتجة من تلك الأسباب المذكورة إلى أوكارها، فظهرت معجزة أخرى بعد ثلاثة عشر قرناً.

ثم إن الصوت المدويّ للجيش والعلماء في ذلك الانقلاب العظيم الفائت والقائل بـ: "أن المشروطية مستندة إلى الشريعة" سرى سريانَ التيار الكهربائي في وجدان المسلمين عامة، فخرق ذلك الانقلابُ القاعدةَ الطبيعية للانقلابات وأظهر التأثير المعجز للشريعة الغراء، وسيظهره دوماً.

إنني أعترض على أساس فكر الصحف التي ظهرت بعد منتصف نيسان وذلك: أنهم أوجدوا منفذاً ومبرراً للتضحية بالعزة والكرامة والطاعة العسكرية -التي هي أسمى من الحياة بل تُضحّى لأجلها الحياة- في سبيل أعمال غير مشروعة، وأفعال خسيسة خادمة للحياة نفسها لدى أهل الوجدان.

ثم إنهم ظنوا أن شمس الشريعة التي تنجذب إليها الحقائق والأحوال وترتبط بها، تابعة للسلطة أو منقادة للخلافة أو أداة لأية سياسة أخرى، فأظهروا -ما اعتقدوه- أن الشمس المنيرة تابعة لنجم منخسف.

أقول بكل ما أملك من قوة: إنه لا رقي لنا إلاّ برقي الإسلام الذي هو مليتنا، ولا رفعة لنا إلاّ بتجلي حقائق الشريعة، وبخلافه نكون مصداقاً للمثل القائل: "أضاع المِشْيَتَيْنِ".

نعم، علينا أن نستشعر بشرف الأمة وعزتها وثواب الآخرة وبشأن المجتمع، وقيمته، والحمية الإسلامية، وحب الوطن وبحب الدين... ففي المضاعفات قوة أية قوة.

 

[1]() انظروا إلى البحث الموجود في ختام مجموعة "سراج النور" لتطلعوا على النصف الآخر من الجناية، والتي يعاقَب المؤلف من جرائها بثمان وعشرين سنة. (المؤلف) (المقصود: الشعاع الخامس).

 

[2]() هذا القول نظير قول الإمام الشافعي(*) رضي الله عنه:

    إن كان رفضاً حب آل محمد        فليشهد الثقلان أنى رافضي (ديوان الإمام الشافعى) .

[3]() ضابط الألآيلي: هم الضباط الذين ترقوا من الجندية، ولم يكونوا من خريجي الكلية الحربية.

 

Ekranı Genişlet