رسالة الخطأ

Notice :Trying to get property of non-object في include() (السطر 342 من /home/question/domains/questionsonislam.com/public_html/sites/all/modules/CUSTOM/rnk/templates/risaleoku.tpl.php).

 

 

نماذج من التفكر في آيات الكون

«بينما كنت على قمة جبل في "بارلا" أيام منفاي، أسرح النظرَ في أشجار الصنوبر والقَطِران والعَرعرَ، التي تغطي الجهات. وأتأمَّلُ في هيبة أوضاعها وروعة أشكالها وصورها.

 

 

268
__________________________

 

إذ هَبّ نسيم رقيق حوّل ذلك الوضع المهيب الرائع إلى أوضاع تسبيحات وذكر جذابة واهتزازات نشوة شوق وتهليل. وإذا بذلك المشهد البهيج السار يتقطر عِبَراً أمام النظر، وينفث الحكمة في السمع. وفجأة خطرت ببالي الفقرة الآتية بالكردية لـ"أحمد الجزري":

هَرْكَسْ بِتَمَاشَا.. حُسْنَاتَه زِهَرْ جَاى تَشْبِيهِ... رَانْ بِجَمَالاَتَه دِنَازِنْ ([1])

أيْ لقد أتى الجميع مسرعين من كل صوب لمشاهدة حسنك، إنّهم بجمالك يتغنجون ويتدللون.

وتعبيراً عن معاني العبرة، بكى قلبي على هذه الصورة:    

ياَ رَب! هَرْ حَىْ بِتَمَاشَاكه صُنْعِ تُو زِهَرْ جَاى بَتَازِى

يا رب! إنَّ كل حي، يتطلع من كل مكان، فينظرون معاً إلى حسنك، ويتأملون في روائع الأرض التي هي معرض صنعك.

زِنَشِيبُ اَزْ فِرَازِى مَانَنْدِ دَلاَلاَنْ بِنِدَاءِ بِآوَازِى

فهم كالدعاة الأدلاء، ينادون من كل مكان، من الأرض، ومن السماوات العلى إلى جمالك...

[إلى أن يقول:]

"رُوحَه" مِي آيَدْ اَزُو زَمْزَمَهءِ نَازُو نِيَازِى

أمَّا الروح فقد تعلمت من هذه المشاهد:

إنَّ الأشياء تتوجه إلى تجليات أسماء الصانع الجليل بالتسبيح والتهليل فهي أصوات وأصداء تضرعاتها وتوسلاتها.

قَلْب مِي خَوانْد أزِينْ آيَاتْهَا       سِرِّ تَوْحِيدْ زِعُلُوِّ نَظْمِ إِعْجَازِى

أمَّا القلب فإنه يقرأُ من النظم الرفيع لهذا الإعجاز سر التوحيد في هذه الأشجار كأنها آيات مجسمات.

 

 

269
__________________________

 

أيْ إنَّ في خلق كل منها من خوارق النظام وإبداع الصنعة وإعجاز الحكمة ما لو اتحدت أسباب الكون كلُّها، وأصبحت فاعلة مختارة، لعجزت عن تقليدها.

نَفْس مِي خَواهَدْ دَرْ إِينْ وَلْوَلَهَا، زَلْزَلَهَا   ذَوْقِ بَاقِى دَرْ فَنَاىِ دُنْيَا بَازِى

أمَّا النفس؛ فكلما شاهدت هذا الوضع للأشجار، رأتْ كأنَّ الوجودَ يتدحرج في دوّامات الزوال والفراق. فتحرّت عن ذوقٍ باقٍ، فتلقت هذا المعنى: "إنَّكِ ستجدين البقاء بترك عبادة الدنيا".

عَقْل مِى بِينَدْ أزِينْ زَمْزَمَهَا.. دَمْدَمَهَا    نَظْمِ خِلْقَتْ، نَقْشِ حِكْمَتْ، كَنْزِ رَازِى

أمَّا العقل فقد وجد انتظام الخلقة، ونقش الحكمة وخزائن أسرار عظيمة في هذه الأصوات اللطيفة المنبعثة من الأشجار والحيوانات معاً، ومن أنداء الشجيرات والنسائم. وسيفهم أنَّ كلَّ شيء يسبّح للصانع الجليل بجهات شتى.

آرْزُو مِيدَارَدْ هَوَا أزِينْ هَمْهَمَهَا.. هُوهُوَهَا     مَرْ خُودْ دَرْ تَرْ أذْوَاقِ مَجَازِى

أمَّا هوى النفس، فإنَّه يلتذ ويستمتع من حفيف الأشجار وهبوب النسيم ذوقاً لطيفاً ينسيه الأذواق المجازية كلها، حتى إنَّه يريد أنْ يموت ويفنى في ذلك الذوق الحقيقي، واللذة الحقيقية بتركه الأذواق المجازية، التي هي جوهر حياته.

خَيَالْ بِينَدْ أزِينْ أشْجَارْ       مَلا رَا جَسَدْ آمَدْ     سَمَاوِى، بَاهَزَارَانْ نَىْ

أمَّا الخيال فإنّه يرى كأنَّ الملائكة الموكلين بهذه الأشجار قد دخلوا جذوعها ولبسوا أغصانها المالكة لقصيبات الناي بأنواع كثيرة. وكأنَّ السلطان السرمدي قد ألبسهم هذه الأجساد في استعراض مهيب مع آلاف أنغام الناي، كي تُظهِر تلك الأشجار أوضاع الشكر والإمتنان له بشعور تام، لا أجساداً ميتة فاقدة للشعور.

أزِينْ نَيْهَا شُنِيدَتْ هُوشْ      سِتَايِشْهَاىِ ذَاتِ حَىْ

فتلك النايات مؤثرة الأنغام صافيتها، إذ تخرج أصواتاً لطيفة كأنَّها منبعثة من موسيقى سماوية علوية، فلا يسمع الفكر منها شكاوى آلام الفراق والزوال،

 

270
__________________________

 

كما يسمعها كل العشاق وفي مقدمتهم "مولانا جلال الدين الرومي" بل يسمع أنواع الشكر للمنعم الرحمن، وأنواع الحمد تقدم إلى الحي القيوم.

وَرَقْهَارَا زَبَانْ دَارَنْدَ   هَمَه "هُو هُو" ذِكْرآرَنْد     بَه دَرْ مَعْنَاىِ: حَىُّ حَىْ

وإذْ صارت الأشجار أجساداً. فقد صارت الأوراق كذلك ألسنة. كل منها تردد بآلاف الألسنة ذكر اللّٰه بـ"هو.. هو.." بمجرد مسّ الهواء لها. وتعلن بتحيات حياته إلى صانعه الحي القيوم.

جُو "لاَ اِلٰهَ اِلاَّ هُو"   بَرَابَرْ مِيزَنْد هَرْ شَىْ

لأنَّ جميع الأشياء تقول: "لا إله إلا هو" وتعمل ضمن حلقة ذكر الكائنات العظمى..»([2])

رسالة تستنطق النجوم

«كنت يوماً على ذروة قمة من قمم جبل "جام" نظرت إلى وجه السماء في سكون الليل، وإذا بالفقرات الآتية تخطر ببالي، فكأنَّني استمعت خيالاً إلى ما تنطق به النجوم بلسان الحال.. كتبتُها كما خطرت دون تنسيق على قواعد النظم والشعر لعدم معرفتي بها.

واستمع إلى النجوم أيضاً، إلى حلو خطابها الطيب اللذيذ.

لترى ما قرّره ختم الحكمة النيّر على الوجود.

                         *        *        *

إنَّها جميعاً تهتف وتقول معاً بلسان الحق:

نحن براهين ساطعة على هيبة القدير ذي الجلال

                         *        *        *

نحن شواهد صدق على وجود الصانع الجليل وعلى وحدانيته وقدرته.

نتفرج كالملائكة على تلك المعجزات اللطيفة التي جمّلت وجه الأرض.

                         *        *        *

 

271
__________________________

 

فنحن أُلوفُ العيون الباصرة تطل من السماء إلى الأرض وترنو إلى الجنة.([3])

نحن أُلوف الثمرات الجميلة لشجرة الخلقة، علّقتنا يدُ حكمة الجميل ذي الجلال على شطر السماء وعلى أغصان درب التبانة.

                         *        *        *

فنحن لأهل السماوات مساجدٌ سيارة، ومساكنٌ دوّارة، وأوكار سامية عالية ومصابيح نوّارة وسفائن جبارة، وطائرات هائلة!

                         *        *        *

نحن معجزات قدرة قدير ذي كمال، وخوارق صنعة حكيم ذي جلال، ونوادر حكمة، ودواهي خلقة، وعوالم نور.

                         *        *        *

هكذا نبيّن مائة ألف برهانٍ وبرهان، بمائة ألف لسانٍ ولسان، ونُسمعها إلى مَن هو إنسان حقاً.

