العمل الإيجابي وأهميته في حياة المسلمين

 

العمل الإيجابي وأهميته في حياة المسلمين

 

أ.د عمّار جيدل               

كلية العلوم الإسلامية          

– جامعة الجزائر1 بن يوسف بن خده –

ملخّص البحث:

يعرف العالم الإسلامي في ظل الظروف الراهنة كثيرا من مظاهر التزاحم المشروع، والذي تحوّل بفعل غياب الانتماء إلى الأمة والوطن في التصرفات إلى مصدر تهالك على إشباع الحاجات المادية والمعنوية الفردية على حساب الأمة والمجتمع والوطن، فشاع فينا داء "نفسي نفسي" ومرض" أنا مالي"[1] فكانا منبعين رئيسين للمهلكات، فتحوّل التزاحم المشروع في أصل وضعه إلى مصدر بلاء.

تحوّل التزاحم إلى تكسير عظام المتخالفين لبعضهم البعض، حتى غدت ساعة الحرية ساعة فوضى بامتياز، وغدا التشهير بالمخالف مسلكا أساسيا في التعامل مع المخالف الفكري والمسلكي، في وضع هذا شأنه نحن بحاجة إلى الاستفادة من خبرة علمية وعملية لثقافة العمل الإيجابي، ذلك أنّها دعوة للبذل قدر الطاقة لأجل الصالح العام مرضاة لله تعالى، والإفادة من كلّ المكوّنات فيما تحسن الخوض فيه والإفادة به.

تنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها: إنّ المجتمعات المفتقدة لثقافة العمل الإيجابي تتآكل طاقاتها ومكاسبها وقواها المادية والمعنوية، بحيث يتفنن أهل الوطن الواحد في كيفية منع بعضهم بعضا من بذل أي معروف أو عمل مفيد لحركة تنمية المجتمع والوطن والأمة، فينصب الجهد على منع المخالف من تأطير الواقع فكريا واجتماعيا.

تحاول الورقة المقدّمة بين أيديكم بيان الأثر السلبي لغياب ثقافة العمل الإيجابي، وأهمية استحضار ثقافة العمل الإيجابي في التعامل الإيجابي مع الحاضر وصناعة المستقبل.

مقدمة:

     تعد رسائل النور [2]_التي صنّفها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي[3]_ في حقيقة أمرها ووفق ما أراد صاحبها جامعة بديلة عن المدرسة التي تمكَّن منها خللٌ طرأ على أهلها في أوضاعهم العلمية والأدبية والأخلاقية إضافة إلى أوضاعهم الإيمانية أو الدينية بصفة عامة، لهذا كانت رسائل النور في وضعها الأصلي برنامج تلك الجامعة، ونظرا لعدم التمكّن العملي من تنفيذ مشروع تلك الجامعة، فقد تحوّل برنامجها المعروف برسائل النور إلى جامعة حرة مفتوحة متنقّلة.

والرغبة في معالجة وضع تسترعي معرفته تيسيرا لإصلاحه، نعرف حال الإسلام والمسلمين من خلال السؤال عن الأسباب التي دعت الأستاذ النورسي إلى التفكير في تأسيس تلك الجامعة (الزهراء)، وهو سؤال في حقيقة الأمر عن الأسباب الداعية إلى التفكير في وضع رسائل النور. وهل مازالت تلك الأسباب قائمة، فتبقى قيمة رسائل النور كبيرة لبقاء مبررات نشأتها ماثلة أمامنا ؟

الضرورات المنهجية لمعالجة الموضوع في إطار فسحة زمنية مقدّرة لإلقاء المحاضرة، فرضت عرض تشخيص أوضاع العالم الإسلامي كما صوّرتها رسائل النور، ثم التعريج على العلاج كما صوّره بديع الزمان[4]، فنعرض قضيتين في شكل متداخل يفي بالغرض ويستجيب للاختصار المركّز الذي تفرضه المؤتمرات العلمية.

تؤكّد مقاصد[5] رسائل النور أنّ القصد الأكبر منها هو خدمة الإنسان مقصد مقاصد رسائل النور، ذلك أنّ الإنسان هو المحور الرئيس الذي تدور عليه الرسائل، فهو مراعى في صياغة الرسائل ولغتها وأساليبها وأمثلتها وتفاصيل مواضيعها...، والإنسان المراعي في جملة ما أشرنا إليه هو ابن عصره ومصره، يتأثّر بأوضاعه ويؤثّر فيها، وبالرغم من تأثير المعطيات اليومية والعامة الزمنية على تفكيره في الواقع، وإظهار تنزيل الفهم في تدبير الشأن العام والخاص، وما يفرضه من تغيّر مستمر في تدبير التصرفات في الظروف العادية وظروف التزاحم، إلاّ أنّ هذا لا يغني عن التركيز على العمل الدؤوب على استعادة الإنسان أصل ما خلق مزوّدا به وخلق باستعداد لقبوله، وهذا ما رمت رسائل النور إلى تحقيق القول فيه، تمكينا له من القلوب والعقول وعملا على تجليته في شعاب الحياة، حدّدت رسائل النور المقاصد الكلية للدين[6] وفق ما استشفها الأستاذ بديع الزمان من القرآن الكريم، يستفاد من العرض التفصيلي لمقاصد رسائل النور حال المسلمين أنفسهم وحال الإسلام[7] كما يعرضونه أو يتجلى للآخرين من رؤى المسلمين وتصرفاتهم، لهذا فعرض المقاصد الكلية لرسائل النور ثري بالإشارة إلى المتطلّبات النظرية والعملية في سياق اللحظة الحضارية الراهنة.

فقد المناعة الحضارية: هيمنة العمل السلبي.

إذا فقد الإنسان الشعور بالانتماء للأمة والمجتمع والوطن أصبح عرضة لفقد المناعة الحضارية، وفقدُ المناعة الحضارية المكتسب أساس تجنّد الإنسان في مقدمة الفيلق المسيء لنفسه وأمته ومجتمعه ووطنه، ذلك أنّ حبه لنفسه أفقده الحَمِيَّة الوطنية والدينية والاجتماعية، فلا يهمه أمر البلاد والعباد بقدر ما تهمه نفسه، تلك هي أهم أعراض المرض الخطير الذي أصاب الأمة في مقاتلها، أشار إلى ذلك الأستاذ بديع الزمان في جملة الرسائل وبأساليب مختلفة.
يمكن ومن زاوية وظيفية أن نستشف بمسلك استقرائي أنّ عصرنا تميّز –بحسب تعبير الأستاذ النورسي- بهيمنة العمل السلبي وتضييع العمل الإيجابي والإرهاب والعنف والفوضى والاستبداد والظلم إضافة إلى غيبوبة تسمّت صحوة، بسبب الإيمان المهدد داخليا وخارجيا زيادة إلى المحاولات الملحّة لإبعاد المسلمين عن دينهم من خلال إبعادهم عن القرآن الكريم، ولا شك أن تلك المحاولات قد تعددت صورها وتنوّعت أساليبها في أيامنا الأخيرة، وأتت أُكُلَها للأسف الشديد، بسبب خوف الناس والسلطة الحاكمة من المتديّنين، وبسبب عرض المتدينين لدينهم عرضا غير موفّق، حتى غاب عن العقول التفكير في الضمانات الواقعية لعدم تغوّل البعض على البعض، بصرف النظر عن الألوان الفكرية والسياسية، الخَطْبُ عام في تعامل المخالف مع مخالفه، السلبية تملأ الآفاق، وبالرغم من التساوي في العنجهية والتعسّف والسلبية التي  هي منظار لا يرى من خلاله المصاب بفقد المناعة الحضارية غير سلبيات الآخرين، ويصرف النظر عن إيجابياتهم،  قد تكون هذه الخلال الخسيسة في غير المتديّنين أظهر وأشدّ مما عليه عند المتدينين بالإسلام، إلاّ أنّ هذا لا يمنع من تحميل المسؤولية الأكبر للفصيل الأخير، ذلك أن من منطلق العمل الإيجابي فإنّ اللوم ينصبّ أساسا على خَدَمَةِ الإيمان أكثر مما ينصب على جهود الآخرين، لأنّهم أحرى بمعرفة وضعهم في التخطيط للدعوة وحماية مكاسبها، ومعرفة جيّدة بطريق العرض المراعية لظروف الناس العامة والخاصة في التفكير والتدبير والتبليغ، مع معرفة لما فقدناه في دنيا التدين، وخاصة فقد الصلة بين الإيمان والأخلاق، والذي أصبح بسببه الانتماء غير مثمر، كأنّه مجرد كلمات تلاك ثم ترمى، فضعفت الأخوة والمحبّة والتضحية والاتّحاد، مما سهّل طريق تمكّن كثير من الأمراض الاجتماعية.

هذا حال المسلمين منذ أمد ليس بقصير، والوضع على حاله، ومما يزيد هذا التحليل والتشخيص أهمية اتّساع رقعة تلك النقائص، فقد كانت في بداية أمرها محدودة المساحة إلا أنّها في أيامنا الأخيرة استشرت وعمّت، بحيث لا تجد بلدا من بلاد المسلمين بمنأى عن الوقوع في أسرها أو شراكها، لهذا عدّ تشخيصه عاما ومُعَرّفا بحال بلاد المسلمين قاطبة، وللتشابه الكبير الذي يكاد يصل حدّ التطابق في تشخيص حالنا، عدّت وصفته صالحة لمختلف البيئات الإسلامية بحكم التشابه المشار إليها، كما أنّ مردّ ذلك التشابه راجع إلى صور عرض الإسلام (محرّك الوعي وأساس التعامل مع الكون والحياة والموالف والمخالف...) ومؤسسات استنساخ أنموذج الإنسان كمؤسسات تبليغ الدين وعرضه والمنظومة التربوية والاجتماعية والسياسية والقانونية والفنية والرياضية...

التشخيص: أسباب فقد المناعة الحضارية المكتسب.

شاع بين الناس أنّ الإنسان الذي أزفت أيامه في الحياة الدنيا على الانتهاء، يكون سريع الخطو إلى تطليق دنيا الناس وقصر جهده على ما ينتظره في الدار الآخرة، وهذا شأن من يعيش لنفسه، أمّا من يعيش لأمّته؛ فإنّه يستصحب بتصرّفاته قبل أقواله سنّة النبي (صلى الله عليه وسلّم)، فيتجاوز الأنانية وينادي بملء فيه متأسيا بسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) :"أمتي، أمّتي"[8]

وقد كانِ الأستاذ بديع الزمان النورسي متمثّلا التوجيهات النبوية الكريمة، فضمّن آخر درس ألقاه في الحياة الدنيا[9] توجيهات تبيّن حال الأمّة الإسلامية والخلل الطارئ على تصوّراتها وتصرّفاتها.

ولو أردنا أن نلخّص تلك الأمراض التي أصابت الأمة، لوجدناها ما زالت بيننا تمدّ بعناصر البقاء للرعونة في تصوّراتنا وتصرّفاتنا، ولعلّ أهمّها على رأي النورسي، ما ملخّصه النقاط الآتية:

 تغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي.

أهمية العمل الإيجابي:

    يولّد تغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي الانشغال عن المبادئ المهددة، فتتهيّأ النفوس للغفلة عن إنقاذ الإيمان، ومن ثمّ تضييع وظيفة الخدمة الإيمانية، بسبب ضياع الإخلاص التام، وشيوع التخريب المعنوي.

لم تأت هذه الأمراض الفتّاكة من فراغ، بل صنعناها في مؤسساتنا الاجتماعية واستنسختها منظوماتنا التربوية المتجلية في مؤسسات التعليم العام والتعليم الديني على الخصوص؛ فكانت بالفعل والقول مسوّقات تلك التصوّرات والتصرّفات.

يستشف من مبررات إنشاء مدرسة الزهراء (الجامعة التي تمثّل رسائل النور برنامجها)[10] أنّ الخلل الطارئ على الأمّة نشأ بفعل كسبها وتصرّفات اتباعها، لهذا توقّف الأستاذ عند تلك الأسباب عرضا وتحليلا، ومن زاوية تحيينية  نرى أنّ تلك المبررات مازالت حاضرة بيننا بعناوين مختلفة؛ فمازالت مشكلة التعليم تفرض نفسها، وما زال إهمال المناطق الفقيرة والنائية سببا في توتّر العلاقات بين المركز(السلطة المركزية) والأطراف (مواطن الأقليات أو المنبوذين...)، وزادت المؤامرة على الإسلام استفحالا، وشاعت النـزعات الانفصالية في بلاد المسلمين، وعطّلت المدارس دورها في صناعة الوعي، وتحكّم قلّة قليلة من الأسرة الإنسانية في مصير الأغلبية الساحقة المسحوقة، وتحوّل المؤمنون عن وظيفة الخدمة.

تغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي وآثاره التدميرية:

حضور الأستاذ النورسي في المشهد الثقافي والتربوي أكبر من أن يستدلّ عليه؛ فعباراته الواردة في درسه الأخير، تؤكّد بما لا يدع مجالا للشك أنّنا أمام شخصية منفصلة جسمانيا عن المجتمع[11]، تعيش نوع عزلة شعورية، قلبها يتقطّر شفقة على المجتمع والأمة، ولكن من غير أن يكون منساقا لدواعي الأيام  ومتطلبات الحياة العادية فضلا عن الرغيدة، يتألّم لآلام المجتمع وتضييعه لآماله، فأكبر الآلام جاءته من إحساسه المرهف بما آل إليه أمرنا، ورغبته الأكيدة في استعادة الأمة لحضورها أمام ربّها عبادة متجلية في شعاب الحياة، وتُرى تطهيرا للعقول وتعميرا للقلوب والأرض.

 وليس للأمة استعادة هذه الوظيفة الربانية ما لم تزل من طريقها ملوّثات البيئة الفكرية[12]، تطهير البيئة عمل يتّصل بوعيها بما تعيشه من سلبيات خطيرة؛ فمن ذلك تنبيه الأستاذ إلى خطورة العمل السلبي على الأمة في حاضرها ومستقبلها، لما يقتضيه من عناية بأقوال وأعمال المخالفين أكثر من العناية بالبذل العملي الميداني، يشير إلى ذلك المعنى قول الأستاذ:

"إنّ وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام."[13]

ومن مقتضيات العمل الإيجابي السعي الدؤوب للقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بما هو موكول أمره إلى الله، وهذا يفرض التجمّل بالصبر والتقلّد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة[14]، وغني عن التأكيد أن لفظ البناءة يؤكّد بما لا يدع مجالا للشك أنّ المطلوب هو تجاوز العمل السلبي بعمل يضيف قيمة مضافة للعمل المكتسب، إنّها تعني البناء لا الهدم وتهدف إلى تحقيق الاتصال والابتعاد عن الانفصال بكل معانيه وأبعاده، وفي ذلك مسلك حياة ومنهج تبليغ.

إنّه مسلك ينأى بالملتزم به ولا سيما الذين هيمن عليهم التشوّف إلى تصفية القلب لله عما سوى الله، عشّاق الحرية بمعناه الوظيفي المحرر من أسر التعلّق بالدنيا ومفاتنها رغبة في تعميرها طلبا لتمام الرضا الإلهي، وهؤلاء هم الذين سُكِنَتْ قلوبهم بخدمة الأمة، وقد عمل الأستاذ برسائل النور على غرس ثقافة العمل الإيجابي المؤسس على عشق خدمة الأمة والتمتّع بنفعها، فكانت رسائل النور بفضل الله مانعة من الوقوع تحت طائلة المضاعفات الثانوية لتغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي، فعملت الرسائل على دفع كلّ ما من شأنه تعريض حاضر الأمة ومستقبلها للخطر، فكانت للأستاذ عناية ببيان المضاعفات الخطيرة لشيوع العمل السلبي، ولعل من أهمّها:

أ – ضياع الأمن والاستقرار:

ضياع الأمن والاستقرار نظرا لما يتطّلبه العمل السلبي من نقد ومطارحات ونقاشات، وهي أفتك الوسائل في تصفية الخصومات بعنوان الموضوعية، ولو فكّر المزاولون للنقد في جدواه وأهميته بالنسبة لحاضر الأمة ومستقبلها لابتعدوا عن كثير من قضايا النقاش، ولو فكّر في المسألة بإيجابية لأمكن تجاوز النقد بالعمل الإيجابي، والذي من ثمراته المباشرة الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، لما يفرضه من عمل بنّاء يؤسس للتواصل وينشد تحقيقه بكل أبعاده.

وقد ضرب الأستاذ النورسي أروع الأمثلة في العمل الإيجابي، رغم تهيّئ الجو للعمل السلبي، فقال متحدّثا عن نفسه:

     "أقول متخذًا من نفسي مثالاً: إنّني لم انحن تجاه التحكم والتسلط منذ القدم. وهذا ثابت بكثير من الحوادث. فمثلاً: عدم قيامي للقائد العام الروسي، وكما إنّني لم أعر أيّة أهمية على أسئلة الباشوات في ديوان المحكمة العسكرية العرفية الذي كان يهددني بالشنق والإعدام. وطوري هذا تجاه القواد الأربعة تُبين عدم قبولي للتحكم والتسلط. إلاّ أنّني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول، ذلك من أجل السعي للعمل الإيجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله. بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل."[15]

ومن ذلك أنّه رحمه الله لم يدع بسوء حتى على المدعي العام الذي اتخذ ضدّه قراره الجائر بالرغم من أنّه قد اثبت أخطاءه البالغة واحداً وثمانين خطأً.[16]

المسألة الأساسية في هذا الزمان هي العمل الإيجابي الذي طريقه الجهاد المعنوي، وإقامة السد المنيع أمام التخريبات المعنوية، وإعانة الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة.

ب- خوف الحكّام:

يحذّر الأستاذ النورسي من الاغترار بقوّة مسلك العمل الإيجابي واستعماله في غير تأمين الأمن الداخلي، ذلك أنّ وظيفته الأساسية هي الإعانة على ضمان الأمن الداخلي بكل ما يملك من قوة. لهذا السبب لم يشتغل الأستاذ بما يخلّ بنظام الأمن، وكانت تصرّفاته سعيا دؤوبا لدفع خوف الحكام و أنصارهم من جهة، وسعيا إلى التحقق بالحرية التي هي مطلب الجميع خدمة للبلاد والعباد.[17]

ج – الانشغال بالمعارك الهامشية عن المعركة الأصلية:

نسجّل في البداية أنّ العمل السلبي يشغل المهتمين بالدعوة عن المعارك المصيرية، ويسلمهم إلى معارك هامشية، المنتصر فيها منهزم، بالنظر إلى ضياع معركة المصير، وانشغالا بأولوية الأولويات سعى بديع الزمان إلى تطمين الحكّام على ملكهم ودفع خوفهم من المتديّنين[18]، وبهذا الصدد تراه يؤكّد أنّه ليس من مقاصد رسائل النور أو أهدافها في العصر الحاضر الاشتغال بالسياسة، إذ تتلخّص المعركة في تحطيم الكفر المطلق الذي يعدّ أس أساس الفوضى والاستبداد والتأسيس للأمن و النظام و الحرية والعدالة.[19]

صرّح بديع الزمان بهذه المعاني في سياق مرافعته عن رسائل النور فقال رحمه الله: "أيها البائسون!.. إن رسائل النور لا علاقة لها بالسياسة، بل تقوم بتحطيم الكفر المطلق - الذي أسفله الفوضى وأعلاه الاستبداد المطلق - وتفتيته وردّه على أعقابه. ..تسعى رسائل النور إلى تأسيس الأمن والنظام والحرية والعدالة في هذا البلد."[20]

د – الابتعاد عن مواطن التهمة:

تدل تصرّفاته رحمه الله على تبني ذلك المسلك في التغيير، إذ تأسيسا لمعاني طلب الأمن والحرية والنظام والعدالة، تجده ينأى بنفسه عن أن يكون هدفا للاتّهام بالتعلّق بالدنيا و مفاتنها، لهذا تجده من منطلق الحكمة في التبليغ يتهرّب تهرّبا شديدا وينفر من التعرّض للسياسة والحكم، بالرغم من امتلاكه قوّة الحق ما يسمح له بالدفاع عن حقه بجدارة وكفاءة، تؤكّدها إشارته الرائعة إلى مقتضيات تغييب العدالة بالرغم من عزوفه عن الخوض في السياسة، وعزاءه في ذلك أنّه مادام كل شيء زائلاً وفانياً ومادام الموت موجوداً والقبر لا يزال فاغراً فاه، ومادام الأذى ينقلب إلى رحمة، فإننا نفضل أن نصبر ونتوكل على الله ونشكره ونسكت. أما محاولة الإخلال بسكوتنا وهدوئنا بالإكراه بإيقاع الأذى بنا فإنها تناقض كل مفاهيم العدالة والغيرة الوطنية والحمية الملية.[21]

هـ – قلب الموازين:

- غيبوبة تسمّت صحوة:

ينأى العمل السلبي بأصحابه عن رؤية القضايا بموضوعية؛ يقلبُ هذا المسلك المحكّم التصوّرات وتهيمن عليه تشوّهات ظاهرة، فلا يرى الأمور على ما هي عليه في الواقع، وذلك من منطلق الرغبة الجامحة في تدمير الآخر، عِوض الانشغال بالبناء.، ذلك أنّ مواقفها تعبّر عن ردود أفعال أكثر مما تعبّر عن حركة ذاتية مؤسّسة على معرفة جيّدة بالمعطيات وتفاعلها مع الواقع.

المصلح الإيجابي حينما يسجّل خللا في التصوّرات وانحرافا في الفعل، يسعى جاهدا إلى تحصيل صحوة تتجاوز الوعي الراهن الذي من مكوّناته عقلية العمل السلبي، ثم التأسيس لوعي يستوعب الراهن بجميع مكوّناته المادية والمعنوية، ويستلهم من القرآن دواءه، ذلك هو مسلك المصلحين الرساليين عبر الزمان.

جعل بديع الزمان التأسيس لصحوة إسلامية راشدة مقصدا رئيسا من مقاصد رسائل النور، ذلك ما ورد في الرسائل:" أجل إن الهدف الذي كان يصبو إليه ...منذ نعومة أظفاره والأمل الذي كان يحدوه ...هو حصول صحوة إسلامية تعم العالم الإسلامي.

أثبت الأستاذ تبني هذا المسلك الإيجابي في مباحثاته مع مئات العلماء في كثير من الأماكن التي حلّ بها حتى حيّر السياسيين. ولم تغادره هذه المسؤولية الجسيمة والمهمة الثقيلة والشوق الدائم قط. فكان يأمل أن يكون الإعلان عن الحرية والمشروطية في خدمة الشريعة الغراء، ويكون ذلك تباشير سعادة الأناضول والعالم الإسلامي قاطبة.

وأكّد تبني ذلك المسلك بلسانه وقلمه؛ فألقى الخطب في ضوء ذلك الأمل وكتب المقالات بغية تحقيقه، وظهر ذلك أيضاً في مؤلفاته ولاسيما في السنوحات، واللمعات وغيرهما مما ألّفه في تلك المرحلة، وكان لا يتوانى في التصريح أن أعظم صوت مدوٍ في المستقبل هو صوت القرآن العظيم."[22]

مهاجمة العلماء المخالفين:

يتوقّف أنصار العمل السلبي كثيرا عند نقد المخالفين دون نظرٍ في المضاعفات الثانوية لتلك الهجمات، إذ قد نهيّئهم بتلك التصرفات للانخراط في سلك المناوئين لأصالة الأمة وميراثها.

سعى الأستاذ إلى بيان عدم جدوى هذا المسلك، فأكّد على ضرورة تجاوز مسلك البحث النظري المجرّد؛ إذ بيّن بأحواله قبل مقاله أنّ الميل إليه صرف للطاقات في غير أبوابها، يشهد لهذه المعاني قوله: "إخواني ! لا تهاجموا بعض العلماء الذين ظنوا بعض إلجاءات العصر ضرورة، وركنوا إلى البدع. لا تصادموا هؤلاء المساكين الذين ظنوا الأمر ضرورة، بدون علم وعملوا وفقها....فلا تتحرشوا بهم وإنْ كان المعارضون لنا من العلماء الأئمة."

ويضرب النورسي أروع أمثلة العزوف عن مهاجمة أمثال أولئك العلماء، فقد كانت مواقفه تنبجس منها ثقافة العمل الإيجابي، وفي هذه المعاني قال:

"إنني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم أفتر مقدار ذرة قط. ووفّقت في تلك الخدمة الإيمانية بإذن الله. فالآن رغم وجود ملايين من طلبة النور، فإنني أسعى بالعمل الإيجابي وأتحمّل جميع مظالمهم وإهاناتهم وإثاراتهم."

ويؤكّد ذلك المعنى في قوله:" إنّنا لا نلتفت إلى الدنيا، فإذا ما نظرنا إليها فنحن لا نسعى سوى معاونتهم فيها. فنحن نعاونهم في تأمين الأمن بشكل إيجابي. وبسبب هذه الحقائق وأمثالها نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم."

- الاستجابة لضغوط الزمان:

المتلبّس بالعمل السلبي تقرن أفعاله في الغالب بمحاولات تكييف الموروث الثقافي والحضاري برغبات الغالب المحلي أو الدولي الوقتي الراهن، ويصل أحيانا الرغبة في التكيّف مع رغبة الغازي؛ فمن ذلك الفهم الخاطئ لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، من ذلك ما حكاه النورسي عن بعضهم، وخاصة في قولهم: "نحن الآن مضطرون. أي أننا مضطرون في تقليد بعض الأصول الأوروبية وموجبات المدنية حسب القاعدة المعروفة: إنّ الضرورات تبيح المحظورات."، فقال الأستاذ مخاطبا تلك الزمرة من المعجبين المخطئين في تقدير الضرورات: "إنّكم منخدعون تماماً؛ لأنّ الضرورة النابعة من سوء الاختيار لا تبيح المحظورات. فلا يجعل الحرام بمثابة الحلال. بينما إن لم تنبع من سوء الاختيار، أي إن لم تأت الضرورة عن طريق الحرام فلا ضير."

ويزيد الأستاذ المسألة وضوحا بسوق الأمثلة، فقال:"مثلاً: إذا سكر شخص بسوء اختياره بشربه الحرام، ثم اقترف جريمة وهو سكران، فإنّ الحكم يجري عليه ولا يكون بريئاً بل يعاقب. ولكن إذا قام طفل مختل العقل بقتل شخص ما - وهو في حالة الاختلال - فهو معذور ولا يعاقب. لأنه لم يقترف الجريمة بإرادته. وهكذا قلت للقواد والأئمة: أي الأمور تُعد ضرورية مما سوى الأكل والعيش؟. فالأعمال النابعة من سوء الاختيار والميول غير المشروعة لا تكون عذراً لجعل الحرام حلالاً."[23]

و - تضييع الحرية:

التركيز على تبني العمل السلبي يجلب التضييق على التصرّفات، ذلك أنّ الحكام أو من يقوم مقامهم يضيقون ذرعا بالعمل السلبي، بل سيكون العمل السلبي سببا في التضييق على العمل الإيجابي النابع من مصادر أخرى، فينال المجيد عقوبة بجريرة المقصّر، ولا يبعد هذا الخطر بغير المرافعة عن الحرية التي تخدم العمل الإيجابي، بل لا يمكن تصوّر عمل إيجابي في غير جو الحرية، لهذا رافع الأستاذ عن الحرية[24] من منطلق التأسيس للعمل الإيجابي والمحافظة عليه؛ فدعا إلى وضع قوانين أساسية تصونها من العابثين والوصوليين والانتهازيين، وتكون تلك القوانين مصونة بالشريعة الغراء، فالعمل على تكوين وعي بضرورة الحرية لا يختلف من حيث القيمة والتأثير عن العمل الإيجابي المؤسس للصحوة نفسها، إذ الخلوص إلى الصحوة يمرّ ضرورة عبر الحرية.

كما تجلى العمل على تأسيس صحوة إسلامية راشدة بإعادة الأمور إلى نصابها، فيعود الإيمان إلى مركزه في صناعة الوعي بالحياة ويكوّن دافع العمل على الخير الإنساني العام، وطريق ذلك إنقاذ الإيمان، وبهذا يكون من أهمّ متطلّبات تحصيل صحوة إنقاذ الإيمان والاعتصام بالقرآن الكريم.

إلاّ أنّ فعالية هذا المسعى تفرض سعيا مستمرا للتحقّق بالجهاد المعنوي وتحقيقه على مستوى الأحوال قبل الأقوال، لهذا يجب التحلي بمقتضيات الجهاد المعنوي.

النتائج المباشرة لتغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي:

1 – الغفلة عن إنقاذ الإيمان وعن الاعتصام بالقرآن:

اعتبر الأستاذ رحمه الله أهم قضية في الوقت الحاضر إنقاذ الإيمان وتقويته بالاعتصام بالقرآن الكريم، وفي ذلك أقصر طرق لصد الإلحاد، وحصر الأستاذ نظره في هذا المقصد، ذلك أنّ حماية الإيمان وإنقاذه حماية للأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، لهذا فالمرافعة مطلوبة حتى بمنظور وطني، لأنّها وطنية صادقة، ترمي إلى حماية البلاد والعباد من الوقوع في مخالب الأمراض القاتلة كالكفر والإلحاد الذين هم أخطر من طاعون والسل.

وقد كانت تلك المساعي سببا في تكالب أعداء الوطن والدين من الملحدين؛ فاختلقوا الافتراءات الظالمة والإشاعات المغرضة، وبالرغم من ذلك بقي الأستاذ صلبا شامخا صابرا، يجابه كل ذلك بثقة المؤمن بالله، ومردّ ذلك التحمّل، الإيمان، ذلك المقصد الذي عمل على إنقاذه، فقد كان الإيمان مصدر العمل الإيجابي البناء ومرجعه، وهو المصدر الوحيد والرئيس لتلك الإيجابية.

ويرجع تركيز الأستاذ على عامل الإيمان الفاعل لأنّه أقوى من صولجان السياسة، ويمثّل برنامجا مكثّفا يسع الحياة كلّها، إذ لو كانت لنا مائة من الأيدي لما كفت في حمل النور المنبعث من الإيمان، ذلك الإيمان الذي كان وسيبقى أساس مسلكنا الحاثّ على الإخلاص وابتغاء مرضاة الله وحده، وهذا هو مصدر قوة النور. فالعناية الإلهية تحمي خدمتنا ما دمنا مخلصين نعمل عملاً إيجابياً بناءً.[25]

- أهداف إنقاذ الإيمان:

أ – المصالحة بين المدرستين الدينية والحديثة:

المسلك المؤسس على الإيمان كمقصد رئيس في تطعيم الأمّة ضد أمراض الإلحاد مدرسة تُصالح بين أهل المدرستين الدينية والحديثة وأهل الزوايا والتكايا وتجعلهم يتّحدون في خدمة ذلك المقصد، ذلك أنّ الإيمان يحدث بينهم الميل عن التنازع ثم الميل إلى تبادل الأفكار[26] المؤسس للتثاقف الإيجابي.

ب – أقصر طرق الفعالية:

يعتبر بديع الزمان رسائل النور من أهم وأقصر طرق تحقيق مقصد إنقاذ الإيمان وتحقيق الفعالية المنشودة المؤسسة للإيجابية المطلوبة، ذلك أنّها تطبيق عملي للأساس النظري الذي حقق القول فيه، فالعالية تسترد باستعادة الصورة الشاملة للدين، تلك الصورة المؤسسة على الطهارة في كلّ شيء طهارة القلب والعقل والبدن والأعضاء والمكان.

ج – مصدر قيم الخير وصد الشر:

الإيمان مصدر قيم الخير وحائط صدّ الشر من ولوج القلوب والعقول؛ فهو الدافع إلى الشكر والعبادة اللتين تعتبران مدار المقاصد الإلهية في بناء تعمير الكون ولا سيما الإنسان الذي هو أفضل عنصر في الكون وأفضل المخلوقات إزاء النعم التي جعلت له، يمثّل الإيمان مدار الاستفادة من الكون وعناصره المادية والمعنوية[27]، ذلك المقصد الذي يعدّ بمثابة محرّك سائر المقاصد ولبّ لبابها.

د – أساس التواصل الإسلامي والإنساني:

الإيمان يؤسس للتواصل بين المؤمنين من جهة وسائر مكوّنات الأسرة الإنسانية من جهة أخرى؛ ذلك أنّه رابطة قوية في التأسيس المعنوي لأسمى جمعية وأقدسها في الوقت الماضي والحاضر والمستقبل، هي جمعية الجنود المؤمنين. فجميع الذين انخرطوا في سلك الجندية المؤمنة المضحية ابتداءً من الجندي إلى القائد هم داخلون في هذه الجمعية، وتواصل هؤلاء مع سائر أفراد الأسرة الإنسانية مبناه القيّم المؤسسة للإيمان، تلك القيم التي يرى من خلالها البشر من أسرة واحدة ولا فضل فيها لعربي على أعجمي ولأبيض على أسود، وأنّهم خلقوا للتعارف، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(الحجرات:13)

هـ :أساس الشكر والعبادة :

أصفى خلاصة مترشحة من الإيمان بجميع مضامينه وأبعاده الوظيفية الشكر والعبادة والحمد والمحبّة، وتعدّ في رسائل النور أهم المقاصد الإلهية في الكون وأهم نتيجة لخلق العالم.[28]

و – التأسيس القلبي والعقلي للشفقة والمحبّة:

تعمل رسائل النور من خلال مقاصدها إلى تجاوز ما شاع تداوله بين البشر من ألفاظ فقدت اجتماعيا معانيها وخاصة مصطلحي المحبّة والشفقة، إذ لا نجد لتلك المعاني في مزاولتنا الاجتماعية سندا من نقل أو عقل أو قلب، فكان منهج الرسائل مؤسسا للفكرة في أصل وضعها؛ فاستصحبت في وضع الرسائل، بل جعلها من غاياتها الرئيسة تأسيسا وتمحيصا، يشهد لهذه المعاني تأكيد بديع الزمان النورسي أنّ منهج رسائل النور يعبّر عن الشفقة والعدل والحق والحقيقة والضمير ليمنعنا بشدة من الوقوع تحت طائلة الاستجابة للاستفزاز الاجتماعي أو المعرفي من خلال قصر الاهتمام على الأمور الجزئية على حساب الأمور الكلية والأساسية، نحو اختصار الهم في المزاولة السياسية نقدا وتمحيصا بل وحتى تأسيسا.

والقضية بهذا الصدد تحتاج إلى تدقيق، فالمسألة المشار إليها قد تكون قضية خطيرة وكلية لها دور أساسي في تزييف الوعي أو تأخير صناعة وعي، إلاّ أنّها بالنظر إلى المسألة الأم تعتبر جزئية، من ذلك مثلا في ظل الظروف الراهنة مسألة الإلحاد؛ فلو قصرنا المعركة على المبتلين بهذا المرض النفسي والمعرفي؛ فإننا سنخسر أبناءهم وربّما أحفادهم، لهذا يؤكّد الأستاذ على أنّ وراء كل فرد من أولئك المبتلين بالإلحاد -واستحقوا بذلك العقاب- عدداً من الأطفال والمرضى والشيوخ الأبرياء. فإذا نـزل بأحد أولئك المبتلين المستحقين للعقاب كارثة أو مصيبة، فإن أولئك الأبرياء أيضا سيحترقون بنارهم دون ذنب جنوه. وكذا لأن حصول النتيجة المرجوة أمر مشكوك فيه، لذا فقد مُنعنا بشدة[29] عن الاهتمام بالمسائل الجزئية على حساب معركة المصير المعبّر عنها بقضية حماية المكاسب الإيمانية والتأسيس لبقائها في المجتمع دون الدخول في معركة قد تعرّض البلاد والعباد إلى ما تحمد عقباه، لهذا يلحّ النورسي على التحليل الذي بموجبه نقدّر الأولويات، وأولوية الأولويات حسب تقديره حماية الإيمان بتثبيته وإثباته إن اقتضى الحال، وفي ذلك أبيَن جواب وأحسنه على الإلحاد عوض الدخول في مهاترات تعرّض طاقات الأمة إلى الضياع أو على الأقل تسهم في صرفها في غير أبوابها.

ح – إنقاذ الإيمان يعطي الحياة معنى:

إنقاذ الإيمان يعطي معنى إيجابيا لكل يوم من أيام العمر التي تمضي في السجن الكبير (الدنيا) أو السجن الصغير المعروف، فيمكن أن يُكسِب المرء ثواب عبادة عشرة أيام من عبادة يوم واحد، ويمكن أن يحوّل ساعاته الفانية -من حيث النتيجة- إلى ساعات باقية خالدة.. بل يمكن أن يكون قضاء بضع سنين في السجن وسيلة نجاة من سجن أبدي لملايين السنين.[30]

يحلّي الإيمان المنقذ الحياة بالرحمة وبذلك تكسب الحياةُ معنى وتشدّ إليها القلوب والعقول بما يخدم تعبيدها لله تعالى؛ فالرحمة وفق ضبط الشرع لها من أدلة القيامة والسعادة الأبدية؛ لأن الرحمة إنما تكون رحمةً، والنعمة نعمةً إذا جاءت القيامة وحصلت السعادة الأبدية. وإلاّ فالعقلُ الذي هو من أعظم النِعَم يكون مصيبةً على الإنسان، والمحبة والشفقة اللتان هما من ألطف أنواع الرحمة تتحولان ألماً شديداً بملاحظة الفراق الأبدي.[31]

ط - إنقاذ الإنسان والاستجابة لحاجاته:

ترمي المقاصد الكلية والجزئية إلى إنقاذ الإنسان، فتستجيب تلك المقاصد لحاجاته، إذ لا يمكن تصوّر عدم استجابة العدالة والحكمة الربانيتين لتلك الحاجة العظمى، حاجة البقاء لأسمى مخلوق وهو الإنسان في حين أنهما تستجيبان لأدنى حاجة لأضعف مخلوق، فهل من الممكن أن تردّا أهم ما يرجوه الإنسان وأعظم ما يتمناه، وألاّ تصونا حشمة الربوبية وتتخلفا عن الإجابة لحقوق العباد؟[32]

وبذلك تعطي للحياة البشرية معنى وتزوّدها بالعناصر الإنسانية في التصرّفات والمقاصد والأهداف المتعلّقة بالحياة الدنيوية نفسها.

ي- تجاوز الهلاك:

إنقاذ الإيمان يؤسس لحائط صدّ معرفي واجتماعي و ...فيؤسس للتطعيم المعرفي والحضاري المانع من هيمنة الفكر المهلك، والمؤسس لتجاوز هذا النمط من التفكير المهلك فضلا عن منع المبتلى بذلك من إهلاك نفسه، لهذا ينصح الأستاذ وبإلحاح بالتعلّق بالدين والعض عليه بالنواجذ فهو حامينا من الهلاك الدنيوي والأخروي، لهذا قال النورسي ناصحا:

"أيها المسلم لا ترخِ يدك عن الإسلام الذي هو حامي وجودنا وكياننا تجاه الدمار الذي تولّده هذه النتيجة المخيفة لتقدم أوروبا، بل عض عليه بالنواجذ واستعصم به بقوة، وإلاّ فمصيرك الهلاك."[33]

س - تليين القلوب:

ترمي مقاصد رسائل النور إلى تثبيت القلوب وتنشيط عزائم الأتقياء والصالحين وتشدّ على أيديهم؛ فتزوّدهم بالقيم والأصول الميسّرة لتحقيق ذلك الأمر بيسر و وضوح، بل تتجاوز ذلك إلى خدمة كل من دخلها محررا من أفكار مسبقة؛ وهو سرّ فشل أعداء رسائل النور المتسترين في تحمّل تلك الفتوحات النورية، فنبّهوا المسؤولين في الدولة ضد أهل الرسائل، وأثاروهم عليهم، فأصبحت الحياة -مرة أخرى- ثقيلة مضجرة، إلاّ أنّ العناية الإلهية تجلّت على حين غرة، حيث إن المسؤولين أنفسهم -وهم أحوج الناس إلى رسائل النور- بدأوا فعلاً بقراءة الرسائل المصادرة بشوق واهتمام، وذلك بحكم وظيفتهم. واستطاعت تلك الرسائل بفضل الله أن تليّن قلوبَهم وتجعلها تجنح إلى جانبها. فتوسعت بذلك دائرة مدارس النور، حيث إنهم بدأوا بتقديرها والإعجاب بها بدلاً من جرحها ونقدها. فأكسبتهم هذه النتيجة منافع جمة، إذ هي خير مائة مرة ممّا هم فيه من الأضرار المادية، وأذهبت ما عانوه من اضطراب وقلق. ولكن ما إن مرّت فترة وجيزة، حتى حوّل المنافقون -وهم الأعداء المتسترون- نظر الحكومة إلى شخصي أنا، ونبّهوا أذهانها إلى حياتي السياسية السابقة، فأثاروا الأوهام والشكوك، وبثوا المخاوف من حولي في صفوف دوائر العدل والمعارف (التربية) والأمن ووزارة الداخلية. ومما وسّع تلك المخاوف لديهم ما يجري من المشاحنات بين الأحزاب السياسية، وما أثاره الفوضويون والإرهابيون -وهم واجهة الشيوعيين- حتى إن الحكومة قامت إثر ذلك بحملة توقيف وتضييق شديد على الأستاذ النورسي وتلاميذه، وبمصادرة ما تمكنت من الحصول عليه من الرسائل، فتوقف نشاط طلاب النور وفعالياتهم.[34]

2 - تضيع وظيفة الخدمة :

تضييع وظيفة الخدمة الإيمانية غفلة ظاهرة عن مقتضيات الجهاد المعنوي كالتغافل عن التكليف والانشغال بالبحث النظري الذي لم تكلّف به، ومن ذلك البعد عن العمل الإيجابي البنّاء وتمثّل العمل الهدّام.

يؤكّد النورسي أنّ وظيفتنا الخدمة فحسب. بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، وأنّنا مكلّفون ومرغمون في الإيفاء بوظيفتنا. وبهذا الصدد يردد الأستاذ قول جلال الدين خوارزم شاه: "إنّ وظيفتي الخدمة الإيمانية، أمّا النصر أو الهزيمة فمن الله سبحانه. وإنّني قد تلقيت درس التقلد بالإخلاص التام من القرآن الكريم." [35]

ييسّر إنقاذ الإيمان تحرير مجال الفعل الإنساني بدقة متناهية، فتجلي تلك الحقيقة المنقذة مساحة الفعل، وتؤسس للعمل في المساحات المتاحة فعلا والابتعاد عن المساحات غير المطلوبة أو الممنوعة، والقيام بوظيفة الخدمة انسجاما مع العناصر الكونية في شقيها المادي والمعنوي، ذلك أنّ بين العناصر الكونية تكاملا يستغرق الجميع؛ فقد أعطى القدير الجليل كلَّ عنصرٍ من العناصر وظائف كثيرة، ويُنشئ على كلٍ من تلك الوظائف نتائج كثيرة.[36]

- خدمة الإيمان:

تتميّز رسائل النور بإكساب قرائها علما بطريقة مبتكرة أصيلة في تحصيل الحقيقة؛ ذلك أن كلّ تحصيل علمي آخر تكون الغاية من الاستمرار فيه هي المنفعة المادية أو الحصول على موقع ما. بمعنى أنّ الدوام لهذه الدروس لا تكون عن رغبة بل في الغالب للحصول على منافع مادية أو على شهرة. أما رسائل النور فتشبه جامعة حرة مفتوحة، والذين يداومون في هذه الجامعة بقراءة رسائل النور لا يبتغون أي هدف دنيوي بل يبتغون خدمة الإيمان والقرآن فقط لا غير.[37]

خدمة الإيمان تيسّر للإنسان تذكّر الغايات والمقاصد لأنّ الإنسان مبتلىً بالنسيان، وأسوأ النسيان نسيانَ نفسه. إلاّ أنّ نسيان النفس إن كان في المعاملة، والخدمة، والسعي، والتفكّر فهو الضلال. وإن كان في النتائج والغايات فهو الكمال. فأهل الضلال، وأهل الهدى متعاكسان في النسيان والتذكر. أما الضال ؛ فينسى نفسه عند النظر للعمل، وتطبيق دساتير الوظيفة، بل يمدّ نظرَه إلى الآفاق لتطمين الأنانية المتفرعنة، وغرورَه المنبسط الذي تضيق عنه النفس. لكن يتذكر نفسه في كل شيء من الغايات فتيلاً أو نقيراً. حتى لا غاية عنده، إلاّ ما يعود إلى نفسه. وأنّ غاية الغايات في نظره، حب ذاته.[38]

ومن مظاهر خدمة الإيمان جعل الهدف المباشر لرسائل النور هو الآخرة، ولا علاقة له بالدنيا إلا بقدر ما ييسّر له العمل على تحقيق مقصد الآخرة، يشهد لهذا قول الأستاذ:" إنّ رسائل النور لا تستهدف الدنيا، بل تستهدف السعادة الأخروية الدائمة وتستهدف نيل رضى الله الباقي الأزلي الرحيم ذي الجلال الذي لا يشكّل الحسن والجمال في الدنيا إلاّ ظلاً خافتاً لجماله ولا تشكّل لطائف الجنة جميعاً إلاّ لمعة من محبته سبحانه. فما دام مثل هذا الهدف الإلهي المقدّس ومثل هذا الهدف السامي موجوداً، فإنني أبرئ رسائل النور وأنزهها ألف مرة من الوقوع في أمور سفلية ومحرمة تؤدي إلى نتيجة كتحريض الناس ضد الحكومة. ونحن نلوذ بحمى الله تعالى من شرور هؤلاء الذين لا يريدون منا أن نتعلم أمور ديننا ولا أن نخدم إيماننا فيفترون علينا مثل هذه الافتراءات لكي يقضوا علينا.[39]

- نيل مرضاة الله:

يحقق السعي إلى الخدمة الإيمانية التهيّؤ لنيل رضا الله سبحانه وتعالى، لأنّ الله هيّأ لنا فرصة اكتساب محبّة الملايين من أهل الحقيقة ودعاءهم وشفاعتهم. وأنّ الحقيقة السامية المسماة بـ "رسائل النور" أمامكم. فهل المراتب والمقامات الدنيوية الفانية والسفلية هي غايتها؟ أم أنّ غايتها هي نيل رضى الله تعالى الذي هو السعادة العظمى والفرحة الكبرى والهناء التي ما بعدها هناء؟

 أو َتحفز كلماتها الإنسان إلى الأخلاق الرديئة والهابطة أم تجهزهم بالإيمان وتجملهم بالفضيلة وبالأخلاق السامية؟ أنتم تجدون رسائل النور أمامكم وهى منبثقة من الإعجاز المعنوي للقرآن المبين الذي هو نور إلهي. فما دام اكتساب الإيمان، والانتقال بهذا الإيمان في الدنيا إلى سعادة الدار الآخرة أهم غاية للإنسان، ومادامت رسائل النور تقدم -بفيض من القرآن- الحقائق الإيمانية وتقرب مئات الآلاف من قرائها ومستنسخيها إلى هذا الهدف، إنّ طلاب النور لا يسعون إلا لنيل رضى الله تعالى وانّه لا هدف لهم سواه.[40]

– بعث الصلة بين الإيمان والأخلاق:

شاع في أدبياتنا الانفصال النكد بين الأخلاق والإيمان، حتى صارت الصلة بينهما مفقودة؛ فتجد الرجل يدندن بكلمات إيمانية لا صلة لها بحياته الشخصية أو الاجتماعية، كأن يكون لسانه لاهجا بذكر الله ولكن عقله وسلوكه في أبعد ما تكون عن تلك المعاني المرددّة باللسان، وقد ظهرت رسائل النور من أجل تجاوز ذلك الانفصال بالتأسيس للتواصل بينهما؛ فجعلت الهدف الوحيد والخدمة الوحيدة لرسائل النور والأستاذ وطلبة النور هي إيفاء خدمة مقدسة للإسلام ولاسيما إيفاء خدمة مقدسة للأمة المسلمة من ناحية الإيمان والأخلاق...، وأنّ إيفاءنا هذه الوظائف هو في سبيل الحصول على رضى الله تعالى...[41] بل نعمل على الاشتغال بالحقائق الإيمانية وحدها[42]  وربطها بالأخلاق، إذ لا معنى لإيمان مفصول عن الأخلاق.

- الأخوة و المحبّة و التضحية:

رسائل النور سعيٌ إلى تحصيل المحبّة والأخوة والتضحية وصورة عملية لتمثّلها، وبهذا تيسّرت لها فرصة تبليغها، ذلك أنّها عملت على التأسيس العملي لجمعية الجنود المؤمنين، وتشمل في عضويتها جميع الذين انخرطوا في سلك الجندية المؤمنة المضحية ابتداءً من الجندي إلى القائد كلهم داخلون في هذه الجمعية. والذي يعد من أقدس أهدافها الاتحاد والاخوة والطاعة والمحبة وإعلاء كلمة الله يمثّل جنود تلك الجمعية مراكزها، لهذا ينصح الأستاذ بالسعي إلى الانتساب إليهم، لأنّ صفّهم الأول المجاهدون والشهداء والعلماء والمرشدون.[43]

- الاتّحاد بين أهل الإيمان:

صرّح بديع الزمان في أكثر من موضع وبأسلوب صريح -كما هي عادته- أنّ من أهم غايات ومقاصد رسائل النور العمل على توحيد كلمة المؤمنين، ولمّ شملهم لخدمة هدف واحد مؤدّاه خدمة الإيمان نفسه، وطريقه التأسيس العملي للوحدة الشعورية بين المؤمنين أنفسهم؛ فلا يصح أن يبقى المؤمنون مشتتين في أهدافهم وجهودهم، ولهذا المسعى أثر عظيم في استئصال مرض خطير معبّر عنه بقولهم: "مالي وما عليّ فليفكر غيري"، يشهد لهذه المعاني قوله رحمه الله:

" إنّ قصدنا وهدفنا هو اتحاد الجماعات الدينية في الهدف. إذ كما لا يمكن الاتحاد في المسالك والمشارب فلا يجوز أيضاً، لأن التقليد يشق طريقه ويؤدي إلى القول: "مالي وما عليّ فليفكر غيري".[44]

- دفع الأمراض الاجتماعية بالإيمان:

يدفع الإيمان كثيرا من الأمراض الاجتماعية الفتّاكة، منها على سبيل المثال لا الحصر، مرض الحرص الذي يعدّ من رؤوس البلايا الأخلاقية والاجتماعية، ذلك أنّه كان وسيبقى سببا في تضييع كنـز العيش الهنيء الرغيد ومبعث الراحة في الحياة المنبعث من القناعة، ومن هنا كان الحرص علّة الخيبة ومعدن الخسران والســـفالة كما يتبين ذلك من الحكمة (القناعة كنـز لا يفنى) المستفادة من السنة المطهّرة من نحو ما أخرجه البخاري قال النبي عليه الصلاة والسلام:"‏ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ"، ذلك أنّ الحرص يتلف الإخلاص ويفسد العمل الأخروي؛ لأنّه لو وُجد حرص في مؤمن تقي لرغب في توجه الناس وإقبالهم عليه، ومن يرقب توجه الناس وينتظره لا يبلغ الإخلاص التام قطعاً ولا يمكنه الحصول عليه. فهذه النتيجة ذات أهمية عظمى جديرة بالدقة والملاحظة.[45]

تصون الدفعة الإيمانية من الحسد والمنافسة غير الشريفة، ذلك أنّ من مقتضيات الإيمان أن يتحرر المؤمن من تلك الأمراض، إذ ليس في أمور ديننا أمثال هذه الأمراض، ويرجع منشأ تلك الأسقام إلى تجاوز أو غفلة عن الأبعاد الوظيفية للإيمان، وما يترتّب عنها من تهالك على الشهوات وما ينجرّ عنها من مناقشات وتسابق ثم تزاحم ينتهي بأصحابه إلى الحسد. ولما كانت الدنيا ضيقة ومؤقتة ولا تشبع رغبات الإنسان ومطالبه الكثيرة، وحيث إنّ المتهالكين على الدنيا كثر يتزاحمون على شيء واحد، فالنتيجة إذن السقوط في هاوية الحسد والمنافسة.

ويدفع خطر تلك الأسقام بالتعلّق بالإيمان ومقتضياته وخاصة التفكير العملي في الآخرة وما أعدّ الله فيها للمؤمنين، إنّها فسيحة، بحيث يكون لكلّ مؤمن جنة عرضها السماوات والأرض تمتدّ إلى مسافة خمسمـائـة سنــة، ولكل منهم سبعون ألفاً من الحور والقصور، فلا موجب هناك إذن إلى الحسد والمنافسة قط، فيدلّنا هذا على أنّه لا حسد ولا مشاحنة في أعمال صالحة تفضي إلى الآخرة، أي لا مجال للمنافسة والتحاسد فيها، فمَن تحاسد فهو لاشك مراء أي أنّه يتحرى مغانم دنيوية. [46]

3 – ضياع الإخلاص التام:

يذكر الأستاذ أنّ لهذا العصر مرضاً داهماً. هو الأنانية وحب النفس، واشتهاء قضاء حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة.

يرى الأستاذ أنّ أوّل درس من دروس رسائل النور الذي تلقاه من القرآن الكريم، هو التخلي عن الأنانية وحب النفسحتى يتم إنقاذ الإيمان بتقلّد الإخلاص الحقيقي. ولله الحمد والمنّة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي. فهناك الكثيرون ممن يضحون بأنانيتهم وبمنصبهم وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية.

ويرى الأستاذ أنّ الذي يختار الإخلاص التام مسلكا لا بدّ أن يتهيّأ للتضحية والفداء، ولا يحقق ذلك مالم يتجاوز الأنانية.

منح بديع الزمان تجاوز هذا المرض الخطير الأولوية المطلقة، تأسيسا للإخلاص التام الذي من مقتضياته خدمة المسائل الإيمانية، ظهر هذا المسلك في أحلك الظروف وأصعبها.

ويعبّر النورسي عن الالتزام بخط الإخلاص التام بتفضيله مسألة إيمانية عن الدنيا وما فيها، ذكر أنّه لو منحت له سلطنة الدنيا لفضّل عنها مسألة إيمانية واحدة باقية. لذا فقد فضّل نكتة دقيقة قرآنية في آية واحدة أو في حرف منها في الحرب، وفي الخط الأمامي بين قنابل مدافع الأعداء فأمر طالبه المسمى  حبيب: أخرج الدفتر فأملى عليه تلك النكتة وهو يمتطي صهوة جواده. أي أنّه لم يترك حرفاً واحداً ونكتةً واحدة من القرآن الكريم مقابل قنابل الأعداء بل يفضلها على إنقاذ حياته.[47]

4 – شيوع التخريبات الداخلية:

من المهام التي طلب الأستاذ النورسي مجابهتها التخريبات الداخلية التي تسرّبت إلى صفوف الأمّة، وقد أكّد ذلك بعبارات واضحة، قال الأستاذ: "في الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناّء هدفه الحد من الكفر المطلق لدعوته إلى جهنّم المعنوي".

 سعى الأستاذ رحمه الله إلى تحقيق هذا الهدف النبيل بوصفه سدا أمام خطر داهم متعدد الوجوه والأشكال:

- الكفر المطلق مولّد لجهنّم معنوي.

- الكفر المطلق أب الفوضى.

- الكفر المطلق أصل الإرهاب.

- وسيلة المنافقين والزنادقة للحد من أثر الإيمان في الحياة.[48]

و بيّن النورسي أنّ رسائل النور سد أمام الكفر المطلق والإرهاب في هذا القرن، فقد كان الدرس القرآني واقيا من التيار الجارف للإلحاد الذي استولى على دول كثيرة وأقام سداً أمام هذا الهجوم. وهكذا وُجد حل سليم أمام هذا الخطر الداهم.

ومن أثار تلك التخريبات أنّ المسلّم المتحوّل عن دينه يتحوّل إلى إرهابي، لأنّ المسلم الصميم لا يمكن أن يخرج عن الإسلام ويتنصّر أو يتهود أو يكون بلشفيا... لأن النصراني إذا أسلم فإنّ حبه لعيسى عليه السلام يزداد أكثر. واليهودي كذلك يزداد حبه لموسى عليه السلام بعد دخوله الإسلام"، ثم يزيد المسألة وضوحا  فيؤكّد بما لا يدع مجالا للشكل على أنّ تحوّل المسلم عن دينه ليس فيه خير لا لنفسه ولا لمجتمعه ولا لبلده ولا للإنسانية، لأنّ المسلم إذا ارتد وحلّ ربقته من سلسلة الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم وتخلى عن الدين الحنيف فلا يمكن له أن يدخل أي دين آخر بل يكون إرهابياً. ولا يبقى في روحه أي نوع من الكمالات. بل يتفسخ وجدانه، ويكون بمثابة سمّ قاتل للحياة الاجتماعية.[49]

ساهم انتشار رسائل النور بقسط وافر في قطع دابر تلك التخريبات، فكان لها الفضل بعد الله في إنقاذ كثير من أفراد المجتمع -على تنّوع أعراقه- من الكفر والفوضى وساعدتهم على التآخي والوحدة بالرغم من اختلاف الأعراق المكوّنة للأمة، ومساهمتها مازالت حيّة بيننا، إذ تقدّم للإنسانية في العصر الحاضر تعريفا شاملا مجملا بالحقيقة الإسلامية وبذلك تسعف الإنسانية بقارب ينقذها من الإرهاب ويدفعه عنها.[50]

مؤهلات الإسلام في التأسيس للتواصل[51] بين الموالفين في الملة ظاهر، بل يتعداه للتأسيس  على العمل الإيجابي طريقا للتواصل مع المخالفين في الملة المشاركين لنا في الانتماء إلى الأسرة الإنسانية، فنحن مسؤولون عنهم أمام الله إن لم نسعفهم بالعمل الإيجابي على استعادتهم فطرهم التي خلقهم الله مزوّدين بها فأجلتهم الشياطين عنها، العمل الإيجابي نأي بأنفسنا عن القيام بوظيفة صرف الناس عن استعادتهم فطرهم في كلّ جوانبها التوحيدية والعقلية والقيم الإنسانية المشتركة، الإسلام الذي هو الحل لمعضلات العالم بحاجة إلى مسلم هو احل وليس مسلما هو المشكلة، والمسلم الذي على يديه يكون الحل هو المسلم المقتنع عقلا والمتحقق  قلبا بأهمية العمل الإيجابي في تفعيل دور الناس، جميع الناس، في التأسيس لصناعة حضارة إنسانية راشدة، يتفيّأ في ظلالها الوارفة الموالف  والمخالف على السواء.

الخاتمة

يظهر مما سلف بيانه أنّ للعمل الإيجابي أهمية كبيرة في حياة الفرد والجماعة والدولة والأمة، فهو مصدر مهمّ باعث على الاهتمام بالقيمة المضافة المقدّمة للأمة في عالم المعنويات والأفكار والتدبير والتصرفات العامة، يؤسس الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي لتجاوز مرض تغليب العمل السلبي على العمل الإيجابي بحل بسيط واضح وعميق منطلقه بعث العمل الإيجابي والابتعاد عن العمل السلبي، مقتضاه كن إيجابيا بالتصرّف الإيجابي ستدفع العلم السلبي، ومقتضى هذا السعي العمل على إنقاذ الإيمان، وعلى رأس مظاهر هذا المسعى القيام بوظيفة الخدمة الإيمانية، إذ ليس الإيمان مجرّد كلمة تلاك، بل يمثّل برنامجا مكثّفا يسع الأنفاس والحياة في شمولها المادي والمعنوي، الفردي والاجتماعي، العقلي والقلبي...ولا يمكن التحقّق بذلك بغير الإخلاص التام الذي يدفع المتحلّي به إلى تطليق الأنانية ويرشّدها خدمة للصالح العام للأمّة، وبهذا يكون مستعدا لمقاومة التخريبات المعنوية الذاتية التي تمثّلها الأنانية وداء الفرعونية كمجابه التخريبات الداخلية والخارجية التي يمثّلها الكفر المطلق، وطريق ذلك الاستعداد للتضحية من أجل الآخرة من أجل نيل مرضاة الله سبحانه وتعالى.

رأس بعث ثقافة العمل الإيجابي التساؤل عن قصورك وتقصيرك، قبل الفزع إلى مراقبة قصور وتقصير الآخرين، والذي لا يمكن الخلوص إليه إلا بالتجسس على الآخرين ومراقبة أقوالهم وأحوالهم.

 من أراد أن يتغيّر ما حوله، يقال له تغيّر يتغيّر ما حولك من ماديات ومعنويات، تريد أن تعامل بتسامح تسامح، تريد أن تأخذ حقّك قم بواجبك، ولو قام كلّ منّا بواجبه على أكمل وجه ما احتاج أحدنا للمطالبة بحقه، ومجتمع يطالب بالحقوق مع غفلة عن القيام بالواجب يصل به الأمر حدّ الجمود على الأنا، وهو مرض قاتل باعث على مرض " أنا مالي"، من أراد أن يكون موصولا بالحق والخلق، فليصل الحق بالطاعة والخلق بالخدمة، فسترى نتائج عجيبة، العمل الإيجابي يؤسس على الإقرار بما للآخرين من فضل وفضائل، ومن أقررت له بالفضل والفضائل يقر لك  بما لك من فضل وفضائل، وما عندكم من فضل وفضائل بحاجة إلى تفعيل لاكتشاف ما لا تملكون من فضل وفضائل مستودعة عند الآخرين، والتفكير في قومة أمّة يحتاج تدبيرا رأسه الإقرار بحقيقة موضوعية مفادها أنّ القومة الكلية المؤسسة للحضارة بحاجة إلى الكلّ، ولا يمكن إسهام كلّ بحسب طاقاتهم وقدراتهم واستعداداتهم بغير ثقافة العمل الإيجابي المؤسس لتنمية ما نملك من إيجابيات والباعث على استئصال السلبيات.

                                                      والله الموفّق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد

مصادر البحث ومراجعه

  • القرآن الكريم
  • السنة المطهّرة
  • صحيح البخاري
  • صحيح مسلم
  • رسائل النور، الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي:
  • الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلرللنشر-إسطنبول‏،الطبعة الثالثة، 1419هـ-1998م
  • اللمعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلرللنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • الشعاعات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلرللنشر-إسطنبول‏،الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • إشارات الإعجاز، تحقيق و تعليق إحسان قاسم الصالحي ، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏،الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • المثنوي العربي النوري، تحقيق وتعليق إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة، 1419هـ-1998م
  • الملاحق، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة، 1419هـ-1998م
  • صيقل الإسلام، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة،1419هـ-1998م
  • سيرة ذاتية، اعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر-إسطنبول‏، الطبعة الثالثة، 1419هـ-1998م

جيدل(عمار)

  • بديع الزمان النورسي و إثبات الحقائق الإيمانية –المنهج والتطبيق-، دار سوزلر، إسطنبول‏ تركيا.2001م.
  • حقيقة مقاصد رسائل النور- استمدادها وامتدادتها- الطبعة الثانية 2009م، دار النيل القاهرة.
  • ماهية الإنسان وصلتها بحريته ووظيفته الاجتماعية، دار سوزلر، إسطنبول‏ تركيا، 2001.
  • حوار الحضارات ومؤهلات الإسلام في التأسيس للتواصل الإنساني، الطبعة الأولى، 2003م، دار الحامد، عمان الأردن.
  • ملوثات البيئة الفكرية –رؤية إسلامية- مجلة المسلم المعاصر عدد سنة  2004م.

----------------------------------

[1] - أشار إلى هذا الداء العضال العلامة زاهد الكوثري رحمه الله.(اين؟)

[2]  - رسائل النور من تسع مجلدات عناوينها على النحو الآتي: الكلمات، المكتوبات، اللمعات، الشعاعات، إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، المثنوي العربي، الملاحق، صيقل الإسلام، سيرة ذاتية-ترجمة وافية من كلام الأستاذ وتلاميذه- راجع كتابنا بديع الزمان النورسي و إثبات الحقائق الإيمانية –المنهج والتطبيق-

[3]  - بديع الزمان سعيد النورسي (1294هـ-1379هـ )(1877م - 23/03/1960م) ألّف رسائل النور لمواجهة الخطر الذي كان يتهدد الإيمان في العصر الحديث، فشغل نفسه بمهمة رئيسة عرفت بـ"إثبات الحقائق الإيمانية".

[4] - بديع الزمان سعيد النورسي (1294هـ-1379هـ )(1879م -23/03/1960م)ألّف رسائل النور لمواجهة الخطر الذي كان يتهدد الإيمان في العصر الحديث، فشغل نفسه بمهمة رئيسة عرفت بـ"إثبات الحقائق الإيمانية".

[5]  - راجع كتابنا: حقيقة مقاصد رسائل النور- استمدادها وامتدادتها- الطبعة الثانية 2009م، دار النيل القاهرة.

[6] -  مقاصد الدين في رسائل النور تتلخص فيما يأتي: التوحيد والنبوة والحشر ثم العبادة والعدالة.

[7] - وهذا لا يخدش في الإسلام كما هو من حيث كونه دين الله الخاتم.

[8] - جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه:" عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) الْآيَةَ وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ. رواه مسلم (1/465(

[9] - آخر درس ألقاه. انظر: ملحق اميرداغ2، انظر سيرة ذاتية/بديع الزمان النورسي/إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، ص .

[10]  - رسائل النور فتشبه جامعة حرة غير منظمة، والذين يداومون في هذه الجامعة بقراءة رسائل النور لا يبتغون أي هدف دنيوي بل يبتغون خدمة الإيمان والقرآن فقط لا غير.

[11]  - - تعيش عزلة اختيارية

[12] - راجع مقالنا: ملوثات البيئة الفكرية –رؤية إسلامية- مجلة المسلم المعاصر عدد سنة  2004م.

[13]  - انظر سيرة ذاتية/بديع الزمان النورسي/إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، 469

[14] - المصدر نفسه

[15]  - المصدر نفسه.

[16]  -  انظر المصدر نفسه

[17]  - أبيَنُ شاهدٍ على ذلك مقابلته لكثير من الإساءات بإحسان منقطع المثيل، ولعلّ من أبينِ الشواهد على ذلك أنّه لم يدع بسوء على من أذاقه الأمرّين في المحاكمة أو في النفي أو ..

[18] - يرجع أساسا إلى سوء عرضهم لبضاعتهم الفكرية والدينية.

[19]  -  انظر السيرة الذاتية ص 472.

[20]  - الشعاعات 334- بتصرف -

[21]  - انظر الشعاعات 347

[22] - سيرة ذاتية 182

[23]  - انظر عددا أكبر من الأمثلة، السيرة الذاتية 471...

[24]  - انظر كتابنا، ماهية الإنسان وصلتها بحريته ووظيفته الاجتماعية

[25]  - انظر سيرة ذاتية 364

[26] - سيرة ذاتية 506

[27]  - انظر المكتوبات 308

 -[28]  اللمعات 559

[29] - انظر الشعاعات 406

[30]  - انظر الشعاعات 519

[31]  -  انظر الكلمات 69

[32]  - إشارات الإعجاز 29

[33]  - انظر صيقل الإسلام367

[34]  - انظر سيرة الذاتية 383

[35]  - - انظر سيرة ذاتية 470

[36]  - انظر الكلمات197

[37]  - انظر الشعاعات 593

[38]  - انظر المثنوي العربي 406

[39]  - انظر الشعاعات 429، 601

[40]  - انظر الشعاعات 606

[41]  - انظر الشعاعات 622

[42] - انظر الملاحق 94

[43]  - انظر صيقل الإسلام 447 ، سيرة ذاتية 107

[44]  - صيقل الإسلام/الخطبة الشامية 536 سيرة ذاتية 99

[45] - انظر اللمعات 220-222

[46] انظر اللمعات 237-

[47] - انظر السيرة الذاتية

[48]- انظر السيرة الذاتية 472-473 -

[49]- انظر السيرة الذاتية -

[50] - انظر السيرة الذاتية 471 - 474

[51]  - راجع كتابنا: حوار الحضارات ومؤهلات الإسلام في التأسيس للتواصل الإنساني، الطبعة الأولى، 2003م، دار الحامد عمان، الأردن.

 

 

 

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة