أهمية مقصد النبوة في رسائل النور
أهمية مقصد النبوة في رسائل النور
أ.د. عمار جيدل
جامعة الجزائر
حفلت رسائل النور بمقصد النبوة احتفالا كبيرا، وأدرجت رسائل النور مقصد النبوة ضمن الأقطاب الأربعة التي عليها مدار القرآن الكريم، المبيّنة بقول الأستاذ" التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة مع العبادة"[1]، فقد بيّن الأستاذ النورسي أنّ النبوة من أهم مقاصد القرآن الكريم، ووضّح أنّ لهذا المقصد أهمية جليلة، لها أبعادها الوظيفية الظاهرة، فما أهمية مقصد النبوة؟، وما أبعادها الوظيفية؟ وما أهمية النبوة في دفع مفسدات الفطرة التوحيدية.
سنحاول الإجابة عن الأسئلة الرئيسة استنادا إلى ما أورده الأستاذ في رسائل النور، ولهذا سنتوقّف في هذا العرض عند النقاط الآتية:
ثانيا: الأبعاد الوظيفية لأهمية بحث مقصد النبوة.
ثالثا: أهمية النبوة في دفع مفسدات فعالية التوحيد.
- الكشف عن قيمة الإنسان:
قيمة المجتمع والدولة من قيمة الإنسان، والدولة التي لا قيمة فيها للإنسان دولة لا قيمة لها، ومن ثمّ لا طمع في إقلاع حضري في مجتمع لا قيمة الإنسان فيه، وترجع قيمة الإنسانإلى قوّته المعنوية التي استودعها الله فيه، وجعل الأنبياء بها مذكّرين، لهذا تستمد قيمة الإنسان من مقصد النبوة استردادا وبناء وتذكيرا، لهذا فالنبوة مصدر مهمّلاسترداد الإنسان خيريته، إذ في النبوة من المحفّزات الموضوعية الفعّالة في استرداد وإيجاد دافعية الخير حال تضييعها، وفضلا عن ذلك فالنبوة تؤكّد على حماية الخيرية والدفع على تفعيلها، فمثلا، كما أنّ وجود الجنة والنار ضروري في الآخرة، فهو ضروري للدنيا لأجل دفع الناس لبذل الصالحات لبعضهم البعض، كما أنّ الإيمان بالنبوة يؤسس لليقين بأنّ الغلبة المطلقة ستكون للخير وللدين الحق في المستقبل، حتى يكون الخير والفضيلة غالبين على البشرية، كما هو الأمر بالنسبة لسائر الكائنات، وحتى يحقّ أن يقال في حقّه:" إنّه قد تحقق وتقرر في سر الحكمة الأزلية في النوع البشري أيضا"[2]، كلّ ذلك لجعل الإنسان عمّالا للخير بذّالا للمعروف مرضات لله وخدمة للخلق.
- أهمية النبوة في العبادة:
النبوة الطريق الأساسي لتحقيق العبودية واسترداد العناصر الإنسانية في التفكير والتدبير، كما أنّ العبادة أهم باعث على التعامل الإيجابي مع الكون والحياة، وفي هذا دليل على أهمية النبوة في العبادة.
وتيسيرا لتحقيق النبوة مقاصدها، اختار الله الأنبياء من أكمل البشر صفاتا واستعدادا وأيّدهم بالمعجزات، فوهبهم الحكمة وفصل الخطاب، وجعل النبي الخاتم مُتَحَلّيا بأعلى مراتب تلك الشروط والصفات، فكان أكمل أنموذج يقتدى به، وحثّ البشرية على الاقتداء به، من هنا كان لابد من وجود إشارة ترغّب وتحثُّ على التأسي به[3]، وخاصة في مقام العبودية التي هي أساس الإنسانية.
- أهمية النبوة في تفسير نظام الكون:
- النبوة جزء من نظام الكون:
يقتضي سر نظام الكون ضرورة النبوة للبشرية، ذلك" أن القدرة الإلهية التي لم تترك النمل من دون من دون أمير، والنحل من دون يعسوب، لا تترك حتمًا البشر من دون نبي، من دون شريعة"[4]، والنبوة تتجاوز مجرد كونها ضرورة لإرشاد البشر وتربيتهم وفق ما يحقق نجاحهم في الدنيا وفلاحهم في الآخرة، بل النبوة منسجمة مع الجمال الحقيقي للكون ونظامه وتناسقه وكماله.[5]
- دلالة الكون على النبوة:
ترتبط النبوة بالتوحيد والحشر ارتباطا وثيقا، فلا ترى بينها انفصاما لاستحالته، لذلك كانت الحجج على التوحيد حججا على إثبات النبوات، لأنّ" المتكلّم الحي الذي يأمر وينهى بكلماته وخطاباته من وراء الغيب المحجوب وراء ستار الكون، لا بد أنّ الحياة التي في الكون تدلُّ دلالة قاطعة على" الحي الأزلي" سبحانه وتعالى وعلى وجوب وجوده، كما أنّ شعاعات الحياة الأزلية كذلك وتجلياتها تنظر وتتوجّه إلى ما لها ارتباطات وعلاقات معها من أركان الإيمان مثل(إرسال الرسل)و(إنزال الكتب)وتثبتهما رمزا، ولاسيما " الرسالة المحمدية"" والوحي القرآني"، إذ يصح القول: إنّهما ثابتان قاطعان كقطعية ثبوت الحياة، حيث إنّهما بمثابة روح الحياة وعقلها"[6]
- طريق جلب السعادة الدنيوية:
من بين الأهداف التي ترمي إليها دوما النبوة التأسيس للفعالية في حياة المسلم، وهي رأس ما يطلب رسمه في طريق جلب السعادة الدنيوية، والدليل على ذلك أنّ ما ناله المسلمون عربا وعجما من سعادة دنيوية عائد ضرورة إلى الاقتناع بما جاءت به النبوة من توجيهات ملأت الأفاق بالخير سعيا وكسبا وبذلا، فقد أسست فيهم النبوة الرضا بقضاء الله وقدره، فكانوا يرون الحكمة في المقصد النبوة، ويتلقّون دروس العبرة من الحوادث بدلا من الرهبة والهلع منها. [7]
- عنصر قوّة الإنسان المعنوية والمادية:
تمدّ النبوة المسلم بعناصر القوة المعنوية وتدفعه لكسب عناصر القوة المادية، فيُعَدُ مقصد النبوة مصدر الخلفية النظرية لعنصري القوتين المادية والمعنوية، الأولى إيجادا والثانية دفعا على الكسب، فمرد شجاعتنا وبطولاتنا على مرّ التاريخ التزامنا بما جاءت به النبوة، فقد كانت راية الإسلام والتوحيد التي بين أيدينا والتي جاءتنا بطريق النبوة، كانت سببا قويّا في شجاعتنا وبطولاتنا[8]المتناقلة جيلا بعد جيل.
- اكتشاف حكمة الوظيفة:
قراءة مقصد النبوة بعين القلب والعقل يسمح باكتشاف حكمة وظيفة الإنسان، لأنّه" لما توجّه نوع البشر نحو المستقبل سأل عن الحكمة من قبل الكائنات، ومن جانب حكومة الخلقة مستنطقا: يا بني آدم! من أين؟ ما تصنعون؟ من سلطانكم؟ من أين مبدؤكم ؟ وما المصير؟. فبينما المحاورة، إذ قام سيّد البشر محمد صلى الله عليه وسلّم وخطيبهم ومرشدهم: أيّها السائل نحن معاشر الموجودات أتينا بأمر السلطان الأزلي، مأمورين ضمن دائرة القدرة الإلهية، وقد ألبسنا واجب الوجود المتصف بجميع صفات الكمال، وهو الحاكم الأزلي، حلّة الوجود هذه، ومنحنا استعدادا هو رأسمال السعادة...ونحن معاشر البشر ننشغل الآن بتهيئة أسباب الأبدية...ونحن على جناح السفر، من طريق الحشر إلى السعادة الأبدية، فيا أيّتها الحكمة اشهدي وقولي مثلما ترين، ولا تخلطي الأمور بالسفسطة"[9]
ولا يتوقّف الأمر عند اكتشاف البعد الوظيفي بل يتعدّاه إلى التنبيه إلى أصول السعادة الأبدية المخزونة في الالتزام بمقصد النبوة، لأنّه لا يلتئم وقبول العبث في الكون مع الثابت بشهادة العقل والحكمة والاستقراء ذلك النظام المتكامل الدال على السعادة الأبدية، لأنّ العدم يحيل كلشيء إلى العبث[10]
- التعرّف على الحكمة:
لا يكون النظر إلى الكائنات نظر حكمة، إلاّ إذا أبصرها الإنسان في إطار رؤية مقصدية، تحتكم إلى مقصد النبوة في جميع شؤونه النظرية والتدبيرية، وهي رؤية تجعلك ترى الدنيا كأنّها شجرة عظيمة متناغمة،فكما أنّ الشجرة لها أغصان وأوراق وأزاهير وثمرات، ففي العالم السفلي- الذي هو شقّ من شجرة الخلقة- تشاهد أيضا أنّ العناصر بمثابة أغصانه، والنباتات والأشجار في حكم أوراقه، والحيوانات كأنها أزاهيره، والأناسي كأنّهم ثمراته، فالقانون الإلهي الجاري على الأشجار يلزم أن يكون جاريا أيضا على هذه الشجرة العظيمة، وذلك بمقتضى اسم الله"الحكيم"، لذا فمن مقتضى الحكمة أن تكون شجرة الخلقة هذه ناشئة أيضا من نواة، وأن تتكون النواة جامعة نماذج وأسس سائر العوالم فضلا عن احتوائه على العالم الجسماني، لأنّ النواة الأصيلة للكائنات المتضمنة لألاف العوالم ومنشأها يمكن أن تكون مادة جامدة قط. [11]
- دلا لات حضور اسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلّم) في ألفاظ الشهادة:
اعتبر الأستاذ كلّ كلمة في الشهادة الثانية" أشهد أنّ محمدا رسول الله" تومئ إلى كثير من القضايا المهمّة إيمانيا من زاوية وظيفية صرف.
- برهان صادق حق من البراهين الحقّة للنبوة المحمدية.
- تشير إلى وظيفة من وظائف النبوة، وتعبّر عن مقام من مقامات[12] النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام.
- تشير إلى أهمية النبي عليه الصلاة والسلام في الكون، إذ يمثّل نورا كلّيا للكون في جوانبه المادية والمعنوية، لأنّه ما خرّب البشر أنفسهم وما حولهم إلاّ حين فارقوا نور الرسالة المحمدية، لهذا حقّ للعالم أن يعبّر عن فرحته بوجود النبي الخاتم،[13] لأنه مصدر باعث على الخيرية في الكون إنشاءً وبذلاً.
ثانيا: الأبعاد الوظيفية لأهمية بحث مقصد النبوة.
يمثل مقصد النبوة ركنا مندمجا في التوحيد ومرتبطا به ارتباطا عضويا، يستغرق كلّ مجالات الحياة، كما أنّ هذا المقصد مرتبط بأبعاد وظيفية ظاهرة في النظر والتدبير المتعلّقين بسير الحياة، ويمكن أن نستخلص من مقصد النبوة الأبعاد الوظيفية الآتية:
- البعد الإنساني في النبوة:
رأس المقاصد التي يتوخى مقصد النبوة التأكيد عليه هو الإنسان، لهذا جعلته النبوة عُمْدة المخاطبين بما جاءت به، لهذا غطى مقصد مقصد النبوة جملة أبعاد الإنسان الإيمانية والنفسية والاجتماعية والمعرفية والمنهجية، و...صيغت خطاباتها مع استعداداته ومكوّناته وحاجاته، كما يظهر ذلك من أدلتها، وحاجاجها، وما طلبت من الإنسان تجسيده، كما تجلى في مضمونها عنصر التكامل الذي يستغرق جميع ميادين استعدادات الإنسان وحاجاته.
- الأهمية الإيمانية:
يمثل مقصد النبوة مصدر الإيمان الباعث على الفعالية المتجلية في وعي الأفراد والمجتمعات، إيمان قطعي بمخرجات عملية، يدبر المؤمن بموجب هذه الفعالية الإيمانية كلّ تصرفاته ومواقفه في شعاب الحياة.
- يوضح الإيمان بالنبوة طريق العروج إلى الآخرة:
تحدد النبوة مسالك الترقي في سلّم المعار ف النورانية، وترسم خطط نيلها وسبل الترقي فيها، فهي مجلّية طريق العروج للآخرة، لهذا يعتني بها كلّ من جعل العروج مقصدا في حياته، له بها عناية تعلّما وتبليغا وحماية في القلوب وفي شعاب الحياة.
- إصلاح الدنيا وتعميرها:
معرفة النبوة ليست معرفة جافة تحشى بها الرؤوس ويتباهى بها في المجالس، بل هي معرفة إذا سكنت سويداء القلب وتحققت بها العقول حفّزت ببواعثها الباطنية والعقلية على تدبير الحياة بما يرضي الله بحسب ما جاءت به النبوة نفسها من قيم الخير، كما تبعث على التضحيات الجسام وتحمّل الأذى خدمة للخلق مرضاة للحق[14]
- الأهمية النفسية:
جعل الإنسان الاقتداء بالنبي هدفا في الحياة، يوجد فيه دافعا نفسيا قويا للاستزادة مما يجلب رضا الرحمن، ذلك أنّ " التعريف بحسب الغاية أولى، إذ العلم بالغاية يزيد شوق المحصّل، وكما قال المناطقة إنّ التعلّق بعلم المنطق وهو من علوم الآلة متوقّف على تعريفه بحسب الغاية[15]، وهوبدوره متوقّف على معرفة وجه كونه آلة، وهذا متوقّف على الحاجة إليه، فجهة الحاجة تدفع إلى تحصيله، أي أنّ تعلّق الناسبعلم من علوم الآلة مترتّبعلى معرفة وجه آليته ووجه الحاجة إليه، فالجواب عن المقصد من تلك الآلةيحبّبنا في الآلة (المقصد) نفسها، لهذا كان اكتشافه دافعا نفسيالتحصيل ما ينال به المقصد نفسه.
لهذا كان العلم بمقصد النبوة حافزا نفسيا قويّا لدفع العامل بمقتضاها إلى الاستزادة من الخير ودفع الشر وحفظ المناعة الإيمانية بتجلياتها الاجتماعية، كما أنّ الارتباط بالمقاصد التافهة يأسر المتعلّق بها، فيقع جرّاء التعلّق بها على أمّ رأسه، فيتحوّل من رجل عزيز مكرّم إلى ذليل حقير، بسبب فقد المناعة الإيمانية، فيتحوّل إلى خطر يمشي على الأرض، يشهد لهذا المعنى تحذير الأستاذ النورسي من جعل الدنيا غاية من معرفة المقصد، إنّك إن فعلت ذلك ورضيت به، فسوف تكون في حكم أصغر عصفور.[16]
قال الأستاذ:" ثبت بالتجربة أنّ أفضل منقذ من ظلم هذا العصر المريض الغادر المشئوم ومن ظلماته الدامسة، هو النور الذي تشعه رسائل النور بموازينها الدقيقة وموازناتها السديدة"[17]، ولاشكّ أنّ مربط الفرس في كلّ ذلك مقصد النبوة.
- التشجيع على العمل والبذل خدمة للناس:
يحفّز مقصد النبوة مدركها عقلا المتحقق بها قلبا على البذل المستمر بالاستعداد للرحلة المقررة على كلّ إنسان، مصداقا لقوله تعالى في سور الرحمن ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الآية:26-27) ، ومن كان هذا شأنه استعد قلبيا ونفسيا وعمليا للبذل من غير انتظار عوض من غير الله سبحانه وتعالى، من هنا كانت معرفة النبوة الحقة جالبة لجملة من النتائج الإصلاحية النظرية والعملية، منها:
- إيجاد دافع التضحية:
يندفع الإنسان العارف بمقام النبوة ومضامينها إلى التضحية في مباشرة التعامل مع الدنيا ومشاكلها في كنف نظرة تهيمن عليها العناية بالمقاصد السامية، فالمؤمن بالنبوة العامل بمقتضى ما جاءت به من أحكام، إذا اشتد به المرض وضايقته أنواع الظلم وألوان الغربة، لاح بين ناظريه ما بشّرت به النبوة بأنّه مرشّح لحياة أخرى أبدية، وأنّه مؤهّل لمملكة باقية وسعادة دائمة، ففي هذه الأثناء يترك كلّ شيء تقطر منه الحسرة ويجعله يتأوّه ويتأفّف، وأبدله بكل ما يبشّر بالخير والفرح ويجعله في حمد دائم، ولكن أنّى لهذه الغاية أن تتحقق وهي غاية المنى ومبتغى الخيال وهدف الروح ونتيجة الفطرة، إلاّ بقدرة غير محدودة للقدير المطلق، وهو عين ما جاءت به النبوة تكليفا من الحق سبحانه وتعالى.
- البذل المتوافق مع استعدادات الإنسان:
قررت النبوة التكاليف بما ينسجم واستعدادات الإنسان وحاجاته الفطرية، فالفطرة ليست مصادمة للفطرة لأنّها من خالق الفطرة نفسها، لهذا أيّدت النبوة إشعاب الحاجات الغريزية بما يحفظ النسل، فوضعت الحكمة الإلهيةميلا وشوقا في الإنسان لإدامة النسل، ووضع أجرة لأداء هذه الوظيفة الفطرية، وهي اللذة، فالرجل ربّما يتحمّل مشاق ساعة لأجل هذه اللذة التي لا تدوم عشر دقائق – إن كانت مشروعة- بينما المرأةتحمل في بطنها الطفل حوالي عشرة أشهر، مقابل هذه المتعة التي تدوم عشر دقائق، فضلاعمّا تتحمل من مشقات طوال عشر سنوات من أجل طفلها، بمعنى أنّ تلك اللذة التي عشر دقائق تزيل أهمية ذلك الميل الفطري، حيث تسوق إلى هذه المصاعب الكثيرة والمتاعب المستمرة.[18]
- النبوة وتحمّل تبعات السير في مسلك الإيمان:
التمسّك بمسلك النبوة في التعامل مع الحياة، يسعف المتحقق بها بقوّة داخلية تدفعه إلى تحمّل تبعات السير باكتشاف جزء من حكمة الله في خلق الإنسان التي هي نقطة رئيسة من بحر المقاصد، إذ أنّ كلّ إنسان في كلّ زمان ومكان، له نصيبه من المصائب الجارية إما قلبا أو روحا أو عقلا أو بدنا، ويعاني من العذاب والرهق ما يعاني، ولاسيّما أهل الضلالة والغافلين حيث إنّهم غافلون عن النبوة الرحمة المهداة من الله سبحانه وتعالى، تلك الرحمة الشاملة والمتكاملة، من هنا كان المائل عن النبوة قد سلب من نفسه الإشفاق والرثاء لحاله، حسب قاعدة"الراضي بالضرر لا ينظر له" أي من يرضى لنفسه الضرر لا يستحق النظر إليه برحمة، فلا يُرْثى له ولايشفق عليه، فهو الذي تسبّب في نزول البلاء به.[19]
النظر إلى الحياة والكون في إطار مقصد النبوة يسهم في الكشف عن الحكمة الإلهية الجزئية المتجلية في عالم الأشخاص والأشياء، فترى تلك الحقائق في كلّ حادثة وفي كلّ شيء، وبذلك يرى في كلّ شيء كمال الحكمة الإلهية، وجمال عدالتها، وبها يستعين على مجابهة مصائب الحياة، إنّ التسليم للنبوة يعني التسليم التام لأمر الله، فيبدي الرضا به، ولا يقدّم شفقته على الرحمة الإلهية كي يقاسي العذاب والألم.[20]
د- النبوة إرشاد إلى باب الله:
يضرب الأستاذ أروع الأمثلة لتحقيق النبوة التعريف بباب الله سبحانه وتعالى، فيذكر بأسلوب تربوي لافت للانتباه، قائلا:" انظر أيها الإنسان المعاند إلى ما أظهره السلطان من معجزات متنوعة في سائر الأماكن، فما رأيته هنا في المعرض، أو في الميدان، أو في القصر، من الأمور العجيبة له نماذج في كلّ مكان، إلاّ أنّه يختلف من حيث الشكل والتركيب، أيّها المعاند أنعم النظر في هذا، لترى مدى ظهور انتظام الحكمة، ومبلغ وضوح إشارات العناية، ومقدار بروز أمارات العدالة، ودرجة ظهور ثمرات الرحمة الواسعة، في تلك القصور المتبدّلة، وفي تلك الميادين الفانية، وفي تلك المعارض الزائلة، فمن لم يفقد بصيرته يفهم يقينا أنّ لن يكون – بل لا يمكن تصوره- حكمة أكمل من حكمة ذلك السلطان ولا عناية أجمل من عنايته، ولا رحمة أشمل من رحمته، ولا عدالة أجلّ من عدالته،...إنكار ذلك حماقة فاضحة، كحماقة من يرى ضوء الشمس وينكر الشمس نفسها في رابعة النهار، ويلزم أيضا القول بأنّ القائم بما نراه من إجراءات تتّسم بالحكمة وأفعال ذات غايات كريمة وحسنات ملؤها الرحمة إنّما يلهو ويعبث ويغدر- حاشاه ثم حاشاه- وما هذا إلاّ قلب الحقائق إلى أضدادها، وهو المحال باتفاق جميع ذوي العقول غير السوفسطائي الأبله الذي ينكر وجود الأشياء، حتى وجود نفسه.[21]
هـ- النبوة ودفع الغفلة العامة:
تدفع النبوة الغفلة العامة بما تحدثه بإذن الله في نفوس وعقول وقلوب المتحققين بها، ذلك أنّها تدفع إلى العمل بمقتضى ما تضمنته من أبعاد فردية واجتماعية، وتعد هذه الأبعاد التجلي الأكبر للالتزام بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلّم، والنبوة بما اشتملت عليه من أبعاد وظيفية بمضمون اجتماعي إنساني، تجلّت فيها حكم لا حصر لها، حكم نحن بحاجة إليها في دفع الغفلة العامة، دفع يستوعب جملة مكوّنات الإنسان واستعداداته، فترى الأستاذ في مقام التذكير يخاطب القلب والعقل والروح ولا يغفل عن متطلبات البدن، منها تأكيده على الموازنة بين الأهلية والوحشية كي ترى بعض الحكم الظاهرة الباهرة[22] التي جاءت بها النبوة الخاتمة.
و- النبوة وصناعة الوعي:
لا يختلف منصفان في أنّ النبوة من أهم مصادر صناعة الوعي الذي يترقى به الإنسان في أناسته وإنسانيته، ذلك أنّها مصدر وعي الإنسان بوظيفته ووعيه بالكون، ولهذا كلّف الله الإنسان وفق نصوص المتلقات بالطريق النبوي بالنظر في الآفاق (الكون) والأنفس (الإنسان)، وجعل حججه ظاهرة قاهرة متجلية فيما لا حصر له من مجالات الكون الفسيح، لهذا وجّهه إلى النظر فيه، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣)، فيعرف الإنسان بطريق النبي الخاتم (عليه الصلاة والسلام) ماهيته التي حدّدها له خالقه، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠)
فيكون مقصد النبوة معّرفا بحقيقة الإنسان ومذكّرا بها حال فقدها، وهو بهذا شاحذا للهمم ومنشّطا للعزائم، فيكتشف الإنسان قيمته بنسبة ماهيته،... وماهيته بدرجة همّته، وهمّته بمقدار أهمية المقصد الذي يشغله أو يشتغل به[23]، وبقدر علوّ المقصد تتعالى همّة الإنسان وتتوسّع أبعاد وظيفته.
إنّ الذي استرد مهمّته المبيّنة من قبل النبي (صلى الله عليه وسلّم) تسكن كيانه قيمة الاقتداء بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وسلّم) ويكون مثالا مشخّصا لا للأمة بحسب بل للإنسانية جميعا، فتتسامى أخلاقه وتنتهي به همّة الاقتداء إلى أخلاق تمشي على الأرض من أهم مخرجاتها مواقف اجتماعية تنبجس منها خدمة الخلق، فيتحوّل الإنسان الصغير الهزيل بفعل التحقق بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلّم - المتقلّب في العجز المطلق- بكرم الله إلى خليل مخاطب وهبه الله مقاما ساميا بين مخلوقاته.[24]
- أهمية النبوة في تنبيه المخاطب:
تخاطب النبوة قلب الإنسان وعقله، وتجعل من الكون المنظور ميدانا مهما للتذكير، ذلك أنّ الإنسان إنْ نظر إلى الكون في كنف مقصد النبوة نبّهه المقصد إلى الشواهد الجزئية المبثوثة في الكون نفسه (الكتاب المنظور) بطريقة حكيمة، تؤيّدها الشواهد الكلية والجزئية المبثوثة في القرآن الكريم (الكتاب المسطور)، قال الأستاذ: "فهذه الخواتيم القرآنية التي تُمْهَرُ بها الآيات مع تأييدها لآياتها، ترفع رأس المخاطب من الجزئي المشتّت إلى الكلي البسيط الواضح، ومن الجزء المفصّل إلى الكلّ المجمل، وتوجّه نظره إلى المقصد الأعلى"[25]
- التخلٌق بالأخلاق النبوية
تمنح النبوة المتعلّق بأوامرها ونواهيها وتوجيهاتها السعي إلى جعل الغاية الإنسانية الوظيفة الأساسية للبشرية، فتتعلّق الهمم بالتخلّق بالأخلاق النبوية لأنّها مصدر جعل الإنسانية أفقا للسير، و"التي تعني التحلي بالسجايا السامية والخصال الحميدة – التي أمر بها الله سبحانه وتعالى- وأن يعلم الإنسان عجزه فيلتجئ إلى قدرته تعالى، ويرى ضعفه فيحتمي بقوته تعالى، ويشاهد فقره فيلوذ برحمته تعالى، وينظر، ويشاهد فقره فيلوذ برحمته تعالى، وينظر إلى حاجاته فيستمد من غناه تعالى، ويعرف قصوره فيستغفر ربه تعالى، ويلمس نقصه فيسبّح ويقدّس كماله تعالى[26]، ويتوكّل عليه حق التوكّل، التوكّل الذي يعني أخذ الأسباب، ذلك أنّ التوكّل في ترتيب المقدمات كسل، بينما تفويض الأمر إلى الله في ترتيب النتيجة توكّل يأمر به الشارع[27]
- النبوة والتنبيه العلمي والمنهجي
- النبوة والكشف عن أهمية الكتاب الكريم
لا يحتاج اكتشاف الصلة بين الكتاب والنبوة إلى كبير عناء، ذلك أنّ كلاّ منهما يخدم الآخر ويدل عليه، قال الأستاذ: "وجود ذلك المعلّم الأستاذ الذي نشاهده ونسمع خطابه، إذ لولاه لذهبت تلك المقاصد هباء منثورا، كالكتاب الذي يفهم معناه، ولا يبينه أستاذ، فيظل مجرّد أوراق لا معنى لها[28]، فالكتاب الخاتم الذي أرسل به النبي الخاتم عليه السلام يمثّل مصدرا معرفيا أساسيا في معرفة مقاصد الخالق في حق الخليقة من جهة، ووسائل تحقيق تلك المقاصد من جهة أخرى.
- النبوة والتنبيه إلى البعد المنهجي:
ترمي النبوة إلى التأسيس للتربية المنهجية للمتحقق بها، حتى يغدو التفكير المنهجي من المتطلبات الأساسية لامتثال التوجيهات التي جاءت بها النبوة، ولهذا صرّحت رسائل النور أنّ وسيلة حقة (وإن كانت في باطل) غالبة على وسيلة باطلة (ولو كانت في حق).[29]
كما أنّه من التربية المنهجية أن يتعلّق الإنسان بالأسباب الموجبة لإيجاد نتائجها المرتبطة بها ارتباطا سننيا، فلا نرمي تحقيق الصعود بسلوك طريق النزول أو العكس، كما أنّنا لا نفتّش عن الفعالية بغير سبلها الموضوعية والسننية، الفعالية ترجع إلى التضحية والتضحية مصدر قوّتها القوة المعنوية التي توجبها، وبهذا الصدد يتساءل الأستاذ: "ما الحكمة من القوة المعنوية في تحمّل هذا المضحي، لأشدّ الظلم النمرودي من أعداء الوطن والدين المستترين، وفي عدم مواجهته القوة المادية بالرد المادي التخريبي؟ فها أنا أعلن لكم ولأهل الوجدان كلهم جميعا: إنّ القرآن الحكيم قد علّمه ذلك لأجل ألاّ يتضرر تسعون بريئا بسبب زنادقة ملحدين نسبتهم عشرة في المائة، ومن أجل المحافظة على الأمن والنظام في الداخل بقوّته كلّها، ومن أجل نصب حارس في قلب كلّ إنسان بدروس النور، ولولا ذلك، لانتقمت في يوم واحد من أعدائي الذين ظلموني مدة ثمان وعشرين سنة، لهذا لا ترى الأستاذ مدافعا ضد من يهين عزّته وكرامته حفاظا على الأمن من أجل الأبرياء، وفي ذلك قال: "أنا مستعد للتضحية بحياتي الدنيوية من أجل ملّة الإسلام."[30]
- النبوة وسننية التفكير:
النظر بعيني القلب والعقل في مقصد النبوة، يسعف المتأمّل في التأسيس للتفكير السنني، لحمة التفكير المنهجي، من ذلك التأكيد على التفكير المنهجي من خلال التأكيد على التحليل السنني في التعامل مع الظواهر بجميع اشكالها وأنواعها، سواء تعلّق الأمر بالدين أو بالدنيا، ذلك أنّ الأنبياء لهم تسليم بمقاليد الأمور وفق سنن الله في الخلق، فيكون انقيادهم انقياد لقوانين الله الجارية في العالم.[31]
- النبوة ورؤية أثر الحكمة:
نستشف من النبوة رؤية الحكمة المبثوثة في كلّ الكون، صغيره وكبيره، فترى الحكمة في الأفراد والجماعات وكل عناصر الكون المادية والمعنوية، قال الأستاذ: "انظر، كيف تنجز الأعمال هنا بحكمة فائقة وانتظام بديع، وتأمّل كيف ينظر إلى المعاملات بمنظار عدالة حقّة وميزان صائب"[32]
- النبوة تيسّر تفسير سير الحياة وتنظيم الكون:
النظر إلى الكون من زاوية مقصد النبوة ييسّر تفسير سير الكون، حتى أنّه يتجلى فيها أنّ المقصد الأعظم من مكونات الكون هو الإنسان، فهو المقصود الأظهر لخالق الموجودات، وهو مرآة الأنوار، لصانع المخلوقات، قال الأستاذ: "الإنسان الأصغر في هذه الكائنات هو المدار الأظهر للنشر والمحشر في هذه الموجودات"[33]
ثالثا: دفع مفسدات فعالية التوحيد:
بيّن مما سلف تقريره أنّ للنبوة أهمية عظيمة بالنسبة لحياة الإنسان السوي، ذلك أنّها مصدر وحيد للكشف عن قيمة الإنسان، وطريق جلب سعادته وعنصر قوته المعنوية والمادية، وهي نفسها من أهم مجليات حكمة وظيفة الإنسان، فتساعده على التعرّف على حكمة وجوده، وتعلّمه دفع مفسدات فعالية التوحيد في الحياة.
لا يستفيد المرء من معرفة المقاصد الحقّة من الخليقة ما لم يتحرّر عقلا وقلبا من مجموعة من المكدّرات المعنوية والمادية، المعرفة المجملة أو التفصيلية للمقاصد وإن كانت نافعة فيدفع المنغّصات من قلوب وعقول المكلّفين، إلاّ أنّ الاستفادة العظيمة منها تفرض تحررا دائمالمدركها من الوقوع تحت طائلة موانع الاستفادة من إدراك تلك المقاصد الشرعية، وبهذا الصدد ذكر الأستاذ مجموعة لا يستهان بها من صوارف البال عن التعلّق بالمعالي وموانع القراءة الموضوعية والإيجابيةللكون والحياة، ولو أطلق الباحث لنفسه عنان بحثها واستقصائها لما وسعته المجلّدات الطوال، لهذا سنقتصر في هذه العجالة على بعضها.
- النظر إلى الكون من زاوية الشرك:
يبطل الانتفاع بمقصد النبوة إذا نظر إلى الكون من زاوية الشرك، ذلك أنّالتدخّل العشوائي للشرك في أي موجود من الموجودات-مهما كان جزئيا- وفي أي كائن حي-مهما كان بسيطا أو صغيرا- يفسد تلك الغايات، ويبطل تلك المقاصد، ويصرف الأذهان عن تلك الغايات، وعمّن أرادها وقصدها، إلى الأسباب، وهذا ما يخالف ماهية الربوبية المطلقة تماما ويعاديها، فلا بد إذًا أن تمنع هذه الربوبية الواحدة المطلقة الشرك وصورته بأي شكل من الأشكال، فإرشادات القرآن الكريم الغزيرة المستمرة إلى التوحيد، وإلى التقديس والتنزيه والتسبيح، في آياته الكريمة، وفي كلماته، وحتى حروفه وهيئاته، نابعة من هذا السر الأعظم.[34]
تخيّل أنّه قيل للأرض التي هي جندي في جيش السماوات، قفي لا تتدخلي في أمر التناغم المحدد للوظيفة الجزئية في الإطار الكلي الشامل للمنظومة الفلكية، وأحيل استحصال نتيجة الانتظام وذلك الوضع إلى السماوات نفسها، وسُلكت طريق الكثرة والشرك بدل الوحدة، يلزم عندئذ أن تقطع ملايين النجوم كلّ منها أكبر بألوف المرات من الكرة الأرضية، أن تقطع كل يوم وكلّ سنة مسافة مليارات السنين في أربع وعشرين ساعة.[35]
لا يبعد الكفر والمعصية عن أثر الشرك بسبب بعدهما عن المقاصد المعنوية والمادية الخاصة والعامة، إنّ الكفر والمعصية نوع من العدم والتخريب، فيمكن أن يحرّكهما الجزء الاختياري بأمر اعتباري، فيسببان نتائج مرعبة، لأنّ الكفر وإن كان سيئة واحدة، إلاّ أنّه تحقير لجميع الكائنات بوصمها بالتفاهة والعبثية، وتكذيب لجميع الموجودات الدالة على الوحدانية، وتزييف لجميع تجلّيات الأسماء الحسنى، فإنّ تهديده سبحانه وتعالى وشكواه باسم الكائنات قاطبة، وتهديدات مريعة هو عين الحكمة وأنّ تعذيبه بعذاب خالد هو عين العدالة.[36]
إنّ الكفر والضلالة تجاوز شنيع وتعدّ رهيب، وجريمة تتعلّق بجميع الموجودات، ذلك لأنّ أهل الكفر والضلالة يرفضون الغاية السامية لخلق الكائنات التي نتيجتها العظمى عبودية الإنسان وتوجّهه بالإيمان والطاعة والانقياد للربوبية الإلهية، فإنكارهم هذه النتيجة العظمى للكون-التي هي العلّة الغائية وسبب بقاء الموجودات- نوعٌ من تعد على حقوق جميع المخلوقات.[37]
- حصر الهمّة في الاستفادة الشخصية:
تستحيل الاستفادة الاجتماعية من معرفة مقصد النبوة إذا فَنيَ المستفيد في جهة استفادته وحصر ذهنه في طريقها، ونسي ما عداها وينظر في كلّ شيء من خلال نفسه ويحصر المقاصد فيما يتعلّق بها، فإذا لا مجازفة في الكلام الموجّهإلى ذلك الشخص في مقام الامتنان بأن يقال: إنّ زحل الذي أبدعه خالقه لآلاف الحكم، وفي كلّ حكمة آلاف الجهات، وفي كلّ جهة آلاف المستفيدين من العلّة الغائية من وجوده، لا يمكن حصر علّته الغائية في الشخصالمشار إليه[38].
وبناء على ما سلف كان الإنسان من أظلم الخلق، فانظر ما أشدّه ظلما! فلشدّة حبّه لنفسه لا يعطي الأشياء قيمة إلاّ بمقدار خدمتها له، وينظر إلى ثمرتها بمقياس نفعها له، ويظن العلّة الغائية في الحياة هي عين الحياة، متغافلا في ذلك عن مبادئ رئيسة مؤداها أنّ للخالق في كلّ حيّ حِكَما تدق عن العقول.[39]
- التعلّق بالدنيا ومفاتنها:
الذهول عن مقصد النبوة يجعل المرء متعلّقا بالدنيا ومفاتنها، والمبتلى بحب الدنيا يحسب أنّ العلّة الغائية في الحياة وبقائها هي الحياة نفسها، وأنّ كلّ ما أبدعته القدرة الإلهية الأزلية في جوهر الإنسانية وذوي الحياة من الأجهزة العجيبة والتجهيزات الخارقة، إنّما أعطاها الفاطر الحكيم لحفظ هذه الحياة السريعة الزوال، ولأجل البقاء، كلا ثمّ كلا! إذ لو كان بقاء الحياة هو المقصود من كتاب الحياة، لصار أظهروأبهرُ وأنورُ دلائل الحكمة والعناية والانتظام وعدم العبثية بإجماع شهادات الكائنات، وأعجبَ أغربَ وأنْسَبَ مثال العبثية والإسراف، وعدم الانتظام وعدم الحكمة، كمثل شجر –كحبل- ليس بها إلاّ ثمرة فردة كخردلة، بل يرجع إلى الحي من ثمرات الحياة وغاياتها بمقدار درجة مالكية الحي للحياة وتصرفه الحقيقي فيها، ثم سائر الثمرات والغايات راجعة إلى المُحْيي جلّ جلاله بالمظهرية لتجليات أسمائه، وبإظهار ألوان وأنواع جلوات رحمته في جنّته في الحياة الأخروية التي هي ثمرات بذور الحياة الدنيوية.[40]
يولّد التعلّق بالدنيا تبديل الغاية من الوجود، فتصبح كالغاية المشهورة بين أهل الغفلة التي تتلخّص في جهة استفادة فاقد الغاية الحقيقية من الدنيا نفسها، والتي لا تعدو الأكل والشرب، فيكون بذاك أذلّ وأحقر وأصغر من غاية تامّة لخلقة الشيء، بل هي وسيلة إحدى غاياته.[41]
- الإغراب في الأسلوب والمضامين:
تلحق الغرابة الأسلوب ضررا عظيما بفهم مقصد النبوة وغاياته النبيلة، فتكون سببا في عزوف الناس عن النظر إلى مقصد النبوة نفسه، ولا يشفع لها سلامة النيات وصحة الغايات، ذلك أنّ" الانشغال بذلك المسلك الذي يفتح مغاليق تلك الأسرار الغيبية يلحق الضرر بالعمل لأسس الإسلام، لهذا كان العمل في مسلك الوضوح أهم من ذلك المسلك وأثمن منه وأقوم، وهو محور الحاجة العامة ويَسُد الحاجة الماسة للجميع بالعمل لأسس الإسلام وهو خدمة خزينة الحقائق الإيمانية والاستفادة منها، من هذا المنطلق وُجّهنا إلى سلوك هذا الطريق، لأنّ الانشغال بذلك المسلك يجعل المرء يدع أعظم المقاصد وأجلّها- وهي الحقائق الإيمانية- في درجة تالية.[42]
- الصراع المستهلك للطاقات المهدر للأوقات:
الاختلاف في الالتزام بمقتضى مقصد النبوة كان وسيبقى سببا في شرارة الفتن، ذلك أنّك لا تجد بين المتصارعين اتّفاقا في مقصد النبوة بوصفها دافعا وغاية وأنموذجا في التصرفات والتدبير، ولو دقّقت النظر لوجدت المتصارعين صرعى ذواتهم عبّادا لها، مما يفضي إلى انشقاقات غير قابلة للالتئام، وخير شاهد على ذلك وضع أمتنا والعالم[43]، فحاضرالعالم دليل ناطق على هيمنة الصراع وغلبته على حساب التوافق المغيّب الأعظم بسبب تضييع الانتساب إلى النبوة في شعاب الحياة، لأن الانتماء إلى مسلك النبوة يثمر خدمة اجتماعية للخلق جميعا،ذلك أنّ رأس الأبعاد الوظيفية لمسلك النبوة أن يكون المرء بذّالا للخير لكلّ الناس، يبذلها لأهله صلة للرحم الإيمانية، ويبذلها لغيرهم تحبيبا لدين الله إلى أنفس المخالفين في الملّة، لعلّه يسعفهم باسترداد فطرتهم التي فطرهم الله عليها.
- التأهّل لنيل العقوبة الدنيوية والأخروية:
يقع الإنسان جرّاء عدم انسجامه مع مقصد النبوة تحت طائلة استحقاق العقوبة المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، لأنّ العاصي لمقام النبوة يستحق بلا ريب التهديد الرهيب كما يستحق أنواعا من الوعيد المرعب[44]، بسبب عدم التناغم مع مقصد النبوة وأبعاده الوظيفية في بعديها المادي والمعنوي، حتى تغدو المظالم التي يقترفها الإنسان عند خرقه غاية وجوده المبيّنة في مقصد النبوة سببا في الغضب الإلهي والسخط الرباني، تلك المظالم التي تثير هيجان الكائنات والأرض والسماء والعناصر وتؤجج غضبها على مقترفيها.[45]
- التحوّل السلبي:
العقل عضو وآلة، إنْ لم تبعه-يا أخي – كما أكّده مقصد النبوة لله ولم تستعمله في سبيله، وجعلته في سبيل الهوى والنفس، فإنّه يتحوّل إلى عضو مشؤوم مزعج وعاجز، إذ يحمّلك آلام الماضي الحزينة وأهوال المستقبل المخيفة، فينحدر عندئذ إلى درك آلة ضارة مشؤومة، ألا ترى كيف يهرب المائل عن مقصد النبوة-المعروف بالفاسق-من واقع حياته وينغمس في اللهو أو السكر إنقاذا لنفسه من إزعاجات عقله؟ ولكن إذا بيع العقل لله، واستُعمل في سبيله ولأجله، فإنّه يكون مفتاحا رائعا بحيث يفتح ما لا يعد من خزائن الرحمة الإلهية، وكنوز الحكمة الربانية فأينما ينظر صاحبه وكيفما يفكّر يرى الحكمة الإلهية في كلّ شيء، وكلّ موجود، وكل حادثة، ويشاهد الرحمة الإلهية متجلية على الوجود كلّه، فيرقى العقل بالالتزام بمقصد النبوة إلى مرتبة مرشد رباني يهيّئ صاحبة للسعادة الخالدة.[46]
إنّ إهمال الإنسان لمقصد النبوة أو نسيانها في تدبير شؤونه الفردية والجماعية يوقعه فريسة الأنانية، فتتحوّل الأذهان إلى أنانيات الأفراد تحوم حولها[47] خادمة لها وخاضعة لنزواتها، وبذلك تكون مدمّرة لنفسها ولغيرها.
- إهمال التكليف:
جعل الشارع الحكيم مقصد النبوة متناغما مع معطيات الزمان والمكان وضرورات الظروف والحياة، وهذا يؤكّد بما لا يدع مجالا للشك أنّ النبوة وضعت في أصلها منسجمة مع الأبعاد الوظيفية لوجود الناس على الأرض، منسجمة ومرتبطة بحقائق التكليف، ومقاصد التكليف الشرعي منسجمة مع استعدادات الإنسانوحاجاته،ومن ثمّ كانت الغفلة عن مقصد النبوة، غفلة عن التكليف وإهمالا له، وخضوعا للابتلاء الذي لا يسلم منه عاقل، فضلا عن كون الابتلاء من مقتضيات التكليفالمؤسس على الحرية- أساس التكليف-، ويرىالأستاذ أنّ سر الامتحان وحكمة التكليف يقتضيان معا فتح مجال الاختيار أمام العقل من دون سلب الإرادة منه، وبغيرها يفقد التكليف فائدته والغاية من الامتحان، ولتساوى الفحم الخسيس مع الألماس النفيس[48]، فالتسليم بمقصد النبوة المؤكّدة للعدل الإلهي يفرض القول بالحرية أساسا للتكليف، وهي عمدة القبول بفكرتي الحساب والعقاب كما نقله النبي صلى الله عليه وسلّم عن الله، وكما بيّنه هو نفسه.
الخاتمة:
بيّنت في البحث أهمية مقصد النبوة بالنسبة للإنسان، والأبعاد الوظيفية لمقصد النبوة، ثم عرّجت بناءً على الضرورات المنهجية على أهمية النبوة في دفع مفسدات فعالية التوحيد.
وخلص الباحث إلى أنّ لمقصد النبوة أهمية جليلة بالنسبة للإنسان، فمنه يكتشف الإنسان قيمته، ومسالك العبادة، وتسعفه النبوة في التأسيس لتفسير موضوعي لنظام الكون، ذلك أنّ النبوة جزء من نظام الكون، فكان الكون جملة من الأدلة على النبوة نفسها، وفضلا عن ذلك فالنبوة طريق جلب السعادة الدنيوية، ومصدر عنصر قوّة الإنسان المعنوية والمادية، ومن ثمّ كانت النبوة منبع اكتشاف حكمة الإنسان لوظيفته، فيتعرّف من خلالها على الحكمة، المتجلية في دلالات حضور اسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلّم) في ألفاظ الشهادة، وكلّ ما سبقت الإشارة إليه يؤكّد أنّ لمقصد النبوة أبعادا وظيفية تستغرق جملة مكوّنات الحياة وتغطي جملة ميادين شعاب الحياة، فلها بعد إنساني، يظهر في أهميته الإيمانية، وبيانه لطريق العروج إلى الآخرة، بما يضمن إصلاح الدنيا وتعميرها، والنبوة هي مبعث الفعالية في كلّ ذلك، وخاصة في البعد النفسي المشجّع على العمل والبذل خدمة للناس، وإيجاد دافع التضحية، المتوافق مع استعدادات الإنسان، فتدرّبه منخلال دراسة قصص الأنبياء السابقين على تحمّل تبعات السير في مسلك الإيمان، وتدفعه إلى استرداد وظيفة الإرشاد إلى باب الله، بالدفع الدائم للغفلة العامة، فيسهم في صناعة الوعي بالحياة وقيمتها، من خلال تنبيه المخاطب إلى ضرورة التخلٌق بالأخلاق النبوية، ومقتضياتها العلمية والمنهجية المتجلية في سننية التفكير.
والمتحقق بجملة المعاني المشار إليها، يدفع جملة من مفسدات فعالية التوحيد، فيرفض موضوعيا النظر إلى الكون من زاوية الشرك، ويستأصل حصر الهمّة في الاستفادة الشخصية، بتطعيم المسلم ضد داء التعلّق بالدنيا ومفاتنها، والإغراب في الأسلوب والمضامين، والتحرر من الصراع المستهلك للطاقات المهدر للأوقات، بما يجعله مصروف الذهن عن التحوّل السلبي وإهمال التكليف.
--------------------------------
[1] راجع المثنوي العربي النوري 230، إشارات الإعجاز 23
[2] صيقل الإسلام 504
[3] راجع الكلمات 282
[4] الكلمات 843
[5] راجع الشعاعات 652
[6] الكلمات 119
[7] صيقل الإسلام 519
[8] راجع صيقل الإسلام 540
[9] صيقل الإسلام 158
[10] صيقل الإسلام 160
[11] راجع الكلمات 692
[12] راجع اللمعات 497
[13] راجع الكلمات 119، الشعاعات 657
[14] راجع السيرة الذاتية 4
[15] راجع صيقل الإسلام 243
[16] راجع الكلمات 20
[17] - سيرة ذاتية 309
[18] راجع الملاحق 341
[19] راجع الملاحق 341
[20] راجع الملاحق 153
[21] راجع الكلمات 57
[22] راجع المثنوي العربي 451
[23] راجع صيقل الإسلام 464
[24] راجع اللمعات 389
[25] المثنوي العربي 267
[26] الكلمات 642
[27] راجع اللمعات 870
[28] راجع الكلمات 132
[29] راجع اللمعات 871
[30] سيرة ذاتية 463
[31] راجع صيقل الإسلام 65
[32]الكلمات 50
[33] الكلمات 732
[34] راجع الشعاعات 194
[35] راجع المكتوبات 333
[36] راجع الكلمات 544
[37] راجع اللمعات 128
[38] راجع إشارات الإعجاز 224
[39] راجع المثنوي العربي 311
[40] راجع المثنوي العربي 193
[41] راجع المثنوي العربي 466
[42] راجع الملاحق 148
[43] راجع المكتوبات 348
[44] راجع الكلمات 191
[45] راجع الكلمات 529، الشعاعات 306
[46] راجع الكلمات 23
[47] راجع اللمعات 851، المكتوبات 41
[48] راجع المكتوبات 118
