التصوف في فكر الشيخ بديع الزمان النورسي
التصوف في فكر الشيخ بديع الزمان النورسي
أ.د/يوسي الهواري
جامعة وهران الجزائر
كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية
الملخص
ما من شك أن الشيبخ بديع الزمان النورسي من أولئك القلائل، الذين تركوا بصماتهم في واقع الأمة الإسلامية، و لعلي لا أجدني مبالغا إذا ما قلت أن الشيخ النورسي نموذج فذ جمع بين تحصيل علمي عميق، ورغبة ملحة في الدعوة إلى الله، وتصوف عملي ظهرت آثاره جلية في تفاصيل حياته، من خلال حركته الإصلاحية التجديدية، والتي أسهمت بقسط كبير في الحفاظ على هوية المجتمع التركي، بعد أن عصفت به رياح العلمانية والتغريب.
لقد قيل الكثير عن التصوف، مما يحتاج إلى زيادة إيضاح وبيان، ومهما يكن من أمر المنتقدين، فإن التصوف جانب أصيل من هذا الدين، بل هو روحه، ومادته الأولية، فأنى للأعمال أن تؤتي أكلها، بعيدا عن استحضار خشية الله، ومراقبة المولى جل وعلى، ومشاهدته في صفحات هذا الكون، ولا يعيب هذا التصوف ما علق به من بدع ومحدثات، فإن العوارض لا تملك من القوة، ما به تعود على ماهية وحقيقة التصوف بالإبطال.
لم يكن التصوف غريبا عن هذه الأمة، فلقد أسهم الصوفية عبر التاريخ، بما لا يمكن إنكاره، في الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية، من خلال حركاتهم الإصلاحية، التي هي في واقع الأمر تجديد لهذا الدين في أهم جانب من جوانبه، ألا هو التدين مصدر كل صلاح واستقامة، ومن هنا تأتي هذه الورقة للتأكيد على صوفية المنهج الإصلاحي للشيخ النورسي رحمه الله، فلولا هذا التصوف بمفهومه السني العميق، ما كان لحركته أن يكون لها هذا الصدى الواسع، وقد يحلو للبعض من خلال أطروحاتهم الزعم أن الشيخ النورسي انتقد التصوف فخرج بذلك عن عباءة الصوفية, ولعمري إن مثل هذا الزعم انكار للحقائق، فالشيخ لم يخرج عما قام به غيره من الصوفية من ممارسة الحسبة على أهل السلوك وتزكية النفوس.
تمهيد:
بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونديرا، وداعيا إلى الخير وسراجا منيرا، بعثه بالمحجة البيضاء ليلها كنهارها، بيضاء في صفائها ونقائها، المتمسك بها على هدى ونور، والمتجمل بها على سداد ورشاد، قال تعالى:" هو الذي بعث في الأميين رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة"- الجمعة:2- ورأس هذا الأمر كله تزكية النفس الإنسانية والارتقاء بها إلى كمالاتها، أو بالأحرى العودة بها إلى فطرتها الأولى، وهي عبوديتها وافتقارها واحتياجها إلى خالقها، وبارئها في كل حين وآن، قال تعالى:" ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني"
ولا يماري أي أحد أن هذا المعنى هو روح الإسلام وحقيقته وجوهره، واي أحد يخالف في أن جهاد النفس وحملها على مكارم الأخلاق، وتحقيق الاستقامة، هو المقصود الأصلي من هذه الشريعة، قال تعالى:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" - الذاريات: 56 - ولقد ادرك الرعيل الأول من هذه الأمة أهمية السلوك في تحقيق العبودية، وهم مع إدراكهم علما وعملا، لم يحاولوا أن ينظَروا لجهاد النفس هذا، لقربهم عهدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولاهتمامهم في المقام الأول بإصلاح النفوس من خلال التربية النفسية والإقبال على الطاعات، إلا أن حدث بعدهم من أفرد لهذا المنهج السلوكي اسمًا جديدًا لا عهد لمن قبلهم به – التصوف – ومع مررو القرون أصاب هذا المنهج ما اصاب الإسلام باعتباره جزء لا يتجزء منه، فأصبح التصوف مجرد شعار مفرغا من مضامينه الراقية.
ولكن من رحمة الله بعباده أن خص هذه الأمة بمن يجدد لها أمر دينها كما دل على ذلك الحديث المشهور، وليس من المبالغة في شيء، الزعم أن الشيخ النورسي هو أحد هؤلاء المجددين، من خلال إعادة بعثه هذا المنهج السلوكي من جديد، ولست أقصد بهذا البعث، التعريف بالتصوف، وإنما أقصد إعمال هذا المنهج في محاولة إصلاح أحوال هذه الأمة، والعودة بها إلى منهج ربها، وعلى الرغم من أن الشيخ النورسي في أكثر من موضع في "اللمعات" يصرح بأنه ليس صوفيًا، لكن الرجل صوفي حتى النخاع، ومن الصعب لمن انعم النظر في مؤلفاته، وتوقف عند تفاصيل حياته أن يقتنع بخلاف ذلك، ومن هنا تأتي أهمية هذه الورقة كمحاولة متواضعة لإبراز هذه الحقيقة من خلال تتبع تلويحاته التسعة التي تعكس وجهة نظره في التصوف. [1]
التلويح الأول:
الطريقة عند النورسي غرضها معرفة الحقائق الإيجابية والقرآنية ونيلها عبر السير والسلوك الروحانى في ظل المعراج الأحمدى وتحت رايته؛ بخطوات القلب وصولاً إلى حالة وجدانية وذوقية بما يشبه الشهود، فالطريقة والتصوف سر إنسانى رفيع وكمال بشرى سام.
يرى الشيخ النورسي رحمه الله أن الحقائق الإيمانية والقرآنية حقائق شهودية، فهي ليست من قبيل الحقائق النظرية التي يمكن أن تنال بالنظر والاستدلال، فالإيمان بالله وإن كان مبدأه العقل، إلا أنه لن يثمر عبودية ولا افتقارا ولا احتياجا، إلا إذا انتقل هذا الإيمان من مجرد علم حصولي، إلى علم حضوري، تتحد فيه النفس والقلب بالعلم، فيصبح الإيمان وجدانا ودوقا وحالة نفسية، ولتحقيق هذا المقصد، لامناص من شغل القلب بالإقبال على ذكر الله ضمن مراتب الولاية عبر سبيل الطريق وهو التصوف.
إن كلام الشيخ بديع الزمان لا يختلف في قليل أو في كثير مع ما أجمع عليه أهل السلوك: من أن المقصود بالتصوف أو الطريقة هو تزكية النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان ومن أن المعرفة وسيلتها القلب أو النفس، قال الشيخ زروق رحمه الله في كتابه القواعد:" قد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ الألفين، مرجعها كله، إلى صدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه والله أعلم."[2] وعرفه الشيخ ابن عجيبة التصوف:" بأنه علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل،وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم، ووسطه عمل، وآخره موهبة."[3]
ولعل تعريف الشيخ أبو الحسن الشادلي يلقي الضوء على حقيقة التصوف بعيدا عن حساسية المصطلح عند البعض، بما يقطع الطريق أمام أولئك الذين اعتقدوا أن التصوف يتنافي وحقائق هذا الدين، قال رحمه الله:" التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية." [4]
قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته:
علم به تصفيُة البواطن مِن كدرات النفس في المواطن
قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت:" التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس، أي عيوبها ووصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبروالرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته، فبعلم التصوف يتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنره عن أخلاقها المذمومةوصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى."[5]
إن الطريق إلى تصفية النفوس وتزكيتها فرض لازم، وحتم واجب، إذ كيف يتصور تنبيه القلب من غفلته دون المررو بمجاهدة النفس، قال تعالى:" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" –العنكبوت:69- وهذا لعمري لا يمكن أي ينازع فيه احد، وعليه ليس للصوفية اختصاص بهذا الأمر إلا ما كان منهم من زيادة التأكيد عليه، والوقوف عند دقيق مسائله، وهو على هذا الأساس مسلك لابد أن يسير فيه الجميع، قال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه:" من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهولا يشعر " . قال ابن علاَّن الصديقي:" ولقد صدق فيما قال - يعني أبا الحسن الشاذلي - فأي شخص يا أخي يصوم ولا يعجب بصومه ؟ وأي شخص يصلي ولا يعجب بصلاته ؟ وهكذاسائر الطاعات.[6]
إن عبقرية الشيخ النورسي التي تجلت في جهاده ودعوته، وصبره على نوائب الدهر، وتفانيه في جهاده، نتاج طبيعي لوعيه على المستوى العملي، بضرورة سلوك طريق مجاهدة النفس، من خلال تخليتها وتحليتها عبر مقامات ومنازل ومدارج، للوصول بها إلى مقام الإحسان وهو مقام شهود أحديته سبحانه وتعالى، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فالشيخ رحمه الله اتصل الأستاذ من حيث الإسنادُ بالطريقة النقشبندية, وهي طريقةٌ تربي أبناءها على الأخلاق والآداب، كما أنه كان كثير الانجداب إلى شيخ الطريقة القادرية الشيخ الكبير الكيلاني المتوفى سنة (561هـ).
يقول الأستاذ: "وعلى الرغم من أنني منتسب إلى الطريقة النقشبندية بثلاث جهات فإن محبة الطريقة القادرية ومشْرَبِـها يجري فيّ حُكْمُه دون اختيار مني، كنت ... أقول: أيها الشيخ الكيلاني, أقرأ لك سورة الفاتحة, جُدْ لي ما ضيعته من جوز مثلًا أو أي شئ ... وإنه لأمرٌ عجيب, فوالله لقد أمدني الشيخ بدعائه وهمته ألف مرة، ولهذا ما قرأت من أوراد وأذكار طوال حياتي إلاّ وأهديتها أولًا إلى حضرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثم إلى الشيخ الكيلاني " [7]
ولعلَّ ذلك يرجع إلى شدة الشيخ الكيلاني في الحق، وعدَمُ مبالاته بالخلق، وبغضه الشديد لتملق الناس، وفوق هذا كله فإن الشيخ الجيلاني، صاحب حركة إصلاحية وتجديدية، أرادت أن تعيد لهذا الدين جدوته، من خلال تصحيح مفهوم التدين، وجعله مركز الحياة بكل تجادباتها، وهي مفرداتٌ تروق للنورسي وتستهويه، وتتناسب مع شخصيته.
لتلويح الثانى
يؤكد الشيخ النورسي في التلويح الثاني أن هذا السير والسلوك القلبي والتحرك الروحي وسائله ومفاتيحه ذكر الله أولا والتفكر ثانيًا، ومحاسنها لا تحصى وفيهما فوائد أخروية وفوائد دنيوية تتمثل في إزالة الوحشة وتخفيف ثقل الحياة وغلوائها ولو جزئيًا، ولا يختلف كلام النورسي عن كلام أهل التحقيق من أن الذكر ملازم لمن رام السير في طريق التعرف على الله، إذ لا يخلو مقام من مقامات السير ولا منزل من منازل السائرين إلى الله من الذكر، فبذكر الله يترقى المؤمن في درجات الكمال، وأنى للعبد أن يستقيظ من غفلته وهو لا يعرف ربه، هذه المعرفة التي خلق الإنسان من أجلها، قال تعالى:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون."
قال ابن عطاء الله السكندري:" الذكر هو التخلص من الغفلة والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق، وقيل: ترديد اسم الله بالقلب واللسان، أو ترديد صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أوفعل من أفعاله، أو غير ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى."[8] وقال الإمام أبو القاسم القشيري رضي الله عنه: " الذكر منشور الولاية، ومنار الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة النهاية، فليس وراء الذكر شيء ؛ وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر."[9]
لقد أدرك الصوفية ومن واقع تجربتهم الروحية، أن إنسانية الإنسان تكمن في تحقيق عبوديته الله، ولن يتم هذا الأمر على حقيقته إلا بذكر الله في جميع أحوالهم ذكرا قلبيا ولسانيا وحاليا، وهاهو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في جميع أحواله، فالعارفون بالله عندهم من داوموا على ذكر الله وأعرضوا بقلوبهم عن ما سوى الله من متع الدنيا وشهواتها الزائلة، فانشرحت صدورهم، واطمأنت نفوسهم، كيف لا وقد حظي هؤلاء بمجالسة خير أنيس، فليس للوحشة من سبيل إليهم.
قال تعالى:" والذاكرين الله كثيراً والذاكراتِ أعد اللهُ لهُم مغفِرةً وأجراً عظيما." -الأحزاب 35 - قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد: يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من مترله، ذكر الله تعالى [10] .وقال مجاهد:" لايكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومطجعا."[11] و قال الإمام النووي:" أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدِث والجنب والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدعاء ونحو ذلك."[12]
كان الشيخ النورسي رحمه الله وهو يؤكد على مفتاح الذكر في السير إلى الله، على وعي تام بما يحدثه الذكر من تحول جذري على مستوى السلوك العملي، هذا الوعي الذي كان نتيجة حتمية لخوضه غمار هذه التجربة الروحية، التي فجرت في نفسه سيلا جارفا من الطاقات، ظهرت آثارها جلية على مستوى حركته الإصلاحية، حركة أحيت أمة كانت على وشك الموت ولا زالت حركته تفعل فعلها اليوم، فالذكر صقال القلوب، ومفتاح باب النفحات، وسبيل توجه التجليات على القلوب، وبه يحصل التخلق، لا بغيره. لذلك فالمريد لا يصيبه غم أو هم أو حزن إلا بسبب غفلته عن ذكر الله، ولو اشتغل بذكر الله لدام فرحه وقرت عينه، إذ الذكر مفتاح السرور والفرح، كما أن الغفلة مفتاح الحزن والكدر.
التلويح الثالث
يواصل الشيخ النورسي رحمه الله إيضاح معالم الطريق الصوفي، هذا الطريق الذي يعنى بالسلوك العملي ، والمنهج الأخلاقي، وهو في هذا كله حريص على إبراز التصوف بوجهه الصحيح، مستدركا ومصصحا أن الولاية حجة الرسالة، وأن الطريقة برهان الشريعة، ذلك لأن ما بلغته الرسالة من الحقائق الإيمانية تراها الولاية بدرجة عين اليقين بشهود قلبي وتذوق روحاني فاصدقها، وتصديقها هذا حجة قاطعة لآحقية الرسالة، وإن ما جاءت به الشريعة من حقائق الأحكام، فإن الطريقة برهان على أحقية تلك الأحكام، وعلى صدورها من الحق تبارك وتعالى بما استفاضت منها واستفادت بكشفياتها وأذواقها.
يسعى النورسي جاهدا من خلال هذا التلويح الثالث إلى بيان توافق الشريعة مع الحقيقة، فإذا كانت الشريعة قد تكفلت ببيان الحقائق الإيمانية، فإن الحقيقة هي الضامنة لوجدانية هذه الحقائق وصيرورتها سلوكا ومنهج حياة، إذ كيف للحقائق الإيمانية أن تفعل فعلها في نفس المؤمن، وهي أجساد بدون أرواح، أليس الرقي بها من العلم الحصولي إلى العلم الحضوري، يحتاج إلى السير في طريق المكابدة ومجاهدة قال تعالى:" والذين جاهدا فينا لنهدينهم سبلنا." وليس من الإنصاف في شيء رد الطريقة لمجرد وقوع المنتسبين إليها في أخطاء، ويكفي في بيان زيف قول من يقول ببطلان الطريقة، صمودها في وجه الغزاة من أعداء هذا الدين.
يقول إِمام الصوفية أحمد زروق رحمه الله تعالى: " لا تصوف إِلا بفقه، إِذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إِلا منه. ولا فقه إِلا بتصوف، إِذ لا عمل إِلا بصدق وتوجه لله تعالى. ولا هما [التصوف والفقه] إِلا بإِيمان، إِذ لا يصح واحد منهما دونه. فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم الأجسام للأرواح، ولا وجود لها إِلا فيها، كما لا حياة لها إِلا بها، فافهم." [13]
يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته المشهورة بِرد المحتار: " الطريقة هي السيرة المختصة بالسالكين من قطع المنازل، والترقي في المقامات... وقال أيضا فالحقيقة: هي مشاهدة الربوبية بالقلب، ويقال: هي سر معنوي لا حد له ولا جهة. وهي والطريقة والشريعة متلازمة، لأن الطريق إِلى الله تعالى لها ظاهر وباطن، فظاهرها الشريعة والطريقة، وباطنها الحقيقة، فبطون الحقيقة في الشريعة والطريقة، كبطون الزبد في لبنه، لا يظفر من اللبن بزبده بدون مخضه،والمراد من الثلاثة الشريعة، والطريقة، والحقيقة إِقامة العبودية على الوجه المراد من العبد.[14]
إن الشريعة هي الأساس، والطريقة هي الوسيلة، والحقيقة هي الثمرة وهذه الأشياء الثلاثة متكاملة منسجمة، فَمن تمسك بالأولى منها سلك الثانية فوصل إِلى الثالثة، وليس بينها تعارض ولا تناقض، وأهل التصوف هم أشد الناس ابتعادا عن البدع، قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله في فتاواه:" فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض،وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد،وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم."[15]
كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى يقول: إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتاب والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام."[16]
التلويح الرابع
سلوك طريق الولاية عند الشيخ النورسي مع سهولته هو ذو مصاعب، ومع قصره فهو طويل جدًا ومع نفاسته وعلوه فهو محفوف بالمخاطر ومع سعته فهو ضيق جدًا. والنورسي يبين أن الطريق طريقان وأن السير سيران:
(1) السير الأنفسي: الذي يبدأ من النفس ليخترق أنانية القلب ويعالج أمراضه لينفتح له سبيل الحقيقة ومنها ينفذ إلى الآفاق الكونية، والغاية من هذا السير كسر شوكة الأنانية والأثرة وتحطيمها وترك الهوى وإماتة النفس أي إماتة رغائبها وشهواتها.
(2) والسير الآفاقي: حيث يشاهد صاحب هذا السير تجليات أسماء الله الحسنى وصفاته الجليلة في مظاهر تلك الآفاق والكون الواسع ثم ينفذ إلى دائرة النفس فيرى أنوار تلك التجليات بمقاييس مصغرة.
السير إلى الله أو معرفة الله عند الصوفية تتم بأحد طريقين اثنين:
طريق الترقي: وهو - طريق أهل السلوك -، وهم طلاب التحقيق بالحقيقة من وجه العمل بالطريقة، وهؤلاء يبدو لهم في أول الأمر اتساع أفعال الحق سبحانه وتعالى، فيتحصل له التعظيم من هذا الوجه، ويكون حاله فيه إسقاط التدبير، فإذا تحقق بذلك، بدا له من حقائق الأسماء مجموع معانيها، فيبدو له من معاني الصفات ما يستغرق ما عندة من معاني الأسماء، فيقف في بساط الإجلال والتعظيم، ثم يبدو له من عظمة الصفات وإحاطتها عظمة الذت الكريمة، التي لاتصح عظمة الصفات بدون عظمتها،فإذا انتهى إلى حد تعظيم الذات الكريمة كان بساط تعظيم الربوبية مطلقا في التزام العبودية، فالسالك وهو يقطع مراحل السير صعودا قصد تحقيق العبودية، يشاهد عظمة آثار افعاله سبحانه وتعالى، الدالة على عظمة أسماءه، التي تدل بدورها على عظمة صفاته، ليصل السالك إلى شهود كمال الذات. [17]
طريق التدلي: وهو طريق أهل الجذب والمجدوب هو من أخد الله قلبه إليه بدون مهلة، بوجه لا يبقى فيه متسع لغيره، وأهل الجدب في قيامهم بحق العبودية، في عين تعظيم الربوبية، يحصل لهم في أول الأمر من ا لتعظيم والإجلال ما يستغرقهم استغراقا، فإذا تمكنت حقيقة التعظيم منهم أوجبت لهم شهود عظمة صفاته، فهو المتصف سبحانه وتعالى بأوصاف الجلال والجمال،، ومن تم يبدو لهم من عظمة الصفات اتساع الوجوه الراجعة إليها والتفاصيل الواقعة عليها،، فيبدو لهم من تفاصيل العظمة في كل فصل من فصول النسب الأسمائية ما يجلي لهم معاني ما هم فيه من شهود عظمة الأوصاف، حتى تنكشف لعم عظمة الأسماء، ثم يردهم عزوجل إلى شهود أثاره.[18]
قال ابن عطاء الله السكندري في حكمه:" دَلَّ بِوجودِ آثَارِهِ عَلَى وُجُودِ أَسمَائِهِ ، وَبِوُجُودِ أَسمَائِهِ عَلَى ثُبُوتِ أَوْصَافِهِ ، وَبِوُجُودِ أَوْصَافِهِ عَلَى وُجُودِ ذَاتِهِ ، إِذْ مُحَالٌ أَنْ يَقُومَ الوَصْفُ بِنَفْسِهِ , فَأَهْلُ الجَذْبِ يَكْشِفُ لهمْ عَنْ كَمَالِ ذَاتِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إِلى شُهُودِ صِفَاتِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إِلى التَّعَلُّقِ بِأَسمَائِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إِلى شُهُودِ آثَارِهِ، وَالسَّالِكُونَ عَلَى عَكْسِ هَذَا ، فَنِهَايَةُ السَّالِكِينَ بِدَايَةُ المَجْذُوبِينَ لكِنْ لا بِمَعْنَىً وَاحِدٍ ، فَرُبمَّا التَقَيَا في الطَّرِيق ِ، هَذَا في تَرَقِّيهِ وَهَذا في تَدَلِّيه" ِ.[19]
ولا يخلو هذين الطريقين من محادير ومصاعب ومطبات،نبه عليها أهل التحقيق، منها ما يصدر من السالكين من شطحات ومن أقوال ظاهرها مخالف لأحكام الشرع، وللقوم كلام في كيفية التعامل مع ما يصدر عن هؤلاء، ملتزمين في ذلك بضوابط الشرع الحنيف.
التلويح الخامس
وحدة الوجود عند النورسي ومن ضمنها وحدة الشهود، حصر النظر في وجود واجب الوجود أي الموجود الحق هو واجب الوجود سبحانه وتعالى فحسب دون سواه، وأما سائر الموجودات فما هي إلا عالة على واجب الوجود، وما كان لها أن تكون لولا واجب الووجود، فالغني حقيقة هو الله، أما غيره من الأكوان فمفتقر إليه سبحانه وتعالى، فليست وحدة الوجود لدى النورسي تعنى اتحاد الخالق بالمخلوق أو الحلول والاتحاد أو امتزاج اللاهوت بالناسوت كما يقول بذلك الزنادقة والملاحدة والمارقون عن الدين القويم والمحجة الواضحة.
والنورسي في هذا لم يخرج عما قرره وأكده أهل التحقيق من الصوفية، من أن الله مباين لخلقه، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا حلول ولا اتحاد، قال صاحب كتاب الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد: حدثني الشيخ كمال الدين المراغي قال: اجتمعت، بالشيخ أبي العباس المرسي - تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي -وفاوضته في هؤلاء الاتحادية، فوجدته شديد الإِنكار عليهم، والنهي عن طريقهم، وقال: أتكون الصنعة هي عين الصانع .[20]
قال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الحاوي للفتاوي : أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إِذا أطلقوه، هو تسليم الأمر كله لله، وترك الإِرادة معه والاختيار، والجري على مواقع أقداره من غير اعتراض، وترك نسبة شيءٍ ما إِلى غيره.[21]
قال ابن القيم رحمه الله:" فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم ؛ قد فَنوا بعبادة محبوبهم، عن عبادة ما سواه،وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه. ومن تحقق ذا الفناء لا يحب إِلا في الله، ولا يبغض إِلا فيه، ولا يوالي إِلا فيه، ولا يعادي إِلا فيه، ولا يعطي إِلا لله،ولا يمنع إِلا لله، ولا يرجو إِلا إِياه، ولا يستعين إِلا به، فيكون دينه كله ظاهراً وباطناً لله، ويكون الله ورسوله أحب إِليه مما سواهما، فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إِليه...[22]
التلويح السادس
وفيه يحرص الشيخ النورسي على التأكيد على وجوب اتباع السنة النبوية المطهرة، والتنبيه على ضرورة تحلي المنتسبين لهذه الطرق بالإخلاص، والشيخ النورسي في تأكيداته هذه متفق تمام الاتفاق مع كلام أهل التحقيق من الصوفية، من أن الطريق لا معنى له ما لم يكن صاجبه، أشد الناس اتباعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال الأمام الشاطبي في كتابه الاعتصام :" إن كثيرا من الجهال يعتقدون (في الصوفية) أنهم متساهلون في الإتباع ، والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه، مما يقولون به ويعملون عليه ، وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به." [23]
قال إمام الطائفة الجنيد رحمه الله:" إنه لتقع فى قلبى النَكتة من علوم القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة." يقول ابن القيم": فرحمة الله على أبى القاسم ـ يقصد الجنيد ـ ما أتْبَعَه لسنة رسول الله ، وما أقفاه لطريقته ـ أى النبى ـ وطريقة أصحابه[24] .
أما الإخلاص الذي هو أساس الطرق الصوفية، فهو: أن لا يكون للنفس حظ في عمل من الأعمال التعبدية، الجسمية منها والقلبية والمالية، وأن لا يرى إخلاصه، قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى:" الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنعٍ لمخلوق أو اكتسابِ محمدةٍ عند الناس أو محبة مدحٍ لمخلوق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى."[25]
ومن تمام اللإخلاص والمحبة، أن سالك الطريق لا يبغي من وراء سلوكه ما يعود عليه بالنفع في هذه الحياة الدنيا، متغافلا عن الآخرة التي هي دار الجزاء، أما الدنيا فدار امتحان وتكليف، فليس هي المقصودة أصالة، بل هي مطية الآخرة، وبهذا ينبه النورسي كما نبه غيره من العارفين بالله أن المقصود الأسمى هو تحقيق العبودية لله، أما خوارق العادات والمعارف اللدنية فلا ينبغي أن تكون الشغل الشاغل للسالك، فأعظم كرامة بالنسبة للصوفية هي دوام التوفيق، وتجاوز حجب النفس والاستقامة على أوامر الشرع، ويكفي في بيان موقف الصوفية من خوارق العادات عدم اشتراطهم الكرامة في تحقق الولاية.
قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في رسالته:" واعلم أن من أجلِّ الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والمخالفات.[26]
التلويح السابع
الشريعة عند الشيخ النورسي هي نتيجة الخطاب الإلهي من الربوبية المطلقة، وهنا يرد الشيخ على من يفرق بين الحقيقة والشريعة، كما يرى النورسي أن الطريقة والحقيقة وسيلتان وليستا غايتين ولا يمكن أن توجد طريقة خارج نطاق السنة النبوية الشريفة وأحكام الشريعة، وهذا ما هو عين ما نادى به أهل التحقيق من الصوفية، فمما لا شك فيه أن الحقائق الشرعية من حيث هي واحدة، لاتعدد فيه، ومخطأ من يعتقد أن أهل الشريعة لهم حقائقهم الظاهرة، وأهل الحقيقة لهم حقائقهم الباطنة، ولازم هذا القول حاصله الخروج عن ربقة التكاليف الشرعية والتحرر من اوامر الشرع بعد إدراك الحقائق الباطنة.
إن الطريقة عند الصوفية وسيلة لتحويل الحقائق الإيمانية إلى وجدان وحالة شعورية، تهيمن على حركات المؤمن وسكناته، ولا جرم أن هذه الطريقة تستخدم وسائل شرعية لتحقيق هذا المقصد، فالانتقال من مقام إلى مقام ومن منزل إلى منزل من خلال المجاهدات، كل ذلك مرهون بما شرع الله، كما أن الحقيقة وسيلة، فإن من اعتقد أن الحقيقة غاية فبمجرد حصول هذه الأدواق ألقى عنه التكاليف، مع أن حصول هذه اللدة القلبية وهذه الطمأنمينة، وسائل للمداومة على طاعة الله، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى:" كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة. طِر إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم." [27] وقال منكراً على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال: (تركالعبادات المفروضة زندقة. وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال.[28]
وفى التلويح الثامن
تكلم بديع الزمان عما سماه مزالق وورطات للسالكين يحذر منها كل التحذير، ويبين خطورتها وأضرارها على من يقعون فيها، كمن يرجحون الولاية على النبوة، أو من يفضلون الأولياء على الصحابة، وهو ينعى على بعض متصوفة اليوم الذين يرجحون أورادهم وأذكارهم التي كتبوها بأيديهم على المأثور من أذكار السنة النبوية الشريفة، ويجافون أذكار الرسول صلى الله عليه وسلم وأدعيته المأثورة التي هي من جوامع الكلم، ومن خير الدعاء وأفضل الذكر وأعظم البركة، أو الظن بأن الإلهام الذي يناله أحدهم بكسبه ومجاهدته أعظم في مرتبة الوحى المنزل من السماء، أو من يفضل الكرامات على واجبات الدين ويدع الثانية اكتفاء بالأولى أو من ينصرف إلى الفخر والإدعاء وإشاعة الشطحات لجمع الأتباع ونيل الحظوة لدى الدهماء.
هذه المزالق التي حذر منها الشيخ النورسي رحمه الله، هو فيها تبع للمحقيقين من الصوفية، ولقد مارس الصوفية في وقت مبكر هذه الحسبة، وحذروا من وقوع هذه المخالفات والمزالق، وإِنَّ من يطالع كتب القوم السليمة من الدس، مثل: كتاب الحلية لأبي نعيم، والرسالةالقشيرية، وكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، واللمع للطوسي، والإِحياء للغزالي،وطبقات الصوفية للسلمي، والرعاية لحقوق الله للمحاسبي، وغير ذلك من كتب الصوفية، لا يكاد يجد خلُقاً مما فيها يخالف الشريعة أبداً، لكثرة محاسبة الصوفية لأنفسهم وأخذهم بالعزائم، فإِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة وحقيقة.
التلويح التاسع
يختم الشيخ رحمه الله هذه التلويحات ببيان عدة ثمرات لسلوك الطريق أجملها في تحقيق الوجود الحقيقي للإنسان بحسن توجهه إلى الله، وتخلصه من الوحشة في الدنيا، ونيل مقام التوكل والإخلاص والعمل على أن يصل إلى مرتبة الكمال، ، ولطالما كانت الطرق الصوفية السنية بصرف النظر عما علق بها من بدع ، حصنا منيعا يلود به المسلمون من تلك الحملات الاستعمارية والتبشيرية، في العالم الإسلامي عامة، وفي الجزائر خاصة فقد حاول الأباء البيض نشر مسيحيتهم الكاذبة في ربوع القطر الجزائر، كما حاولت فرنسا الاستعمارية محو هوية الشعب الجزائري المسلم، أكثر من قرن من الزمان ، إلا أنها ظلت جسما غريبا وورما خبيثا، لابد وان يجتث إن بكيفية أو بأخرى، فاندلعت ثورات شعبية عديدة كان روادها وحامولوا لوائها شيوخ الطرق الصوفية، ، فدونك بن زعمون والدرقاوي و الشيخ السنوسي والأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة، وغيرهم كثيرون.
الخاتمة:
إن الذين انتقدوا التصوف، أكثرهم عرف التصوف من خلال ما علق به من بدع، وغاب عن هؤلاء البحث في معنى التصوف ،فليس من الإنصاف في شيء أن تحمل على التصوف أوزار الأدعياء واللصقاء ، الذين يندسون في صفوفه نفاقا واحتيالا ، أو جهلا وفضولا ، فإنه ما من نحلة في القديم والحديث سلمت من أوزار اللصقاء الذين ينتمون اليها من غير أهلها، كما يقول عباس محمود العقاد، لقد حاول السيخ النورسي من خلال تلويحاته أن يعيد للتصوف بهائه ونظارته، ويؤكد للجميع أن التصوف ما هو إلا الاعتناء بهذا النفس، تزكية ومحاسبة والوصول بها إلى مقام العبودية وهو مقام إعلان الاحتياج والافتقار إلى الله، لتتجلى هذه العبودية بأسمى معانيها، من خلال منهج حياة متكامل، يستمد أصوله من القرآن الكريم.
أن تكون صوفيا عند النورسي هو أن تكون تلميذا للقرآن الكريم، ترتع في رياضه وتستظل بظلاله، لقد جسد الشيخ النورسي مفهوم التصوف السني في حياته على أكمل وجه فنشأة الشيخ في أحضان التصوف، وتدرجه في مراتب السالكين، على طريقة القوم وأذواقهم، أورثه فهما عميقا لهذا الدين، وهمة عالية في مجابهة الخطوب، ومثابرة في محاولة تغيير الواقع، امتثالا للتكليف وتطبيقا عمليا لمفهوم العبودية، لم يكن التصوف عند الشيخ هروبا من الواقع، وفقدانا للوعي بالوجود، بل التصوف عند النورسي وعند المحقيقين من أهل التصوف تفان في خدمة المولى عزوجل، وخدمة المولى هي القيام بإخلاص بواجب العبودية وحق الربوبية، إنه بكل بساطة أن تحي كما أراد الله لك.
-------------------------
قائمة المصادر والمراجع:
ابن القيم، مدارج السالكين شرح منازل السائرين دار الكتاب العربي، بيروت، للبنان.
ابن تيمية، مجموع فتاوى أحمد بن تيمية، تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي، وأشرف جلال الشرقاوي، دار الحديث، القاهرة، ط: 1427ھ-2006م.
ابن عابدين، الحاشية ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1992.
ابن عجيبة ، معراج التشوف إلى حقائق التصوف في حقائق التصوف عبد المجيد خيالي، مركز الثرات الثقافي المغربي، الدار البيضاء، المغرب.
ابن عجيبة، إيقاظ الهمم في شرح الحكم، دار المعارف، القاهرة، مصر.
إبن عطاء الله السكندري، مفتاح الفلاح في تهذيب النفوس، المطبعة والمكتبة المحمودية، القاهرة، مصر.
ابن أحمد بن حنبل، مسند.
علان الصديقي الشافعي، الفتوحات الربانية على الأذكارالنووية دار إحياء الثرات العربي، بيروت.
جلال الدين السيوطي، الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير دار الكتب العلمية، بيروت.
حامد عبراهيم صقر، نور التحقيق في صحة أعمال الطريق، مطبعة دار التآليف، مصر.
زروق، قواعد التصوف، تحقيق عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
زروق، شرح الحكم العطائية، تحق عبد الحليم محمود، مطابع دار الشعب بالقاهرة.
الشاطبي،الموافقات، دار ابن عفان، القاهرة.
عبد القادري الجيلاني، الفتح الرباني الشيخ منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا.
العروسي، نتائج الأفكار على شرح الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري، دار الكتب العلمية، بيروت، 1971.
مصطفى إسماعيل المدني، النصرة النبوية على هامش شرح الرائية مط الشرفية 1316 .
النورسي، المكتوبات، دار سوزلر للنشر، فرع مصر،1995م.
النورسي، اللمعات، دار سوزلر للنشر، فرع مصر، 1995م.
---------------------------
[1] كليات رسائل النور، المكتوبات 571.
[2] الشيخ زرق، قواعد التصوف 21.
[3] الشيخ ابن عجيبة معراج التشوف إلى حقائق التصوف في حقائق التصوف ص 4.
[4] الشيخ للعلامة حامد صقر الشادلي، نور التحقيق ص ٩٣ .
[5] الشيخ مصطفى إسماعيل المدني النصرة النبوية على هامش شرح الرائية للفاسي ص ٢٦
[6] ابن عجيبة، إيقاظ الهمم في شرح الحكم ص ٧
[7] النورسي، اللمعات، اللمعة الثامنة ص50.
[8] ابن عطاء الله السكندري، مفتاح الفلاح" ص ٤
[9] ابو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية ص ١.
[10] الفتوحات الربانية على الأذكار١٠٩ - النووية" ج ١/ص ١٠٦
[11] المرجع السابق.
[12] المرجع السابق ج ١/ص ١٠٦
[13] الشيخ أحمد زروق، قواعد التصوف ص ٣.
[14] حاشية ابن عابدين ج4/240.
[15] أحمد بن تيمية، مجموع الفتاوى ج ١٠ص516.
[16] إِيقاظ الهمم" ج ٢. ص ٣٠٢
[17] الشيخ زروق، شرح الحكم العطائية 334.
[18] المرجع السابق.
[19] المرجع السابق.
[20] جلال الدين السيوطي، الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير للعلامة ج ٢. ص ١٣٤
[21] المرجع السابق.
[22] ابن القيم، مدارج السالكين شرح منازل السائرين ج ١. ص 90.
[23] الموافقات، الشاطبي، ج1ص120.
[24] ابن القيم، مدارج السالكين، جـ3صـ76 .
[25] ابو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية ص ٩.
[26] المرجع السابق.
[27] الشيخ عبد القادري الجيلاني، الفتح الرباني" ص 158.
[28] المرجع السابق.
