أبعاد امتـــثال الوحـــي لـــــدى الأنبيــــــــــاء وأثرها في دعوة النورسي من خـــلال رســـائل النـــور
أبعاد امتـــثال الوحـــي لـــــدى الأنبيــــــــــاء وأثرها في دعوة النورسي
من خـــلال رســـائل النـــور
الدكتـــــــــور: محــــــــمَّد بودبـــــــــــــــان
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية: قسنطينة – الجزائر
تمهيــــــــــد:
إنَّ لكلِّ دعوةٍ أيًّا كان صاحبها، أو حاميها، أو ممتثلها، ظروفاً وملابساتٍ؛ وجذوةً توقظ الهشيم بلهيبها؛ وأسباباً لوجودها واستمرارها؛ ومخاطبين آمنوا بها واستلهموها من أساساتها ومرتكزاتها إلى غاية دقائقها وتفصيلاتها. وإنَّ مقدار نجاح دعوةٍ ما – في الغالب الأعمّ- مرتبطٌ بدرجة تشرُّب الداعية لما يدعو إليه، أي لمدى امتثاله له، وهو في الشَّأن الإسلامي امتثال الوحي الإلهي الذي هو موضوع رسالة الأنبياء، الذي يورِّثونه بدورهم للعلماء، حيث يتَّخذونه مادَّة دعوتهم وتعليمهم؛ وامتثال الوحي هو "مادة الصدق" الذي ينبغي أن يكون بين المبلِّغين والمخاطَبِين؛ الذي يجعل بعد ذلك للدعوة أحد الحسنيين: إمَّا تحقيق أهدافها وانتصارها، وإمَّا الشهادة دونها ببذل النفس، والمال وكلّ مسرَّات الدنيا ولذَّاتها ومباهجها. وهو ما أريد بيانه في هذه المداخلة؛ بإسقاطه على الدَّعوة النُّورية للمجدِّد بديع الزمان النُّورسي؛ ولتحقيق الغاية من هذه الورقة البحثيَّة، ارتأيت أن أمزج في العرض فيها بين أمرين:
- معالم التشبُّه بالأنبياء لدى النورسي.
- معالم امتثاله لوحي الأنبياء في دعوته، الذي اجتمع في رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين.
أوَّلاً: الوعي بمعالم النبوَّة ومفاهيمها لدى النّورسي.
إنَّ وعي النُّورسي بمعالم النبوَّة ومفاهيمها وتفصيلاتها؛ كان على الدرجة التامَّة من الوضوح والتشرُّب؛ حتَّى إنَّه لا يمكن أن يخلو له كلامٌ عن ذكر النبوَّة والأنبياء، أو الإشارة إليهما –ولو من بعيد- ولا عجب من ذلك من داعيةٍ اشتغل بالقرآن العظيم حياته كلَّها؛ بحيث أدرك مقاصده فقال: « إنَّ المقاصد الأساسية من القرآن، وعناصره الأصلية أربعةٌ: التَّوحيد والنبوَّة والحشر، والعدالة»[1].
وفهمه لرسالته الخيريَّة النُّوريَّة إنَّما أفاده من فهمه لضرورة النبوَّة للبشريَّة بأنَّ: « النبوَّة في البشريَّة فذلكة الخير، وخلاصة الكمال وأساسه؛ وأنَّ الدِّين الحقَّ فهرس السعادة؛ وأنَّ الإيمان حسنٌ منزَّهٌ، وجمالٌ مجرَّدٌ. وحيث إنَّ حسناً ساطعاً، وفيضاً واسعاً سامياً، وحقًّا ظاهراً، وكمالاً فائقاً مشاهدٌ في هذا العالم؛ فبالبداهة يكون الحقُّ، والحقيقة في جانب النبوَّة، وفي يد الأنبياء عليهم السلام، وتكون الضلالة والشرُّ والخسارة في مخالفيهم».[2]
ويمكننا أن نلحظ أنَّ أروع تصوير لشرف الأنبياء المصطفين، وعلوِّ منزلتهم؛ وقربهم من الله تعالى؛ وعظم رسالتهم، كان في الصورة التاسعة من الكلمة العاشرة في مبحث الحشر[3]؛ بل أروع منه كلامه في المثنوي العربي النُّوري حيث قال: «ثمَّ إنَّه كما لا يمكن وجود الشَّمس بلا نشر ضياء؛ كذلك لا يمكن الألوهية بلا تظاهر بإرسال الرُّسل. ولا يمكن جمالٌ في نهاية الكمال بلا تبارزٍ وبلا تعرُّفٍ بواسطة رسولٍ معرِّفٍ. ولا يمكن كمال صنعةٍ في غاية الجمال بلا تشهيرٍ بواسطة دلالٍ ينادي عليه. ولا يمكن سلطنة ربوبيَّةٍ عامَّة، بلا عبوديَّة كلِّيَّةٍ، بإعلان وحدانيته وصمديَّته في طبقات الكثرة بواسطة مبعوث ذي الجناحين. ولا يمكن حسنٌ لا نهاية له، بلا طلب ذي الحُسن، ومحبَّته، لمشاهدة محاسن جماله، ولطائف حسنه في مرآة. وبلا إرادته لإشهاد أنظار المستحسنين عليه، وإراءته لهم بواسطة عبدٍ حبيبٍ يتحبَّب إليه، ورسولٍ يحبِّبه إلى النَّاس. أي هو بعبوديته مرآةٌ لشهود ذي الجمال، جمال ربوبيَّته، وبرسالته مدار إشهاده»[4]. وقد خصَّ النبيَّ محمَّدا صلى الله عليه وسلَّم بأعظم الشرف والوصف والتعظيم، وأهليته للرسالة العظيمة الخاتمة[5]. كما إنَّه بيَّن وظيفة الرسول في حكاية تمثيليَّة بديعة بيَّن من خلالها كيف تدعو الأنبياء؛ وكيف يكون نصحهم وإرشادهم للنَّاس، وكيف تكون تلامذتهم.[6] وقرَّر: « أنَّ أعظم وليٍّ من الأولياء لا يبلغ أيَّ نبيٍّ من الأنبياء»[7].
كما يدرك النُّورسي وظيفة الأنبياء التي ورثها عنهم؛ وجعلها عنواناً لعطائه: « إنَّ جميع الأنبياء وهم ذوي الأرواح النيِّرة... يبشِّرون البشريَّة بالسعادة الأبديَّة؛ وينذرون أهل الضلالة بأنَّ مصيرهم النَّار؛ ويبشِّرون أهل الهداية بأنَّ عاقبتهم الجنَّة».[8] «كذلك الأنبياء والرُّسل عليهم السَّلام، والكتب المنزلة عليهم، يبيِّنون ويدلُّون على ذلك المتكلِّم الحيّ الذي يأمر وينهى بكلماته وخطاباته من وراء الغيب المحجوب وراء ستار الكون
وهو مدركٌ أنَّ حلقة النبوَّة أساسٌ في تحقق الكمالات الإنسانيَّة: « وإذا تأمَّلت في أحوال النوع بنظر نافذٍ، رأيت كلَّ ترقيَّات الرُّوح المعنويَّة؛ وكلَّ تكمُّلات العقل، وترقيات الفكر المثمرة، بدرجةٍ تحير فيها العقول؛ إنَّما وجدت كافَّةً بالتكليف. وإنَّما استيقظت ببعثة الأنبياء، وإنَّما تلقحت بالشرائع، وإنَّما ألهمت من الأديان؛ ولولاها لبقي الإنسان حيواناً ولانعدمت هذه الكمالات الوجدانيَّة، وتلك المحاسن الأخلاقيَّة».[9]
كما يدرك تمام الإدراك أنَّ للنبوَّة متطلَّباتٍ متعلِّقة بالشريعة وتطبيقها وانتشارها: «ثمَّ لمحافظة تأثير تلك الشَّريعة، وجريانها، لابدَّ من مقنِّنٍ، وصاحبٍ ومبلِّغٍ ومرجعٍ، وما هو إلاَّ النبيُّ عليه السلام. ثمَّ إنَّ النبيَّ لإدامة حاكميته في الظواهر والبواطن، وفي العقول والطبائع، يحتاج إلى امتيازٍ وتفوُّقٍ: مادةً ومعنىً، سيرةً وصورةً، خلقاً وخُلقاً. ويحتاج أيضاً إلى دليلٍ على قوَّةِ المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم؛ وما الدليلُ إلاَّ المعجزات. ثمَّ لتأسيس إطاعة الأوامر، وتأمين اجتناب النواهي، يحتاج إلى إدامة تصوُّر عظمة الصانع، وصاحب الملك في الأذهان؛ وما هو إلاَّ تجلِّي العقائد. ثمَّ لإدامة التصوُّر، ورسوخ العقائد، يحتاج إلى مذكِّرٍ مكرّر، وعملٍ متجدِّدٍ؛ وما المذكِّر المكرر إلاَّ العبادةُ».[10]
والنُّورسي يدرك، ويتحقَّق ما امتثالُ الأنبياء للوحي، وما درجة الكمال البشري التي بلغوها في ذلك، وبخاصَّة خاتمهم، قال: «كان الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم قد امتثل امتثالا كاملاً قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾[11] فالاستقامة تظهر في جميع أفعاله وأقواله وأحواله، ظهوراً لا لبس فيه».[12]
وعلى ضوء الكلام الأخير؛ ارتأيت أن أتناول أبعاد امتثال الوحي لدى الأنبياء وإسقاطاتها على دعوة النُّورسي من خلال ثلاثة مناحٍ: من ناحية التصورات والمعتقدات؛ ثم من ناحية السلوك النفسي؛ وأخيراً من ناحية التطبيق في طريقة الدعوة ونهجها.
ثانياً: امتثال الوحي في باب التصوّرات والمعتقدات.
إنَّ أيَّ صاحب دعوةٍ لا يمكنه أن يؤدِّي رسالته مالم يكن له تصوُّرٌ واضحٌ، وبيِّنٌ عن موضوعها وأبعادها وتفصيلاتها؛ فيتشرَّب معانيها، ويتذوَّق هو حلاوة معانيها؛ ويرتبطَ بها وجدانيًّا وشعوريًّا، بحيث يصير وجودُهُ، وعيشُه، ومآلُه مرتبطاً بدعوته؛ فيبذل حينها الغالي والنَّفيس في سبيلها؛ ولا يرضى أن تزول دعوتُه دون زواله هو؛ ولا يدور في خلده ارتياب، ولا يساوره أدنى الشَّك. وإنَّ ذلك واضحٌ، على التمام من الوضوح في حياة الأنبياء، والتي يرثها عنهم العلماء؛ الذين يرون في ذلك الميراث حقًّا لأمم الأنبياء، لا يجوز بحالٍ التَّفريط فيه.
إنَّ الله تعالى علَّم نبيَّه مالم يعلم، وأرشده إلى أنَّ العلم قبل القول والعمل؛ فمالم يَصْفُ التصوُّر والاعتقاد، فلا سبيل إلى صواب القول والعمل؛ قال الله تعالى آمراً نبيَّه الكريم ومرشداً له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالـمُؤْمِنَاتِ﴾[13].
والنّورسي استمدَّ تعليمه من القرآن الكريم، وفي مدرسة النبوَّة كما يُستفاد من قوله: «يا ربِّي الرحيم: لقد أدركت بتعليم الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وفهمتُ من تدريس القرآن الحكيم...».[14] وهو قد كان دائباً محاوِلاً أن يتفهَّم غاية وجوده، ومسار حياةٍ مُنجيةٍ؛ فحالما يستيقن التصوُّرات القرآنيَّة الموحى بها، لا يرى عنها بديلاً أو حِوَلاً؛ ففي حادثة عدم قيامه للقائد الروسي مثلاً وهو في الأسر، حيث كاد يكون سبباً في إعدامه، قال: إنَّني عالمٌ مسلمٌ أحمل في قلبي الإيمان؛ فالذي يحمل الإيمان في قلبه أفضل ممَّن لا يحمله؛ فلو أنَّني قد قمتُ له احتراماً، لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي، ولهذا لم أقم له.[15] ويقينه ذلك، مع يقينه أنَّ أجلَه بيد الله، جعل حكم الإعدام يُلغى في حقِّه.
والإنسان الداعية يستمد تعليمه من رسالته التي يجعلها تعليمه؛ والنُّورسي علَّمه القرآن في مدرسة النبوَّة كما وصف: « إني نظراً إلى: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[16]؛ ومستنداً إلى أنَّ التَّنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه، كذلك يعلِّمك بإشاراته ورموزه؛ لأفهمُ من إشارات أستاذية إعجاز القرآن في قصص الأنبياء ومعجزاتهم التَّشويق، والتَّشجيع للبشر على التوسُّل للوصول إلى أشباهها. كأنَّ القرآن بتلك القصص يضع أصبعه على الخطوط الأساسيَّة، ونظائر نتايج نهايات مساعي البشر للترقِّي في الاستقبال الذي يبنى على مؤسَّسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل. وكأنَّ القرآن يمسح ظهر البشر بيد التَّشويق والتَّشجيع قائلاً له: اسع واجتهد في الوسائل التي توصلك إلى بعض تلك الخوارق»[17].
ثالثاً: امتثال الوحي في النَّفس.
وإذا كان المظهر الأوَّل لامتثال الوحي هو في باب التصوُّرات والمعتقدات، فإنَّه لا بدَّ أن تظهر آثار ذلك الامتثال النظري في العمل والسلوك الظاهر؛ وهو ما يكون تمهيداً للسبيل أمام الخطاب الدَّعويِّ الذي لا يمكنه أن يُثمر مالم ينبني على اهتداء صاحب الدعوة بنور دعوته؛ حتَّى يُبصر المخاطبون حاله فيتبعونه لما رأوه من النور؛ كما يدلُّنا عليه الرجل الساعي من أقصى المدينة؛ فقد أرشد قومه إلى أنَّ الحال المستقيمة للمرسلين دليلٌ على صدقهم فقال لهم فيما حكاه الله تعالى عنه في محكم التَّنزيل: ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[18]. فالله تعالى هو الذي يصنعهم على عينه؛ وأَمَرَهم أن يكونوا صالحين وفق الوحي الذي أنزله عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾[19]. فيستحقُّون حينها الثناء الجميل كالذي أثنى به الله تعالى على نبيِّه الكريم بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[20].
وهذا الامتثال في النَّفس، يستوجب علينا أن نقف معه في بعض النّقاط كالآتي:
- منَّة الله تعالى وسبق لطفه بإعداد الأنبياء والدعاة.
إذا كان الأنبياء يمتثلون الوحي فيزيِّنون به أنفسهم؛ فإنَّه تجدر الإشارة أنَّ الله تبارك، وجلَّ وعلا يسبق لطفُه بهم، فيزيِّنهم باستعداداتٍ ابتداءً، صناعةً لهم على عينه؛ أي بما هو خارجٌ عن كسبهم أساساً؛ وتقع مشابهة العلماء للأنبياء باعتبار الوراثة لهم. وقد تحقَّقت الآية الكريمة في النّورسي على سبيل المشابهة: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾[21] فقال محدِّثا بنعمة ربِّه عليه: «إنَّ أكثر أحداث حياتي قد جرت خارجةً عن طوق اقتداري وشعوري وتدبيري؛ إذ أعطِيَت لها سيرًا معيَّنا، ووجِّهت وجهةً غريبة، لتنتج هذه الأنواع من الرسائل التي تخدم القرآن الحكيم».[22]
والحرمان في تكوين الدَّاعية كما في الأنبياء هو إعدادٌ لهم لتحمُّل الرسالة، وصرفٌ لهم عن الشواغل والصارفات عن مهمَّات الأمور؛ وقد نال النُّورسي نصيبا من ذلك، قال رحمه الله تعالى: تبيَّن لي بياناً قاطعاً أنَّه كان إحساناً عظيماً عدم منحي الشِّعر والخط ... فلو كنت أجيد الكتابة، لما كانت المسائل تقرُّ في القلب. فما من علمٍ بدأت به سابقاً، إلاَّ وكنت أكتبه في روحي... أمَّا الشِّعر، فرغم أنَّه وسيلةٌ مهمَّةٌ للتَّعبير؛ فإنَّ الخيال يقضي فيه بحُكمِه، فيختلط بالحقيقة، ويغيِّر من صورتها؛ وأحياناً تتداخل الحقائق. ولم يفتح القدر الإلهي باب الشِّعر أمامنا، عنايةً وفضلاً منه تعالى؛ لأنَّه كان من المقدَّر أن نكون في المستقبل في خدمة القرآن الكريم، التي هي حقٌّ خالصٌ، ومحض الحقيقة؛ فالآية الكريمة: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾[23] متوجِّهة إلى هذا المعنى.[24]
وقال كذلك مبيِّنا أنَّ الله تعالى يختار له أحسن المسار: « إنَّني أحمد الله تعالى حمداً لا أحصيه؛ إذ حوَّل أنواع الظلم والمكاره التي جابهني بها أهل الدنيا، إلى أنواعٍ من الفضل والرَّحمة. وإليكم البيان: بينما كنت منعزلاً في مغارة –وقد طلَّقت السياسة، وتجرَّدت عن الدنيا منشغلاً بأمور آخرتي- أخرجني أهل الدُّنيا من هناك، ونفوني –ظلماً وعدواناً – فجعل الخالق الرَّحيم الحكيم هذا النفيَ لي رحمةً؛ إذ حوَّل ذلك الانزواء في الجبل الذي كان معرَّضاً لعواملَ تُخِلُّ بالإخلاص والأمان، إلى خلوةٍ في جبال: "بارلا" يحيط بها الأمن والاطمئنان والإخلاص».[25]
- من امتثال الوحي عدم الركون إلى النَّفس وإن ظهر صلاحها.
الأنبياء أعلم النَّاس بمنزلتها، لا تريد رفعاً لها لما هو أعلى من منزلتها؛ ولذلك يحاربون النَّفس التي هي أعدى العِدا؛ وكذلك عُلِّموا: ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾[26]. والنُّورسي امتثالاً للوحي يرفض الركون إلى نفسه، والاغترار بغرورها؛ فهو بما علمه من الوحي، أعلمُ بنفسه من أقرب النَّاس إلى نفسه، فثناء النَّاس عليه لا يجعله يغفل عن اليقين الذي يعلمه عن نفسه، قال رحمه الله: أرفض حسن الظنِّ المفرط بشخصي، الذي يفوق كثيراً حدِّي وطوقي؛ لأنِّي –كإخوتي – لا أحسن الظنَّ بنفسي.[27]
بل نجده يحاسب نفسه حسابا شديداً: اعلم يا "أنا" المتمرّد المغرور المتكبِّر؛ انظر إلى درجة ضعفك وعجزك وفقرك ومسكنتك؛ إذ يبارزك ويصارعك فتخرُّ صَعِقاً، الحُوَيْنُ الذي لا يُرى إلاَّ بتكبيره مرَّاتٍ ودرجاتٍ.[28] ويستمر في مجاهدة نفسه بلا توقُّف فيقول: « اعلم أنَّ هذه ثلاثون سنة لي مجادلةً مع طاغوتين وهما "أنا" في الإنسان؛ و"الطبيعة" في العالم».[29]
فهو مدركٌ للنَّفس ومتطلَّباتها الطاغية، فلذلك كان دائم التَّحذير لها؛ وخاطبها ذات المرَّات فقال لها: «اعلمي: يا أيَّتها النَّفس الأمَّارة أنَّ لك دنيا هي قصرٌ؛ واسعةٌ مبنيَّةٌ بآمالك وتعلُّقاتِك، واحتياجاتك إلى الأكوان».[30] فالنُّورسي كان معرضاً عن الدنيا وزخرفها، وكذلك الأنبياء تتبِّع تحذير ربِّها من الركون إلى الدُّنيا، والاطمئنان بها.
- امتثال الوحي لدى الأنبياء وورثتهم قاعدة تربويَّة دعويَّة.
إنَّ امتثال الأنبياء عليهم السلام للوحي – وهم مبلِّغوه- هو تأصيلٌ لمبدأ القدوة؛ وضمانٌ لاستمرار ذلك في توريث علومهم للأمم والأجيال من بعدهم؛ ومبدأ اتخاذ القدوة هو مبدأ فطريٌّ متأصِّلٌ في خلقة الإنسان، فالولد الصغير في نشأته ينظر في محيطه الأقرب فالقريب، ويحاكي السلوكات والتصرُّفات ونحوها من المكتسبات ولذلك فإنَّ إنكار القدوة، إنكارٌ للأبوَّة والأمومة أوَّلاً، ثمَّ تمزيقٌ للأسرة ثانياً، ودعوى للتحلُّل من الأخلاق والقيم، والآداب الرفيعة ثالثاً. إنَّ إنكار القدوة إنكارٌ لرسالة المعلِّم والمربِّي؛ والأخطر من ذلك أنَّها دعوى لإنكار رسالة الأنبياء والمرسلين والمصلحين.[31]
وإذا تأمَّلنا دعوة النُّورسي النُّورية، فإنَّنا نجده قد قام بأمرين في هذا المسار هما:
- تشبُّهه بالأنبياء عليهم السلام، واتِّخاذه القدوة بهم.
- إعطاء القدوة بنفسه، ثمَّ بأصحابه طلبة النُّور.
فالتشبُّه بالصالحين سبيل نجاح الدعوة، فالأنبياء –وهم إخوةٌ لعلاَّتٍ- أمروا أن يكونوا قدوةً بعضهم لبعض، لاهتدائهم وامتثالهم لنور الوحي: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهْ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾[32].
ومن تشبُّه النُّورسي بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تعبُّده في الخلوة قبل البعثة: قال في المكتوب الرابع: «أنا الآن في موضعٍ، على ذروة شجرة صنوبر ضخمةٍ عظيمة، منتصبةٍ على قمَّة شاهقةٍ من قمم جبل "جام" لقد استوحشتُ من الإنس، واستأنستُ بالوحوش».[33]
ثالثا: امتثال الوحي في البلاغ.
يأتي في المرحلة اللاحقة من المرحلتين السابقتين، أن يحدث امتثالٌ للوحي في كيفيَّة البلاغ والدعوة في حدِّ ذاتها؛ فالأنبياء دعوتها على هدىً وبصيرةٍ:
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الـمُشْرِكِينَ﴾[34]. ولذلك فإنَّ دعوة الأنبياء لا تأتي مخالفة للبصيرة التي استيقنوها نظريًّا، وامتثلوها في أنفسهم؛ فقد قرَّر الله تعالى أنَّه: ﴿مَاكَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الـمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[35].
وعلى ذلك فإنَّ تمام امتثال الوحي يكون بعدم التصرفُ في دعوةٍ لا يملك الداعية حقَّ تبديلها، أو المساومة عليها؛ لأنَّها ليست ملكه، بل هو مؤتمنٌ عليها: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِم ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[36].
فالمنهج الذي يحكم دعوة الأنبياء وورثتهم، لا ترسم معالمه وخطوطَهُ الأهواءُ، ولا تتحكم في مساراته التحكُّمات الشخصية، ولا تميل به الميولات؛ وإنَّما يضبطه ويسدِّده الوحي؛ فلننظر في أبعاد ذلك، وإسقاطاته على دعوة النُّورسي رضي الله تعالى عنه كالآتي:
- امتثال الوحي يجعل الداعية مبلِّغاً.
أي إنَّه مؤتمنٌ؛ وهذا يستتبع تقرير أمرين:
- أنَّ النتيجة والتوفيق على الله.
- أن يصمد الداعية في وجه الإغراءات أو التهديدات على السواء.
فأمَّا الأمر الأوَّل فكان يُدركه النّورسي تمام الإدراك؛ قال رحمه الله تعالى: «إنَّ وظيفتنا العمل للإيمان والقرآن بإخلاص؛ أمَّا إحراز التَّوفيق، وحملُ النَّاس على القبول، ودفع المعارضين، فهو مـمَّا يتولاَّه الله سبحانه».[37] وذلك يشدُّ من أزر الداعية؛ بما يطمئنه على أجره وجزائه عند ربه؛ على بلاغه.
وأمَّا الأمر الآخر: وهو تجنُّب الترغيب والترهيب الدنيويَّين أن يؤثِّرا في امتثال الوحي في البلاغ؛ فإنَّه شديد الوضوح في قصص الأنبياء: فكم من نبيٍّ قال كما قال نوحٌ لقومه:
﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الـمُسْلِمِينَ﴾[38]. وكم من نبيٍّ فوَّض أمره لربه؛ غير آبه بالملأ من قومه، كصنيع هودٍ عليه السلام: ﴿ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَريءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[39]. فالرغبة إلى الله، والرهبة منه، ذلك دستور الأنبياء.
إنَّ النُّورسي بادئ ذي بدء يوصي العالم - ونفسَه - أن لا يفتري على الله، وألا يحزن بما يلقاه من شظف العيش، فيتصرَّف في ما يحمله من الرِّسالة المؤتمن عليها، مقابل حطام الدنيا، أو استرضاءً للمخالفين؛ فقال له: «اعلم أيُّها العالم الدِّينيّ: لا تحزن على عدم الرَّغبة في عملك، وقلَّة أجرتك؛ إذ المكافأة الدنيويَّة تنظر إلى جهة الاحتياج، لا إلى درجة القيمة الذاتيَّة. إذ جهة المزيَّة الذاتية ناظرةٌ إلى المكافأة الأخرويَّة؛ لا يجوز لك أن تشتري بها ثمناً قليلاً من متاع الغرور».[40]
ولذلك فإنَّه رفض الإغراءات الدنيوية جميعها؛ وقال: «إنَّ سرَّ الإخلاص يمنعني منعاً باتًّا أن أجعل رسائل النُّور، والخدمة الإيمانيَّة أداةً لرتبٍ دنيويَّةٍ؛ ولمقاماتٍ أخرويَّة لشخصي. كما أرفض رفضا قاطعاً جعل تلك الخدمة المقدَّسة وسيلةً لراحتي بالذَّات، وقضاء حياتي الدنيويَّة مرتاحاً هنيئاً. حيث إنَّ صرف الحسنات الأخرويَّة وثمراتها الخالدة في سبيل نيل لذائذ جزئيَّةٍ لحياةٍ فانيَّةٍ ينافي سرَّ الإخلاص».[41] وقال لطلاب النُّور: «إنَّ درس الحقيقة الذي تأخذه من أستاذٍ لا يتنازل إلى حطام الدُّنيا والذلِّ؛ ولا يطلب عوضاً عن أدائه الحقَّ والحقيقة، ولا يضطر إلى التصنُّع؛ هذا الدرس هو بقيمة الألماس. بينما الدرس الذي يُتَلقَّى من أستاذٍ اُضطرَّ إلى أخذ الصدقات؛ وإلى التصنُّع للأغنياء، وإلى التَّضحية حتَّى بعزَّته العلميَّة، في سبيل جلب أنظار النَّاس، فمال إلى الرياء أمام الذين يتصدَّقون عليه؛ وبهذا جوَّز أخذ ثمرات الآخرة في الدُّنيا. أقول: إنَّ هذا الدرس يهون إلى مستوى قطعٍ زجاجيَّةٍ، ولو كان الدرس هو نفسه»[42].
بل إنَّ الأمر أفضى به إلى رفض الهدية، بل ورفضها من أقرب المقربين إلى نفسه؛ وألحق ذلك بأخذ الأجر على البلاغ؛ وما يرتبط بها من محظورات؛ قال في المكتوب الثاني: «نحن مكلَّفون باتِّباع الأنبياء – عليهم السلام- في نشر الحقِّ وتبليغه؛ وإنَّ القرآن الكريم يذكر الذين نشروا الحقَّ أنَّهم أظهروا الاستغناء عن النَّاس بقولهم: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ﴾[43]؛ وإنَّ الآية الكريمة: ﴿ اِتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[44] في سورة يس، تفيد معاني جمَّةً، ومغزًى عميقاً، فيما تخصُّ مسألتنا هذه».[45]
وأمَّا عن الصلابة والشجاعة في الحقِّ لدى النُّورسي؛ فحدِّث عنهما ولا حرج، فقد بلغ فيها مبالغ مذهلة؛ وذلك ما ينبغي أن يتحلَّى به صاحب أيِّ دعوة؛ حتَّى يستطيع تحمُّل الإذاية، وتقوى نفسيَّته، ويكتمل امتثاله حينها؛ قال النُّورسي عن نفسه: «إنَّ أصدقائي وأحبابي الذين يلاحظون راحتي وأحوالي، يستغربون من إيثاري الصَّمت، وتجمُّلي بالصبر اتّجاه كلِّ مصيبةٍ تنزل بي؛ فيتساءلون: كيف تتحمَّل الضِّيق والمشاقَّ التي تنزل بك؟ فلقد كنتَ من قبل شديد الغضب، لا ترضى أن يمسَّ أحدٌ عزَّتك، وكنت لا تتحمَّل أدنى إهانةٍ»[46]؛ فداعي عدم التحمُّل موجود في طباع النُّورسي، إلاَّ أنَّ القرآن الكريم والاشتغال بتعليمه هذَّبا كلَّ شيءٍ فيه.
ويصف لنا مصطفى صنغور، تلميذُهُ بعض البلاء الذي نزل بأستاذه إذا قال: « ففي الوقت الذي ينبغي أن يكون هذا "السعيد" المسعود، موضع فخرٍ واعتزاز بما بيَّن للبشريَّة بنور القرآن المبين طريق العروج إلى أعلى مراتب المعرفة الإلهيَّة برسائل النور؛ قام أهل الشقاء بنقيض ذلك، فتجرَّأوا على تسميمه مرَّاتٍ ومرَّات...حتَّى رماه الصبيان بالحجارة حينما خرج من بيته يوماً في قسطموني، قاصدا التوضُّأ من النبع؛ ولكنَّه تحمَّل وتجمَّل بالصبر؛ ولم يحمل في صدره غير السلامة، وفي قلبه غير الطُّهر لأولئك الصبيان؛ فلم يغضب، ولم يحقد عليهم، بل دعا لهم بالخير. وقال: لقد أصبح هؤلاء سببا لكشفي سرًّا من أسرار آيةٍ جليلةٍ في سورة يــــــــــــس. ثمَّ أصبح أولئك بفضل الله وبركة الدعاء لهم بعد ذلك يهرولون إلى أستاذنا أينما رأوه، ويقبِّلون يده، ويرجون منه الدعاء».[47]
وصلابة النُّورسي كانت روحاً يصبُّها على تلاميذه إذ قال لهم: "ولتكن رؤوسنا فداءً لحقيقةٍ افتدتها ملايين رؤوس الأبطال" قال: هذه الجملة التي صدعتُ بها وجوهَهُم في المحكمة ختامَ مرافعتي، أعلنَّا بها أنَّنا نثبُت حتَّى النِّهاية؛ فلا نتخلَّى عن هذه الدَّعوى؛ وآمل ألاَّ يكون فيكم من يتخلَّى عنها. فما دمتم قد صبرتم وصمدتم حتَّى الآن، فتجمَّلوا بالصبر والتحمُّل؛ فإنَّ قسمتنا من الرِّزق، ووظيفتنا هنا لم تنتهيا بعد.[48]
وقال يصوِّر حجم الدنيا ومعناها لديه، ولدى المهتدين بدعوته في مقابل ظنون من يتربَّصون به من أعداء دعوته النُّورانيَّة: « إنَّ هناك خُلُقاً ضعيفًا، وعرقاً واهياً لدى الإنسان؛ وهما الاهتمام بهموم العيش والطمع؛ فقد بحثوا عنهما كثيراً للاستفادة منهما، ولكن لم يجنوا شيئاً بفضل الله من ذلك الجانب الضعيف؛ حتَّى خلصوا إلى أنَّ متاع الدُّنيا الذي يضحُّون في سبيله بمقدَّساتهم، تافهٌ لا يساوي شيئاً عندنا. وقد تحقَّق ذلك عندهم بحوادث كثيرة؛ حتَّى إنَّه خلال هذه السنين العشر الماضية استفسروا أكثر من مئة مرَّة استفساراً رسميًّا من الإدارات المحلِّيَّة: بم يعيش؟».[49]
- امتثال المنهج التعليمي النبوي.
إذ إنَّه لا شيء يعلو على تربية الأنبياء، ونهجهم؛ ويمكننا أن نلحظ سلوك النُّورسي في تعليمه ودعوته بما تظهر فيه ملامح الامتثال، والتشرُّب للتعليم النبويّ الشريف؛ فمن ذلك:
أ/ ربطه لأعماله وأقواله بالقرآن الكريم، وهو عمل النبيِّ الخاتم عليه الصلاة والسلام، وهذا مالا يحتاج إلى التَّمثيل له، فرسائل النُّور كلُّها تشهد له به.
ب/ اعتماده أسلوب السؤال والجواب... ويكفي أن نعلم أنَّ مجموعة المكتوبات إنَّما هي أجوبةٌ عن أسئلة أحد السابقين من تلامذته في "بارلا"، وهو: "خلوصي يحي كيل" الذي كان يبعث إلى أستاذه أسئلته، وما يُستفسَر منه من أمورٍ إيمانيَّةٍ؛ وجُمعت بأمر الأستاذ نفسه، وسمِّيت بـــ: "المكتوبات".[50]
جــــــ/ ضربه للمثل التوضيحيِّ، وإن كان لم يقع حقيقةً، ولكنَّه ممَّا يقع؛ قال مصدِّرا الكلمة العاشرة في مبحث الحشر: « إنَّ سبب إيرادي التَّشبيه والتَّمثيل بصورة حكاياتٍ في هذه الرسائل، هو تقريب المعاني إلى الأذهان من ناحيَّةٍ، وإظهار مدى معقوليَّة الحقائق الإسلاميَّة، ومدى تناسبها، ورصانتها من ناحية أخرى. فمغزى الحكايات إنَّما هو الحقائق التي تنتهي إليها، والتي تدلُّ عليها كنايةً. فهي إذن ليست حكاياتٍ خياليَّة، وإنَّما حقائق صادقة»[51]. وغالب أمثلته عن الجنود والجندية. فالكلمات في الغالبية العظمى منها تنفذ إلى غرضها من خلال حكايةٍ توضيحيَّة فيها ضرب المثال؛ فيقول: «فأنصت معي إلى هذه الحكاية التَّمثيليَّة القصيرة:...»[52]. وهو يأخذ في هذا بمسلك القرآن الكريم، إذ يقول: « اعلم أنَّ القرآن المعجز البيان، يعبِّر كثيراً عن تبيين الحقائق بضرب المثل؛ بسِرِّ أنَّ الحقائق المجرَّدة الإلهيَّة متمثلَّة في دائرة الإمكان، ويلاحظ من خلفها شؤون دائرة الوجوب؛ ولله المثل الأعلى».[53]
د/ أمره لتلاميذ النور أن يقتدوا به، بما يُذكِّرنا بقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لتأخذوا مناسككم؛ فإنِّي لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجَّتي هذه»[54].
هــ/ اغتنامه الفرص التي تعنُّ له من أمكنة، أو أزمنة، أو أشياء، للتنبيه على حكمة معيَّنة. قال مصطفى صنغور، تلميذ الأستاذ: « كنَّا نخرج معه أيَّام الصيف إلى الغابة البعيدة؛ فكان يصحِّح في الطريق، أو يستمع إلى ما نقرأه من الرسائل، أو يدرِّسنا من إحدى مؤلَّفاته القديمة... وهكذا فما كنَّا نشعر بسأم ولا تعبٍ مع الأستاذ، حتَّى ولو كان الدرس من الصباح إلى المساء، ومشيا على الأقدام».[55]
و/ الترفُّق في الخطاب: الأنبياء لها ترفُّق بالأنفس، ولين في الحديث وتألُّفٌ للنفوس؛ ويمكننا أن نلحظ النورسي مثلاً في "الكلمات" حين يختمها؛ يختمها أو يضمِّنها بمخاطبة النَّفس عادةً، نفسِه هو فيقسو عليها، ويرفق بنفوس النَّاس: «فيا نفسي الكسلى؛ ويا صاحبي في الخيال [...] فيا نفسي، ويا أيُّها الرَّجل المنصت معي إلى هذه الحكاية: ...»[56]؛ وكم هو ليِّن شفيق في مخاطبة العاصي: فيا صديقي الحميم، ويا نفسي الأمَّارة بالسوء: ...[57]
والشفقة سمة بارزة في الأنبياء؛ لأنهم يعلمون من الله مالا يعلمه غيرهم من البشر، وقد كان النّورسي مدركاً لذلك: ففي الحقيقة الخامسة من الكلمة العاشرة عنونها: "باب الشفقة وعبودية محمَّد صلى الله عليه وسلَّم".[58] وهو ما امتثله في إعراضه عن السياسة في آخر عمره وقد كان مقبلاً عليها؛ قال: « إنَّ القانون الأساس للسياسة البشريَّة هو: "يُضحَّى بالأفراد من أجل سلامة الأمَّة؛ وتُفدى بالأشخاص حفاظاً على الجماعة؛ ويرخص كلُّ شيءٍ في سبيل حماية الوطن". فجميع الجرائم البشعة التي ارتكبت في البشريَّة إلى الآن إنَّما ترتكب بالاستعمال السيِّء لهذه القاعدة، ولهذا القانون الأساس... ولقد وجدتُ عوضاً عن هذا القانون البشريِّ الأساس الغادر، القانون الأساس للقرآن العظيم النَّازل من العرش الأعظم؛ وذلك في الآيتين الآتيتين: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[59]؛ ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾[60] فهاتان الآيتان تعلِّمان القاعدة الجليلة الآتية: لا يُؤاخذ أحدٌ بجريرة شخصٍ آخر؛ ثمَّ إنَّ البرئ لا يُضحَّى به –حتَّى من أجل جميع النَّاس- دون رضاه؛ ولكن لو ضحَّى بنفسه بإرادته، وبرضاه، فتلك مرتبة الشَّهادة».[61]
ز/ البدء بالأهمّ فالمهم: فإنَّ الأنبياء كذلك تفعل؛ وإنَّ النورسي قد نذر حياته ودعوته لإنقاذ الإيمان من براثن الإلحاد؛ وقد أطال النفس في إثبات الحشر في الكلمة العاشرة وتوابعها؛ والسبب في ذلك نستنبطه من كلامه الآتي: «... لأنَّ دعوته صلَّى الله عليه وسلَّم طوال حياته المباركة قد انصبَّت بعد التَّوحيد على الحشر...».[62] وذلك ما جعل النُّورسي يقول: إنَّ هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصُّوفيَّة، بل زمان إنقاذ الإيمان. فهذا الكلام منه ترتيبٌ للأولويات.[63]
وأختم هذه الورقة البحثيَّة بالبيان أنَّ الممتثل للوحي حقًّا في دعوته، هو الحريص على نفع البشر؛ من دون أن يتَّخذ النَّاس أدواتٍ لتحقيق أغراضٍ جانبيَّة؛ وهو ما نراه من مختلف مراحل حياة النُّورسي؛ وإذا كان أعظم النَّفع الذي يمكن أن يوصله البشر للبشر أن يستقذوهم من النار بإنقاذ الإيمان كما تفعل الأنبياء، فإنَّ النُّورسي قد كان حريصا عليه، كما تبيِّنه روايته الآتية، حيث قال: « سألني بعض الموظَّفين المرموقين: لماذا لم تقبل ما عرضه عليك مصطفى كمال، حول جعلك واعظاً عامًّا، ومسؤولاً عن عموم "كردستان" والولايات الشَّرقيَّة بدلاً عن الشيخ السنوسي، براتبٍ قدره ثلاثمائة ليرة؟ ذلك لأنَّك لو كنت قبلت هذا العرض منه، لكنت سبباً في إنقاذ أرواح مئات الآلاف من الرجال الذين ذهبوا ضحيَّة الثورة.
فقلت لهم جواباً على سؤالهم هذا: بدلاً من قيامي بإنقاذ عشرين، أو ثلاثين سنة من الحياة الدنيوية لهؤلاء الرجال؛ فإنَّ رسائل النُّور كانت وسيلةً وسبباً لإنقاذ ملايين السنين للحياة الأخرويَّة لمئات الآلاف من المواطنين...[64]
فالأنبياءُ بما يُعِدُّهم الله تعالى له، وصنعه لهم، يؤدُّون وظائفهم بحسب تلك الاستعدادات؛ والعلماء عليهم أن ينظروا في ما أعدَّهم الله له لينفعوا به عباده؛ والنُّورسي يعلِّم ما هو متأكد من قدرته على إيصال النَّفع للنَّاس منه، قال: «بيد أنِّي عالمٌ دينيٌّ، مكلَّفٌ شرعاً بإفادة النَّاس، لذا أريد أن أخدمهم من هذه النَّاحية أيضاً؛ إلاَّ أنَّ هذه الخدمة تعود بالنَّفع إلى الحياة الاجتماعيَّة والدنيويَّة، وهذه مالا أقدر عليها؛ فضلاً عن أنَّه يتعذَّر القيام بعملٍ سليمٍ صحيحٍ في زمنٍ عاصف. لذا تخلَّيت عن هذه الجهة، وفضَّلت عليها العمل في خدمة الإيمان التي هي أهمُّ خدمةٍ وألزمُها وأسلمها. وقد تركت الباب مفتوحاً، ليصل إلى الآخرين ما كسبته لنفسي من حقائق الإيمان، وما جرَّبته في نفسي من أدويةٍ معنويَّةٍ ... وليس لأحدٍ، سوى الشَّيطان الرَّجيم أن يعترض على هذه الخدمة»[65].
كما أنَّ الممتثل للوحي حقاًّ هو المدرك أنَّ الأنبياء تجمع لا تفرِّق: إنَّ النبيَّ عليه السلام يوحِّد بالعبادة قلوب الموحِّدين في صلاة العيد والجمعة والجماعة، ويجمع ألسنتهم جميعاً على كلمةٍ واحدةٍ.[66]
--------------------------------
[1]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: إشارات الإعجاز في مظان الإعجاز؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ (ط3)، شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2002م، ص23.
[2]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: اللُّمعات؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2002م، ص194.
[3]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: الكلمات؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2000م، ص 55.
[4]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: المثنوي العربي النوري؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط1، شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 1995م، ص87.
[5]- انظر: الكلمات؛ ص 63.
[6]- الكلمات؛ ص130.
[7]- المرجع نفسه؛ ص149.
[8]- المرجع نفسه ص108-109.
[9]- إشارات الإعجاز في مظان الإعجاز؛ ص207.
[10]- المرجع نفسه؛ ص148.
[11]- هود: 112
[12]- اللُّمعات؛ ص96.
[13]- محمَّد: 19.
[14]- الكلمات؛ ص108-109.
[15]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: الشعاعات؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط2، شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 1993م، ص571.
[16]- الأنعام: 59.
[17]- إشارات الإعجاز في مظان الإعجاز؛ ص238.
[18]- يـــــــس: 21.
[19]- المؤمنون: 51.
[20]- القلم: 4.
[21]- طه: 39.
[22]- بديع الزمان سعيد النُّورسي: كلِّيات رسائل النور: سيرة ذاتيَّة؛ إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط3، شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2000م، ص10.
[23]- يس: 69.
[24]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط3، شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 1999م، ص81.
[25]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: المكتوبات؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 2001م، ص56.
[26]- إبراهيم : 11.
[27]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ص308 .
[28]- بديع الزمان النورسي: كليات رسائل النور: المثنوي العربي النوري؛ ترجمة إحسان قاسم الصالحي؛ ط1، شركة سوزلر: القاهرة- مصر، 1995م، ص178.
[29]- المرجع نفسه، ص221.
[30]- المرجع نفسه، ص130.
[31]- حسن الشرقاوي: الذين ينكرون القدوة؛ مؤسسة شباب الجامعة: الإسكندرية- مصر؛ 1984م، ص 8.
[32]- الأنعام: 90.
[33]- المكتوبات؛ ص23.
[34]- يوسف: 108.
[35]- آل عمران: 79-80.
[36]- يونس: 15.
[37]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ص345 .
[38]- يونس: 72.
[39]- هود: 54- 56.
[40]- المثنوي العربي النوري؛ ص180.
[41]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ص330 .
[42]- المرجع نفسه؛ ص58.
[43]- يونس: 72.
[44]- يـــــس: 21.
[45]- المكتوبات؛ ص16.
[46]- المكتوبات؛ ص79-80.
[47]- سيرة ذاتيَّة؛ ص: س،ش من المقدِّمة.
[48]- الشعاعات؛ ص395.
[49]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ص310 .
[50]- المكتوبات؛ هامش ص15.
[51]- الكلمات؛ ص 47.
[52]- المرجع نفسه، ص 36.
[53]- المثنوي العربي النوري؛ ص195.
[54]- مسلم: الحج؛ باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، وبيان قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: لتأخذوا مناسككم، ح3124، ص588.
[55]- سيرة ذاتيَّة؛ ص: س من المقدِّمة.
[56]- الكلمات؛ ص 34-35.
[57]- المرجع نفسه، ص137.
[58]- المرجع نفسه، ص72.
[59]- الأنعام: 164.
[60]- المائدة: 32.
[61]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ص376 -377.
[62]- الكلمات؛ ص107.
[63]- الملاحق في فقه دعوة النُّور؛ ص263 .
[64]- الشعاعات؛ ص343.
[65]- المكتوبات؛ ص78.
[66]- اللُّمعات؛ ص194.
