رسائل من سجن أفيون

حكمة السَوق القدري

«إخوتي الأعزاء الأوفياء!

لا أعزيكم بل أهنئكم، إذ مادام القدر الإلهي قد ساقنا إلى هذه المدرسة اليوسفية الثالثة لحكمة اقتضاها، وأنه سيطعمنا قسماً من أرزاقنا دعتنا إلى هنا، ومادامت تجاربنا القاطعة قد علّمتنا -لحد الآن- أن العناية الإلهية لطيفة بنا وقد جعلتنا ننال سر الآية الكريمة: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾(البقرة:216)، وأن إخواننا الحديثي العهد في المدرسة اليوسفية هم أحوج الناس إلى السلوان الذي تورثه رسائل النور،

 

471
__________________________

 

وأن العاملين في دوائر العدل هم أشد حاجة من الموظفين الآخرين إلى القواعد والدساتير السامية التي تتضمنها رسائل النور، وأن أجزاء هذه الرسائل تؤدى لكم مهمتكم خارج السجن وبكثرة كاثرة، وأن فتوحاتها لا تتوقف، وأن كل ساعة فانية هنا في السجن تصبح بمثابة ساعات من العبادة الباقية... ينبغي لنا -وفق النقاط المذكورة- أن نتجمل بالصبر والثبات شاكرين خالقنا مستبشرين إزاء هذه الحادثة».([1])

تحولت المصائب إلى أخف حالاتها

«إخوتي الأعزاء الأوفياء!

أولاً: لا تتألموا على الإهانات والأذى التي ينـزلونها بشخصي بالذات، لأنهم لا يستطيعون أن يجدوا نقصاً في رسائل النور، فينشغلون بشخصي الاعتيادي المقصّر كثيراً. فأنا راضٍ عن هذا الوضع. بل لو وجدت ألوفاً من الإهانات والتحقير والآلام والبلايا الشخصية لأجل سلامة رسائل النور وظهور قيمتها لشكرت اللّٰه شكراً مكللاً بالفخر، وذلك مقتضى ما تعلمته من درس النور. لذا لا تتألموا عليّ من هذه الناحية.

ثانياً: إن هذا التعدي السافر الواسع النطاق والهجوم الشديد الظالم، قد خف حالياً من العشرين إلى الواحد فلقد جمعوا بضع أشخاص بدلاً من ألوف الخواص -من طلاب النور- وجمعوا عدداً محدوداً من إخوة جدد بدلاً من مئات الألوف من المهتمين بالرسائل المرتبطين بها. مما يعني أن المصيبة قد تحولت إلى أخف حالاتها بالعناية الإلهية».([2])

ما يورث الانشغال بالرسائل

«إخوتي الأعزاء الأوفياء!

إن رسائل النور تواجهكم وتقابلكم بدلاً مني، فهي ترشد وتعلّم تعليماً جيداً إخواننا الجدد المشتاقين لدروس النور. ولقد ثبت بالتجارب أن الانشغال برسائل النور سواءً قراءتها أو استقراءها أو كتابتها يورث الفرح للقلب والراحة للروح والبركة في الرزق والصحة للجسد.

وقد أنعم اللّٰه عليكم حالياً ببطل من أبطال النور وهو "خسرو" وستكون المدرسة اليوسفية أيضاً موضع دراسة مباركة لمدرسة الزهراء إن شاء اللّٰه.

 

472
__________________________

 

إنني كنت إلى الآن أُخفي خسرو ولا أظهره إلى أهل الدنيا، إلاّ أن المجموعات التي نشرت قد أظهرته إظهاراً لا لبس فيه لأهل الدنيا، فلم يبق شيء للإخفاء. ولهذا أظهرت بضعاً من خدماته إلى بعض الإخوة الخواص. وسوف نبين -أنا وهو- الحقيقة إن لزم الأمر بعينها ولا نخفى شيئاً».([3])

محاورة مع خادم القرآن

«إخوتي الأعزاء الأوفياء وزملائي في السجن!

أولاً: لا تقلقوا من عدم التقاء بعضنا بالبعض الآخر، فنحن نتواجه معنىً في كل وقت. فإن قرأتم أيّة رسالة تحصلون عليها أو تستمعون إليها، فإنكم تشاهدونني وتتحاورون معي خلال تلك الرسالة بصفة خادم القرآن العظيم بدلاً من شخصي الاعتيادي. علماً أنني كذلك أواجهكم خيالاً في جميع أدعيتي وفي كتاباتكم وعلاقاتكم. وحيث إننا معاً ونعمل ضمن دائرة واحدة، فكأننا نتقابل دائماً.

ثانياً: نقول للقادمين الجدد من طلاب رسائل النور في هذه المدرسة اليوسفية الحديثة:

لقد ثبت بحجج قوية وبإشارات قرآنية أوقفت الخبراء وألجأتهم إلى الاستسلام: "أن طلاب النور الصادقين ستختم حياتهم بالحسنى ويدخلون القبر بالإيمان.. وأن كل طالب -حسب درجته- يكون شريكاً لمكاسب جميع إخوانه المعنوية ولأدعيتهم، وذلك بفيض أنوار الاشتراك المعنوي النوري، كأنه يؤدى العبادة ويستغفر بألف لسان".

فهاتان الفائدتان والنتيجتان المهمتان، وفي هذا الزمان العجيب تزيلان جميع الصعاب والمشقات. وهكذا تربح رسائل النور طلابها هذين الربحين العظيمين بثمن زهيد جداً.»([4])

لا تتفوهوا بكلام جارح

«إخوتي الأعزاء الأوفياء!

إن سبب سدّهم اليوم نوافذي ودقّها بالمسامير هو عزلي عن المسجونين وقطع تبادل السلام والتحيات فيما بيننا، إلاّ أنهم أبدوا حجة تافهة ظاهرية أخرى، فلا تقلقوا. بل إن انشغالهم بشخصي الذي لا أهمية له، وانصرافهم عن شد الخناق على رسائل النور وطلابها،

 

473
__________________________

 

وإنزالهم الإهانات والعذاب بي، وإيلامي قلباً وحقيقةً مع عدم تعرضهم لرسائل النور يجعلني في رضىً عن هذا الوضع بل أشكر ربي صابراً فلا أضطرب ولا أقلق أبداً وأنتم كذلك لا تتألموا. فإني على قناعة من أن صرف أعدائنا المتسترين أنظار الموظفين في السجن إلىّ فيه عناية إلهية وخير من حيث سلامة ومصلحة رسائل النور وطلابها.

فعلى بعض الإخوة ألاّ يحتدّوا ولا يتفوّهوا بكلام جارح يمسّ شعورهم، وليأخذوا حذرهم في حركاتهم وسكناتهم، دون إبداء القلق والاضطراب. ولا يفتحوا الموضوع عن هذه المسألة أمام كل أحد، لأن هناك جواسيس يحرّفون كلام إخوتنا السذج والجدد الذين لم يتعلموا بعدُ أخذ الحذر ويصرفون كلامهم إلى معاني مغايرة ويستهولون الأمور التافهة، ويخبرون المسؤولين بها. إن وضعنا الحاضر كله جدّ لا هزل فيه. ومع هذا فلا تضطربوا قطعاً واعلموا أننا تحت رعاية العناية الإلهية وقد عزمنا على مجابهة جميع المشقات بالصبر الجميل بل بالشكر العظيم للّٰه. فنحن مكلفون بالشكر لأن درهماً من التعب والمشقة يورث طناً من الثواب والرحمة».([5])

أُودع شؤوني إليكم

«إخوتي الأعزاء الأوفياء!

لقد أودعت جميع أعمال الدفاع إلى طلاب النور الأركان الذين قدموا والذين سيقدمون إلى هنا وذلك بناء على سببين مهمين وبإخطار قوي، فاضطررت إلى هذا الأمر قلباً. أودعها بخاصة إلى كل من خسرو، رأفت، طاهر، فيضي، صبرى.

السبب الأول: لقد علمت قطعاً من دائرة التحقيق، ومن أمارات عديدة، أنهم يحاولون إحداث مشكلات ضدي، بكل ما لديهم من قوة، والتهرب من ظهوري وغلبتى عليهم فكراً، ولهم في ذلك إشعار رسمي. فكأنني إذا تكلمت بشيء فسأبين قدرة علمية وقابلية سياسية بحيث ألزم المحاكم الحجة وأُسكت السياسيين، لأجل ذلك يمنعونني عن الكلام بمعاذير واهية. حتى إنني أثناء التحقيق أجبت عن أحد الأسئلة قائلاً: لا أتذكر. فتعجب الحاكم وحار في الأمر وقال: كيف ينسى شخص مثلك يملك ذكاءً وعلماً فوق المعتاد؟

 

474
__________________________

 

نعم، إنهم يعتقدون أن رفعة شأن رسائل النور وتحقيقاتها العلمية الدقيقة من بنات أفكارى. ومن هنا يأخذهم العجب والحيرة، فلا يريدونني أن أتكلم مع أحد، وكأن كل من يقابلني ويواجهني سيكون مباشرة طالباً غيوراً من طلاب النور! ولهذا يمنعونني من المقابلة مع أي أحد كان. حتى إن رئيس الشؤون الدينية قال: "كل من يقابله ينجذب إليه، إن جاذبيته قوية".

بمعنى أن مصلحتنا تقتضي أن أودع شؤوني إليكم الآن. وما لديكم من دفاعاتي القديمة والجديدة تشترك بدلاً عني في مشاوراتكم بعضكم مع بعض، فهي كافية لهذا الأمر».([6])

مضاعفة الثواب

«إخوتي الأعزاء الصديقين!

انتابني اليوم قلق وحزن لأجلكم بإخطار معنوي وَرَدَ إلى القلب، فلقد حزنت لأحوال إخواننا الذين يرغبون في الخروج حالاً من السجن من جراء قلقهم على هموم العيش. وفي الدقيقة التي فكرت في هذا، وردت خاطرة ميمونة إلى القلب مع حقيقة وبشرى هي أنه: 

ستحل الشهور الثلاثة المباركة جداً الحاملة لأثوبة عظيمة بعد خمسة أيام فالعبادات مثابة فيها بأضعافها، إذ الحسنة إن كانت بعشر أمثالها في سائر الأوقات ففي شهر رجب تتجاوز مائة حسنة وفي شهر شعبان تزيد على ثلاثمائة حسنة، وفي شهر رمضان المبارك ترتفع إلى الألف حسنة، وفي ليالي الجمع فيه إلى الآلاف، وفي ليلة القدر تصبح ثلاثين ألف حسنة. نعم، إن الشهور الثلاثة سُوق أخروية سامية رفيعة للتجارة، بحيث تُكسِب المرء هذه الأرباحَ والفوائد الأخروية الكثيرة جداً.. وهي مشهر عظيم ومعرض ممتاز لأهل الحقيقة والعبادة.. وهي التي تضْمن عمراً لأهل الإيمان بثمانين سنة خلال ثلاثة شهور.. فقضاء هذه الشهور الثلاثة في المدرسة اليوسفية التي تكسب ربحاً بعشرة أمثالها. لا شك أنه ربح كبير وفوز عظيم. فمهما كانت المشقات فهي عين الرحمة.

فكما أن الأمر هكذا من حيث العبادة، فهي كذلك من حيث الخدمة النورية والعمل لنشر رسائل النور، إذ تتضاعف الخدمات إلى خمسة أضعافها باعتبار النوعية إن لم تكن باعتبار الكمية،

 

475
__________________________

 

لأن القادمين والمغادرين لدار الضيافة هذه (السجن) يصبحون وسائط لنشر دروس النور، وقد ينفع أحياناً إخلاص شخص واحد بمقدار عشرين شخصاً. ثم إن كان هناك شيء من المشقات والمضايقات فلا أهمية له إزاء انتشار سر الإخلاص الموجود في رسائل النور بين صفوف المسجونين الذين هم أحوج الناس إلى ما في الرسائل من سلوان ولاسيما ممن تسري في عروقهم بطولات سياسية.

أما من حيث هموم العيش، فمن المعلوم أن هذه الشهور هي سُوق الآخرة وقد دخل بعضكم هذا السجن بدلاً عن الكثيرين من الطلاب، بل إن بعضكم قد دخله بدلاً عن الألف. فلا شك أنه ستكون لهم مساعدات وإمدادات لأعمالكم الخارجية.

هكذا وردت الخاطرة وفرحتُ بها فرحاً تاماً وعلمت أن البقاء هنا إلى العيد نعمة إلهية عظيمة».([7])

حول فكرة المهدية

«هناك أمارات أعلمُ منها أن أعداءنا الخفيين يحاولون النيل من رسائل النور والتقليل من قيمتها، فينشرون وَهْم وجود فكرة المهدية -من الناحية السياسية- فيها ويدّعون أن رسائل النور وسيلة لهذه الفكرة، ويبحثون ويدققون عسى أن يعثروا على سند لهم لهذه الأوهام الباطلة. ولعل العذاب الذي أتعرض له نابع من هذه الأوهام. وأنا أقول لهؤلاء الظالمين المتسترين وللذين يسمعون لهم ويعادوننا:

"حاش!... ثم حاش!... إنني لم أقم بمثل هذا الادعاء، ولم أتجاوز حدي ولم أجعل الحقائق الإيمانية وسيلة شخصية أو أداة لنيل الشهرة والمجد، وإن السنوات الثلاثين الأخيرة خاصة من عمري البالغ خمسة وسبعين عاماً تشهد وتشهد رسائلُ النور البالغة مائة وثلاثين رسالة، ويشهد الآلاف من الأشخاص الذين صادقوني حق الصداقة بهذا.

أجل، إن طلاب النور يعرفون هذا، كما أنني سردت الحجج التي أظهرت في المحاكم أنني لم أسْعَ من أجل مقام أو مرتبة لشخصي أو من أجل الحصول على مرتبة أو مقام أو شهرة معنوية أو أخروية، بل سعيت بكل ما أملك من قوة لتوفير خدمة إيمانية لأهل الإيمان،

 

476
__________________________

 

وربما كنت مستعداً لا للتضحية بالمراتب الدنيوية الفانية وحدها بل -إن لزم الأمر- بالتضحية حتى بالمراتب الأخروية الباقية لحياتي في الآخرة، مع أن الجميع يسعون للحصول على هذه المراتب، ويعلم أصدقائي المقربون بأنني -إن لزم الأمر- أقبل ترك الجنة والدخول إلى جهنم من أجل أن أكون وسيلة لإنقاذ بعض المساكين من أهل الإيمان([8]) وقد ذكرت هذا وبرهنت عليه في المحاكم من بعض الوجوه، ولكنهم يرومون بهذا الاتهام إسناد عدم الإخلاص لخدمتي الإيمانية والنورية، ويرومون كذلك التقليل من قيمة رسائل النور وحرمان الأمة من حقائقها.

أيتوهم هؤلاء التعساء أن الدنيا باقية وأبدية؟ أم يتوهمون أن الجميع مثلهم يستغلون الدين والإيمان في مصالح دنيوية؟ إن هذا التوهم يقودهم إلى الهجوم على شخص تحدى أهل الضلالة في الدنيا وضحى في سبيل خدمة الإيمان بحياته الدنيوية، وهو مستعد للتضحية بحياته الأخروية إن لزم الأمر في سبيل هذه الخدمة. وأنه غير مستعد لأن يستبدل ملك الدنيا كلها بحقيقة إيمانية واحدة، كما صرح في المحاكم، ويقودهم إلى الهجوم على شخص هرب بكل قوته من السياسة ومن جميع مراتبها المادية منها وما يشمّ منها معنى السياسة سواءً أكانت من قريب أو بعيد وذلك بسر الإخلاص، وتحمّل عذاباً لا مثيل له طوال عشرين عاماً، ومع ذلك لم يتنـزل -حسب المسلك الإيماني- إلى السياسة. ثم إنه يعد شخصه من جهة النفس- أقل مرتبة من كثير من طلابه، لذا فهو ينتظر دوماً دعاءهم واستغفارهم له، ومع أنه يعد نفسه ضعيفاً وغير ذي أهمية، إلا أن بعض إخوانه الخلص أسندوا إليه في رسائلهم الخاصة بعضاً من فضائل النور، وذلك لكونه ترجماناً للفيوضات الإيمانية القوية التي استمدوها من رسائل النور، ولم يخطر ببالهم في ذلك أي معنى سياسي، بل على مجرى العادة، ذلك لأن الإنسان قد يخاطب شخصاً عادياً ويقول له: "أنت ولي نعمتي... أنت سلطاني". أي يعطون له -من زاوية حسن الظن- رتباً عالية لا يستحقها، وهي أكثر ألف مرة من رتبته ومن قيمته. وكما هو معلوم فإن هناك عادة قديمة جارية مقبولة -لم يعترض عليها أحد- فيما بين الطلاب وبين أساتذتهم وهي قيام الطلاب بمدح مبالغ فيه لأساتذتهم قياماً منهم بحق الشكر، ووجود بعض التقاريظ والمدح المبالغ فيه في خاتمة الكتب المقبولة..

 

477
__________________________

 

فهل يعد هذا ذنباً بأي وجه من الوجوه؟ صحيح أن المبالغة تعد في جانب منها مخالفة للحقيقة، ولكن شخصاً مثلي ليس له أحد، ويعاني من الغربة ما يعاني، وله أعداء كثيرون، وهناك أسباب عديدة لكي يبتعد عنه معاونوه ومساعدوه… أفيستكثر علىّ هؤلاء البعيدون عن الإنصاف أن أشدّ من الروح المعنوية لهؤلاء المساعدين والمعاونين ضد المعارضين العديدين، وأن أنقذهم من الابتعاد والهرب وأحُول دون كسر حماستهم المتجلية في مديحهم المبالغ فيه، وأن أُحَوّل هذا المديح إلى رسائل النور ولا أردهم رداً كاملاً وقاطعاً؟ وهكذا يظهر مدى ابتعاد بعض الموظفين الرسميين عن الحق أو عن القانون وعن الإنصاف عندما يحاولون أن ينالوا من الخدمة الإيمانية التي يؤديها شخص بلغ من العمر عتياً وهو على أبواب القبر، وكأن هذه الخدمة مسخرة لغرض من أعراض الدنيا.

إن آخر ما نقول: لكل مصيبة ﴿إِنَّا للّٰه وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾"».([9])

قراءة الرسائل لا تورث السأم

«بينما كنت أتأسف في هذه الأيام على اشتغال ذهني جزئياً بالدفاعات أمام المحاكم، ورد إلى القلب ما يأتي:

إن ذلك الانشغال هو كذلك اشتغال علمي، إذ هو خدمة في سبيل نشر الحقائق الإيمانية وتحقيق حريتها وانكشافها؛ فهو نوع من العبادة من هذه الجهة.

وأنا بدوري كلما وجدت ضيقاً في نفسي باشرت بمطالعة مسائل النور بمتعة ولذة، رغم أنى اطلعت عليها مائة مرة. حتى وجدت "الدفاعات" هي كذلك مثل رسائل النور العلمية.

ولقد قال لي أحد إخواني: "إنني أشعر بشوق وحاجة إلى تكرار قراءة «رسالة الحشر» وإن كنت قد قرأتها ثلاثين مرة".([10])

فعرفت من كلامه هذا: أن رسائل النور التي هي مرآة عاكسة لحقائق القرآن الكريم وتفسير قيم أصيل له، قد انعكست فيها أيضاً مزية رفيعة للقرآن الكريم ألاَ وهي عدم السأم من قراءتها».

 

478
__________________________

 

بث السلوان

«إخوتي الأعزاء الصدّيقين!

إن أنجع علاج في هذه الدنيا، ولا سيما في هذا الزمان، وبخاصة للمبتلين بالمصائب، ولطلاب النور الذين انتابهم ضجر شديد ويأس قاتم هو تسلية أحدهم الآخر، وإدخال السرور في قلبه، وإمداد قوته المعنوية وضماد جراحات الضيق والحزن والسأم، وتلطيف قلبه المغموم، كأخ حقيقي مضح. إذ الأخوة الحقة والأخروية التي تربطكم لا تتحمل التحيز والإغاظة.

فأنا أعتمد عليكم كلياً وأستند إليكم، وأنتم على علم بقراري وعزمي بأنني عازم على أن أضحى مسروراً لأجلكم أنتم بروحي، لا براحتي وشرفي فحسب، بل قد تشاهدون هذا مني فعلاً، حتى إنني أقسم لكم: إنه منذ ثمانية أيام يتألم قلبي من عذاب شديد، من جراء حادثة تافهة سببت دلالاً ظاهرياً بين ركنين من أركان النور فأحزن أحدُهما الآخرََ بدلاً من  أن يكونا مبعث سلوان. فصرختْ روحي وقلبي وعقلي معاً، وبكت قائلة: "أواه! أواه! الغوث الغوث يا أرحم الراحمين، احفظنا وأجرنا من شياطين الجن والإنس، واملأ قلوب إخواني بالوفاء التام والمحبة الخالصة والأخوّة الصادقة والشفقة الكاملة".

فيا إخوتي الثابتين الصلبين صلابة الحديد! أعينوني في مهمتي! فإن قضيتنا في منتهى الدقة والحساسية، فلقد سلمت إلى شخصكم المعنوي جميع مهماتي، لشدة ثقتي واطمئناني بكم، فعليكم إذن أن تسعوا -ما وسعكم- لإمدادي وعوني، فعلى الرغم من أن الحادثة تافهة جزئية، فإن وقوع شعرة، مهما كانت صغيرة في عيننا تؤلم، وفي ساعتنا توقفها..»([11])

الحذر من اهتزاز المحبة

«إخواني الأوفياء المخلصين!

لقد تحتم علينا بدرجة الوجوب استعمال دساتير لمعة الإخلاص وسر الإخلاص الحقيقي فيما بيننا وتجاه بعضنا البعض الآخر، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وبكل ما نملك من قوة. إذ علمت بخبر يقيني أنه قد عُيّن ثلاثة أشخاص، منذ ثلاثة شهور،

 

479
__________________________

 

ليُلقوا الفتور فيما بين الإخوة الأوفياء هنا باستغلال اختلاف الأفكار والمشارب فيما بينهم، وعاملين على تثبيط عزائم الأقوياء منكم، وبث الشبهات والأوهام والخوف في قلوب الرقيقين منهم، القليلي الصبر والتحمل، لجعلهم يتخلون عن القيام بخدمة النور ليمددوا مدة محاكمتنا دون سبب.

فحذار.. حذار! وإياكم أن تهتز تلك المحبة الصميمية الصادقة التي ربطت قلوبكم، إذ إن اهتزازاً طفيفاً في الأخوّة والمحبة بقدر ذرة واحدة تضرنا أيّما ضرر. لأن بعض علماء الدين في "دنيزلي" قد ابتعدوا عنا بسبب تزعزع طفيف ونحن نضحي بأرواحنا رخيصة في سبيل أخوّتنا إن استوجب الأمر، وهذا ما تقتضيه خدمتنا القرآنية والإيمانية. لذا فلا يضجرنّ أحد من الآخر مما يسببه توتر الأعصاب الناجم عن الضيق الشديد ومن أي سبب آخر، بل ليسعَ كل منكم بزيادة محبته لأخيه وزيادة صميميته وإخلاصه له وليحمّل نفسه التقصير بكمال التواضع والتسليم، وإلا فسوف نتضرر عظيم الضرر، إذ تصبح الحبة الصغيرة قبة عظيمة تستعصي على الإصلاح. أختصر الكلام هنا محيلاً الموضوع إلى فراستكم».([12])

أفضل مكان للاجتماع

«إخوتي الأعزاء الصدّيقين الثابتين في خدمة القرآن، يا من لا يتهربون منا من شدة الضيق!

أحزنتني نفسي الآن في التفكير لأجلكم، جراء ضيق مادي ومعنوي، ولكن.. إذا بخاطر يرد إلى القلب وهو أنكم لو تحملتم عشرة أضعاف هذه المشقات والمتاعب وبصورة أخرى لكانت زهيدة في سبيل لقاء أحد من الإخوة هنا لقاء عن قرب.

ثم من الضرورة بمكان أن يكون لطلاب النور كل بضع سنين اجتماع يجتمعون فيه دفعة واحدة، كما كان أهل الحقيقة سابقاً يجتمعون مرة أو مرتين كل سنة ويديمون فيه مسامراتهم ومحاوراتهم على وفق مشرب رسائل النور المكلل بالتقوى والرياضة الروحية، ومسلكها المتسم بإلقاء الدروس إلى الناس كافة وإلى المحتاجين خاصة بل حتى إلى المعارضين، ولأجل إنطاق الشخص المعنوي في دائرتها، فالمدرسة اليوسفية هذه أفضل مكان لطلاب النور وملائم جداً لهذه الأغراض، بحيث تهون أمامه المشقات حتى لو كانت ألف مشقة وضيق.

إن اجتناب بعض إخوتنا الضعفاء وانسحابهم من ميدان العمل للنور لسآمتهم في سجوننا السابقة كان خسارة جسيمة لحقت بهم، بينما لم يلحق أي ضرر برسائل النور وطلابها، بل انضم بدلاً منهم من هو أكثر ثباتاً وإخلاصاً منهم.

وحيث إن امتحان الدنيا عابر ويمضي بسرعة، ويسلّم لنا ثوابه وثمراته، فعلينا الاطمئنان إلى العناية الإلهية شاكرين ربنا من خلال الصبر».([13])

 

480
__________________________

 

 

 

 

أُضحي بكل شيء في سبيل النور

«إخوتي الأعزاء الصديقين!

نبارك من كل قلوبنا وأرواحنا حلول شهر رمضان المبارك ونسأله تعالى أن يجعل ليلة القدر لكم خيراً من ألف شهر. آمين.. ويقبلها سبحانه منكم في حكم ثمانين سنة من العمر المقضي بالعبادة.. آمين.

إنني أرضى بجميع المشقات الآتية على شخصي وبكل سرور وامتنان وبكل ما أملك من روح وجسد بل حتى بنفسي الأمارة، في سبيل سلامة رسائل النور وسلامتكم أنتم. فكما أن الجنة ليست رخيصة فإن جهنم كذلك ليست زائدة عن الحاجة.

ولما كانت الدنيا ومشقاتها فانية وماضية عابرة بسرعة، فإن المظالم التي ينـزلها بنا أعداؤنا المتسترون سننتقم منهم ونثأر لأنفسنا بأضعاف أضعافها بل بمائة ضعف، وذلك في المحكمة الكبرى وجزء منها في الدنيا.

فنحن بدلاً من الحقد والغضب عليهم نأسف على حالهم.

فما دامت الحقيقة هي هذه، فعلينا التوكل على اللّٰه والاستسلام لما تجري به المقادير الإلهية والعناية الإلهية التي تحمينا، من دون أن يساورنا القلق. مع أخذ الحذر، والتحلي بالصبر الجميل والشكر الجزيل، وشدّ أواصر المحبة ووشائج الألفة والمسامرة المباركة مع إخوتنا هنا في الأيام المباركة لهذا الشهر المبارك شهر رمضان، وقضائه في جوّ من الأخوّة الخالصة والسلوان الجميل والترابط الوثيق، والانشغال بالأوراد في هذا الشهر الذي يرفع الثواب إلى الألف،

 

481
__________________________

 

ومحاولة عدم الاكتراث بهذه المضايقات الجزئية العابرة الفانية بل الانهماك بدروسنا العلمية، وذلك حظ عظيم يؤتيه اللّٰه من يشاء.

هذا وإن دروس النور المؤثرة تأثيراً جيداً في هذا الامتحان العسير واستقراءها حتى للمعارضين فتوحات نورية لها أهميتها وقيمتها.

حاشية: إن إنكار بعض إخواننا كونه طالباً من طلاب النور دون ما حاجة إلى ذلك ولاسيما (...) وسترهم لخدماتهم النورية الجليلة السابقة من دون ضرورة، رغم أنه عمل سيئ. إلاّ أن خدماتهم السابقة تدعونا إلى الصفح عنهم وعدم الاستياء منهم».([14])

التفسير نوعان

«إخوتي الأعزاء الصديقين!

أولاً: ربما كان عدد منا يسافر لأداء فريضة الحج في هذه السنة لو كان السفر إليه حراً مسموحاً به.([15]) نسأل اللّٰه تعالى أن يقبل نياتنا هذه وكأننا سافرنا إلى الحج فعلاً، ويمنح خدمتنا الإيمانية والنورية ثواباً عظيماً كثواب الحج ونحن نعاني هذه الأحوال المليئة بالمضايقات والمشقات.

ثانياً: إن رسائل النور تفسير قيم وحقيقي للقرآن الكريم. لقد كررنا هذا الكلام. وخطر الآن للقلب بيان حقيقته وذلك لعدم وضوح معناه الحقيقي:

التفسير نوعان:

الأول: التفاسير المعروفة التي تبين وتوضح وتثبت معاني عبارات القرآن الكريم وجمله وكلماته.

القسم الثاني من التفسير: هو إيضاح وبيان وإثبات الحقائق الإيمانية للقرآن الكريم، إثباتاً مدعماً بالحجج الرصينة والبراهين الواضحة. ولهذا القسم أهمية كبيرة جداً.

أما التفاسير المعروفة والمتداولة فإنها تتناول هذا النوع الأخير من التفسير تناولاً مجملاً أحياناً.

 

482
__________________________

 

إلاّ أن رسائل النور اتخذت هذا القسم أساساً لها مباشرة. فهي تفسير معنوي للقرآن الكريم بحيث تلزم أعتى الفلاسفة وتسكتهم».([16])

لا نظير لترابطكم

«إخواني الأعزاء الصديقين!

لقد طُرح عليّ سؤال ذو مغزى هام، من مصدر هام جداً. فقد سألوني ما يلي:

على الرغم من أنكم لستم جمعية؛ وذلك بشهادة ثلاث محاكم أصدرت حكمها بالبراءة بهذا الصدد؛ وبعد أن أخذت ست ولايات على عاتقها مهمة الرصد والتجسس طوال عشرين عاماً، وتبيّن لها في النهاية أن لا علاقة لكم بتلك التهمة، وأنها مختلَقَة من أساسها.. على الرغم من ذلك كله، فإن العلاقة التي تربط "طلاب النور" بعضهم ببعض لا يوجد لها نظير في أي جمعية أو هيئة.. فهلا تفضلتم بإيضاح هذه المسألة وحل تلك المعضلة؟ فأجبتهم قائلاً:

نعم، إن طلاب النور ليسوا جمعية أو شبه جمعية، ولن يكونوا.. خاصة وأنهم يربأون بأنفسهم عن أن ينتموا إلى ذلك النوع من الجمعيات التي تتشكَّل لأغراض شخصية أو جماعية، مستهدفة كسب المنافع السياسية أو الدنيوية -إيجابية كانت تلك المنافع أم سلبية- بيد أن أبناء وبنات وأحفاد أبطال هذا الوطن القدامى من فدائيي الإسلام، الذين قدّموا ملايين الأرواح -بكمال المسرّة والرضى- في سبيل نيل مرتبة الشهادة، لا بد أنهم قد ورثوا حظاً من روح تلك التضحية والفداء حتى أظهروا تلك العلاقة الخارقة التي دفعت أخاهم هذا العاجز الضعيف إلى القول أمام محكمة "دنيزلي":

إن الحقيقة التي افتدتها ملايين الأبطال برؤوسهم، فداء لها رؤوسنا أيضا.

قال هذه الجملة باسمهم، وأسكت المحكمة، تاركاً إياها في حيرة وتقدير وذهول.

بمعنى أن في طلاب النور فدائيين حقيقيين خالصين مخلصين للّٰه لا يريدون إلاّ وجهه ونيل رضاه والحياة الآخرة. فلم يجد الماسونيون والشيوعيون وأهل الضلالة والإفساد والزندقة والإلحاد والطاشناق وأمثالهم من المنظمات الخطرة،

 

483
__________________________

 

وسيلة لدحر أولئك النوريين فغرروا بالحكومة ودوائر العدلية بوساطة قوانين مطاطة بغية تشتيتهم وكسر شوكتهم.. ألا حبطت أعمالهم! فلا ينالون شيئا منهم بإذن اللّٰه بل سيكونون وسيلة لزيادة عدد الأبطال المضحين للنور والإيمان».([17])

لا بد من الامتحان والتمحيص

«إخواني الأعزاء ذوي الشفقة والوفاء!

لقد اشتد عليّ منذ يومين أثر الرشحة (الزكام) سواء في رأسي وفي أعصابي. ففي مثل هذه الحالات أشعر بحاجة إلى الأُنس بالأصدقاء والتسلي بلقائهم، ولكن ضايقتني وحشة الانفراد والتجريد العجيب مضايقة شديدة، فورد إلى القلب شكوى على هذه الصورة.

لِمَ هذا التعذيب؟ وما فائدته لخدمتنا في سبيل القرآن والإيمان؟

وفجأة أُخطر للقلب صباح هذا اليوم، الآتي:

إن دخولكم هذا الامتحان القاسي، وتمييزكم الدقيق في المحك مرات عدة ليخلص الذهب عن النحاس، واختباركم من كل جانب وناحية بتجارب ظالمة لمعرفة مدى بقاء حظوظ نفوسكم الأمارة ودسائسها ومن ثم تمحيصكم بثلاث ممحصات، كان ضرورياً جداً لخدمتكم التي هي خالصة لوجه الحق والحقيقة، لذا سمح القدر الإلهي والعناية الربانية به، لأن الإعلان عن هذه الخدمة السامية، في ميدان امتحان كهذا، تجاه معارضين عنيدين ظَلَمة يتشبثون بأتفه حجة.. جعل الناس يفهمون أن هذه الخدمة القرآنية نابعة من الحق والحقيقة مباشرة، ولا تداخلها حيلة ولا خداع ولا أنانية ولا غرور، ولا غرض شخصي ولا منافع دنيوية وأخروية، إذ ما كان عوام المؤمنين يثقون بها لولا هذا الامتحان، حيث كان لسان حالهم يقول: ربما يقولون ليغرروا بنا ويخدعونا. ويرتاب خواص المؤمنين ويقولون: ربما يعملون هكذا وصولاً إلى مقامات معينة، وكسباً لثقة الناس بهم ونيلاً للإعجاب، كما يفعله بعض أهل المقامات المعنوية. وعندئذ لا يثقون بالخدمة. ولكن بعد الابتلاء، اضطر حتى أعتى عنيد مرتاب إلى التسليم بالأمر. لذا إن كانت مشقتكم واحدة فإن ربحكم ألف إن شاء اللّٰه».([18])

 

484
__________________________

 

سلوان ذو حقيقة يزيل مصائبي المضجرة

«الأول: تحوُّل المشقات إلى رحمات ومسرات.

الثاني: الانشراح النابع من الرضى والتسليم لعدالة القدر الإلهي.

الثالث: السرور الناشئ من رعاية العناية الإلهية الخاصة بطلاب النور.

الرابع: اللذة الناشئة من زوال المصيبة التي هي عابرة.

الخامس: الأثوبة العظيمة.

السادس: عدم التدخل في مشيئة اللّٰه.

السابع: حصول أخف الجراحات وأقل المشقات عند أشد الهجوم شراسة.

الثامن: تضاؤل المصيبة بدرجات كثيرة بالنسبة للمبتلَيْنَ الآخرين.

التاسع: الفرح المنبعث من تأثير الإعلانات الرفيعة عن الانتهاء من الامتحان العسير في خدمة النور والإيمان.

فهذه المسرات المعنوية التسع، علاج لذيذ ومرهم لطيف إلى حدّ لا يمكن تعريفه لتهدئة آلامنا الشديدة».([19])

ما يقوله القدر لنا

«إخوتي الأعزاء الصديقين!

أولاً: إن أفضل مكان لنا هو السجن في زمن حكم وزارة مستبدة تمنع الحج وتهدر ماء زمزم وتحظره، وتسمح بإنزال أشد الظلم بنا، ولا تكترث بمصادرة "ذو الفقار" و"سراج النور" وترفع درجة الموظفين الذين يتولون تعذيبنا قصداً، وبلا سند قانوني، ولا تلقي السمع إلى أصواتنا المرتفعة ولا إلى بكائنا بكاء المظلومين المنطلق من مساكننا بلسان الحال. إن أفضل مكان لنا في فترة حكم هذه الوزارة هو السجن. إلاّ أنه إذا نُقلنا إلى سجن آخر فستحل السلامة كلياً.

 

485
__________________________

 

ثانياً: كما أنهم حملوا أبعد الناس عنا بالإكراه على قراءة أخص الرسائل سرية. كذلك يدفعوننا دفعاً وبإصرار لنشكل جمعية. لأن الأخوّة الإسلامية الموجودة في اتحاد جماعة أهل الإيمان قد نمت لدى طلاب النور نمواً خالصاً طاهراً مكللاً بالتضحية الجادة والفداء التام الذي ورثوها من أجدادنا الأوائل الملايين الأبطال الذين ضحوا بكمال الشوق بأرواحهم في سبيل حقيقة، فارتبط النوريون بتلك الحقيقة ارتباطاً وثيقاً بحيث لا يدع حاجة لحد الآن إلى تشكيل منظمات، سياسية كانت أم رسمية علنية كانت أم سرية.

إذن فهناك حاجة في الوقت الحاضر بحيث يسلط القدر الإلهي أولئك علينا، فهم يقترفون الظلم بإسناد جمعية موهومة إلينا. والقدر الإلهي يقول لنا: لِمَ لم تكوّنوا بإخلاص تام وبتساند تام حزبَ اللّٰه الحقيقي؟ فصفعَنَا صفعة تأديب بأيديهم، وقد عدل».([20])

لا علاقة لنا بالمنظمات

«إن الاعتداء والهجوم في هذه المرة قد شن في دائرة واسعة جداً.

فقد هاجمَنَا كل من رئيس الحكومة والوزراء، هاجموا وفق خطة مرسومة بنيت على أوهام رهيبة. فحسب ما تلقيته من خبر وبأمارات كثيرة، إن الإخباريات الكاذبة للمنافقين المتخفين، وبدسائسهم الماكرة لفّقوا أن لنا علاقة قوية وارتباطاً وثيقاً بالمنظمة الداعية إلى إحياء الخلافة الإسلامية، وبالجمعية السرية للطريقة النقشبندية. بل أظهرونا كأننا في مقدمتهم ورائدوهم. حتى ساقوا الحكومة إلى اضطراب وقلق كبير، مبينين المجموعات الكبيرة لرسائل النور المجلدة في إسطنبول والمرسلة إلى العالم الإسلامي التي كسبت الرضى والقبول هناك دليلاً على نشاط النوريين. فقذفوا في روع الحكومة الخوف والهلع وأثاروا عرق الغيرة والحسد لدى بعض العلماء الرسميين، وهيجوا الأوهام والشكوك لدى الموظفين حتى جعلوهم ضدنا. وقد حسبوا أن هناك وثائق كثيرة وأمارات عديدة تديننا، واعتقدوا كأن سعيداً الجديد لا يتحمل الأوضاع كما كان سعيد القديم، فيخل بالنظام. ولكن الحمد للّٰه بما لا يتناهى من الحمد والشكر، فلقد خَفّف وطء تلك المصيبة من الألف إلى الواحد، فهم لم يستطيعوا أن يعثروا على أية علاقة كانت مع المنظمات والجميعات فهي غير موجودة أصلاً، فكيف يجدونها؟

 

486
__________________________

 

ولهذا اضطر المدعي العام إلى اختلاق الأكاذيب والافتراءات وإسناد أمور جزئية تافهة غير ذات مسؤولية إلينا.

فما دامت الحقيقة هي هذه، فقد نجونا إذاً نحن ورسائل النور من تسع وتسعين بالمائة من المصيبة، لذا ينبغي لنا انتظار رعاية العناية الإلهية وترقبها بالشكر والصبر والتضرع لتتجلى علينا تجلياً كاملاً. فعلينا إذن الشكر بل ألف شكر وليس الشكوى وأن نمدّ يد العون إلى القادمين والمغادرين لهذه المدرسة اليوسفية وتسليتهم بدروس النور».([21])

تأليف رسالة الحجة الزهراء([22])

«يبدو هذا الدرس ظاهراً رسالة صغيرة، إلاّ أنها في الحقيقة رسالة عظيمة وقوية وواسعة جداً. وهي فاكهة إيمانية وثمرة قرآنية فردوسية أينعت من حياتي التفكرية ومن اتحاد علم اليقين وعين اليقين في حياة النور المعنوية التحقيقية.([23])

وعلى الرغم من قيام طلاب النور بأداء وظيفتهم.. في تبليغ حقائق رسائل النور بجد وإخلاص، في كل ردهة من ردهات السجن، فإن هذه الردهة الخامسة الشبيهة بموضع انزواء الزاهدين تتجدد دائماً وتتبدل، فهي إذن أحوج ما تكون إلى دروس النور.

 

487
__________________________

 

وكذا الشباب والشيوخ لا شك أنهم بأمس الحاجة إلى دروس يقينية وراسخة في إثبات وجوده تعالى وإثبات وحدانيته سبحانه. حيث يقرؤون ما تكتبه الصحف من هجوم الروس على الإيمان بهجمات الإلحاد الرهيبة، وإنكار الخالق العظيم.

فالذي ورد إلى القلب أثناء الأذكار عقب الصلاة هو هذا. وذكرت بدوري التهليل الذي أذكره منذ السابق عقب صلاة الفجر عشر مرات، وهو: "لا إله إلاّ اللّٰه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير وإليه المصير".

هذا التهليل العظيم والتوحيد الجليل الذي يحمل الاسم الأعظم -حسب رواية- قد فصّله "المكتوب العشرون" العظيم تفصيلاً واضحاً ساطعاً كالشمس، وذلك في إحدى عشرة كلمة من كلماته في أحد عشر برهاناً من براهين وجوب وجوده تعالى ووحدانية ربوبيته وأورد إحدى عشرة بشارة من البشارات السارة...([24]) فبعد أن تسرد الرسالة أدلة التوحيد تفسر سورة الفاتحة ثم تذكر شهادات على نبوة الرسول الكريم محمد r».

 

488
__________________________

 

------------------------------

[1]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[2]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[3]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[4]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[5]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[6]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[7]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[8]() ذكر لي الأخ "محمد فرنجي" وقال: كنت أزور الأستاذ مراراً، وكان يقول في أكثر من مرة: لقد رضيت بدخول جهنم لأجل إنقاذ إيمان شخص واحد. وكرر القول نفسه لدى زيارتي الأخيرة له. فوقع في نفسي شيء، إذ كيف يدخل جهنم من كان سبباً لهداية أناس كثيرين جداً؟. وإذا بالأستاذ يعتدل في فراشه ويشير إلى بيده ويقول: ليس خالداً.. ليس خالداً.. بل مثلما يدخل أحدهم جهنم من جراء ذنب ثم يدخل إلى الجنة.

[9]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[10]() الملاحق، ملحق قسطموني.

[11]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[12]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[13]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[14]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[15]() سمح بالسفر إلى الحج لأول مرة في تركيا في سنة 1947.

[16]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[17]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[18]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[19]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[20]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[21]() الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.

[22]() تأليفاته الأخرى في سجن أفيون:

    1- الرجاء الخامس عشر من اللمعة السادسة والعشرين (الشيوخ).

    2- الشعاع الرابع عشر عبارة عن مكاتيب توجيهية إلى طلابه العاملين، يبلغ عددها مائة وواحداً وتسعين مكتوباً مع واحد وعشرين دفاعاً من الدفاعات.

    3- المقام الثاني من الكلمة الثالثة عشرة، الذي هو عبارة عن قسم من مكاتيب سجن أفيون موجهة إلى الشباب وإلى المسجونين والتي ضمت فيما بعد في "مرشد الشباب".

    يبلغ مجموع صفحات تأليفات الأستاذ في سجن أفيون خمسمائة صفحة، كما يبلغ مجموع صفحات تأليفاته جميعاً إلى نهاية سجن أفيون خمسة آلاف صفحة. (ب) 3/1305.

    يذكر بايرام يوكسل: كانت كتابة رسائل النور والانشغال بها شغلنا الشاغل مع إخواننا من طلاب رسائل النور في السجن.فعندما كنا نقترب من ردهة الأستاذ في السجن نسمع صوتا كدوي النحل يترنم ليلاً ونهارا. إنها أصوات الأذكار والتسبيحات والدعاء والصلاة للأستاذ. كنا نراقب أعمال الأستاذ عن كثب، ففي أوقات متأخرة من الليل كنا نرقب ردهته وإذا بمصباحه الخافت مضاء والأستاذ منشغل بالأذكار والأدعية. وفي هذه الفترة التي كنا نعيشها في سجن -أفيون- ألف أحد "الشعاعات" وهو الخامس عشر المسمى برسالة "الحجة الزهراء" وفي هذه الفترة (فترة التأليف) كنا نمر -من وقت لآخر- من تحت شباك ردهة الأستاذ، وما إن يرانا الأستاذ حتى يرمي لنا علب كبريت، كان يضع في داخلها قسماً مما ألفه من هذه الرسالة. فنحن بدورنا نستنسخ هذه المقتطفات نسخا عديدة.. هكذا ألفت رسالة "الحجة الزهراء" واستنسخت واحتفظت ص 3 /32.

[23]() الشعاعات، الشعاع الخامس عشر.

[24]() الشعاعات، الشعاع الخامس عشر.

 

 

 

| Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet