بديع الزمان عبقرية ابتعثها القدر

 

عباقرة الفكر هم الاستثناء من بين المجتمعات البشرية التقليدية، وإنّ أفكارهم لتسطع في ليالي الشعوب الحالكة كما تسطع الشمس في رائعة النهار و"النورسي" هو واحدٌ من هؤلاء العباقرة الذين ابتعثهم القدر ليكونوا منار هدى يستضاءُ بهم كلما اشتد الظلام واحلولكت لياليه.

ليس بفضل عالمٍ بين جملة من العلماء كفضل مَن هو مفرد فَذٌّ لم يسبقه أحد ولم يلحق به أحد، ومن هنا كان ضوء النورسي أشدّ ألقاً وأعظم نوراً.

ماذا تريدون يا أحبابي، أتريدون إلتقائي..؟ حسناً عليكم بقراءة "رسائل النور" فستلتقوني فيها... هكذا قال "النورسي".

العبقرية كانت تعلن عن نفسها في "النورسي" منذ نعومة أظفاره، إنه رجل القدر المرصود للدفاع عن القرآن في أكثر العصور جحوداً، لنستمع إليه وهو يقول: (لأبرهننّ للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها).

ما كان الدين حليف العبودية والجهل والتأخر، بل هو صنو الحرية والعلم والتقدم، هكذا كان يقول للعشائر في كتابه "المناظرات"... أتريدون مثالاً على الاتحاد والجد والعمل، هذه مستعمرات النمل تعلموا منها، كيف تجدّ وتبني وتتعاون فيما بينها، مثلها فكونوا... ومنها تعلموا...

إيماناً من "النورسي" بأهمية العلوم الحديثة في ارتقاء المسلمين يتقدم إلى السلطان في "استانبول" بمشروع إنشاء جامعة شرقي البلاد تعنى بالعلوم الحديثة إلى جانب العلوم الدينية.

أما كتابه "إشارات الإعجاز في مظانّ الإيجاز" فهو آية من آيات عبقريته الفكرية. ففي الوقت الذي كان يخوض المعارك قائداً للأنصار في الحرب التركية الروسية كان ذهنه يعمل بحيوية عجيبة في تصنيف كتاب يكشف عن عظمة القرآن البلاغية والإعجازية من غير أن يكون معه أي مصدر يستعين به سوى القرآن نفسه، ولا ينفك يدعو إلى تأسيس هيئة علمية من اختصاصات متنوعة للقيام بتفسير القرآن، لقد عشق القرآن وعشق الدعوة إليه وهو القائل: (ليكن ألف سعيد، وليس سعيداً واحداً، فداء لحقيقة واحدة من حقائق القرآن).

ولئن أسَر "الروس" جسمه في هذه الحرب إلاّ أنّ روحه وفكره ظلاّ طليقين يعملان لله ويدعوان له دون أن يحدهما حدٌ أو يمنعهما مانع. نعم، ماذا فقد مَنْ وجده، وماذا وجد مَن فقده.

وفي عودته إلى "استانبول" من الأسر وجد الدولة العثمانية وهي تتهاوى وتنهار، وتقوم الجمهورية على أنقاضها مشعلة نار الجحود والإلحاد في كل مكان من أرجاء البلاد. فينسحب من الحياة العامّة ليتاح له التفكير بهدوء، ثم لا يلبث حتى يعود أكثر إصراراً وتصميماً على العمل من أجل رفع راية القرآن محلقة في أجواء تركية كما كانت مدة من قبل.

إيها الأخوة... أيها الأحباب... إنحنوا إعجاباً وتقديراً لـ"بارلا" العزيزة التي شهدت أولى "رسائل النور" وهي تترى من قلم الأستاذ المنفي فيها... امعنوا النظر في الكلمات تجدوا فيها عظمة الإيمان والعبادات، وإعجاز القرآن، وأحقية الحشر والنشر.

أما مكتوباته فهي دواء ناجع، ودحض تام لكل الشكوك التي حاول الأعداء أن يثيروها حول صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بما يقنع العقل ويطمئن القلب.

أما "اللمعات" فهي خطابات في منتهى اللطف تواسي المرضى، وتعين الشيوخ في شيخوختهم، وتثير نخوة الشباب، وتهدهد الأطفال، وتذكر النساء، فضلاً عمّا حرّره في قضايا التصوف ما له وما عليه.

ثم نجده في السيرة أنه يؤخذ من منفى إلى آخر، فتوالى السجون والمنافي والإقامات الإجبارية ومحاولات التسميم. ومع هذا فهو منشرح لقراءة الحكام لرسائل النور حتى لو كانت قراءة عدائية. فنراه بعيداً بعداً كلياً عن الحقد والنفور رغم أنه أُدخل السجن ظلماً وبهتاناً، بل يستمر في دروسه الإيمانية للمساجين الذين هم أحوج ما يكونون إليها. حتى إنه يرفع يديه ليدعو على المدعي العام لكنه حينما رأى طفلته الصغيرة يرق قلبه عليها فيخفضهما. ويقول: لقد صفحت عن الذين ظلموني وأذاقوني مرّ العذاب، وهذا منتهى الشفقة والرحمة. ويلقى بهذا درسا إلى طلابه، فيقول لهم: نحن فدائيو المحبة لا مجال لنا للخصومة. وأن أجدر شيء للمحبة هو المحبة نفسها وأجدر شيء للخصومة هو الخصومة نفسها.

وهكذا تلي المحكمة محكمة أخرى والنفي إثر النفي والترصدات لا تنفك. ولكن بعناية الله سبحانه أخفقت جميع المحاولات لإسكات قلم النورسي، فنراه يزين كتابه " الشعاعات" بمسائل دقيقة في التوحيد وجمال العبادة، وعلامات الساعة، بل جعل الكون كله كتاباً مفتوحاً أمام الإنسان فينظر إليه بعين السائح المستفسر عن كل ما حوله، فيستنطق الشمس والقمر والنجوم بل العالم أجمع عن الخالق. فيعير السمع إلى كل صوب ويقف عند كل جماعة ولا يسمع إلاّ صوت لا إله إلاّ الله. ويقول: إن كنت تريد أن تشاهد تلك الحقائق الرفيعة عن قُرب، فاذهب إلى بحرٍ هائج، وإلى أرضٍ مهتزّة بالزلازل، وأسألهما: ما تقولان؟ ستسمع حتماً أنهما يناديان: يا جليل.. يا جليل.. يا عزيز.. يا جبار…

ثم اذهب إلى الفراخ والصغار من الحيوانات، التي تعيش في البحر أو على الأرض، والتي تُربّى في منتهى الشفقة والرحمة، وأسألها: ما تقولين؟ لابد أنّها تترنم: يا جميل .. يا جميل.. يا رحيم.. يا رحيم.

ثم أنصت إلى السماء كيف تنادي: يا جليل ذو الجمال! وأعِرْ سمعَك إلى الأرض كيف تردد: يا جميل ذو الجلال. وتصنّت للحيوانات كيف تقول: يا رحمن يا رزاق. واسأل الربيع، فستسمع منـه: يا حنان يا رحمن يا رحيم يا كريم يا لطيف يا عطوف يا مصوّر يا منوّر يـا محـسن يا مزيّن.. وأمثالَـها من الأسماء الكثيرة 

وسيرته طافحة بالرقة والشفقة على الخلق، بل حتى نراه يسكب الدموع الغزيرة على الأبرياء الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية. فيحمل هموم العالم في قلبه ويفضّلها على همومه الشخصية، ويبكي على الذين حُرموا الإيمان وتركوا الدنيا دون إيمان. بل حتى إنه يقول يوماً لطلابه: أنه على استعداد لدخول جهنم إنقاذاً لإيمان أمتي... وأن الاختلاف بين أفراد الأمة يقضّ مضجعه وأن الله لم يخلق الاختلاف في الألوان واللغات إلاّ لأجل العيش في وفاق وسلام. بل يدعو إلى الوفاق مع الروحانيين من النصارى لمواجهة الإلحاد والفساد الذي يسري في العالم سريان الطاعون.

وهكذا كلما تجولنا في صفحات رسائل النور يعظم في أعيننا هذا الرجل العظيم سعيد النورسي.

ولكن يا ترى هل عُرف هذا الرجل العظيم في العالم أجمع... لنلقي نظرة إلى خارج البلاد. فنرى أنه بعد وفاة هذا المفكر العظيم سنة 1960 ترجمت رسائل النور إلى مل يقرب من أربعين لغة من لغات العالم. وغدت حياته وفكره مادة مئات من الكتب وعشرات من المؤتمرات وآلاف من المقالات، وأنشئت وحدات دراسية وكراسي جامعية حتى في الغرب.

وختاماً نختم سياحتنا الخيالية مع النجم القطبي لهذا العصر، ونتوجه إليكم أيها الجمع الكريم.

أن بديع الزمان شمس منيرة، وما هذا الذي ذكرناه إلاّ دعوة متواضعة له . فالاستفاضة الحقة من تلك الأنوار هي في تجوالكم في صفحات رسائل النور. وقراءتها قراءة جادة.

 

 

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة