التأويل في رسائل النور

 

التأويل في رسائل النور

 

أ.د. صدرالدين كوموشR 

 

بعد توضيح معنى التأويل بشكل مختصر سنسعى لإيضاح ما أجري ما التأويل في رسائل النور.

التأويل: مصدر على صيغة التفعيل، ومشتق من “أوْل” بمعنى الرجوع للأصل وتفيد عدة معاني منها: تدوير ، قلب، الايصال للمقصود، النتيجة، العاقبة، الجزاء” وما اليها من المعاني. والمقصود منه في الكلام سياق وإيصال المعنى لما يراد منه، أي توضيحه. [1]

والتأويل اصطلاحاً، يعني “توضيح اللفظ لا حسب معناه الظاهري بل حسب ما يُحتمل من المعنى الموافق للكتاب والسنة”. والتفسير  لغة يأتي بمعنى “الشرح والاستبانة” واصطلاحاً هو شرح معنى الآية وملابساتها وقصتها وسبب نزولها بلفظ يدل على المعنى بصورة واضحة. فمثلاً توضيح الآية {يخرج الحي من الميت} بمعنى “يخرج الفرخ من البيض” تفسير ، وتوضيحها بمعنى “يخرج المؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل” تأويل.[2]

هناك وجهات نظر مختلفة بين رجال العلم في موضوع مفهوم التأويل والتفسير. فقسم منهم يستعملون التأويل والتفسير بنفس المعنى، وقسم منهم قد استعمل التفسير بمعنى “الشرح والتوضيح استناداً  على الدليل القاطع” والتأويل بمعنى “ترجيح معنى من بين المعاني المحتملة” [3]

ولم يكن هناك تضاد بين “التفسير” و “التأويل” في المراحل الأولى للإسلام، حتى إن اصطلاح “التأويل” كثيراً ما كان يستعمل في توضيح وشرح معاني القرآن الكريم، ويرجح على اصطلاح “التفسير” فمثلاً  سمّى المفسر ابن جرير الطبري تفسيره الذي كتبه في أواخر القرن الثالث الهجري (310/922) بــ (جامع البيان عن تأويل آي القرآن). فمثلما استعمل الطبري كلمة “التأويل” كاصطلاح  لعملية التوضيح كافة، فقد استعمله للتوضيحات العقلية ايضاً. [4]

وسيراً على خط مواز لعمله هذا، بل  وأكثر من ذلك، فقد اتخذ المعتزلة العلم العقلي  [5]قسطاساً في تأويل الآيات المتشابهة ولا سيما ما يتعلق منها بصفات الله تعالى. ومع اجتناب علماء السلف عن التأويل بهذا المعنى، لم يجتنب علماء الخلف عن مثل هذه التأويلات. وقد سعى أهل الاعتزال للاستفادة من أسلوب اللغة العربية (ولا سيما من المجاز) باستعمال أسلوب التأويل  في توضيح الآيات المتشابهة للتوصل الى النتيجة. [6]

ولتأثير هذه الحركة على أهل السنة ، فقد سار الأشاعرة والماتريدية  اللذان هما بمثابة سواعد أهل السنة، في موضوع تأويل الآيات المتعلقة بصفات الله تعالى موازياً مع أهل الاعتزال.[7]

وفي أواسط القرن الثالث عشر أصابت الاسلام ضربة كبيرة جراء الإستيلاء المغولي، وقد سعى العلماء والمفكرون في القرن الرابع عشر  للقيام بحملات صحوة ونهوض في هذا المجال، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل لأن المرحلة مرحلة جمود وتأخر. غير أننا أصبحنا نرى في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حملات صحوة وحيوية جديدة في مجال العلم والفكر ولا سيما في مصر وتركيا وجنوبي قارة الهند. ويعتبر بديع الزمان من ممثلي ورواد هذه الساحة في تركيا. ومع وجود بعض الفوارق في الفكر والاسلوب في هذه المرحلة، كما هو شأن بقية المراحل بين ممثلي الساحة الفكرية والعلمية، إلا أنهم دافعوا عن الإسلام بأنه دين علم وحضارة،  غير ان موازينهم تختلف، فبعضهم يعتمد على العقل أساسا في تأويل النقل وتفسيره، وبعضهم يتخذ النقل الصحيح اساساً  ويجعل العقل تابعاً لهذا الاساس.

ويعتبر بديع الزمان من المجموعة الأولى الذين يرتكزون على العقل أساسا في تفسير القرآن، فهو يرى أن العقل (يُتخذ) أساسا عندما يتعارض مع النقل، ويؤوّل النقل. وذلك أن القصد هو الأساس. وقد ألف كتاباً تحت اسم “محاكمات” بهذا الموضوع، وهو يأسف على تأخر الأمة لعدم فهمها مقاصد القرآن غاية الأسف قائلاً: “وا أسفى.. لقد انخدعنا فتركنا جوهر الاسلام ولبابه، وحصرنا النظر في قشره وظاهره.وأسأنا الفهم، فأسأنا الأدب معه، وعجزنا عن ان نوفيه حقّه حق الايفاء وما يستحقه من الاحترام، حتى رغِبَ عنّا ، ونَفَر مِنّا، وتستر بسحائب الأوهام والخيالات”[8]

فقد اتخذ الاستاذ بديع الزمان مقصد الاسلام والقرآن أساساً، ويرى أنه من الخطأ التحرك حسب الظاهر دون التمسك بالجوهر. ومقاصد القرآن الأساسية (هي )أربعة وهي: التوحيد ، والنبوة، والحشر الجسماني، والعدالة.  وما في القرآن الكريم من أبحاث خارجة عن هذه المقاصد الأربعة هو بحث استطرادي.[9]

ونفهم من هذا: أن الاستاذ بديع الزمان يرى هذه المقاصد الأربعة  اساساً في تفسير القرآن، ويلزم تفسير الآيات على وجهتها. وأية آية تتعارض مع العقل فينبغي تفسيرها على وجهة هذه المقاصد بشكل يوافق العقل، غير ان بديع الزمان يؤكد تأكيداً جازما على تفسير هذه الآيات موافقاً لبلاغة اللغة العربية وفنونها وقواعدها، وليس تفسيراً اعتباطياً اهوائياً.[10] فالمجاز ، والاستعارة والكناية وأمثالها من الطرق التي يدل بها اللفظ على المعنى تأتي في مقدمة فنون البلاغة المستعملة في التأويل.

 وقد انقسم علماء الإسلام في موضوع استعمال المجاز كوسيلة في تفسير القرآن الكريم الى ثلاثة اقسام:

القسم الأول: المعتزلة الذين يستعملون المجاز كسلاح في موضوع تأويل المتون الدينية التي لا يتلاءم مع منهجهم وأفكارهم. فهؤلاء يقيمون اللغة على أنها نتاج فكري بشري ويقيمونها على أنها اصطلاح بشري، وعليه يرون أن العقل يأتي قبل النقل في موضوع العلم.

القسم الثاني: الظاهريون الذين يرفضون وجود المجاز في القرآن الكريم، كما يرفضونه في اللغة، فهؤلاء يتخذون المعنى الظاهر للقرآن الكريم أساساً، ويحيلون المتون المبهمة منه الى الله تعالى، ويقولون أنه لا يعلم المراد من تلك المتون إلا الله. وهؤلاء يعتقدون أن اللغة توقيفي، علّمها الله لآدم عليه السلام ومنه انتقلت الى أولاده، وعليه يقولون إن اساس العلم الوحي.

القسم الثالث: فهؤلاء يتبعون طريقاً وسطاً في استعمال المجاز لتوضيح المتون الدينية نظراً للقسمين السابقين المفرطين، فهؤلاء يشكلون أكثرية المسلمين من الأشاعرة والماتريدية، وفكرهم هو التأليف والتوفيق بين العقل والنقل.

يحتل بديع الزمان مكانته في استعمال المجاز كأداة للتأويل في القسم الثالث الذي يمتاز بالإعتدال والتأليف والتوفيق[11]. ولأجل استعمال المجاز استعمالاً صحيحاً يوصي بديع الزمان باتخاذ ما يعلم هذا الفن من علوم البلاغة والمنطق دليلاً. والمجاز في نظره وسيلة يستعمله العلماء المتبحرون وليس الجهلاء، وفي هذا الصدد يقول: “اذا وقع المجاز من يد العلم الى يد الجهل ينقلب الى حقيقة، ويفتح الباب للخرافات اذ المجازات والتشبيهات اذا ما اقطتفتهما يسار  الجهل المظلم من يمين العلم المنور، او استمرتا وطال عمرهما، انقلبتا الى “حقيقة” مستفرغة من الطراوة والنداوة، فتصير سراباً خادعاً بعدما كانت شراباً زلالاً، وتصبح عجوزاً شمطاء بعدما كانت فاتنة حسناء.

نعم! إن شعلة الحقيقة إنما تتلمع من المجاز بشفافيته. ولكن بتحوله إلى حقيقة يصبح كثيفاً قاتماً يحجب الحقيقة الاصلية” [12] فمثلاً “وما استدل بعض المفسرين بلفظ "من السماء" في آية {ويُنَزِّلُ من السماء من جبال فيها من بَرَدٍ} على نزول المطر من جرم السماء حتى تخيل "البعض" وجود بحر تحت السماء، فنظر البلاغة لا يرى عليه سكة الحقيقة. بل المعنى: من جهة السماء. والتقييد لما عرفت. وقد قيل السماء ما علاك، فالسحاب كالهواء سماء” [13]

ومع هذا يقيم الاستاذ بديع الزمان استعمال التغير في اللغة أي المجاز، والتشبيه، والاستعارة والكناية وأمثالها من الفنون، بأنها قانون فطري لا يمكن الاستغناء عنها. ويأتي بالكلمات المترادفة والمشتركة دليلاً على التجدد والتغير في اللغة قائلاً: “إن كثيراً من الكلمات أو الحكايات أو الخيالات أو المعاني التي كان السلف يتذوقونها، لم توافق الرغبات الشابة لدى الخلف، لأنها غدت عجوزاً لا زينة لها. لذا أصبحت سبباً لدفعهم الى ميل التجدد والرغبة في الإيجاد، والجرأة على التغيير. هذه القاعدة جارية في اللغات مثلما هي جارية في الخيالات والمعاني والحكايات ولهذا لا ينبغي الحكم على أي شيء بظاهره؛ إذ من شأن المحقق:

 سبر غور الموضوع.. والتجرد من المؤثرات الزمانية.. والغوص في أعماق الماضي.. ووزن الأمور بموازين المنطق.. ووجدان منبع كل شئ ومصدره” [14]

ومع هذا يجلب الاستاذ بديع الزمان النظر الى وجوب التصرف بدقة وحذر في هذا الموضوع، وإلى خطورة استعمال المجاز كيفما يشاء، فللمعنى الحقيقي حسب رأيه علامة، والقسطاس الذي يشخص تلك العلامة، هو الحسن المجرد النابع من توازن مقاصد الشريعة. ويجب أن يكون استعمال المجاز تحت قواعد البلاغة، ويعتبر تقييم المجاز حقيقة والحقيقة مجازاً خارج قواعد البلاغة، مساندة لإستبداد الجهل.[15]

فكما يتراءى أن الاستاذ بديع الزمان يسند جواز المجاز على بعض الأسس. وهذه الأسس  هي:

1- للمعنى الحقيقى علامة، فالكلمة أو الجملة أو الآية أو أي متن آخر،  التي تحمل هذه العلامة لا يمكن تقييمها بأنها مجاز، أي لا يمكن تأويلها.

2- ولأجل فهم وإدراك ما تحمله أي عبارة من طابع الحقيقة وتشخيصها، ينبغي مقايسة مقاصد الشريعة ومن ثم تقييم النتيجة. والحسن المجرد الذي يتم الحصول عليها في النتيجة هو ميزان الحقيقة.

3- لا يمكن حمل أية كلمة أو متن على المجاز اعتباطاً كيفما يشاء، بل ينبغي اجراءها ضمن اطار قواعد البلاغة، وإلاّ يعتبر التصرّف اهوائياً، مما يكون هذا الأمر  سبباً لسوء التقييم بين المجاز والحقيقة، وبالأخير يؤدي إلى مساندة استبداد الجهل.

ولأجل حمل أي معنى على المجاز يقول الاستاذ بديع الزمان بضرورة اتباع قواعد البلاغة، ويقول في هذا الموضوع : “ان الخاصية المميزة للتنـزيل، الاعجاز، والاعجاز يتولد من ذروة البلاغة، والبلاغة مؤسسة على مزايا وخصائص، لاسيما الاستعارة والمجاز. فمن لم ينظر بمنظارهما لا يفوز بمزاياها.. فكم في التنـزيل من “تنـزلات الهية الى عقول البشر” تسيّل ينابيع العلوم في اساليب العرب تأنيساً للأذهان. والتي تعبّر عن مراعاة الافهام واحترام الحسيات ومماشاة الاذهان.

ولما كان الامر هكذا.. فلابد لأهل التفسير أن يقدروا القرآن حق قدره، واَلاّ يبخسوا قيمته، وان لا يؤولوه بأمر لم تصدقه البلاغة ولم يكن من ميزته. وذلك قد تحقق بوضوحٍ أجلى من كل حقيقة، ان معاني القرآن الكريم حق، كما ان طريقة افادته وتصويره للمعاني بليغة ورفيعة. فمن لا يُعزي الجزئيات الى ذلك المعدن ولا يلحقها بذلك النبع يكن من المبخسين حقه.” [16]

والآن نذكر بعض الأمثلة التي قدمها بديع الزمان في المجاز:

فقد أوّل آية {والجبال أوتاداً }(سورة النبأ:7) بأربعة أوجه:

أ- في الوجه الأول من التأويل: تُشبه الجبال بأوتاد السفينة، والمجال الفضائي بمحيط كبير، وكرة الأرض بغواصة، والجبال التي توازن كرة الأرض في المجال الفضائي، بمثابة الأوتاد الحديدية التي توازن حركة السفينة الجارية.

ب- وفي الوجه الثاني من التأويل: تُشبه الجبال بجهاز التنفس: فالهزّات والزعزعات القادمة من داخل الأرض تسكن وتهدأ بواسطتها. وذلك أن الجبال بمثابة مسامات سطح الأرض، فعندما يحدث انفجار أو هزة داخلية تتنفس الأرض بواسطة الجبال فتسكن غضبه وتهدأ حدته. اذن إن استقرار الأرض هو بواسطة الجبال.

ج- وفي الوجه الثالث من التفسير: تعتبر الجبال كعنصر للموازنة في حماية حياة الإنسان. فالأرض تعمر من قبل الإنسان، والإنسان بمثابة عماد هذا الأمر، وحياته تتوقف على حماية منبع الحياة من الماء والتراب والهواء بأكمل وجه وأنظفه. وللجبال دور كبير في حماية نظافة هذه المصادر الثلاثة للحياة، كما أن الجبال هي مخازن المياه، فلها أيضاً خاصية تجذب رطوبة الهواء، لتنقيه بمثابة الأمشاط المنظفة. وكما أن الجبال تعدل بين الحرارة والبرودة، كذلك هي تنظف الهواء من الغازات المضرة، وتحافظ على التراب من تسلط المستنقعات والطين والبحار.

د- وفي الوجه الرابع من التأويل: تشبه الجبال بأوتاد الخيم. وعليه إن قشرة الأرض قد ألقيت وفرشت على الأوتاد في المناطق المكتظة بالسلاسل الجبلية كخيم البدو، أما في المناطق ذات الجبال المنفردة، فهي بمثابة خيمة قد ألقيت على وتد واحد فقط. [17]

سؤال: {وينـزل من السماء من جبال فيها من برد } (سورة النور:43) يعتبر نزول المطر حسب ظاهر هذه الآية الكريمة من الجبال المتشكلة من برد في السماء. كيف توضح هذه الآية؟

الجواب: لو تمسك أي كلام بالمعنى الظاهري ولم ينفصل عنه، من دون أن يكون موافقاً للبلاغة وملائماً للعقل ومطابقاً للمنطق، يعتبر هذا الأمر جموداً وخفوتاً لذلك الكلام. وذلك فالآية الكريمة {قوارير من فضة } (سورة الإنسان:15)  الواردة في وصف أطباق الجنة بأنها بيضاء كالفضة، ووضاءة كالبلور، تتضمن استعارة لطيفة، كالآتي:

بما أن أطباق الجنة  ليست من الزجاج، ولا من الفضة، لذا لا يجوز حمله على ظاهر هذه الجملة، وذلك لا يقال لتلك الأطباق “اطباق زجاجية مصنوعة من الفضة”. وذلك لا يوجد موافقة بين العنصرين. غير ان المعنى المجازي المراد من قواير من فضة هو شفافية القوارير وبياض الفضة، أي أن تلك الأطباق شفافة كالزجاج، وبيضاء كالفضة.

“كذلك {من جبال فيها من برد} متضمنة لاستعارتين مؤسستين على خيال شعريّ بالنظر الى السامع. وذلك الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلويّ وتشكل العالم السفليّ. وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض والجوّ في لبس الصور من يد القدرة كأن الأرض لما برزت بجبالها اللابسة للبيض من حلل الثلج والبَرَد في الشتاء، والمتعممة بها في الربيع. ثم تزينت في الصيف ببساتينها المتلونة ،فأظهرت في نظر الحكمة بانقلاباتها معجزة القدرة الإلهية، قابلَها جوُّ السماء محاكياً لها مسابقاً معها لإظهار معجزة العظمة الإلهية فبرز متبرقعاً ومتقمصاً بالسحاب المتقطع جبالا وأطواداً وأودية، والمتلون بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض، ملوحاً ذلك الجو بأجلى دلائل العظمة وأجلها. فبناء على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم الخيالي استحسن اسلوب العرب تشبيه السحاب لا سيما الصيفي بالجبال والسفن والبساتين والأودية وقافلة الإبل كما تسمع من العرب في خطبهم.... فإذا قد عرفت ما سمعت من المناسبات فـ {ينـزل من السماء } أي من جهة السماء. “من جبال” أي من سحاب كالجبال. “من برد” أي في لونه ورطوبته وبرودته.

فيا هذا! ما أجبرك مع وجود هذا التأويل الذي تقبله البلاغة على اعتقاد نزول المطر بدقيقتين من مسافة خمس مائة سنة المخالف لحكمة الله الذي اتقن كل شئ صنعاً”.[18]

يقول بديع الزمان: حين تُفَسر هذه الآية الكريمة بالمعنى الظاهري القطعي فإنه يعني “جحود حق البلاغة، إذ الاستعارة البديعة في الآية الأولى تتوقد بحيث تذيب الجمود المتجمد، وتشق كالبرق ستار سحب الظاهر. [19]

والمثال الثاني الوارد في رسائل النور حول إستعمال المجاز هو “مسألة الثور والحوت” المشهورة. يحلل بديع الزمان هذه الرواية كالآتي:

“لا يخفى أن “مسألة الثور والحوت” المشهورة دخيلة في الاسلام وطفيلية عليه، أسلمت مع راويها، فان شئت راجع “المقدمة الثالثة” لترى من أي باب دخلت.

أما نسبتها إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فانظر الى مرآة “المقدمة الرابعة” ترى سرّ الحاقها به. وبعد هذا فإن كون “الأرض على الثور والحوت” يروى فيه حديث:

أولا: لا نسلّم أنه حديث، لأن عليه علامة الإسرائيليات.

ثانياً: ولو سلّمنا أنه حديث، فإنه آحادي، يفيد الظن لضعف الاتصال. فلا يدخل في العقيدة، إذ اليقين شرط فيها.

ثالثاً: حتى لو كان متواتراً وقطعي المتن، فليس بقطعي الدلالة. "[20]

وفي حالة قبول صحة هذه الرواية، يؤوّل بديع الزمان الحديث بثلاثة أوجه:

“الوجه الأول: فكما أن حَمَلة العرش المسماة بــ: الثور، النسر، الانسان، وغيرهم ملائكة، كذلك هذا الثور والحوت ملكان اثنان حاملان للارض. والاّ فان تحميل العرش العظيم على الملائكة، بينما الأرض على ثور عاجز - كالأرض - مناف لنظام العالم! ويرد في لسان الشريعة: أن لكل نوع ملكاً موكلاً خاصاً به يلائمه، وقد سمي ذلك الملك باسم ذلك النوع، بناءً على هذه العلاقة، وربما يتمثل بصورته في عالم الملائكة. وقد روي حديث بهذا المعنى: إن الشمس تغرب في كل مساء تحت العرش وتسجد عنده ثم تستأذن وتعود.

نعم إن الملك الموكّل على الشمس اسمه الشمس ومثاله الشمس، وهو الذي يذهب ويؤوب.

ولدى الفلاسفة الإلهيين: إن لكل نوع ماهية مجرّدة حية ناطقة تمد الأفراد. ويعبّر عنهم الشرع: مَلَك الجبال ومَلَك البحار وملك الأمطار، إلاّ انه لا تأثير لهم تأثيراً حقيقياً إذ لا مؤثر في الكون إلا الله. أما الحكمة في وضع الاسباب الظاهرية فهي في اظهار العزة والعظمة لكي لا يرى النظر المتوجه الى دائرة الاسباب مباشرة يد القدرة لأمور خسيسة ظاهرة من دون حجاب. أما في الملكوتية وفي حقيقة الامر وهي دائرة العقيدة، فإن مباشرة يد القدرة بدون حجاب لكل شيئ، يلائم العزة؛ اذ كل شئ في هذه الجهة سام وعال... ذلك تقدير العزيز العليم.

الوجه الثاني:

إن الثور هو المثير للحرث وأهم واسطة لزراعة الأرض وعمارتها. أما الحوت (السمك) فهو مصدر عيش أهل السواحل، بل كثير من الناس.

فإذا سأل أحد: بِمَ تقوم الدولة؟ فالجواب: على السيف والقلم. أو إذا سأل: بِمَ تقوم المدنية؟ فالجواب: على المعرفة والصناعة والتجارة. أو إذا سأل: بِمَ تدوم البشرية وتبقى؟ فالجواب: بالعلم والعمل.

كذلك أجاب سيد الكونين وفخر العالمين r - والله أعلم - بناء على ما سبق ذلك السائل الذي لم يستعد ذهنه لدرك الحقائق - بدلالة المقدمة الثانية - وسأل عن شيئ خارج نطاق وظيفته: الأرض على أي شيئ؟ فأجابه رسولنا الكريم r بما يلزمه أصلاً: الأرض على الثور. أي إن عمارة الأرض لنوع البشر ومنبع الحياة لأهل القرى منهم، على الزراعة، والزراعة محمولة على كاهل الثور. وإن معظم معيشة القسم الآخر من البشر، ومعظم مصادر تجارة أهل المدنية، في جوف السمك وعلى الحوت. حتى يصدق عليهم المثل السائر: كل الصيد في جوف الفرا!

فهذا جواب لطيف حقّ حتى لو كان مزاحاً فإنه r لا يقول الاّ حقاً. ولو سلّم أن السائل سأل عن كيفية الخلقة. فقد [تلّقى السامع بغير المترقب]كما هو القاعدة في علم البيان، اذ تلقى الاجابة عن الضروري والمطلوب بأسلوب حكيم.

الوجه الثالث:

إن الثور والحوت برجان مقدّران في مدار الأرض السنوي. فتلك البروج وإن كانت افتراضية موهومة، إلاّ أن السنن الإلهية الجارية في العالم والتي تنظم وتربط الأجرام السماوية والمسماة لفظاً واصطلاحاً بالجاذبية العامة، قد تمركزت في تلك البروج، لذا فالتعبير الفلكي: “الارض على البروج” جائز.

هذا الوجه هو في نظر علم الفلك الحديث، لأن القديم قد افترض البروج في السماء، بينما الحديث افترضها في مدار الأرض، لذا يحوز هذا التأويل أهمية في نظر الفلك الحديث.”[21]

ورأي الأستاذ النورسي حول المتشابهات القرآنية حسب افادته كالآتي:

“أما الجواب عن الريب الأول وهو وجود المتشابهات والمشكلات:

فاعلم! أن إرشاد القرآن الكريم لكافة الناس، والجمهور الأكثر منهم عوام، والأقل تابع للأكثر في نظر الارشاد. والخطاب المتوجه نحو العوام يستفيد منه الخواص ويأخذون حصتهم منه.. ولو عكس لبقي العوام محرومين، مع ان جمهور العوام لا يجردون اذهانهم عن المألوفات والمتخيلات، فلا يقتدرون على درك الحقائق المجردة والمعقولات الصرفة الاّ بمنظار متخيلاتهم وتصويرها بصورة مألوفاتهم. لكن بشرط أن لا يقف نظرُهم على نفس الصورة حتى يلزم المحال والجسمية او الجهة بل يمر نظرهم الى الحقائق.

مثلاً: إن التصرف الالهي في الكائنات يتصور بصورة تصرف السلطان الذي استوى على سرير سلطنته. ولهذا اختير الكناية في {الرحمن على العرش استوى} (سورة طه:5) واذا كانت حسيات الجمهور في هذا المركز فالذي يقتضيه منهجُ البلاغة ويستلزمه طريقُ الارشاد رعايةَ افهامهم واحترامَ حسياتهم، ومماشاة عقولهم ومراعاة أفكارهم. كمن يتكلم مع صبي فهو يتصابى في كلامه ليفهمه ويستأنس به. فالأساليب القرآنية في أمثال هذه المنازل تسمى بــ “التنـزلات الإلهية الى عقول البشر”، فهذا التنـزل لتأنيس اذهانهم. فلهذا وضع صور المتشابهات منظاراً على نظر العلماء. ألا ترى كيف أكثر البلغاء من الاستعارات لتصور المعاني الدقيقة، أو لتصوير المعاني المتفرقة! فما هذه المتشابهات إلا من أقسام الاستعارات الغامضة، اذ انها صور للحقائق الغامضة”[22]

الكناية

ومن الفنون التي يستعملها بديع الزمان في التأويل الكناية

يقول في هذا الموضوع:

“ومن الأصول المقررة أيضاً:

إن الصدق والكذب، أو التصديق والتكذيب في الكنايات وأمثالها لا يرجعان إلى صورة المعنى، أي إلى “المعاني الأولى” كما يعبر عنها فن البيان، بل يتوجهان إلى المقصد والغرض، أي إلى “المعاني الثانوية”. فكما إذا قيل: “طويل النجاد” فالحكم صحيح والكلام صدق إن كان الشخص طويل القامة وإن لم يكن له سيف. وكما تكون الكلمة الواحدة في كلام، قرينة المجاز للاستعارة، فإن طائفة من الآيات الكريمة، كأنها كلمة واحدة لكلام الله، تكون قرائن لحقائق وجواهر سائر أخواتها، وترجمان وأدلاء على ما في ضمائر جاراتها من أسرار.

حاصل الكلام:من لم يضع هذه الحقيقة نصب العين، وعجز عن موازنة الآيات، ولم يتمكن من الحكم بينها حكماً عدلاً، يكون كالبكتاشي الذي قال لتسويغ تركه الصلاة؛ إن القرآن يقول: {لا تقربوا الصلاة}.. أما ما بعده فلست حافظاً للآية! ألا يكون هذا موضع هزء في نظر الحقيقة؟!.” [23]

ويوصي بديع الزمان بالإبتعاد عن الإفراط والتفريط في موضوع التأويل، كسائر الموضوعات، انسجاماً مع الروح الإسلامية. فهو يرى “ان ميل التفريط من شأنه حمل كل شيء على الظاهر.. حتى لينتهي الأمر تدريجياً إلى نشوء مذهب الظاهرية مع الأسف. وإن حب الإفراط من شأنه النظر إلى كل شيء بنظر المجاز، حتى لينتهي الأمر تدريجياً الى نشوء مذهب الباطنية الباطل. فكما أن الأول مضر فالثاني أكثر ضرراً منه بدرجات” [24]

كما حذر الاستاذ عن هذا الطريق المهلك، فقد قدّم الميزان للوصول الى الصراط المستقيم، وحسب نظره أن هذا الميزان هو "فلسفة الشريعة مع البلاغة، والحكمة مع المنطق".

نعم! أقول: الحكمة (الفلسفة) لها خير كثير مع تضمنها الشر، إلا أنه شرٌ جزئي. ومن الأصول المسلمة أنه يلزم اختيار أهون الشرين.

نعم! إن الحكمة القديمة (الفلسفة القديمة) خيرها قليل، خرافاتها كثيرة، حتى نهى السلف - الى حد ما - عنها، حيث الأذهان كانت غير مستعدة، والافكار مقيدة بالتقليد، والجهل مستول على العلوم. بينما الفلسفة الحاضرة فخيرها كثير - من جهة المادة - بالنسبة للقديمة، وكذبها وباطلها قليل. والأفكار حرة في الوقت الحاضر، والمعرفة مسيطرة على الجميع. وفي الحقيقة، لابد أن يكون لكل زمان حكمه”. [25]

وخلاصة القول نستطيع أن نقول: إن مؤلف رسائل النور الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي يرى أن التعليم الموجه للظاهر في المدارس الدينية المنتشرة في العالم الإسلامي، ادت الى تأخرها، وخروجها عن مسراها الطبيعي.

لذا فقد اتبع طريقاً وسطاً في تأويل المتون الدينية كالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، مبتعداً عن الإفراط والتفريط، ومتبعاً حلاً وسطاً ملائماً. وعندما يتعارض النقل مع العقل، فهو يتخذ العقل أساساً وعليه يؤول النقل، مستعملاً في هذا المجال قواعد البلاغة، والمنطق، وأمثالها من الفنون كالمجاز والتشبيه والإستعارة والكناية، ولم يقبل التأويل غير الموافق للكتاب والسنة، وقواعد البلاغة والمنطق.

ولهذا السبب فكما هو يُعارض الباطنية المفرطة المعارضة للموازين السابقة، كذلك يعارض الظاهرية التي تقيم كل شيء حسب الظاهر، وتبقى في حالة مستهزئ أمام العقل.

ترجمة : جميل شانلي

---------------------------------

R  من مواليد مدينة أرضروم سنة 1945م حصل على الدكتوراه سنة 1983 وحاليا استاذ في جامعة مرمرة باستانبول , له خمسة كتب منشورة.

[1] - التأويل حسب رأى المفسر حمدي ألماليلي “تحويل الشئ للغاية المقصودة منه فعلاً وعلماً”. فمثلاً : مادامت الغاية المقصودة من الماء هي الحياة، فتحويل الماء الى الحياة تأويل، والحياة مآل الماء (اي غاية توصله)، وقصد معنى الحياة من كلمة “الماء” مجازاً، هو تأويل لفظي. وعلم كيفية الحياة التي تنتجها المادة التي يقال لها “الماء”، هو تأويل معنوي. ويقال لكلا هذين الشكلين “تأويل علمي”، وتحويل الماء فعلاً الى الحياة “تأويل فعلي” (تفسير حق ديني قرآن دلي، جلد 1 / المقدمة، 27)

[2] -  انظر كلمة (التأويل) من كتاب التعريفات/  الشريف علي بن محمد الجرجاني .اذ يقول: التأويل في الاصل الترجيح، وفي الشرع: صرف اللفظ عن معنناه الظاهر الى معنى يحتمله اذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً بالكتاب والسنة مثل قوله تعالى {يخرج الحي من الميت} ان اراد به اخراج الطير من البيضة كان تفسيراً وإن اراد اخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلاً.

[3] - يراجع تفسير المنار

[4] - يراجع نفس المصدر

[5] -  مذهب اعتقادي، له مبادئ خاصة به (خمسة اسس)، اتخذ العقل اساساً . (بكر طوبال أوغلو/ علم الكلام. ص 169).

[6] - حسب نظرتهم هناك آيات محكمة ومتشابهة في القرآن الكريم، إلا أنه لم يُبين ايهما محكمة وأيهما متشابهة، ولا يتم التوصل إلى ذلك إلا بالمعرفة العقلية التي هي القسطاس . وحسب هذه النظرة تعتبر ما تتطابق منها مباشرة بالمفاهيم اللغوية، والإصطلاحات العقلية “المحكم الواضح” وما تعارض معها بحيث لا يمكن قبول معانيها اللغوية مباشرة (بالمتشابه المبهم) ولاجل ازالة وَهمَ التعارض بين المحكم والمتشابه، فقد توسلوا بعنصر المجاز (أبو زيد، ناصر حامد/ مشكلة تأويل القرآن عبر التاريخ وفي يومنا الحاضر (ترجمة عمر أوزسوي) مجلة الأبحاث الإسلامية، 9/29)

[7] -  بيد أن المعتزلة والخوارج لم تدم وجودها كمدرسة بعد القرن السادس الهجري إلا ان الزمخشري المتوفي سنة 538 الهجرية يعد من ممثلي هذه المدرسة، وقد دوّنت آراؤهم وأفكارهم في كتب أهل السنة والجماعة. ومع عدم وجود مذهب الإعتزال في يومنا الحاضر، فقد قبل علماء أهل السنة كثيراً من أفكارهم ولا سيما في موضوع تأويل النقل المتعارض مع العقل والتوافق بينهما.

[8] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 22

[9] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 30

[10] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 42

[11] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، المقدمة السادسة

[12] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 40

[13] - اشارات الإعجاز، ص 138

[14] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 40

[15] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 40

[16] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 85

[17] -  صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 86

[18] - اشارات الإعجاز/ ص 139-140

[19] - صيقل الإسلام/ محاكمات عقلية/ ص 90

[20] - صيقل الإسلام/ محاكمات عقلية/ ص 73

[21] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 73-75

[22] - اشارات الإعجاز/ ، ص 175

[23] - صيقل الإسلام/ المحاكمات ، ص 31

[24] - صيقل الإسلام/ المحاكمات، ص 41

[25] - صيقل الاسلام/ المحاكمات/ ص 41

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة