سنة 1952([1])

قضية "مرشد الشباب"([2])

بعد المكوث في مدينة "أسكي شهر" توجّه الأستاذ بديع الزمان إلى مدينة "إسبارطة" في أواخر سنة 1951 حيث بقي فيها سبعين يوماً، التقى طلابه مستعيداً ذكرى سنوات نفيه التي قضاها فيها.

 

501
__________________________

 

في تلك الأيام قام بعض طلاب النور الجامعيين في إسطنبول بطبع رسالة "مرشد الشباب" بالحروف الجديدة([3]) مما تسبّب في إقامة دعوى ضده بحجة مخالفته لــ"المادة 163" في الدستور التركي؛ وهي المادة التي تحظر أي نشاط يستهدف إقامة الدولة على أسس دينية.

وقد استُدعي الأستاذ بديع الزمان إلى إسطنبول للمثول أمام محكمة الجزاء الكبرى وحدد يوم 22/1/1952م للنظر في هذه الدعوى، فتوجّه بديع الزمان إلى إسطنبول في 15/1/1952. كانت هذه أول زيارة لمدينة إسطنبول بعد غيـبة دامت سبعة وعشرين عاماً. ولهذا تقاطر عليه الزوار في فندق "آق شهر" ثم في فندق "رشادية".

انعقدت المحكمة في يوم 22/1/1952. وجاء الأستاذ يحف به المئات من طلبة النور.

كانت قاعة المحكمة قد امتلأت بجموع من الشعب الذين حضروا لمتابعة هذه القضية ولرؤية هذا العالم الجليل الذي شغل تركيا كل هذه السنين. كما امتلأت ممرات المحكمة، وامتد الازدحام إلى الشارع.

جلس الأستاذ في المكان المخصص للمتهمين. وبدأ الادعاء العام بقراءة تقرير الخبراء المكلفين بتدقيق رسالة "مرشد الشباب" ثم تمّ استجواب الأستاذ. كان تقرير الخبراء يقول باختصار ما يأتي:

"إن المؤلف يحاول في رسالته هذه نشر الفكرة الدينية، وإنه يحاول رسم طريق معين للشباب بوساطة هذه الأفكار، وإنه يدعو النساء إلى الاحتشام وعدم السير والتجول بملابس تكشف عن أجسامهن لأن ذلك يصادم الفطرة، ويخالف الإسلام والآداب القرآنية.

كما أن المؤلف يدعو إلى تدريس الدين وهو بذلك يؤيد إقامة نظام الدولة على أسس دينية.. الخ".

وبعد الانتهاء من قراءة صيغة الاتهام قام الأستاذ بديع الزمان للردّ على ما ورد أعلاه.

 

502
__________________________

 

دفاع الأستاذ النورسي

«أرجو التفضل بالاستماع لعرضي عرضاً موجزاً لحياتي التي مضت في مظالم وأحداث جسام، (وقد سمحت المحكمة للأستاذ بالدفاع بطلاقة، فدافع عن نفسه دفاعاً شاملاً وواسعاً):

 أيها الحكام المحترمون! تعرّضت منذ ثمان وعشرين سنة إلى إهانات وتعذيب ومراقبة وسجن بغير عد ولا حساب. وجميع الافتراءات والتهم تستند في الأساس إلى بضع نقاط:

1- أول التهم هو أني عدو السلطة القائمة. ومن المعلوم أن لكل حكومة معارضين. وما لم يمس الإنسانُ الأمنَ والنظام، لا يكون مسؤولاً عما يتبناه من فكر أو منهج يرضاه في قلبه ووجدانه. وهذا مبدأ متعارف عليه في الحقوق.

فالمحاكم البريطانية لم تحاكِم حتى الآن أكثر من مائة مليون مسلم يعيشون تحت ظل الحكومة الإنكليزية المتجبرة والمتزمتة في دينها منذ مائة سنة رغماً عن عدم قبولهم ورفضهم سلطة الكفر للإنكليز.

وعندنا، لم تتعرض الحكومات الإسلامية كلها في أي وقت كان بقوانينها لليهود والنصارى الذين عاشوا في دول الإسلام منذ القدم رغماً عن مخالفتهم ومعارضتهم ومضادتهم لدين الدولة والنظام السامي الذي يستظلون به.

وقد تحاكم عمر رضي اللّٰه عنه في زمن خلافته مع نصراني من عامة الناس في محكمة واحدة. فإن عدم مؤاخذةِ مخالفةِ هذا النصراني لنظام حكومة الإسلام ودينها وقوانينها، تُظهر بجلاء أن مؤسسة العدل لا تنجرف مع تيار ولا تنحاز إلى تعصب. هذه عمدةٌ أساس في حرية الدين والضمير، فهي نافذة في مؤسسات العدل كافةً في الشرق والغرب والعالم كله، عدا الشيوعية منها.

وأنا حين أعترض -ثقة بهذه العمدة الأساس لحرية الدين والضمير واستناداً إلى مئات الآيات القرآنية- على الجزء الفاسد من المدنية وعلى الاستبداد المطلق المستتر بستار الحرية وعلى الظلم الشديد الواقع على الدين وأهله تحت قناع العلمانية،

 

503
__________________________

 

هل أكون خارجاً عن نطاق القوانين؟ أم مدافعاً عن الدستور بحق وصدق؟ إن الاعتراض على هضم الحقوق والظلم والاستخفاف بالقوانين لا يعدّ جريمة في أي حكومة من الحكومات، بل المعارضة هذه مشروعة وعنصر صادق في موازنة العدل.

2- ثاني التهم الموجهة إليّ من السلطة السابقة التي هان ظلمي وعذابي عليها، هو الإخلال بالأمن والنظام. لقد عوقبت عبر ثمانٍ وعشرين سنة بهذا الوهم المختلق وبهذه التهمة الملفقة. وساقوني من محكمة إلى محكمة ومن تغريب إلى تغريب، ومن سجن إلى سجن. منعوني حتى من لقاء الناس فعزلوني عن العالم، وسمّموني وأهانوني بأنواع الإهانات.

نحن -طلبة النور البالغ عددنا خمسمائةِ ألفٍ- حفّاظ معنويون متطوعون للأمن والنظام في الوطن، فاتهامنا بهذه الفرية من أكبر الخطايا والآثام. لقد لقينا إهانات ظالمة، لكن لم ننسق مع عواطفنا، ولم نفتر لحظة عن العمل في بناء الأمن والنظام في القلوب وخدمة الإيمان والقرآن وإنقاذ الساقطين في الفوضى نتيجة الغفلة في المستنقع الموحل.

أيها الحكام المحترمون! أقول جازماً: إن هذا ليس ادّعاء بغير دليل. إن ست محافظات هي ساحة ظلمنا وتغريبنا وست محاكم فيها، لم تجد حادثة واحدة للإخلال بالأمن والنظام ضدنا بعد بحث دقيق وطويل. وتصرُّفُنا هذا دليل على أن طلبة مدرسة العرفان، مدرسةِ النور، يعملون في القلوب، حيث يقيمون حارس الأمن والنظام في العقول والقلوب. إن دروسنا الإيمانية ضد الفوضى والاضطرابات والتخريب، وضد الماسونية والشيوعية. اسألوا دوائر الأمن للدولة كلها هل هناك حادثة واحدة تخالف الأمن والنظام صدرت من طالب واحد من طلاب مدرسة العرفان والنور، البالغ عددهم خمسمائة ألفٍ؟ كلا! ومن البدهي الجواب بالنفي، لأن في قلوبهم جميعاً أقوى حراس الأمن والسكون، وهو حارس الإيمان.

في مقالة لي بعنوان: "الحقيقة تتكلم..." المنشورة في مجلة "سبيل الرشاد" العدد 116 بينت هذه الحقائق مفصلاً. فالذي ضحى في سبيل دينه بدنياه جميعاً، وبحياته متى استوجب، وحتى بآخرته، وسيرتُه تشهد على ذلك، واعتزل السياسة منذ خمسة وثلاثين عاماً، ولم تجد المحاكمُ العديدة دليلاً واحداً ضدّه مع دقة التحري، وتجاوز سنه الثمانين وبلغ باب القبر، ولم يملك شيئاً قط من متاع الدنيا ولم يول اهتماماً به..

 

504
__________________________

 

هل يقال له: إنه يتخذ الدين وسيلة للسياسة.. ومن قال بهذا فقد جاوز الحق والإنصاف من الأرض إلى السماء ومن السماء إلى الأرض.

نحن تلاميذ مدرسة العرفان، مدرسة النور، تعلمنا درساً عن الحقيقة من القرآن الحكيم هو: أن العدل القرآني يمنع حرق دار أو سفينة فيها عشرة جناة وبريء واحد حتى لا يلحق ضرر بحق البريء. فكيف تحُرق دار أو سفينة فيها عشرة أبرياء ومجرم واحد بسبب هذا المجرم؟ أليس حرقها ظلماً عظيماً وخيانة عظمى؟ العدل الإلهي والحقيقة القرآنية يمنعان بشدةٍ إلقاءَ حياة تسعين بريئاً إلى التهلكة أو الإضرار بهم بسبب عشرة بالمائة من الجناة. فاتباعاً لهذا الدرس القرآني، نلتزم ديناً بالمحافظة على الأمن والنظام.

فأعداؤنا المستترون في السلطة السابقة الذين اتهمونا بمثل هذه التهم، قد اتخذوا السياسة وسيلة للإلحاد وسعوا لدق إسفين العقائد الفاسدة في أرض الوطن من حيث يدرون أولا يدرون. فظاهر عياناً أن المخِلّين بالنظام أو السكون ومخربي الأمن والأمان مادياً ومعنويًا لسنا نحن، بل هم أولئك.المسلم الحقيقي والمؤمن الصادق لا يكون مؤيداً للفوضى والتخريب. والدين يمنع الفتنة والفوضى بشدة، لأن الفوضى لا تعترف بحق من الحقوق، وتقلب سجية الإنسانية وآثار الحضارة إلى سجية الحيوان المتوحش، وفي القرآن الحكيم إشارة لطيفة إلى أن ذلك هو جيش يأجوج ومأجوج في آخر الزمان.

فيا أيها الحكام المحترمون! هكذا أذاقوني وطلابي الأذى والظلم ثمانياً وعشرين سنة، ولم يدّخر المدّعون العامون في المحاكم وسعاً في إهانتنا وتحقيرنا. وتحمّلنا نحن ذلك وسرنا في طريق خدمة الإيمان والقرآن. وعفونا عن مظالم رجال السلطة السابقة وأذاهم،لأنهم نالوا ما يستحقونه، وتمتعنا نحن بحقنا وحريتنا. ونشكر فضل اللّٰه علينا بأن منّ علينا بالكلام في حضور حكام عادلين ومؤمنين... هذا من فضل ربي».

وبذلك انتهت الجلسة الأولى للمحكمة على أن تعاود انعقادها في 19 شباط.

وعند انعقاد الجلسة الثانية في موعدها المحدد، كان هناك ازدحام اشد إلى درجة تعذر على الشرطة السيطرة على الناس المتدافعين.

وفي هذا الجو من الزحام والتدافع لم يكن من الممكن إجراء المحكمة،

 

505
__________________________

 

لذلك فقد توجّه رئيس المحكمة إلى الموجودين قائلاً لهم: إذا كنتم تحبون الشيخ، فافسحوا لنا المجال لكي نستطيع الاستمرار في إجراءات المحاكمة.

وعلى إثر هذا الطلب فقد بدأ الجمهور بالتراجع، وهكذا بدأت المحاكمة، إذ استدعت صاحب المطبعة الذي قام بالطبع كما استمعت إلى شهادة الشرطة. ثم قام بديع الزمان وقدم اعتراضه على تقرير الخبراء. وحينما أدركته صلاة العصر طلب السماح له بتأدية الصلاة، وأُجيب طلبه، إذ أعلن رئيس المحكمة انتهاء الجلسة الثانية.

وفي الجلسة الثالثة التي انعقدت في 5/3/1952 اتخذت الحكومة احتياطات أمن مشددة، فوزّعت مئات من رجال الشرطة أمام المحكمة وداخلها حيث استطاعت بذلك تنظيم السيطرة على الآلاف من محبي وطلاب الأستاذ بديع الزمان.

في البداية استمعت المحكمة إلى شهادة الطالب الجامعي الذي قام بطبع هذه الرسالة. ثم ألقى محامو بديع الزمان بدفاعاتهم وردّوا على التهم الموجهة إليه.

مقتطفات من دفاع المحامي "مهري حلاو"

إن مؤلف رسائل النور، أكثر المؤلفين والمحررين تواضعاً. وهو أعدى أعداء الشهرة والكبر، مُعرض عن متاع الدنيا، فلا مال ولا شهرة ولا سلطة. هذه كلها لا تبلغ طرف ثوبه، ولن تبلغ... هذا الرجل إن كان يحيا بخمسين غراماً من الخبز وبطبق من الحساء يومياً، فهو يعيش من أجل خدمة القرآن والإيمان. وما عداها لا أهمية عنده لشيء. فهل يوافق الحق والعدل والإنصاف والعلم والفكر الإنساني والفكر القانوني والمنطق والعقل أن يُتهم بتهمة المدح والثناء على مؤلفه وإدخال ذلك في نطاق الجرم لــ"المادة 163"؟ أدع هذا لتقدير المحكمة السامي. وأتطرق إلى موضوع معارضة الحكومة بإيجاز:

يقف أمامكم منتظراً قراركم العادل بكمال الصفاء والإخلاص، رجل فريد في عصره، لم يتدن في عمره مطلقاً لكلام خلاف الصدق. وقد قال جهراً في أول جلسة للمحكمة: إنه مرتاح من الحكومة القائمة ويدعو اللّٰه لها بالتوفيق، وإن الحكومة التي أنتقدها ولم يرض عنها هي الحكومة السابقة. فلقد سعى مع جميع الشعب لتأسيس الحرية والديمقراطية واستبشر خيراً بحصول النتائج الحاصلة في هذا الشأن لترسيخ النظام واستقراره في القلوب.

 

506
__________________________

 

فمثلما يسعى رجال السياسة لإقرار النظام وضمان حق الأمة وحريتها في الساحة السياسية فإن مؤلف رسائل النور يسعى لإقرارها أيضاً في الساحة المعنوية، فالمقاصد مشتركة.

إن مؤلف رسائل النور التي هي مدرسة العرفان وكذلك تلاميذها، حرّاس متطوعون ومعنويون للأمن والنظام والسكون، وساعون لدحر الفوضى والتخريب في الساحة المعنوية في القلوب والعقول. هؤلاء يبذلون الجهد لمنافع الوطن والشعب لنيل رضا اللّٰه فقط بكمال الإخلاص، لا يأملون عرضاً ولا غرضاً ولا بدلاً. وهذا ليس جرماً ولا جناية، بل خدمة للوطن والشعب، ويلزم أن يكافَئوا عليه لا أن يؤاخَذوا. ومن حقنا أن نطلب براءته، والقرار للمحكمة السامية.

دفاع المحامي "سني الدين باشاق"

بعده، دافع الوكيل الآخر المحامي سني الدين باشاق دفاعاً موجزاً عن المؤلف..

المسألة تبينت وبزغت الحقيقة كالشمس، وعلمت المحكمة بكل شيء وليس عندي جديد أضيفه. ولكن أود أن أقول شيئاً عن المنطق الذي جلب رجالاً فضلاء ومحترمين وعاملين للشعب والوطن بالتضحية في سبيل اللّٰه وبلا عرض ولا عوض، ووضعهم في قفص الاتهام، لكن هذا المقام ليس مقام ذلك بل يلزم أن يصنف فيه كتاب، لأن مقاومة هذا المنطق واجب على الجميع. وإني مطمئن إلى الوجدان السامي للمحكمة السامية إلى درجة تجعلني في غنى عن الدفاع. وأتشرف بطلب البراءة لموكّلي.

دفاع المحامي "عبد الرحمن شرف لاج"

ثم بدأ بالدفاع المحامي المؤمن القدير والمعروف عبد الرحمن شرف لاج الذي تولى الدفاع عن الأستاذ متطوعاً مثل زملائه الأفاضل، قال تقديماً:

ظهر جلياً أن لا مناسبة ولا علاقة بين هذا الإنسان المبارك الذي جاوز عمره الثمانين الماثل في حضوركم متهماً وبين الجريمة. وآمل أن محكمتكم الموقرة قد اقتنعت تماماً بذلك، وأنها ستصدر قرار براءته. لكني أعدّ ترك الدفاع عن هذا البريء -الذي تعهدت بالمدافعة عنه- إخلالاً بتعهدي وإن كان احتمال صدور قرار ضدنا أقل من نسبة واحد في الألف.

 

507
__________________________

 

وينبغي الأخذ بنظر الاعتبار ووجهة نظر محكمة التمييز العليا وقناعتها. ولا أريد أن أجد نقصاً من حيث الأصول بسبب عدم ذكره. لذلك أرجو أن تأذن المحكمة السامية بدفاعي.

- تفضل عبد الرحمن بَكْ، لنسمع دفاعكم الأخير.

- إن "مرشد الشباب" مجموعة من أوامر القرآن العظيم وتفسيره، وتضم نصائح وأوامر من دين الإسلام. وبناء على المادة (70) من الدستور فإن براءة الذات وحرية الوجدان والفكر والكلام والنشر حق طبيعي لكل مواطن تركي. وحسب المادة 75 منه لا يؤاخذ إنسان بسبب دينه أو مذهبه. لذلك، التعقيبُ الجزائي ضد موكلي حجبٌ لحرية الدين والنشر التي منحها له الدستور.

 إذا فرضنا المحال برفض الحجج القانونية الموضحة فيما سبق، وعُمل بـ"المادة 163" المخالفة للديمقراطية من قانون الجزاء التركي ضد موكلي، فنوضح تحليل التهمة الموجهة ضده كما يأتي:

مسلم، مسلم عجوز اشتعل رأسه شيباً، مسلم بيّض رأسه وشعره وعمره طوال حياته بالنور، مسلم طاهر ونظيف، رأسه وشعره وعمره مغسول بنور من اللّٰه، مسلم عظيم نذر حياته التي هي نعمة من المولى من أجل صلاح الشعب التركي وسعادته الحقيقية، وعزم على السير في هذا النهج حتى ساعة تسليم روحه إلى اللّٰه مالك الملك، واستنفد بدنه الذي هو بناء سبحاني في سبيل اللّٰه وحده. يقوم هذا المسلم -في الوقت الذي نقول فيه إن الديمقراطية سارية الآن- فينادى ولا يقول إلا "اللّٰه" و"الرسول" ويحذّر الشباب. وما إن ينطق بذلك، حتى يمسك المدعي العام الذي رفع القضية بتلابيبه. ويقول له: "تعال هنا... ارتكبتَ جرمًا!"

وجثمت على الآفاق ظلمات سوداء...

لكن انظروا إلى هذا المسلم الأصيل النجيب. كم هو ساكن ومطمئن؟ لأنه منهمك بالوحدة لا بالكثرة، لا يأبه بظلمة الليل ولا بألوان النهار. ينظر إلى الصفاء من خلال بلاء الزنزانة. ويجد الوفاء في مائدة الجفاء، فهو عارف بحقيقة الأشياء. قلَب الكثافة إلى اللطافة. غاض الدم في عروقه، فامتلأت بفيض الحق والنور وسرى النور فيها بدلاً عن الدم.

 

508
__________________________

 

ويمسك المدعي العام بذراعي هذا المسلم ويجره إلى السجن. لماذا؟ ما السبب؟ ما فعل هذا الشيخ العجوز؟ ما ذنب هذا المسلم الهرم؟ أتدرون ماذا فعل؟ انظروا إلى ما فعل في نظر المدعي المشتكي:

نشر كتاباً باسم "مرشد الشباب"!

أ- خالف العلمانية. هل يجوز أن يكون "اللّٰه" و"الدين" و"الإيمان" مخالفاً للعلمانية؟ نعم، يجوز... وماذا بعد؟

بـ- دعا إلى ربط أسس أنظمة الدولة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية بمبادئ الدين. كيف فعل ذلك، ولماذا، وما القصد؟

جـ- القصد تأمين وتأسيس نفوذ شخصي.

حسنًا.. هل يوجد قصد جلب المنافع السياسية؟.. لا، العارفون بالحال يعلمون أن هذا القصد معدوم. ولم يقدر المدعي العام أن يدّعيه. حسناً، ما دام قصد المنافع السياسية معدوماً، فماذا ينتظر هذا العجوز من هذه الدنيا، بذاته وجسده وبدنه، حتى يطلب تأمين نفوذ شخصي؟

يقول المدعي العام: لا أدري، ولا يهمني أن أدري كذلك، والخبراء يقولون بهذا أيضاً!

حسناً. كيف فعل هذا المسلم كل ذلك؟

- استخدم الدين والأحاسيس الدينية والمقدسات الدينية آلة ووسيلة!.

ما المقدسات الدينية؟ دين الإسلام، الأحاسيس الإسلامية، غرس الخشية من كلمة "اللّٰه" في القلوب، "القرآن"، "التفسير". إذن، المدعي العام يعرف هذه الأمور ويؤمن أنها مقدسات دينية.

فهل العلم بها، والإيمان بها، ثم التحدث عنها، استغلال لها بجعلها آلة ووسيلة لشيء آخر؟ نعم، حسب رأي المدعي العام المشتكي! في هذه الحال، المدعي العام أيضاً يستغل هذه المقدسات الدينية آلة ووسيلة. بل يجعلها آلة ووسيلة في قانون سياسي، وفي الحكم على مسلم. ألا يقع إذن تحت طائلة "المادة 163"؟

 

509
__________________________

 

المدعي العام يقول: لا، فأنا لا أقوم بالدعاية إلى ذلك. أما هو فقد قام بالدعاية والتلقين.

حسناً فماذا قال؟

قال: "في عصرنا هذا، لدى تصدى ضلالة الزندقة للإسلام وحربها معه فإن أرهب فرقة من الفرق المغيرة على الإسلام والتي تسير وفق مخطط النفس الأمارة بالسوء، وسلمت قيادها وإمرتها إلى الشيطان، هي طائفة من النساء الكاسيات العاريات اللائى يكشفن عن سيقانهن ويجعلنها سلاحاً قاسياً جارحاً ينـزل بطعناته على أهل الإيمان! فيغلقن بذلك باب النكاح ويفتحن أبواب السفاح، إذ يأسرن بغتةً نفوسَ الكثيرين ويجرحنهم جروحاً غائرة في قلوبهم وأرواحهم بارتكابهم الكبائر، بل ربما يصرعن قسماً من تلك القلوب ويقضين عليها.

وإنه لعقاب عادل لهن، أن تصبح تلك السيقانُ المدججة بسلاح الفتنة الجارح حطب جهنم وتُحرَق في نارها أول ما يحرق، لما كن يكشفنها لبضع سنوات أمام من يحرم عليهن".

حسناً، هل هذا كذب؟ هل ينكر مجموعات البغايا المشجعات للزنا والمانعات للزواج؟ ألا تحارب الدولة وغيرها البغاء العلني والخفي؟ ألا تطارد شرطة الأخلاق البغيات وتكافحهن بقانون الجزاء ونظام محاربة البغاء ليل نهار.

يقول المدعي العام المشتكي: هذا صحيح... صحيح. هو شأننا، وليس شأن يتدخل فيه "اللّٰه"!

ليقل المدعي العام ما يشاء! لكن القانون والشرطة والمدعي العام يقبض على فاعل الجريمة ومدبرها بعد وقوع الجريمة. يعني بعد انتهاء الفعل وضياع العرض وموت القتيل. ولا يمكن بالقانون اتخاذ وسيلة لمنع وقوع الجريمة، لكن بالدين يمكن ذلك: خشية اللّٰه. الدين يعلّمنا أن خشية اللّٰه تقطع سبيل كل الرذائل. الإسلام يأمرنا بذلك. يأمرنا باتخاذ التدابير مسبقًا، كيف؟ بالنصيحة، بالتحذير، بمعرفة اللّٰه! بغرس خشية اللّٰه وحب اللّٰه، والخوف من نار جهنم، والعذاب الخالد، والتوق إلى السعادة الخالدة، في قلب الإنسان.. بالعلم والفهم والحب والخشية حتى يهرب من الرذيلة وينجو بنفسه ويريح المجتمع والمدعي العام والدولة والحكومة والشعب. كيف نعمل ذلك؟ بالكلام والكتابة والقراءة.

 

510
__________________________

 

حسناً، يقول المدعي العام عندها إنه قام بالدعاية؟! وما الضير فيه؟ هو أمر اللّٰه وحكمة القرآن العظيم. أليس الدين أكثر الحقوق بداهة؟ من يمنعكم عنه؟ عن سبيل اللّٰه؟ يقال عنه: جرم. أهكذا؟

اقرؤوا أمر اللّٰه إذن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللّٰه وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللّٰه شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾(محمد:32).

فإن لم يسمعوا؟ أعيدوا لمن يسمع ومن يؤمن، لأن عملكم خيرٌ. خير للناس والمجتمع والشعب والحكومة والدولة، وحافظٌ من الشر والبلاء، وقولوا للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾(محمد:33). فإن لم يؤمنوا بذلك فقولوا: ليس الخطر والتهلكة للوطن والشعب في الدين أو الدعاية للدين بل في الإلحاد وترك الدين. هذا كلام قاله رئيس الوزراء أيضاً: "اليمين لم يشكّل خطراً على الوطن. لا مانع في الوقت الحاضر من الدعاية للدين، ولم تعد حاجة إلى اتخاذ تدابير بهذا الشأن".

أيها الحكام المحترمون! أنتم أعلم بالجواب، لكن اسألوا المدعي العام المشتكي مرة أخرى، إن كان يستطيع أن يجيب بالنفي! هل يمكن الوقوف في وجه تردي الأخلاق وزوال العفة وضياع النسب وتجارة الأعراض والزنا والقتل بالقوانين الجزائية وحدها، إذا لم تشرح أوامر اللّٰه وحكمة القرآن العظيم للشباب ويعلَّموها، وإذا منع ذلك بحجة أن الدعاية إليها ممنوعة؟ بأي شيء يمكن صد التخريب الخفي والعلني، والمعدي والخبيث، لفكر فتاك كالشيوعية التي تهدد الدنيا كلها؟.

أيها الحكام المحترمون الأتراك المشدودون إلى اللّٰه ربكم وإلى مقدساتكم! انظروا إلى السموم التي ينفثها أعداء الدين الألدّاء منذ سنين لإفساد عقول أبناء الترك المسلمين الطاهرة النقية وشلّها.

يا لهول الحال والنقائض فينا! المدعي العام لا يهتم بهذا... ولا يتحرك إزاء التحقير والهجوم المخيف ضد دين الإسلام والأديان السماوية كلها، وينشط ضد من يوصي بتدابير لوقاية الشباب من هذا الهجوم!

أيها الحكام المحترمون المسلمون الأتراك! محال أن تحكموا على موكّلي بسبب "مرشد الشباب" من كليات رسائل النور المشحونة بلمعات النور الإلهي والناشرة له.

 

511
__________________________

 

أيها الحكام المحترمون النجباء المسلمون! تعلمون حق العلم أن العلماء المرشدين الصادقين ورثة الأنبياء. وهؤلاء الذوات المباركون، مكلّفون حسب أوامر القرآن المبين بنشر ما ورثوه من المواعظ والنصائح. وهم إذ يوفون بوظيفتهم لا يريدون أجراً ولا جزاء ولا شكوراً. يؤدون الواجب في سبيل اللّٰه وطلباً لرضا اللّٰه ورسوله ولا غير، ولا تصيبهم فترة حتى النفَس الأخير، لأن هذه الوظيفة أمانة اللّٰه ورسوله إليهم. فكيف يحاكم ويعذب موكلي لأدائه الأمانة إلى أهلها؟ كيف يكلف هذا العجوز ببدنه الضعيف النحيف بكلفة ثقيلة لا تصدق، فيساق إلى السجن؟ هذا من أشنع الظلم. والأمانة الموكلة إليكم هي منع إيقاع هذا الظلم.

النور هو الذي يمحو السيئات والخطايا ودناءة الأخلاق والرذيلة والفساد والفتنة. ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّٰهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة:32).

       المحامي        
عبد الرحمن شرف لاج

 

 

وأخيراً توجه رئيس المحكمة إلى الأستاذ النورسي متسائلاً:

- هل هناك ما ترغب في قوله، زيادة على ما قلت؟

- أرجو أن تسمحوا لي بزيادة كلمة واحدة.

- تفضلوا

- إنني لست أهلاً لكلمات الثناء التي أضفاها عليّ موكليَّ المحترمون، إذ إنني لست سوى خادم عاجز للقرآن وللإيمان. ليس عندي ما أقوله سوى هذا.

 

تبليغ قرار البراءة

ختمت المحاكمة بناء على ذلك. وأعلنت الهيئة الحاكمة بعد المشاورة قرار البراءة باتفاق الآراء، وقوبل القرار من قبل الجامعيين وأبناء الشعب الحاضرين في قاعة المحكمة بتصفيق حار. واكتسب القرار الدرجة القطعية إذ لم يقدم المدعي العام طلباً للتمييز.

 

512
__________________________

 

[وفي هذه الأثناء كتب الكتاب الإسلاميون في الصحف
والمجلات مقالات تبين أعمال الأستاذ النورسي ونشاط
طلاب النور. ندرج أدناه مقالتين منها([4]):]       

بعد فراق طويل([5])

الأستاذ أشرف أديب

لم ألتق الأستاذ منذ سبع وعشرين أو ثمان وعشرين سنة، حيث لم أجد فرصة من المشاغل، رغماً عن رغبتي الدائمة لزيارته ورؤيته وملء العين من محياه المبارك. لكن وجوده المعنوي لم يفارقني أبداً، لأنه يعيش في القلوب.

وحين اللقاء واحتضاني له ظهر مقدار الشوق المادي العظيم باللذة النابعة من مُحياه النوراني.

انقضت أربعون سنة على لقائي الأول بالأستاذ. في ذلك الزمان كنا نحضر يومياً في "إدارة المجلة" مع عاكف ونعيم وفريد والإزميرلي المحترمين، ونقضي معاً ساعات طيبة في أحاديث شتى. ويتحدث الأستاذ -بلهجته الخاصة- في المسائل العلمية الرفيعة، فنجد حرارة في أنفسنا من جلادة وحشمة أحاديثه. ذكاء فطري غير معتاد وموهبة إلهية. تظهر قدرة ذكائه وعظمته إزاء أشد المسائل تعقيداً. عقل دائم العمل والفكر. لا يشتغل بالنقل كثيراً، فمرشده القرآن، وهو نبع فيضه وذكائه. وهذه اللمع كلها تدفق من هذا النبع مباشرة. صاحب رأي سديد أشبه بمجتهد أو إمام، وقلبه مليء بإيمان راسخ أشبه بإيمان صحابي، وفي روحه شهامة كشهامة عمر. هو مؤمن أحيا عصر الرسالة السعيدة بين جوانحه في القرن العشرين، وجعل الإيمان والقرآن غاية له. إن غاية غايات الإسلام، أعني أساس "التوحيد" و"الإيمان باللّٰه"، هي أعظم عمدته وعمدة رسائل النور. وأظنه لو كان في خير القرون وظهور الإسلام، فلعل الرسول صلى الله وعليه وسلم كان يكلفه بمهمة تحطيم الأصنام في الكعبة. فقد كان عدواً للشرك وعبادة الأصنام أقصى درجات العداء.

 

513
__________________________

 

عمر طويل، قرن واحد تقريباً، قضاه في الجهاد لترسيخ حقائق الإيمان والقرآن في القلوب. عمر قضاه في الفضيلة والشهامة. فهو في ميادين الحرب بطل يتقدم المجاهدين، يستل السيف، ثابت الأقدام، يحمل على الأعداء. وهو في الأسر بطل يتصدى لقائد الأعداء. وهو على منصة الإعدام ظل يسوق قائد الأعداء إلى التفكير ويقوده إلى الإنصاف.

فدائيّ لا يتردد لحظة بالتضحية بروحه من أجل شعبه وبلاده، عدو شديد للفتنة والهدم، يتحمل كل ظلم وتعذيب من أجل منافع الأمة، في سبيل الغاية، أسهل شيء عليه أن يقتات بشربة حساء وقدح ماء ولقمة خبز، ويلبس خرقة خامة بيضاء قطنية يغير ملابسه قبل أن تتسخ ويغسلها، ويعتني بالنظافة اعتناء فائقاً. لا يمسك بالنقود الورقية بيده ولا يحملها. لا يملك شيئاً قيماً في هذه الدنيا. يعيش للناس لا لنفسه.

ضعيف البنية، لكنه ذو مهابة وحشمة. عيناه تشعان نوراً مثل الشمس، ونظراته نظرات سلطـان، أغنى سلطان في عالم المعنى مع أنه أفقر الناس في الدنيا مالاً.

لم تخلف آلام نيف وثمانين سنة تجعدات في وجهه وإن أشعلت في رأسه الشيب. لون بشرته بياض مشرب بحمرة. غير ملتح. نشط كأنه في عمر الشباب. حليم وهادئ، لكنه حين يهيج، يبدو كالأسد، وينتصب على ركبتيه، ويتكلم مثل سلطان.

أكره شيء إلى نفسه السياسة. فلم يمسك في يده صحيفة منذ خمس وثلاثين سنة. مقطوع الصلة بشؤون الدنيا. لا يلتقي إنساناً بعد صلاة العشاء إلى وقت الظهر من غده منشغلاً بالعبادة. ينام قليلاً. وقد منع طلابه أيضاً عن السياسة. طلابه الذين بلغ عددهم ستمائة ألف أو مليون هم أكثر أبناء الوطن تمسكاً بالفضائل. والمئات أو الألوف من طلابه يدرسون العلوم الصرفة في كليات الجامعات، فتراهم أشد الطلاب همة وأعظمهم فضيلة. ولم يقع أن تسبب إنسان من طلاب النور الذين بلغوا مئات الألوف عدداً وانتشروا في أرجاء الوطن كافة، في حادث مخل بالأمن. إن كل طالب لرسـائل النور محافظ طبيعي لنظام وانتظام البلاد وحارس للأمن والأمان.

سألته إن كان تعباً من سفر إسطنبول، فقال: إنه لا يقلقني سوى المخاطر المحدقة بالإسلام. إذ كانت المخاطر سابقاً تأتي من الخارج وكانت مقاومتها يسيرة، أما الآن فإنها تأتي من الداخل حيث دبت الديدان في الجسد وانتشرت فيه فتعسرت المقاومة.

 

514
__________________________

 

إنني أخشى ما أخشاه ألاّ تتحمل بنية المجتمع هذا الداء الوبيل، لأنه لا يشتبـه بالعدو. إذ يظن من يقطع شريانه ويمص دمه صديقاً. ومتى عميت بصيرةُ المجتمع إلى هذا الحد فقلعة الإيمان إذن في خطر داهم. لذا لا قلق لي إلاّ هذا ولا أضطرب إلاّ من هذا. بل ليس عندي زمن أضيّعه في التفكير في التعب والمشاق التي أتعرض لها بنفسي. وليتني أتعرض لألف ضعف من شقائي ويسلم مستقبل قلعة الإيمان.

قلت: ألا يمدّكم مئات الألوف من طلابكم بأمل وسلوى للمستقبل؟

قال: بلى، لم ينقطع رجائي وأملي تماماً.. العالم يمر بأزمة خانقة وقلق معنوي عظيم. فالمرض الذي دب في جسم المجتمع الغربي وزعزع دعائمه المعنوية كأنه وباء طاعون وبيل. فما الحلول التي يجابه بها مجتمع الإسلام هذا المرض المعدي الرهيب؟ هل بوصفات الغرب النتنة المتفسخة الباطلة؟ أم بأسس الإيمان الحيوية لمجتمع قلعة الإسلام؟ إنني أرى الرؤوس الكبيرة سادرة في الغفلة. فقلعة الإيمان لا تسند بأعمدة الكفر النخرة، ولهذا أبذل كل جهدي وسعيي في الإيمان وحده.. لذا ركزت جهدي كله من أجل الإيمان فقط.

إنهم لا يفهمون رسائل النور، أو لا يريدون أن يفهموها. يظنونني شيخ مدرسة جامداً في الأمور الدنيوية المادية. لقد اشتغلت بالعلوم الصرفة والعلوم والفلسفات المعاصرة كلها، وحللت أعقد مسائـلها، بل صنفت فيها مصنفات. لكني لا أعتـرف بألعاب المنطق ولا أصيخ سمعاً لحيل الفلسفة، بل أترنم بجوهر حياة المجتمع، وبوجوده المعنوي وبوجدانه وإيمانه. فقد حصرت اشتغالي في أساس التوحيد والإيمان الذي أسّسه القرآن، ألا وإن العمود الرئيس لمجتمع الإسلام هو هذا، فإذا تزلزل يضيع المجتمع.

يقولون: لماذا تجرح فلاناً وعلاناً؟ لا أدري. لم أشعر ولم أتبين مما أرى أمامي من حريق هائل يتصاعد لهيبه إلى الأعالي يحرق أبنائي ويضرم إيماني، وإذ أنا أسعى لإخماده وإنقاذ إيماني، يحاول أحدهم إعاقتي، فتـزل قدمي مصطدمةً به. فليس لهذه الحادثة الجزئية أهمية تذكر وقيمة أمام ضراوة النار؟ يا لها من عقول صغيرة ونظرات قاصرة!

أيظنونني رجلاً مهموماً بحاله يبغي إنقاذ نفسه؟ لقد افتديت بدنياي وآخرتي في سبيل إنقاذ إيمان المجتمع.

 

515
__________________________

 

لم أذق طوال عمري البالغ نيفاً وثمانين سنة شيئاً من لذائذ الدنيا. قضيت حياتي في ميادين الحرب، وزنزانات الأسر، أو سجون الوطن ومحاكم البلاد. لم يبق صنف من الآلام والمصاعب لم أتجرعه. عوملت معاملة المجرمين في المحاكم العسكرية العرفية، ونفيت وغربت في أرجاء البلاد كالمشردين. وحرمت من مخالطة الناس شهوراً في زنزانات البلاد. وسُمّمت مراراً. وتعرضت لإهانات متـنوعة. ومرت عليّ أوقات رجحت الموت على الحياة ألف ضعف. ولولا أن ديني يمنعني من قتل نفسي، فربما كان سعيد تراباً تحت التراب.

أنا لا أطيق ذلاً ولا إهانة بفطرتي وجبلتي. العزة والشهامة الإسلامية تمنعني بشدة من هذه الأحوال. فإذا تعرضت إلى مثل هذا الحال، لا أطأطئ رأسي مهما كان الذي يواجهني، سواءٌ إن كان جبـاراً أشد الناس ظلماً أو قائداً عدواً سفاحاً للدماء، بل ألقي بظلمه ودمويته على وجهه.، ولا أبالي إن رماني في غياهب السجن أو قادني إلى منصة الإعدام. وهذا ما وقع، وما جرى علي فعلاً. ولو صبر قلب ذلك القائد الدموي ووجدانه على الظلم دقائق أخرى لكان سعيد قد شنق والتحق بزمرة الأبرياء المظلومين.

هكذا انقضت حياتي كلها في نصب ومشقة، ونكبة ومصيبة. لقد افتديت نفسي ودنياي في سبيل إيمان المجتمع وسعادته وسلامته. فهنيئاً وحلالاً طيباً. حتى في دعواتي لا أدعو اللّٰه عليهم. فبهذه الأحوال صارت رسائل النور وسيلة لإنقاذ إيمان مئات الألوف في الأقل، ربما الملايين - هكذا يقولون- فأنا أجهل عددهم، المدعي العام بأفيون ذكر أنهم خمسمائة ألف أو يزيدون. بالموت كنت أنجو وحدي، لكن ببقائي في الحياة وصبري على الصعاب والمشقات خدمت في إنقاذ الإيمان بقدر هذه الأنفس. فالحمد للّٰه ألف مرة.

لقد ضحيت حتى بآخرتي في سبيل تحقيق سلامة إيمان المجتمع، فليس في قلبي رغب في الجنة ولا رهب من جهنم، فليكن سعيد بل ألف سعيد قرباناً ليس في سبيل إيمان المجتمع التركي البالغ عشرين مليونا فقط بل في سبيل إيمان المجتمع الإسلامي البالغ مئات الملايين. ولئن ظل قرآننا دون جماعة تحمل رايته على سطح الأرض فلا أرغب حتى في الجنة إذ ستكون هي أيضاً سجناً لي، وإن رأيت إيمان أمتنا في خير وسلام فإنني أرضى أن أُحرق في لهيب جهنم إذ بينما يحترق جسدي يرفل قلبي في سعادة وسرور.

 

516
__________________________

 

لقد فاض وجاش حضرته. كان يرمي بشواظ كالبركان ويموج بحر قلبه كالطوفان. ويصب كالشلال أعمق نقاط القلب بمياه زمزمية عظيمة. لقد أخذه حماس زائد، كأنه يخطب من منصة البرلمان، لا يريد أن يقطع عليه الكلام إنسان. أحسست بالتعب الذي أصابه، فرأيت أن أغير هذا المبحث الحماسي:

- هل انزعجتم في المحكمة؟

- هل في القوانين نص يعدّ تعليم الدين والتزامَ نسائنا وأخواتنا المحترمات بالمحافظة على عفتهن وشرفهن ضمن دائرة التربية الإسلامية جريمة؟ فليجب أساتذة الجامعة المشتـغلون بهذا العلم وبالحقوق عن مغزى ذلك، ومغزى اتخاذ كلمة "الحقيقة الواردة إلى القلب" دليلاً على تأسيس نفوذ شخصي.

أخَذَنا الزمان في لقاء الأستاذ مأخذاً، وحين استأذنت للمغادرة كان الوقت متأخراً.

 

سعيد النور وطلابه

الأديب الشاعر عثمان يوكسل(*) 

شيخ كبير السن وذو حظ عظيم. يلتف حوله الناس من عمر ثماني سنوات إلى ثمانين سنة. أعمارهم وعقولهم وأشغالهم شتى، لكنهم يجتمعون على شيء واحد: الإيمان باللّٰه، باللّٰه رب العالمين، وبرسوله الكريم صلى الله وعليه وسلم، وبكتابه العظيم. ونرى كل واحد منهم كمن وجد شيئاً بعد أن ضيعه، كأن القرآن يتنـزل طرياً. حينما تطّلع على سعيد النور وطلابه، تحس بنفسك في خير القرون. وجوههم نور، باطنهم نور، ظاهرهم نور... وكلهم في حضور واطمئنان. ما أعظم السعادة في ربط الآصرة بخالق الكون العلي القدوس الدائم الحاضر الناظر، وما أجمل السير في سبيله، بل عشق سبيله حتى الوله.

سعيد النور شيخ عاصر ثلاثة عهود وخبر حوادث الزمان، هي نظام المشروطية، وحكومة الاتحاد والترقي، والجمهورية. عهود زاخرة بالتغيـير والانقلاب والانهدام. ما من شيء إلا وأصابه الهدم، غير رجل واحد ظل منتصباً. رجل قدم إلى إسطنبول من شواهق الشرق، من حيث تشرق الشمس، يحمل إيماناً راسخاً كالطود.

 

517
__________________________

 

جعل هذا الرجل صدره المفعم بالإيمان سداً منيعاً أمام أشرار العهود الثلاثة، ولم يفتأ يدعو إلى اللّٰه، ويدعو إلى الرسول صلى الله وعليه وسلم، ولا إلى شيء إلاّ اللّٰه والرسول. رأسه شامخ كقمة جبل "آرارات"، لم يطأطئه ظالم، ولم يغلبه عالم. صلب كالصخور، إرادة قوية عجيبة، ذكاء كالبرق. هذا هو سعيد النور. لم تثن المحاكمُ العسكرية والمدنية والانقلابات والثورات ومنصات الإعدام المنصوبة له وأوامر النفي والتغريب، رجلَ المعنويات العظيم عن طريقه. قاوم كل ذلك بقوة وشجاعة لانهاية لهما نابعتان من الإيمان. يقول اللّٰه تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾(آل عمران:133). فكأن كلام اللّٰه هذا تجلى في سعيد النور!.

لقد قرأت مرافعاته في المحاكم. لم تكن دفاعاً عن النفس، بل دفاعاً عن دعوة عظيمة، وشواهد ومعلقات للجلادة والجرأة والذكاء.

لماذا تسنم سقراط موقعاً مرموقاً؟ أليس بسبب استصغاره الحياة من أجل الفكر؟ سعيد النور يعدل سقراط في الأقل! لكن أعداء الإسلام سعوا إلى تعريفه بصفة "رجعي" و"متعالم". ففي نظرهم ينبغي للرجل السامق أن يكون أجنبياً! لقد اقتيد من محكمة إلى محكمة، لكنه كان يحكم وهو محكوم. وانتقل من سجن إلى سجن، لكن السجون صارت "مدارس يوسفية" بهمته. سعيد النور جعل السجون نوراً، والقلوب نوراً. وذاب عتاة القتلة وأعداء الاستقرار والأخلاقِ القساةُ أمام صرح الإيمان هذا، كأنهم خلق جديد، مؤمنون سلَمٌ للناس ومواطنون خيّرون. فهل اسـتطاعت مدارسكم ومناهج تربيتكم ذلك؟ أم تستطيع؟ غرّبوه ونفوه من بلد إلى بلد.. فصار كل بلد نفي إليه وطنًا له، وأحاط به مؤمنون أنقياء وأطهار حيثما حلّ وغُرّب. وعجزت القوانين والممنوعات والشرطة والجندرمة وجدران السجون السميكة عن التفريق بينه وبين إخوته المؤمنين، فتحولت الكثافة المادية المتراكمة بين المرشد الكبير وطلابه إلى لطائف بفضل الدين والعشق والإيمان. وخلفت تهديداتُ وتحديدات القوة العمياء والمادة الميتة أمواجاً متلاطمة في بحار عالم الروح، وماجت من حجرات القرى لتحيط بأطراف الأرض وتدق أبواب الجامعات.

هرع أبناء الوطن الذين انتهكت مقدساتهم زمناً طويلاً، والأجيال الذين حُكم عليهم بالفناء، والمتلهفون للإيمان إلى سبيله وإلى نوره.

 

518
__________________________

 

طافت رسائل النور للأستاذ من يد إلى يد، ومن لسان إلى لسان، ومن بلد إلى بلد، واقتبس كل شاب أو هرم، كل أمي أو متعلم، كل صغير أو كبير، بقبس من ذلك النور. وصار كل طالب ماكنة أو مطبعة فتحدى الإيمان التقنية، فكتبت رسائل النور واستنسخت آلاف النسخ.

وفزع العمي الذين انطفأت بصائرهم وأنوار أرواحهم وصاروا خرائب، من هذا النور والضياء، فساقوا الرجل العزيز إلى المحاكم بحجة مخالفة الثورة والعلمانية -التي لا يـملون من تردادها- وقادوه إلى السجون. بل حاولوا قتله بالسم مراراً، فصارت سمومهم تريـاقاً... والسجون مدارس. وتجاوز نورُه، نورُ القرآن، نورُ اللّٰه، حدودَ الوطن وسرى في أرجاء العالم الإسلامي. إن في تركيا الآن قوة ينبغي أن تقف إزاءها باحترامٍ كلُّ الهيئات وجميع المواطنين المحبين لوطنهم، هي سعيد النور وطلابه. إنهم ليسوا جمعية ولا هيئة ولا حزباً، وليس لهم أرض ولا مقرات، ولا يرفعون أصواتهم بالضجيج والخطب والمظاهرات والمهاترات. إنهم زحام الجمع المؤمن الثابت الواعي من المجهولين العارفين الناذرين أنفسهم لهذه الدعوة العظيمة.

 

519
__________________________

 

------------------------

[1]() من هنا إلى نهاية الفصل نقول مترجمة من T. Hayat İsparta hayatı.

[2]() رغم التبدل الذي حدث في السلطة، فالعقلية الحاكمة على أغلب المسؤولين هي نفسها عقلية حزب الشعب الجمهوري. ولهذا فتح المدعى العام في كل من أميرداغ وإسطنبول وصامسون، دعاوى على الأستاذ النورسي، وفُتش بيته عدة مرات، واستُدعى هو وضيوفه وزواره إلى المخفر، وأشيعت عنه إشاعات مغرضة كثيرة؛ كل ذلك لإلقاء الظل على العهد الديمقراطي أنه ليس بجانب المتدينين. وبالمقابل كتب الأستاذ وطلابه عرائض احتجاج إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لبيان موقفهم، وجرت مقابلات مع عدد من النواب ورئيس رئاسة الشؤون الدينية بهذا الشأن.

[3]() تضم هذه الرسالة مستلات من كليات رسائل النور، تهم حياة الشباب الدنيوية والأخروية. ولأول مرة يُنشر كتاب إسلامي بهذا النطاق الواسع أي بعد سبع وعشرين سنة

[4]() تفضل الأخ العزيز "عوني عمر" مشكوراً بترجمتهما.

[5]() عن مجلة سبيل الرشاد، المجلد 5، العدد 119، سنة 1952.

 

 

 

 

« Önceki Sayfa  | | Sonraki Sayfa »
Ekranı Genişlet