عميت عين الملحد لا يرى وجوهنا النيّرة، ولا يسمع أقوالنا البيّنة.. فنحن آيات ناطقة بالحق.

                         *        *        *

سكّتُنا واحدة، طُرتُنا واحدة، مسبّحاتٌ نحن عابداتٌ لربنا، مسخّراتٌ تحت أمره.

نذكر به تعالى ونحن مجذوبات بحبّه، منسوبات إلى حلقة ذكر درب التبانة..»([4])

 

272
__________________________

 

شجرة الدلب مثالاً

«لما كانت الكائنات في حكم شجرة، يمكن اتخاذها إذن مثالاً لإظهار حقائق الكائنات. فنأخذ هذه الشجرة الضخمة التي أمام غرفتنا، وهي شـجرة الـدُلب العـظيمة، بوصفها مثـالاً مـصغراً للكائـنات. وسنبين تجلي الأحدية في الكائنات بوساطتها، على النحو الآتي:

إنَّ لهذه الشجرة ما لا يقل عن عشرة آلاف ثمرة، ولكل ثمرةٍ ما لا يقل عن مئات من البذور المجنّحة، أي إن كل هذه الأثمار العشرة آلاف والمليون من البذور تكون موضع الإيجاد والإتقان في آن واحد، بينما توجد العقدةُ الحياتية في البذرة الأصلية لهذه الشجرة، وفي جذرها وفي جذعها، وهي شيءٌ جزئي ومشخّص من تجلي الإرادة الإلهية ونواةٌ من الأمر الرباني. وبهذا التجلي الجزئي تتكون مركزيةُ قوانين تشكيل الشجرة، الموجودةُ في بداية كل غصن وداخل كل ثمرة وجنب كل بذرة، بحيث لا تدع شيئاً ناقصاً لأي جزء من أجزاء الشجرة ولا يمنعها مانع.

ثم إن ذلك التجلي الواحد للإرادة الإلهية والأمر الرباني، لا ينتشر إلى كل مكان، كانتشار الضياء والحرارة والهواء، لأنه لا يترك أثراً في تلك المسافات البعيدة للأماكن التي يذهب إليها، وفي المصنوعات المختلفة، بل لا يُرى له أثر قط. إذ لو كان ذلك بالانتشار لبَانَ الأثر. وإنما يكون جنب كل جزء من الأجزاء دون تجزئة ولا انتشار. ولا تنافي تلك الأفعال الكلية أحديته وذاتيته.

لذا يصح أن يقال: إن ذلك التجليَ للإرادة وذلك القانونَ الأمري، وتلك العقدةَ الحياتية موجودةٌ جنب كل جزء من الأجزاء، ولا ينحصر في أي مكان أصلاً..»([5])

تأمُّل بالعربية

«بينما كنتُ متأملاً ومستغرقاً في تفكر يخص الأحدية، نظرت إلى ثمرات شجرة الدلب القريبة من غرفتي، فخطر إلى القلب تفكر متسلسل بعبارات عربية، فكتبتُه كما ورد بالعربية وسأذكر توضيحاً مختصراً له.

 

273
__________________________

 

فَالبُذُورُ وَالأثْمَارُ، والحُبُوبُ وَالأزهَارُ، مُعجِزَاتُ الحِكمَةِ، خَوَارِقُ الصَّنْعَةِ، هَدَايا الرَّحْمَةِ، بَرَاهينُ الوَحْدَةِ، شَوَاهِدُ لُطْفِهِ في دارِ الآخِرَةِ، شَوَاهِدُ صَادِقَةٌ بأنَّ خَلاَّقَهَا عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، وَبِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ. قَدْ وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ بِالرَّحْمَةِ وَالعِلْمِ وَالخَلْقِ وَالتَّدْبيرِ وَالصُّنْعِ وَالتَّصْوِيرِ. فَالشَّمسُ كَالبَذرَةِ وَالنَّجْمُ كَالزَّهْرَةِ وَالأرضُ كَالحَبَّةِ لا تَثْقُلُ عَلَيهِ بِالخَلْقِ وَالتَّدْبيرِ وَالصُّنعِ وَالتَّصْويرِ. فَالبُذُورُ وَالأثْمَارُ مَرَايا الوَحْدَةِ في أقْطَارِ الكَثْرَةِ، إشَاراتُ القَدَرِ، رُمُوزَاتُ القُدْرَةِ بِأنَّ تِلكَ الكَثْرَةَ مِنْ مَنْبَعِ الوَحْدَةِ، تَصْدُرُ شَاهِدَةً لِوَحْدَةِ الفَاطِرِ في الصُّنْعِ وَالتَصْويرِ. ثُمَّ إلى الوَحْدَةِ تَنْتَهي ذَاكِرَةً لِحِكمَةِ الصَّانِعِ في الخَلْقِ وَالتَّدْبيِرِ. وَتَلْوِيحاتُ الحِكْمَةِ بأنَّ خَالِقَ الكُلِّ بِكُلِّيَّةِ النَّظَرِ إلى الجُزْئيِّ يَنْظُرُ، ثَمَّ إلى جُزْئِهِ. إذْ إنْ كانَ ثَمَرَاً فَهُوَ المَقْصُودُ الأظهَرُ مِنْ خَلقِ هَذا الشَّجَرِ.

فَالبَشَرُ ثَمَرٌ لِهَذِهِ الكَائِنَاتِ، فَهُوَ المَقْصُودُ الأظْهَرُ لِخَالِقِ المَوْجُودَاتِ. والقَلبُ كَالنُّوَاةِ، فَهُوَ المِرآةُ الأنْوَرُ لِصَانِعِ المَخْلُوقَاتِ. وَمِنْ هذِهِ الحِكْمَةِ فَالإنسَانُ الأصْغَرُ في هذِهِ الكَائِناتِ هُوَ المَدَارُ الأظْهَرُ للنَّشْرِ وَالمحَشْرِ في هذِهِ المَوجُوداتِ، وَالتَّخْريبِ والتَّبْديلِ وَالتَّحويلِ وَالتَّجْديدِ لِهَذِهِ الكَائِناتِ.

ومبدأ هذه الفقرة العربية هو:

فَسُبْحانَ مَنْ جَعَلَ حَديقَةَ أرضِهِ مَشْهَرَ صَنْعَتِهِ، مَحْشرَ فِطْرَتِهِ، مَظْهَرَ قُدرَتِهِ، مَدَارَ حِكْمَتِهِ، مَزْهَرَ رَحْمَتِهِ، مَزْرَعَ جَنَّتِهِ، مَمَرَّ المَخْلُوقَاتِ، مَسِيلَ المَوجُودَاتِ، مَكيلَ المَصْنُوعَاتِ.

فَمُزَيَّنُ الحَيْوانَاتِ مُنَقَّشُ الطُّيوراتِ مُثَمَّرُ الشَّجَراتِ مُزَهَّرُ النَبَاتاتِ مُعْجِزَاتُ عِلمِهِ. خَوَارِقُ صُنْعِهِ، هَدايَا جُودِهِ، بَراهِينُ لُطْفِهِ.

تَبَسُّمُ الأزهَارِ مِنْ زينَةِ الأثْمَارِ، تَسَجُّعُ الأطيَارِ في نَسْمَةِ الأسْحَارِ، تَهَزُّجُ الأمطار عَلى خُدُودِ الأزهَارِ، تَرَحُّمُ الوالِدَاتِ عَلى الأطفَالِ الصِّغَارِ.. تَعَرُّفُ وَدُودٍ، تَوَدُّدِ رَحمن، تَرَحُّمُ حَنَّانٍ، تَحَنُّنُ مَنَّانٍ، للِجِنَّ وَالإنسَانِ، وَالرُّوحِ وَالحَيوَانِ، وَالمَلَكِ وَالجانِّ..»([6])

 

274
__________________________

------------------

[1]() انظر: العقد الجوهري في شرح ديوان الشيخ الجزري ص438.

[2]() الكلمات، الكلمة السابعة عشرة.

[3]() أي إن وجه الأرض مشتل أزاهير الجنة ومزرعتها، تعرض فيه ما لا يحد من معجزات القدرة الإلهية. ومثلما تتفرج ملائكة عالم السماوات وتشاهد تلك المعجزات، تشاهدها أيضاً النجوم التي هي بمثابة عيون الأجرام السماوية الباصرة، فهي كلما نظرت كالملائكة إلى تلك المصنوعات اللطيفة التي تملأ وجه الأرض، نظرت إلى عالم الجنة أيضاً، فتشاهد تلك الخوارق المؤقتة في صورتها الباقية هناك. أي إنها عندما تلقى نظرة إلى الأرض تلقى الأخرى إلى الجنة، بمعنى أن لها إشرافاً على ذينك العالَمين معاً. (المؤلف)

[4]() الكلمات، الكلمة السابعة عشرة.

[5]() الكلمات، الكلمة الثانية والثلاثون، المقصد الثاني.

[6]() الكلمات، الكلمة الثانية والثلاثون، خاتمة المقصد الثاني.

 

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet