السعادة والكمالات الإنسانية من خلال رسائل النور

 

السعادة والكمالات الإنسانية

من خلال رسائل النور

د.عبد المالك اعويش

كلية الشريعة-أكادير

المغرب      

 

إطار نظري عام

في هذا العرض سأحاول أن أربط المفصلات إلى مجملاتها، وأنظم  النصوص المتفرقة في موضوع السعادة والكمالات حسب ما سمح به حيز هذا البحث[1]. ذلك أن النورسي انطلق من أصول عقلية متفقة مع أصول نقلية، ثم من مجملات مضمرة إلى تفصيلات تبدو وكأنها متناثرة في كل المباحث التي طرقها. وأنطلق مما ختم به المرحوم فريد الانصاري كتابه مفاتح النور حيث يقول:

"فإننا بهذا البحث المتواضع نستطيع الوصول – إن شاء الله – إلى نتيجة، فيما يتعلق بباب الخروج من الأزمة الراهنة، التي تكبل نهوض الأمة الإسلامية اليوم. وذلك أن الدارس لكليات رسائل النور، يمكن أن يثبت بسهولة، أن للأستاذ بديع الزمان النورسي رأيا في الخلاف المشهور بين علماء الدعوة والإصلاح، في الفكر الإسلامي المعاصر، والذي مداره حول سؤالين إشكاليين، هما:

  • طبيعة الأزمة ما هي؟
  • ثم كيف الخروج منها؟

ومعلوم أن الأجوبة تضاربت في ذلك وتباينت، فمن داعية يرى أن الأزمة أزمة فكرية، إلى من يرى أنها أزمة روحية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو عسكرية، ... إلى غير ذلك من الاجتهادات والتصورات. ثم يختلفون بعد الاختلاف الأول في باب الخروج منها: أهو العمل السياسي الحزبي؟ أم هو العمل الثقافي العلمي؟ أم هو العمل الروحي الصوفي؟ ... وربما اتفقت أقوال بعضهم على توصيف معين للأزمة، لكنهم يختلفون في تحديد باب الخروج كيف؟"[2]

وها نحن اليوم نقف على أزمة إنسانية، ونساءل رسائل النور عن طبيعتها؟ وكيفية الخروج منها؟.

فالعالم يشكو أكثر من ذي قبل من مشاكل لا حصر لها:

- نفسية: قلق انفصام وسواس قهري..

- عقلية: جنون ضغط عصبية..

- بدنية: سرطانات وأمراض فتاكة..

- بيئية: أوبئة تلوث إشعاعات..

- اقتصادية: أزمات مالية تضخم ربا ديون فقر مجاعة..

- اجتماعية: تفكك بطالة..

- سياسية: حروب..

وعموما فإن واقعنا الآن يشهد بأن الهوى قد قام مقام الحق يعمل به، ويقضى بقضائه، ويحكم بحكمه، وقام سوء الأدب والمكر والخديعة مقام العقول، وقامت المداهنة مقام المداراة، وقام الغش مقام النصح، وقام الكذب مقام الصدق، وقام الرياء مقام الإخلاصِ، وقام الشك مقام اليقين، وقامت التهمة مقام الثقة، وقام الأمن مقام الخوف، وقام الجزع مقام الصبر، وقام السخط مقام الرضا، وقام الجهل مقام العلم، وقامت الخيانة مقام الأمانة فصار من قلة الأكياس لا تعرف الحمقى، ومن قلة أهل الصدق لا يعرف أهل الكذب إلا عند أهل الفهم والعقل والبصيرة فاعتدل الناس في قبح السريرة، وقلة الاستقامة في أمور الآخرة إلا من عصم الله[3].

وقد رسم النورسي صورة هذا الواقع الحزين في مقطع شاعري فقال:

"اعلم! أن قلبي قد يبكي في خلال أنيناته العربية بكاء تركيا، بتهييج المحيط الحزين التركي، فاكتب كما بكيت:

[لا أريد من كان زائلا لا أريد

أنا فان، من كان فانيا لا أريد، أنا عاجز، من كان عاجزا لا أريد،

سلمت روحي للرحمن، سواه لا أريد،

بل أريد،

حبيبا باقيا أريد

أنا ذرة شمسا سرمدا أريد.

أنا لا شيء ومن غير شيء، الموجودات كلها أريد.

*  *  *

لا تدعني إلى الدنيا، فقد جئتها ورأيت الفساد.

إذ لما حجبت الغفلة أنوار الحق،

رأيت الأشياء والدنيا أعداء ضارين

ذقت اللذائذ، ولكن وجدت الألم في زواله.

أما الوجود، فقد لبسته،

آه لا تسل كم عانيت من الألم في العدم.

إن قلت الحياة، فقد رأيتها عذابا في عذاب.

نعم! لما استتر نور الحق عني،

إذ بالعقل يتحول عقابا، ورأيت البقاء بلاء، والكمال هباء،

والعمر ذهب أدراج الرياح.

نعم ! بدونه، انقلبت العلوم أوهاما.

وأصبحت الحكم أسقاما، والأنوار ظلمات، والحياء أمواتا،

والأشياء أعداء.

ولمست الضر في كل شيء.

والآمال انقلبت آلاما.

والوجود هو العدم بعينه. وصار الوصال زوالا.

والألم يعصرني مما لا بقاء فيه.

نعم! إن لم تجد الله فالأشياء كلها تعاديك

أذى في أذى، بل هو عين الأذى.

وإن وجدت الله،

فلن تجده إلا في ترك الأشياء.

فرأيت بذلك النور: الجنة في الدنيا،

وبدت الأموات أحياء.

ورأيت الأصوات أذكارا وتسابيح.

والأشياء مؤنسة، واللذائذ في الآلام نفسها.

والحياة أصبحت مرآة تعكس أنوار الحق.

والبقاء رأيته في الفناء.

والذرات تلهج بالذكر.

يقطر من ألسنتها وتتفجر من عيونها،

شهد شهادة الحق.]

وفي كل شيء له آية                 تدل على أنه واحد

اعلم! يا من يتوهم اللذة والسعادة الدنيوية في الغفلة وفي عدم التقيد بالدين"[4].

 وتكاد هذه الصورة القاتمة تذهب بلب العقل الكلي الإنساني، وتهوي به في براثين الشقاء والنحس والتعاسة، بل إن الكل اليوم يتشوف إلى السعادة على أنها حلم مفقود لا يكاد يحلم به أحد حتى يصحو على نقيضه، ولا يفكر فيه حتى يعترض عليه واقعه، ولا يكاد يراه حتى يغيب عنه، ولا يقبض عليه حتى يتفلت منه. فما السبيل إلى السعادة إذن؟ وهل ما نراه سعادة هو السعادة فعلا؟ وهذا السؤال الثاني ينبغي أن يوضع قبل الأول.

فهل السعادة مال فيكون قارون ومن على شاكلته في واقعنا من البورجوازيين سعداء.

وهل السعادة عافية في الأبدان ليكون أصحاب كمال الأجسام مثالا للسعادة.

وهل السعادة سلطة ليكون القادة السياسيون مثالا لها.

إن الواقع يكذب ذلك فالسعادة لا تعدو أن تكون طريقة في التفكير ونمطا في العيش ومنهجا في الحياة، والسعادة إن تمت بقليل من المال فلا حاجة إلى كثيره وإن تمت بدونه فلا حاجة إليه، و كم من فقير يضحك ملء فيه وكم من غني لا يجد إلى الضحك سبيلا.

والسعادة أيضا ليست بالمنصب الاجتماعي ولا بالمستوى الثقافي ولا بالوظيفة ولا بالصحة حتى، فكم من عليل سقيم ومعاق لا تفارق الابتسامة محياه، وكم من صحيح في بدنه ساخط على حظه.

ولو أردنا أن نوضح أكثر فسيتضح الأمر مع السؤال الآتي: هل السعادة مطلب روحي نفسي عقلي أم مطلب مادي بدني مالي شهوي؟

العلاقة بين السعادة والكمال

يربط المرحوم بديع الزمان بين السعادة والكمال، بموضوعية عقلية ووسطية لطيفة، فالسعادة عنده ثمرة الكمال يقول:

"للوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل، وذلك بالتوجه القلبي إلى الله طوال سيره وسلوكه، وأثناء معاناته الروحية، التي تسمو بحياته المعنوية، أي الوصول إلى مرتبة المؤمن الحق، والمسلم الصادق، أي نيل حقيقة الإيمان والإسلام، لا صورتيهما. ثم أن يكون الإنسان عبدا خالصا لرب العالمين، وموضع خطابه الجليل، وممثلا عن الكائنات الحية، ووليا لله وخليلا له، حتى كأنه مرآة لتجلياته سبحانه، وفي أحسن تقويم حقا، فيقيم الحجة على أفضلية بني آدم على الملائكة. وهكذا يطير بجناحي الإيمان والعمل بالشريعة إلى المقامات العليا، والتطلع من هذه الدنيا إلى السعادة الأبدية، بل الدخول فيها"[5]

وهذا يعني أن السعادة ليست مجرد تمثل سطحي ظاهري ولكنها معنى عميق يقوم في العقل والنفس والروح، يتجسد عمقه في الايمان بالله والمعرفة بمراتب الموجودات. وغير ذلك من مظاهر السعادة لا يعدو أن يكون مجرد سعادة وهمية، يقول سعيد في رسم هذا المعنى:

"إن الذين يجعلون غاية هذه الحياة محصورة في: "عيش برفاه، وتمتع بلذة، وتنعم بهوى" إنما يستخفون – بجهالة ممقوتة – هذه النعمة الغالية الكبرى: نعمة الحياة وهدية الشعور، وإحسان العقل ويحقرونها وينكرونها بل يكفرون بها فيرتكبون كفرانا عظيما، وإثما مبينا"[6].

ويقول أيضا: "الإنسان الذي تاه في كثرة المخلوقات وغرق في الكائنات، وأخذ حب الدنيا حتى غره تبسم الفانيات وسقط في أحضانها، لا شك أن هذا الإنسان يخسر خسرانا مبينا، إذ يقع في الضلال والفناء والعدم، أي يعدم نفسه معنى.

ولكن إذا ما رفع هذا الإنسان رأسه واستمع بقلب شهيد لدروس الإيمان من لسان القرآن، وتوجه إلى الوحدانية فإنه يستطيع أن يصعد بمعراج العبادة إلى عرش الكمالات والفضائل فيغدو إنسانا باقيا"[7].

فالسعادة تقوم على عدة كمالات ؛ صحية ونفسية وفكرية واجتماعية وليست قائمة فقط على الجوانب المادية.

فنحن إن تصورنا الكمال الإنساني تصورا صحيحا وسعينا إليه سعيا حثيثا سليما أدركنا السعادة ولتوضيح ذلك لا بد من الوقوف على معنى الانسان الكامل أو الكمال الإنساني وتجلياته عند بديع الزمان.

مفهوم الإنسان في كليات رسائل النور

يعرف النورسي الإنسان من خلال فطرته تارة ومن خلال طبيعته تارة أخرى ومن خلال وظيفته والغاية من خلقه أحيانا فهو:

" ثمرة شجرة الخلقة أبعد شيء عن البذرة وأجمع لخصائص الكل"[8]

"إن الانسان هو الثمرة النهائية لشجرة الخلقة ومن المعلوم أن الثمرة هي أبعد أجزاء الشجرة وأجمعها وألطفها، لذا فإن الإنسان هو ثمرة العالم، وأجمع وأبدع مصنوعات القدرة الربانية"[9]

وهو "أكرم ضيف في قصر الكون"[10].

فهذه النصوص تظهر مكانة الإنسان بين المخلوقات الأخرى، وتوضح اختيار سعيد النورسي في تفضيل النوع الإنساني على الملائكة، وهذا اختلاف قديم تناوله المفسرون والمتكلمون أثناء تطرقهم لآيات سجود الملائكة لآدم[11]

فهذه العناية في الإبداع والصنع لا تنفك عن الوظيفة المناطة به فهو:

" أنشط موظف مأذون له بالتصرف في سكنة ذلك القصر"[12].

والإنسانية عند بديع الزمان تنقسم إلى صغرى وكبرى وترادفها الحقة، فالصغرى هي ما تنتجه المدنية أو الحضارة البشرية أما الكبرى فهي الإسلام قال رحمه الله: "إن الإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى سيسطع كالشمس في رابعة النهار، في سماء المستقبل، وعلى جنان آسيا"[13]. ويقول أيضا:  "إن الحاكم على الدهر، وعلى طبائع البشر، إلى يوم القيامة، هو حقيقة الإسلام، التي هي تجلي العدالة الأزلية في عالم الكون، والتي هي الإنسانية الكبرى، وما محاسن المدنية التي هي الإنسانية الصغرى إلا مقدمة لها"[14].

والإنسان هو الفهرست الكوني لتجليات الأسماء الحسنى، لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته، واستخلافه في الأرض لعبادة الله الواحد الأحد.

وقوله: الإنسان هو الفهرست الكوني الجامع، أي الجامع لكل الخصائص الموجودة في الكون فهو بمثابة صورة مصغرة للعالم الكبير وهذا فيه دلالة على جامعية الإنسان وشموليته الخلقية، قال رحمه الله:" كما أن الإنسان عالم صغير، كذلك العالم إنسان كبير. فهذا الإنسان يمثل خلاصة الإنسان الكبير وفهرسه. فالنماذج المصغرة في الإنسان لا بد أن أصولها الكبيرة المعظمة موجودة في الإنسان الأكبر بالضرورة"[15].

وقال أيضا:" لما كان الإنسان خلاصة جامعة لهذا الكون، فإن قلبه بمثابة خريطة معنوية لآلاف العوالم، إذ كما أن دماغ الإنسان- الشبيه بمجمع مركزي للبث والاستقبال السلكي واللاسلكي­­- وهو بمثابة مركز معنوي لهذا الكون، يستقبل ما في الكون من علوم وفنون، يكشف عنها ويبثها أيضا، فإن قلب الإنسان كذلك هو محور لما في الكون من حقائق لا تحد، ومظهر لها، بل هو ذاتها"[16].

وهذه الصورة التي رسمها لنا النورسي تنم على منطق التوازي والتماثل الموجود بين الكون والإنسان بل إن النورسي دائما يستحضر جسدية الكون فيجعل له روحا وعقلا وقلبا وجسدا كما للإنسان تماما، فالإنسان عالم قائم بذاته يشبه في تنظيمه وأسراره الكون بأسره.‏

أتزعم أنك جرْم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبرُ.‏

 فيقول:

"نعم، كما أن الحياة هي خلاصة مترشحة من هذا الكون والشعور والحس مترشحان من الحياة، فهما خلاصتها، والعقل مترشح من الشعور والحس، فهو خلاصة الشعور، والروح هي الجوهر الخالص الصافي للحياة، فهي ذاتها الثابتة المستقلة كذلك الحياة المحمدية المادية والمعنوية مترشحة من روح الكون والرسالة المحمدية كذلك مترشحة من حس الكون وشعوره وعقله. فهو أصفى خلاصته.

بل إن حياة محمد صلى الله عليه وسلم المادية والمعنوية بشهادة آثارها حياة لحياة الكون. والرسالة المحمدية شعور لشعور الكون ونور له. والوحي القرآني بشهادة حقائقه الحيوية روح لحياة الكون وعقل لشعوره أجل.

فإذا ما فارق نور الرسالة المحمدية الكون وغادره مات الكون وتوفيت الكائنات، وإذا ما غاب القرآن وفارق الكون لجن جنونه ولفقدت الكرة الأرضية صوابها، ولزال عقلها ولظلت دون شعور ولاصطدمت بإحدى سيارات الفضاء ولقامت القيامة"[17].

- الإنسان هو العاكس الأتم للأسماء الحسنى. وذلك بما وهب من صفات نسبية تستمد من صفات الله المطلقة كالعلم والقدرة والبصر والسمع والتملك والحاكمية..[18]

- الإنسان ساع لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته.

- الإنسان في سيره إلى الله وعبادته راجع إلى ما فطره الله عليه[19].

نعم: إن الإنسانية: هي الفطرة التعبدية لدي الإنسان، ببعدها الكوني الشامل، واستعداداتها التفكرية لتذوق الإيمان.

الكمال الإنساني

لا بد أن نميز ابتداء بأن المقصود هو الكمال في صورته الانسانية، ذلك أن الكمال الإلهي لا سبيل لتحقيقه، وقد تفرد به الحق سبحانه وتعالى، ومن نازعه فيه آل إلى أقصى دركات النقص، وانحط عن درجة العجماوات. فهناك كمال إلهي وكمال الملائكة وكمال الانسان وكمال الحيوان، ولا بد من التمييز بين كل ذلك، فكمال الإله مطلق وكمال الملك في الطاعة، ولذلك كان الملائكة المقربون. وكمال الحيوان في بدنه، وجمع الإنسان كل ذلك، مستمدا كماله من الكمال الإلهي وعاكسا لأسماءه الحسنى، إلا أن كماله كمال عبودية، وكمال الله كمال ربوبية وألوهية.

يذكر الفخر الرازي بأن التقسيم العقلي قد دل على أن الأحياء إما أن تكون خيرة محضة أو شريرة محضة أو تكون خيرة من وجه شريرة من وجه فالخير المحض هو النوع الملكي والشرير المحض هو النوع الشيطاني والمتوسط بين الأمرين هو النوع البشري وأيضاً فإن الإنسان هو الناطق المائت وعلى جانبيه قسمان آخران أحدهما الناطق الذي لا يكون مائتاً وهو الملك والآخر المائت الذي لا يكون ناطقاً وهم البهائم"[20].

وقد حصر العلماء الكمالات الإنسانية في ثلاثة أبعاد كبرى، بعد روحي وبعد عقلي وبعد بدني. وكل بعد له فروع واختص الإنسان كل فرع بعلم أجمل فيه قواعد الكمال، فقيل : العلوم عشرة علم التوحيد للأديان، وعلم السر لرد الشيطان، وعلم المعاشرة للإخوان، وعلم الشريعة للأركان، وعلم النجوم للأزمان، وعلم المبارزة للفرسان، وعلم السياسة للسلطان، وعلم الرؤيا للبيان، وعلم الفراسة للبرهان، وعلم الطب للأبدان، وعلم الحقيقة للرحمن. فكل علم يكمل جانبا من جوانب الإنسان. فكمال الدين في التوحيد، وكمال الفارس في قوة المبارزة وكمال البدن في علم الطب... وقد جمع الحديث النبوي بعض هذه الجوانب كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، كان كمن حيزت له الدنيا بحذافيرها "[21] .

- قال بديع الزمان: "للإنسان لطائف كثيرة جدا، كالقلب، منها العقل والروح والسر. كل لطيفة منها مكلفة بوظيفة، ومأمورة للقيام بعمل خاص بها. فالإنسان الكامل: هو – كالصحابة الكرام – يسوق جميع تلك اللطائف إلى مقصوده الأساس، وهو عبادة الله. فيسوق القلب –كالقائد- كل لطيفة منها، ويوجهها نحو الحقيقة، بطريق عبودية خاص بها. عند ذلك تسير الكثرة الكاثرة من اللطائف جنودا في ركب عظيم، وفي ميدان واسع فسيح، كما هو لدى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم"[22]

وقد جاء في الحديث النبوي الشريف : كل ميسر لما خلق له[23]. وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: قيمة المرء ما يحسن[24].وفي هذه النصوص تظهر علاقة السعادة بالاستعدادات والميولات الفطرية لدى الإنسان "للوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل، وذلك بالتوجه القلبي إلى الله طوال سيره وسلوكه، وأثناء معاناته الروحية، التي تسمو بحياته المعنوية، أي الوصول إلى مرتبة المؤمن الحق، والمسلم الصادق، أي نيل حقيقة الإيمان والإسلام، لا صورتيهما. ثم أن يكون الإنسان عبدا خالصا لرب العالمين، وموضع خطابه الجليل، وممثلا عن الكائنات الحية، ووليا لله وخليلا لهن حتى كأنه مرآة لتجلياته سبحانه، وفي أحسن تقويم حقا، فيقيم الحجة على أفضلية بني آدم على الملائكة. وهكذا يطير بجناحي الإيمان والعمل بالشريعة إلى المقامات العليا، والتطلع من هذه الدنيا إلى السعادة الأبدية، بل الدخول فيها"[25]. كما أن "ذروة الكمال الإنساني، إنما هو في الإيمان والمعرفة القدسية، السامية، المفصلة، والمبرهنة، النابعة من الإيمان التحقيقي"[26].

- ولذلك كان "الصحابة الكرام هم في قمة الكمال الإنساني، حيث إن التحول العظيم الذي أحدثه الإسلام في مجرى الحياة في ذلك الوقت، سواء في المجتمع أو في الفرد، قد أبرز جمال الخير والحق، وأظهر نصاعتها الباهرة"[27]

وقد حدد بديع الزمان طرق الوصول إلى الكمال فقال: "إن أصول العروج إلى عرش الكمالات –وهو معرفة الله عز وجل – أربعة:

- أولها: منهاج علماء الصوفية، المؤسس على تزكية النفس، والسلوك الإشراقي.

- ثانيها: طريق علماء الكلام المبني على الحدوث والإمكان (...)

- ثالثها: مسلك الفلاسفة.

هذه الثلاثة ليست مصونة من الشبهات، والأوهام.

- رابعها: المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه، وأقربه إلى الله، وأشمله لبني الإنسان. ونحن قد اخترنا هذا الطريق، وهو نوعان:

- الأول: دليل العناية : (...) وزبدة هذا الدليل: رعاية المصالح والحكم في نظام العالم الأكمل، مما يثبت قصد الصانع وحكمته وبنفي وهم المصادفة (...)

- الدليل القرآني الثاني: دليل الاختراع. وخلاصته أن الله تعالى قد أعطى كل فرد، وكل نوع، وجودا خاصا، هو منشأ آثاره المخصوصة، ومنبع كمالاته اللائقة فلا نوع يتسلسل إلى الأزل"[28]. وقال أيضا عن هذا الأصل الأخير: "إذا ربى الإنسان بذرة استعداده وسقاها بماء الإسلام وغذاها بضياء الإيمان تحت تراب العبودية موجها أجهزتها المعنوية نحو غاياتها الحقيقية بامتثال الأوامر القرآنية فلا بد أنها ستنشق عن أوراق وبراعم وأغصان تمتد فروعها وتتفتح أزاهيرها في عالم البرزخ وتولد في عالم الآخرة وفي الجنة نعما وكمالات لا حد لها"[29].

والكمال كما يقول الرازي: لا ينال بالأعمال الجسدانية بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الإشراق والصفاء والنور[30]، فالكمال إذن كامن في النفس وكذا العقل فهما من أعلى مراتب الكمال الانساني، كما ذكر القاضي عياض في مادة "كمل" الواردة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( ك م ل ) قوله كمل من الرجال كثير يقال بفتح الميم وضمها وكسرها ثلاث لغات أي انتهى في الفضل نهاية التمام والكمال دون نقص وقيل كمل في العقل إذ قد وصف النساء بنقص ذلك[31].

السعادة عند النورسي

يميز النورسي في السعادة بين سعادة دنيوية وسعادة أبدية أو سعادة عاجلة وآجلة ويعتبر السعادة الأبدية سعادة الدارين وهي الأصل فالسعادة شجرة ماؤها وغذاؤها وهواؤها وضياؤها الإيمان بالله، والدار الآخرة.

ومن عنده أَدب جم، وذوق سليم وخلق شريف، أسعد نفسه وأسعد الناس، ونال صلاح البال والحال[32].

ويربط النورسي السعادة بسيد البشرية باعتباره موجها إليها ودالا عليها، عندما يقول: "فإن قلت : من هذا الشخص الذي نراه قد صار شمسا للكون، كاشفا بدينه عن كمالات الكائنات، وما يقول؟ قيل لك: انظر واستمع ما يقول، ها هو يخبر عن سعادة أبدية ويبشر بها، ويكشف عن رحمة بلا نهاية، ويعلنها ويدعو الناس إليها. وهو دلال محاسن سلطنة الربوبية ونظارها، وكشاف مخفيات كنوز السماء الإلهية ومعرفها.

فانظر إليه من جهة وظيفته، تره برهان الحق وسراج الحقيقة وشمس الهداية ووسيلة السعادة.

ثم انظر إليه من جهة شخصيته تره مثال المحبة الرحمانية، وتمثال الرحمة الربانية، وشرف الحقيقة الإنسانية، وأنور أزهر ثمرات شجرة الخلقة"[33]

ويضيف في نفس السياق: "اعلم أن هذا الشخص، المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية، كما أنه برهان ناطق صادق على الوحدانية، ودليل حق بدرجة حقانية التوحيد... كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية، بل كما أنه بدعوته وبهدايته سبب حصول السعادة الأبدية ووسيلة وصولها ... كذلك هو بدعائه وعبوديته سبب وجود تلك السعادة ووسيلة إيجادها"[34].   

ويعتبر سعادة الفرد على قدر كماله، ولذلك فاق رسول الله الانبياء والبشرية جمعاء في السعادة وفي الدعوة إليها جاء في مفاتيح الغيب كلام ينسبه الرازي إلى الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه الله، وحاصله أن الإنسان إما أن يكون ناقصاً أو كاملاً أو خالياً عن الوصفين، أما الناقص فإما أن يكون ناقصاً في ذاته ولكنه لا يسعى في تنقيص حال غيره وإما أن يكون ناقصاً ويكون مع ذلك ساعياً في تنقيص حال الغير فالأول هو الضال والثاني هو الضال المضل وأما الكامل فإما أن يكون كاملاً ولا يقدر على تكميل الغير وهم الأولياء وإما أن يكون كاملاً ويقدر على تكميل الناقصين وهم الأنبياء ولذلك قال عليه السلام ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) ولما كانت مراتب النقصان والكمال ومراتب الإكمال والإضلال غير متناهية بحسب الكمية والكيفية لا جرم كانت مراتب الولاية والحياة غير متناهية بحسب الكمال والنقصان فالولي هو الإنسان الكامل الذي لا يقوى على التكميل، والنبي هو الإنسان الكامل المكمل، ثم قد تكون قوته الروحانية النفسانية وافية بتكميل إنسانين ناقصين، وقد تكون أقوى من ذلك فيفي بتكميل عشرة ومائة وقد تكون تلك القوة قاهرة قوية تؤثر تأثير الشمس في العالم فيقلب أرواح أكثر أهل العلم من مقام الجهل إلى مقام المعرفة ومن طلب الدنيا إلى طلب الآخرة وذلك مثل روح محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فإن وقت ظهوره كان العالم مملوءاً من اليهود وأكثرهم كانوا مشبهة ومن النصارى وهم حلولية ومن المجوس وقبح مذاهبهم 

ظاهر ومن عبدة الأوثان وسخف دينهم أظهر من أن يحتاج إلى بيان فلما ظهرت دعوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) سرت قوة روحه في الأرواح فقلب أكثر أهل العالم من الشرك إلى التوحيد ومن التجسيم إلى التنزيه ومن الاستغراق في طلب الدنيا إلى التوجه إلى عالم الآخرة فمن هذا المقام ينكشف للإنسان مقام النبوة والرسالة إذا عرفت هذا فنقول قوله ﴿وَمَا لَنَا أَن لا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾[35] إشارة إلى ما كانت حاصلة لهم من كمالات نفوسهم وقولهم في آخر الأمر ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَلِ المُتَوَكِلُون﴾ إشارة إلى تأثير أرواحهم الكاملة في تكميل الأرواح الناقصة فهذه أسرار عالية مخزونة في ألفاظ القرآن فمن نظر في علم القرآن وكان غافلاً عنها كان محروماً من أسرار علوم القرآن والله أعلم[36].

فيا للعجب! ما يطلب هذا الذي قام على الأرض وجمع خلفه جميع الأنبياء، أفاضل بني آدم، ورفع يديه متوجها إلى العرش الأعظم ويدعو دعاء المؤمن عليه الثقلان، ويعلم من شؤونه أنه شرف نوع الإنسان، وفريد الكون والزمان، وفخر هذه الكائنات في كل آن، ويستشفع بجميع الأسماء القدسية الإلهية المتجلية في مرايا الموجودات، بل تدعو وتطلب تلك الأسماء عين ما يطلب هو. فاستمع! ها هو يطلب البقاء واللقاء والجنة والرضاء. فلو لم يوجد مالا يعد من الأسباب الموجبة لإعطاء السعادة الأبدية من الرحمة والعناية والحكمة والعدالة المشهودات – المتوقف كونها رحمة وعناية وحكمة وعدالة – على وجود الاخرة، وكذا جميع الأسماء القدسية، أسبابا مقتضية لها، لكفى دعاء هذا الشخص النوراني لأن يبني ربه له وأبناء جنسه الجنة.[37]    

كما يربط النورسي بين السعادة والفطرة والنظام والتوازن، فيقول: "إن عدم الإسراف في الفطرة، الثابت بشهادة علم منافع الأعضاء ولا سيما أن العالم الأصغر – الإنسان – يدل على عدم الإسراف في الاستعدادات المعنوية للإنسان وآماله وأفكاره وميوله. وهذا يعني أنه مرشح للسعادة الأبدية.

نعم! لولا السعادة الأبدية لتقلصت كل المعنويات وضمرت وذهبت هباءا منثورا. فيا للعجب، إن كان الاهتمام والعناية بغلاف جوهر الروح – وهو الجسد – إلى هذه الدرجة، حتى يحافظ عليه من وصول الغبار إليه، فكيف تكون العناية بجوهر الروح نفسه؟ وكيف يمحى ويفنى إذن؟ كلا .... بل العناية بالجسد إنما هي لأجل تلك الروح".[38]

كما يربط بين السعادة والإسلام، ويستدل على ذلك بشهادة غير المسلمين كبسمارك فنراه يقول: -المثال الثاني- هو الأمير بسمارك الذي يعتبر من أشهر رجال الفكر في تاريخ أوروبا الحديث، يقول هذا الفيلسوف: " لقد درست الكتب السماوية بإمعان، فلم أجد فيها الحكمة الحقيقية التي تكفل سعادة البشرية، وذلك للتحريف الذي حصل فيها. ولكني وجدت قرآن محمد صلى الله عليه وسلم يعلو على سائر الكتب، وقد وجدت في كل كلمة منه حكمة. وليس هناك كتاب يحقق سعادة البشرية مثله. ولا يمكن أن يكون كتاب كهذا من كلام البشر. فالذين يدعون أن هذه الأقوال أقوال محمد صلى الله عليه وسلم يكابرون الحق وينكرون الضرورات العلمية، أي أن كون القرآن كلام الله أمر بديهي"[39]، ويعقب النورسي على مجموع استدلالاته بالقول: أفلا تنتج المقدمات التي أسلفنا ذكرها حتى الآن: أن الإسلام وحده سيكون حاكما على قارات المستقبل حكما حقيقيا ومعنويا وأن الذي سيقود البشرية إلى السعادتين الدنيوية والأخروية ليس إلا الإسلام والنصرانية الحقة المنقلبة إلى الإسلام والمتفقة معه والتابعة للقرآن بعد تحررها من التحريفات والخرافات.[40]

كما يربط بين السعادة والإيمان فيقول: "فالإنسان الذي يظفر بالإيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكائنات ويتخلص من ضيق الحوادث، مستندا إلى قوة إيمانه فيبحر متفرجا على سفينة الحياة في خضم أمواج  الأحداث العاتية بكمال الأماني والسلام: قائلا: توكلت على الله ويسلم أعباءه الثقيلة أمانة إلى يد القدرة للقدير المطلق، ويقطع بذلك سبيل الدنيا مطمئن البال في سهولة وراحة حتى يصل إلى البرزخ ويستريح، ومن ثم يستطيع أن يرتفع طائرا إلى الجنة للدخول على السعادة الأبدية"[41]. والإيمان الذي يقصده النورسي إيمان يصدقه العمل.

"فالإيمان إذن يقتضي التوحيد، والتوحيد يقود إلى التسليم، والتسليم يحقق التوكل، والتوكل يسهل الطريق إلى سعادة الدارين"[42].

مراتب السعادة

إن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى[43]، وذلك لأن مراتب السعادة ثلاث نفسانية وبدنية وخارجية وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول خلق الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب الثلاث السعادات النفسانية وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل إنفاق المال كانت السعادة الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه الحالة أكمل فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي حصول ما وعد الله به من حصول الفضل والثاني وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت عن الروح هيئة الاشتغال بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها ولا مانع للروح من تجلي نور جلال الله لها إلا حب الدنيا "[44].

وانظر إلى حال سيدنا ومولانا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كيف من الله عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى[45] فقدم الامتنان بالعلم على الامتنان بالمال وقال أيضاً: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ[46]  وقال: ﴿ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا[47] ثم إنه أول ما أوحى إليه قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ[48]  ثم قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ[49]، وهو عليه الصلاة والسلام كان أبداً يقول أرنا الأشياء كما هي فلو لم يظهر للإنسان مما ذكرنا من الدلائل النقلية والعقلية شرف العلم لاستحال أن يظهر له شيء أصلاً وأيضاً فإن الله تعالى سمى العلم في كتابه بالأسماء الشريفة فمنها الحياة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ[50] وثانيها الروح: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا[51] وثالثها النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ[52] وأيضاً قال تعالى في صفة طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ[53] فقدم العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن فسعادة البدن أشرف من السعادة المالية فإذا كانت السعادة العلمية راجحة على السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحة على السعادة المالية وقال يوسف ﴿اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الاْرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [54] ولم يقل إني حسيب نسيب فصيح مليح وأيضاً فقد جاء في الخبر   ( المرء بأصغريه قلبه ولسانه ) إن تكلم تكلم بلسانه وإن قاتل قاتل بجنانه قال الشاعر:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده             فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

علامات السعادة

 - الطهارة : استمدها الرازي انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ[55]  واعلم أن المعتمد في تفسير هذه الآية ما بينا أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات السعادة[56]

- المسارعة إلى الأعمال الصالحة : والواجب على العبد أن يسارع إلى الأعمال الصالحة فإنها من علامات السعادة والتأخير وطول الأمل من علامات الشقاوة[57]

- تيسير الطاعة عليه وموافقة السنة : وقال أبو على الحسن بن علي الجوزجاني من علامات السعادة على العبد تيسير الطاعة عليه وموافقة السنة في أفعاله وصحبته لأهل الصلاح وحسن أخلاقه مع الإخوان وبذل معروفه للخلق واهتمامه للمسلمين ومراعاته لأوقاته[58]

- التفقه في الدين : ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات السعادة، أن يفقه العبد في دين الله، فقال عليه الصلاة والسلام: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"[59] وما ذاك إلا لأن الفقه في الدين، يحفز العبد على القيام بأمر الله وخشيته، وأداء فرائضه، والحذر من مساخطه، ويدعوه إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والنصح لله ولعباده.

وغير هذه العلامات كثير وكان بودنا أن نذكر أسباب السعادة وموانعها لولا ضيق المقام، ولكنني سأحرص على تتبعها من خلال رسائل النور تتبعا استقرائيا.

خاتمة

نختم فنقول: السعادة تقوم على عدة كمالات؛ صحية ونفسية وفكرية واجتماعية وليست قائمة فقط على الجوانب المادية.

والسعادة دين يتبعه عمل، ويصحبه حمل النفس على المكاره، وجبلها على تحمل المشاق والمتاعب، وتوطينها لملاقاة البلاء بالصبر، والشدائد بالجلد، والسعيد من آثر الباقي على الفاني وبمفهوم سعيد النورسي من آثر السعادة الأبدية على السعادة الدنيوية ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً[60]. ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ[61].

إن السعادة هي الرضا بالله والقناعة بالمقسوم والثقة بالله واستمداد المعونة منه، من ذاق طعم الإيمان ذاق طعم السعادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا)[62].

وفي الأخير أقول إن سعادة البشرية هي سعادة كلية وكليتها في كلية أجزائها وأفرادها، بمعنى أنها تبنى على سعادة الأفراد فلا سعادة لمجتمع أغلب أفراده يعيشون في الشقاء والجهل والضلال والبؤس. وهذه السعادة لاتصدر إلا عن عقل كلي وتوجيه رباني ولذلك أنزل الله الكتب وأرسل الرسل.

 

---------------------------------

لائحة المصادر والمراجع

- ابن الحاج، المدخل، دار الفكر، ط2، 1977م.

- ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة. تحقيق علي فودة، مكتبة الخانجي، ط2. 1994م.

- أبو إسحاق الشاطبي، الاعتصام، تحقيق سيد إبراهيم، دار الحديث القاهرة، ط1، 2000م.

- أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف، المجلد الثامن الطبعة 1 – 1989 دار الفكر لبنان.

- إسماعيل حقي بن مصطفى الحنفي الخلواتي، ت 1127هـ، روح البيان، ضبط وتصحيح وتخريج عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2003م.

- الفخر الرازي، محمد الرازي فخر الدين، مفاتيح الغيب، دار الفكر، لبنان، ط1، 1981م.

- القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، مشارق الأنوار على صحاح الآثار في شرح غريب الحديث، دار الكتب العلمية، ط1، 2002م.

- القرآن الكريم.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الإيمان وتكامل الإنسان، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، القاهرة، ط3.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الثمرة من شجرة الإيمان، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2. 2001م.   

- بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، المثنوي العربي النوري. ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، الملاحق، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، رسالة الحشر، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، القاهرة، ط3. 2001.

- بديع الزمان سعيد النورسي، رسالة الشكر، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، القاهرة، ط3. 2001م.

- بديع الزمان سعيد النورسي، صيقل الإسلام، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر شركة سوزلر، فرع القاهرة، دار الكتب المصرية، ط4، 2004م.

- صحيح البخاري

- صحيح مسلم.

- عائض القرني: " لا تحزن"، مكتبة العبيكان، الرياض، ط3 لجمهورية مصر العربية سنة 2005م.

- فريد الأنصاري، مفاتح النور في مفاهيم رسائل النور ، دار النيل ط1، 2010.

 

 

---------------------------------

[1] - أقول هذا الكلام لأن النصوص التي وردت في هذا الشأن كثيرة ولا يستوعبها إلا بحث مستقل.

[2] -  مفاتح النور في مفاهيم رسائل النور للدكتور فريد الأنصاري، دار النيل ط1 ص245.

[3] - هذا الكلام مقتبس من المدخل لابن الحاج، دار الفكر، ط2، 1977،  3/63-64.

[4] - المثنوي العربي النوري، ص289-290.

[5] - المكتوبات ص 593

[6] - رسالة الشكر، انظر غلاف الكتاب

[7] - الثمرة من شجرة الإيمان انظر غلاف الكتاب

[8] - الكلمات، ص 418.

[9] - الكلمات، ص 204.

[10] - الشعاعات، ص 272.

[11] - لولا مخافة الطول لأوردنا أقوال العلماء في ذلك.

[12] - نفسه، نفس ص.

[13] - صيقل الإسلام ص 49-50.

[14] - صيقل الإسلام ص 51-52

[15] - اللمعات، ص 127.

[16] - المكتوبات، ص 571.

[17] - رسالة الحشر

[18] - انظر مفاتيح النور للمرحوم فريد الأنصاري، ص 114.

[19] - راجع كليات رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي، مجلد الكلمات والشعاعات، وراجع مفاتيح النور المعجم الشامل للكليات للدكتور فريد الأنصاري، مصطلح الإنسان.

[20] - مفاتيح الغيب 2/251.

[21] - مسند الحميدي رقم 439، و إتحاف السادة المتقين للزبيدي 9/87 و 273. نقلا عن موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف إعداد أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، المجلد الثامن ص95 الطبعة 1 – 1989 دار الفكر لبنان.

[22] - الكلمات ص 582.

[23] - رواه مسلم في كتاب القدر من حديث مطرف عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله اعلم اهل الجنة من اهل النار فقال نعم قال ففيم يعمل العاملون قال: كل ميسر لما خلق له.

[24] - انظر ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة. تحقيق علي فودة مكتبة الخانجي، ط2، ص 200. والنص أورده الجاحظ في البيان والتبيين ضمن مقاطع من كلام البلغاء.

[25] -  المكتوبات ص 593

[26] - الملاحق ص 278.

[27] - الكلمات ص 573.

[28] - صيقل الإسلام ص 122-124.

[29] - الإيمان وتكامل الإنسان. ص40

[30] - مفاتيح الغيب، 10/108 .

[31]- القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، مشارق الأنوار على صحاح الآثار دار الكتب العلمية ط1/2002 ص1/554. الحديث أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 32-36. ومسلم في فضائل الصحابة حديث 70.

[32] - عائض القرني: " لا تحزن"

[33] - المثنوي العربي النوري، ص .59.

[34] - المثنوي العربي النوري، ص 62.

[35] - إبراهيم : 15

[36] - مفاتيح الغيب 19/99-100 المجلد العاشر.

[37] - المثنوي العربي النوري، ص 63.

[38] - صيقل الإسلام، ص 160.

[39] - صيقل الإسلام، ص 498.

[40] - صيقل الإسلام، ص 499.

[41] - الكلمات ص 352.

[42] - الكلمات، 353

[43] - مفاتيح الغيب. 6/8.

[44] -  مفاتيح الغيب. 7/71-72.

[45] - الضحى 7-8

[46] - الشورى 52

[47] - هود 49

[48] - العلق 1

[49] - النساء 113

[50] - الأنعام 122

[51] - الشورى 52

[52] - النور 35

[53] - البقرة 247

[54] - يوسف 55

[55] - المطففين:  

[56] - مفاتيح الغيب  31/98. المجلد السادس عشر.

[57] - روح البيان 3/64

[58] - الاعتصام 1/70.

[59] - أخرجاه في الصحيحين، من حديث معاوية رضي الله عنه.رقم الحديث في صحيح البخاري 1237.

[60] - مريم:96

[61] - الحج:32

[62] - رواه مسلم [62]

 

 

 

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة