طرق إثبات النبوة بالدلائل العقلية والأحوال الشخصية
طرق إثبات النبوة بالدلائل العقلية
والأحوال الشخصية
أ.د. علي بن حسين موسى
كلية الشريعة وأصول الدين
جامعة الملك خالد – أبها- السعودية.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، فأدى الأمانة وبلغ الرسالة، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلى هالك، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد..
فالنبوة مشتملة على علوم وأعمال هي أشرف العلوم وأشرف الأعمال على الإطلاق، وبها سعادة الدنيا والآخرة، وسأكتفي في عرض ضرورة النبوة للبشرية وطرق إثباتها بالدلائل العقلية والأحوال الشخصية بما أورده الإمام بديع الزمان النورسي؛ فقد طرح عدة تساؤلات بدأها بقوله: نعم يلزم أن يكون لمثل هذا الكون البديع ولصانعه القدوس، مثل هذا الرسول الكريم، كلزوم الضوء للشمس لأنه كما لا يمكن للشمس إلا أن تشع ضياء كذلك لا يمكن للألوهية إلا أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام. ومن تلك التساؤلات قوله:
فهل يمكن أن لا يرغب جمال في غاية الكمال في إظهار نفسه بوسيلة ودليل يعرفه؟
أم هل يمكن أن لا يطلب كمال في غاية الجمال الإعلان عنه بواسطة يلفت الأنظار إليها؟
أم هل يمكن لمن زين هذا الكون بمخلوقات معبرة عن كمال أسمائه الحسنى وجعله قصراً رائعاً وجمله ببدائع صنعته المذهلة، وعرضه على الأنظار، ثم لا يكل أمر إيضاحه إلى مرشد معلم رائد؟
أم هل يمكن أن لا يبين مالك هذا الكون بواسطة رسول، ما الغاية من تحولات هذا الكون، وما القصد من هذا الطلسم المغلق؟ وأن لا يجيب بواسطته عن الأسئلة الثلاثة المستعصية بالموجودات وهي: من أين؟ وإلى أين؟ ومن تكون؟ وغيرها من التساؤلات ثم ختم ذلك بقوله: وهكذا فإن هناك دلائل أخرى زيادة على ما تقدم كلها براهين قاطعة تبين وظائف النبوة ومهامها، وتوضح أن الألوهية لا تكون إلا برسالة.([1])
ومن خلال هذه التساؤلات تظهر أهمية النبوة وأنها ضرورية للبشرية؛ إذ بها تتحقق عبودية الخالق سبحانه وتعالى، ويستحيل أن يترك الخلق بدون رسول يعلمهم كيف يعبدون الله سبحانه وتعالى وما لهم في الآخرة من الأجر العظيم والفوز بالجنة.
وهذا البحث يحاول أن يجيب على التساؤل والذي مفاده هل النبوة تثبت بالدلائل العقلية أم أن هناك دلائل أخرى تثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال رسائل النور.
وجاء هذا البحث مشتملاً على مقدمة، ومدخل للدراسة، ومبحثين، وخاتمة.
وهو على النحو الآتي:
المقدمة : وتشمل أهمية الموضوع، وخطة البحث.
مدخل الدراسة وفيه:
أولاً: التعريف بمصطلحات البحث.
ثانياً: أقسام دلائل النبوة.
المبحث الأول: الدلائل العقلية على ثبوت صدق النبوة.
المبحث الثاني: الأحوال الشخصية الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.
مدخل الدراسة
أولاً: التعريف بمصطلحات البحث:
أ- معنى الدلائل:
الدلائل لغة: جمع دلالة بالفتح والكسر، وهي العلامة والأمارة. يقال: دله على الطريق يدله دَلالة ودِلالة، ودلولة، والفتح أعلى.([2])
وفي الاصطلاح: دلائل النبوة: هي الأدلة التي تعرف بها نبوة النبي الصادق، ويعرف بها كذب المدعي للنبوة من المتنبئين الكذبة.([3])
ب - معنى النبوة:
النبوة في اللغة: مشتقة إما من (النبأ) أو (النباوة) أو (النبوة) أو (النبي)([4]) ؛ فإذا كانت مأخوذة من (النبأ) فتكون بمعنى الإخبار، لأن النبأ هو الخبر. وإذا كانت مأخوذة من (النباوة أو النبوة)؛ فتكون بمعنى الرفعة والعلو؛ لأن (النباوة أو النبوة: هي الشيء المرتفع). أما إذا كانت مأخوذة من (النبي) بدون همز، فيكون معناها الطريق إلى الله عز وجل؛ لأن معنى "النبي" الطريق.
والنبوة تشمل كل هذه المعاني إذ النبوة إخبار عن الله عز وجل، وهي رفعة لصاحبها لما فيها من التشريف والتكريم، وهى الطريق الموصلة إلى الله سبحانه.
أما النبوة في الاصطلاح: " فهي خبر خاص يكرم الله عز وجل به أحدا من عباده؛ فيميزه عن غيره بإيحائه إليه ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد"([5])
"فالله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصاً فضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته، وجعلهم وسائل بينه وبين عباده، يعرفونهم بمصالحهم، ويحرضونهم على هدايتهم، ويأخذون بحجزاتهم عن النار، ويدلونهم على طريق النجاة. وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم." ([6])
ج - مفهوم الأحوال الشخصية للنبي:
أحوال النبي الشخصية: يقصد بها القرائن والأحوال التي تعرب عن النبي وتعرف به، وقد عبر "الإمام النورسي عن تلك الأحوال بعبارة موجزة فقال: " هو كالشمس يدل على ذاته بذاته"([7])
ثانياً: أقسام دلائل النبوة:
لقد تحدث الإمام النورسي عن دلائل النبوة في مواطن عدة من رسائل النور، وأطال في شرحها وأورد الأدلة العقلية، والبراهين الساطعة على صدق النبوة، والمتأمل في أقواله يلحظ أنه قسم تلك الدلائل إلى أقسام عدة ويمكن إيجازها في الآتي:
1ـ الإشارات في الكتب السماوية بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم
2ـ الإرهاصات عند مولده وقبل نبوته صلى الله عليه وسلم
3ـ المعجزات المصاحبة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي وقعت في حياته صلى الله عليه وسلم
4ـ الشريعة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي جامعة لسعادة الدارين.
5ـ دلائل النبوة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وصورته وأخلاقه وكمال عقله.
6ـ دلائل النبوة في أمور خارج عن ذاته الشريفة (الحوادث التي أخبر عنها في الماضي والحاضر والمستقبل).
7ـ ما أحدثه النبي صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب من تغيير وتبديل للعقول والنفوس والطبائع، فشكل دولة عظيمة وبنا مجتمعاً ربانياً في زمن قصير، بحيث لو اجتمع مائة من الفلاسفة وأعطوا مائة سنة ما فعلوا جزءاً من مائة جزء مما فعله هذا النبي الأمي، وهذا دليل على نبوته.
وما يؤكد هذا التقسيم لدلائل النبوة ما أورده الإمام النورسي في الرشحة الثانية من الكلمة التاسعة عشر في الكلمات ما نصه: " تصدقه مئات إشارات الكتب السماوية من بشارات التوراة والإنجيل والزبور وزبر الأولين، وكذلك تصدقه رموز ألوف الإرهاصات الكثيرة المشهورة، كذلك تصدقه دلالات معجزاته من أمثال شق القمر، ونبعان الماء من الأصابع كالكوثر، ومجيء الشجر بدعوته، ونزول المطر في آن دعائه، وشبع الكثير من طعامه القليل، وتكلم الضب والذئب والضبي والجمل والحجر، إلى ألف من معجزاته، كما بينه الرواة والمحدثون والمحققون ... وكذلك تصدقه الشريعة الجامعة لسعادة الدارين".([8])
وما قرره الإمام بديع الزمان النورسي في رسائل النور من أن الدلائل على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة ومتنوعة وليست محصورة في المعجزات، يدل على سعة علمه وإطلاعه، وفهمه العميق لما سطره علماء المسلمين الأوائل كالإمام البيهقي وغيره .
وخلاصة ما أورده علماء المسلمين من تقسيم لدلائل النبوة يمكن حصره في قسمين رئيسيين:
القسم الأول: يعتمد على الأخبار والوقائع المنقولة وهي البشارات والآيات.
القسم الآخر: يعتمد على النظر في شخص النبي وأحواله وأخلاقه ودعوته ووقائع سيرته.
وقد اتخذ الإمام النورسي منهجاً متميزاً مجملاً في قبول تلك الآثار، والوقائع، والأحوال وفهمها فهماً صحيحاً موافقاً لما كان عليه سلف الأمة؛ حيث يتلخص منهجه في قبول تلك الدلائل إلى أن منها ما هو قطعي الثبوت، ومنها ما هو متواتر تواتراً معنوياً.
المبحث الأول: الدلائل العقلية على ثبوت صدق النبوة.
لقد اهتم الإمام بديع الزمان النورسي بالأدلة العقلية على ثبوت صدق النبوة، اهتماماً بالغاً واستنبط أدلة عقلية جديدة لم يسبق إليها ـــ حسب علمي ـــ ومن تلك الأدلة:
قوله: "ما دام حسن الصنعة موجودا في الكون، وهو أمر قطعي كما يشاهد، يلزم إذا ثبوت الرسالة الأحمدية صلى الله عليه وسلم، بقطعية يقينية بدرجة الشهود؛ لأن حسن الصنعة، وجمال الصورة في هذه المصنوعات يدلان على أن في صانعها إرادة تحسين، وطلب تزيين في غاية القوة، وإرادة التحسين وطلب التزيين يدلان على أن في صانعها محبة علوية، ورغبة قدسية؛ لإظهار كمالات صنعته التي في مصنوعاته، وأن تلك المحبة والرغبة تقتضيان قطعاً تمركزهما في أكمل وأنور المصنوعات وأبدعها، ألا وهو الإنسان؛ ذلك لأن الإنسان هو الثمرة المجهزة بالشعور والإدراك لشجرة الخلق، وأن الثمرة هي أجمع جزء وأبعده من جميع أجزاء تلك الشجرة، وله نظر عام وشعور كلي.
فالفرد الذي له نظر عام، وشعور كلي هو الذي يصلح أن يكون المخاطب للصانع الجميل، والماثل في حضوره؛ ذلك لأنه يصرف كل نظره العام، وعموم شعوره الكلي إلى التعبد لصانعه، وإلى استحسان صنتعه، وتقديرها وإلى شكر آلآئه ونعمه؛ فبالبداهة يكون ذلك الفرد هو المخاطب المقرب والحبيب المحبوب"([9])
وقد أفاض ـــ رحمه الله ـــ كثيراً في هذا النوع من الأدلة العقلية على ثبوت صدق النبوة في أكثر من موطن في رسائل النور. اقتصرت على واحدٍ منها خشيت الإطالة.
وممن تحدث عن الأدلة العقلية في ثبوت صدق النبوة من علماء المسلمين الأوائل الإمام ابن حزم في كتابه الشهير: (الفصل) فقال: معلوم عقلاً أن إثبات حدوث الأشياء، وأن لها محدث لم يزل واحداً لا مبدأ له و لا كان معه غيره، ولا مدبر سواه، ولا خالق غيره ؛فإذ قد ثبت هذا كله، وصح أنه تعالى أخرج العالم كله إلى الوجود بعد أن لم يكن بلا كلفة، ولا معاناة، ولا طبيعة، ولا استعانة، ولا مثال سلف، ولا علة، موجبة ولا حكم سابق قبل الخلق، يكون ذلك الحكم لغيره تعالى، فقد ثبت أنه لم يفعل إذ لم يشأ وفعل إذ شاء كما شاء، فيزيد ما شاء وينقص ما شاء، فكل منطوق به مما يتشكك في النفس أولاً يتشكك فهو داخل له تعالى في باب الإمكان، إن الممكن ليس واقعاً في العالم وقوعاً واحداً ألا ترى أن نبات اللحية للرجال ما بين الثمان عشرة إلى عشرين سنة ممكن وهو في حدود الإثني عشر سنة إلى العامين ممتنع، وأن فك الإشكالات العويصة، واستخراج المعاني الغامضة، وقول الشعر البديع، وصناعة البلاغة الرائقة، ممكن لذي الذهن اللطيف، والذكاء النافذ، وغير ممكن من ذي البلادة والشديدة والغباوة المفرطة ؛ فعلى هذا ما كان ممتنعا بيننا؛ إذ ليس في بنيتنا ولا في طبيعتنا، ولا من عادتنا؛ فهو غير ممتنع على الذي لا بنية له، ولا طبيعة له، ولا عادة عنده، ولا رتبة لازمة لفعله؛ فإذ قد صح هذا، فقد صح أنه لا نهاية لما يقوى عليه تعالى؛ فصح أن النبوة في الإمكان، وهي بعثة قوم قد خصهم الله تعالى بالفضيلة لا لعلة؛ إلا أنه شاء ذلك ؛فعلمهم الله تعالى العلم بدون تعلم، ولا تنقل في مراتبه ولا طلب له ([10])
واستدل بوجود أنواع العلوم في حياة البشرية؛ كالطب والفلك، وعلوم اللغة وأنواع الصناعات واستخراج المعادن والحراث والحصاد وكل هذه العلوم موجودة في تاريخ البشرية، ويستحيل الاهتداء إليها بدون دراية وتعلم؛ فلا بد من إنسان علمه الله تعالى تلك العلوم والصناعات، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الوحي وهي النبوة.
قال ابن حزم ــــ رحمه الله ــــ مقرراً ذلك من خلال وجود أنواع العلوم والصناعات: أن الله تعالى ابتدأ العالم ولم يكن موجودا حتى خلقه الله تعالى ؛ فبيقين ندري أن العلوم والصناعات لا يمكن البتة أن يهتدي أحد إليها بطبعه فيما بيننا دون تعليم كالطب ... وكعلم النجوم ... وكاللغة وكالحرث والحصاد ... واستخراج المعادن ونحو ذلك، وكل هذا لا سبيل إلى الاهتداء إليه دون تعليم ؛فوجب بالضرورة.
ولا بد أنه لا بد من إنسانٍ واحدٍ فأكثر علمهم الله تعالى ابتداءً كل هذا دون معلم لكن بوحي حققه عنده، وهذه صفة النبوة؛ فإذاً لا بد من نبي أو أنبياء ضرورة.([11])
وقال أيضاً: أن كل من لم يشاهد تلك الصناعات ويعلم تلك العلوم؛ فإنه لا يهتدي إليها إلا بتعلم، وتعليم؛ فكل من لم يشاهد هذه الأمور لا سبيل له إلى اختراعها البتة؛كالذي يولد وهو أصم؛ فإنه لا يمكن له البتة الاهتداء إلى الكلام، ولا إلى مخارج الحروف، وكالبلاد التي ليست فيها بعض الصناعات، وهذه العلوم المذكورة ...لا يمكن البتة اهتداء أحد منهم إلى علم لم يعرفه، ولا إلى صناعة
لم يعرف بها؛ فلا سبيل إلى تهديهم إليها البتة حتى يعلموها، ولو كان ممكناً في الطبيعة التهدي إليها دون تعليم لوجد من ذلك في العالم على سعته، وعلى مرور الأزمان من يهتدي إليها ولو واحداً وهذا أمر يقطع على أنه لا يوجد، ولم يوجد وهكذا القول في العلوم ولا فرق...؛ فصح بذلك أنه لا بد من وحي من الله تعالى في ذلك.([12])
ومن الأدلة العقلية: أن الإنسان بحاجة إلى تعلم وتعليم حتى في بعض الأمور البسيطة، كدفن الميت ؛ فلم يهتد الإنسان إلى ذلك إلا بتعليم من الخالق سبحانه وتعالى، ففي قصة ابني آدم برهان ودليل على ذلك؛ فعندما قتل أحدهما الآخر لم يهتد إلى مواراة سوءة أخيه ؛فبعث الله عز وجل من يعلمه كيف يواري سوءة أخيه؛ فاقتضى ذلك ضرورة أن الله قد بعث أنبياء، وأن هؤلاء الأنبياء قد علموا الناس أمور معاشهم ومعادهم. قال تعالى: ﴿ وَٱتلُ عَلَيهِم نَبَأَ ٱبنَي ءَادَمَ بِٱلحَقِّ إِذ قَرَّبَا قُربَانا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَم يُتَقَبَّل مِنَ ٱلأخَرِ قَالَ لَأَقتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللهُ مِنَ ٱلمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ ٱللهَ رَبَّ ٱلعَٰلَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثمِي وَإِثمِكَ فَتَكُونَ مِن أَصحَٰبِ ٱلنَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَٰؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ فَطَوَّعَت لَهُۥ نَفسُهُۥ قَتلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصبَحَ مِنَ ٱلخَٰسِرِينَ * فَبَعَثَ ٱللهُ غُرَابا يَبحَثُ فِي ٱلأَرضِ لِيُرِيَهُۥ كَيفَ يُوَٰرِي سَوءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَٰوَيلَتَىٰ أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَٰذَا ٱلغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوءَةَ أَخِي فَأَصبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ﴾ ]سورة المائدة:27ــ31[
وبناءً على ما تقدم من ثبوت النبوة بالأدلة العقلية، والبراهين الساطعة قبل مجيء الأنبياء عليهم السلام، وأنها واقعة في حد الإمكان، فوجوبها بعد وقوعها ومعرفة الأدلة على صدق مدعيها من باب أولى. "بل إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى، ونسبته للظلم والسفه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل جحداً للرب بالكلية وإنكار، وبيان ذلك: أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق، بل ملك ظالم، فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب...، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض، وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده وهو يفعل بأهل الحق، وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثاً وعشرين سنة، وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره، ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر، وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعواته، ويهلك أعداءه، ويرفع له ذكره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب والافتراء والظلم، فإنه لا أظلم ممن كذب على الله، وأبطل شرائع أنبيائه وبدلها وقتل أوليائه واستمرت نصرته عليهم دائماً، والله تعالى يقره على ذلك، ... فيلزمهم أن يقولوا: لا صانع للعالم
ولا مدبر، ولو كان له مدبر قدير حكيم، لأخذ على يديه ولقابله أعظم مقابلة، وجعله نكالاً للصالحين. إذ لا يليق بالملوك غير ذلك، فكيف بملك الملوك وأحكم الحاكمين؟ ولا ريب أن الله تعالى قد رفع له ذكره، وأظهر دعوته والشهادة له بالنبوة على رؤوس الأشهاد في سائر البلاد"([13])
المبحث الثاني: الأحوال الشخصية الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم
قرر كثير من علماء المسلمين أن دلائل النبوة ليست محصورة في المعجزات، بل هي من جملة أدلة صدق النبوة، قال ابن أبي العز الحنفي ـــ رحمه الله ـــ : والطريقة المشهورة عند أهل الكلام، والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات...، وقرروا ذلك بطرق مضطربة ...، ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لكن الدليل غير محصور في المعجزات فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة ما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة وما أحسن ما قال حسان رضي الله عنه :
لو لم يكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر. ([14])
وكذلك بين الإمام الغزالي أن معرفة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم يحصل بها اليقين فقال: "فإن وقع لك الشك في شخص معين، أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله، إما بالمشاهدة، أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه، يمكنك أن تعرف الفقهاء، والأطباء بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم، وإن لم تشاهدهم، ولا تعجز أيضاً عن معرفة كون الشافعي رحمه الله فقيهاً، وكون جالينوس طبيباً، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير، بل بأن تتعلم شيئاً من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما؛ فيحصل لك علم ضروري بحالهما، فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار، يحصل لك العلم الضروري بكونه صلى الله عليه وسلم على أعلى درجات النبوة".([15])
وهذا ما أكده الإمام النورسي في رسائل النور في أكثر من موطن من أن دلائل النبوة ليست محصورة في المعجزات بل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الشخصية وسجاياه العالية، وصفاته النبيلة وأخلاقه الفاضلة من أهم دلائل ثبوت صدق النبوة فقال: " كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدقه الدلائل الأنفسية، إذ اجتماع أعالي جميع الأخلاق الحميدة في ذاته بالاتفاق ... وكذا جمع شخصيته المعنوية في وظيفته أفاض جميع السجايا الغالية والخصال النزيهة ..." ([16])
إلى آخر ما أفاض في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أوجز ذلك في عبارة بليغة قدم بها الكلمة التاسعة عشرة فقال: "وما مدحت محمداً بمقالتي ولكن مدحت مقالتي بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فالشمائل المحمدية التي تفوق الحسن هي التي جملتها." ([17])
ويكفي في ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى مدح نبيه بمدح لم يمدح به نبياً سواه فقال عز وجل:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم ﴾ ]سورةالقلم:4[، وفسرت عائشة رضي الله عنها خلق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: ( كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ )([18])
وقد جمع الله له مكارم الأخلاق كما في قوله تعالى: ﴿ خُذِ ٱلعَفوَ وَأمُر بِٱلعُرفِ وَأَعرِض عَنِ ٱلجَٰهِلِينَ ﴾ ]سورة الأعراف: 199[
قال جعفر بن محمد: " أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وقد ذكر أنه لما نزلت هذه الآية قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لجبريل عليه السلام ما هذا ؟ قال: لا أدري حتى أسأل. فسأل ثم رجع إليه فقال: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك"([19])
وقد بين الإمام النورسي في الكلمة الحادية والثلاثين أن الأعداء والأولياء اتفقوا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اتصف بمكارم الأخلاق، ومحاسنها، وتعامله مع أصحابه وأعدائه أكبر دليل على ذلك فقال: "لقد اتفق الأعداء والأولياء بما لا ريب فيه أن ما يتحلى به صلى الله عليه وسلم من الأخلاق الفاضلة هو في أسمى الدرجات، وأن ما يتصف به من سجايا حميدة في دعوته هو أعلى المراتب تشهد بذلك معاملاته وسلوكه مع الناس، وأن شريعته الغراء تضم أكبر الخصال الحسنة، تشهد بذلك محاسن الأخلاق في دينه القويم. "([20])
فأخلاقه الكريمة، وأحواله الشخصية من أكبر الدلائل على صدق نبوته، وهو الذي دفع خديجة بنت خويلد (أم المؤمنين رضي الله عنها) للدخول في الإسلام لأنها تعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الصادق الأمين، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة ــ رضي الله عنهاــ أنها قالت: (...دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ؛ قَالَ لِخَدِيجَةَ أَيْ خَدِيجَةُ مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ قَالَتْ خَدِيجَةُ كَلاَّ أَبْشِرْ فَوَاللهِ لاَ يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؛ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَهْوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ قَالَ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا ...)([21])
فخديجة ـــ رضي الله عنها ـــ قد استدلت بمحاسن أخلاقه من صلته للرحم، وصدقه في الحديث، وحمله للكل، وإكرام الضيف، والإعانة على نوائب الحق على صدق نبوته؛ فكان هذا سبباً لدخولها في الإسلام.
ومن الأدلة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم ما استدل به هرقل من أن مكارم أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله، وصفاته، وأحوال من آمن به دليل على صدق نبوته؛ كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ، فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَ: أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ: لاَ قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا، قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ : فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ: لاَ وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ ﴿ قُل يَٰأَهلَ ٱلكِتَٰبِ تَعَالَواْ إِلَىٰ كَلِمَة سَوَاءِ بَينَنَا وَبَينَكُم أَلَّا نَعبُدَ إِلَّا ٱللهَ وَلَا نُشرِكَ بِهِۦ شَئا وَلَا يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضًا أَربَابا مِّن دُونِ ٱللهِ فَإِن تَوَلَّواْ فَقُولُواْ ٱشهَدُواْ بِأَنَّا مُسلِمُونَ ﴾ ]سورة آل عمران:64[
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ." ([22])
وقد بين هرقل أن ما اتصف به الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق النبيلة وما يأمر به من عبادة الله تعالى، والتحذير من الشرك، وعبادة الأوثان وما يأمر به من الصلاة، والصدق، وحفظ الوعود والعهود، والعفاف... ونحو ذلك من أعظم الأدلة على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي موطن آخر بين ابن أبي العز أن دلائل النبوة كثيرة ومتنوعة فقال: " إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم - علمنا يقينا أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة:
منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم، وخذلان أولئك، وبقاء العاقبة لهم.
ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم، إذا عرف الوجه الذي حصل عليه، - كغرق فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم - عرف صدق الرسل.
ومنها أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من المصلحة والرحمة والهدى والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق"([23])
الخـــــــــــــاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد..
فبعد هذه الرحلة الماتعة مع رسائل النور ومن خلال البحث في "طرق إثبات النبوة بالدلائل العقلية والأحوال الشخصية" توصل الباحث إلى نتائج من أهمها :
1ـ أن استنباطات بديع الزمان النورسي في إثبات دلائل النبوة جديدة ومبتكرة، ولم يسبق إلى بعضها ــــ حسب علمي ـــ وهذا يدل على ذكائه الحاد وسعة اطلاعه وعلمه وفهمه للعلوم الشرعية، وتأملاته العميقة في الكون.
2 ـ من الطرق العقلية في إثبات النبوة : معلوم عقلاً إثبات حدوث الأشياء، وأن الله خالقها ؛ فإذا قد صح هذا فقد صح أن النبوة في الإمكان وهي بعثة قوم قد خصهم الله تعالى بالفضيلة ؛ فعلمهم العلم بدون تعلم ولا تنقل في مراتبه ولا طلب له.
3ـ وجود أنواع العلوم والصناعات في حياة البشرية وتاريخها يستحيل الاهتداء إليها بدون دراية وتعلم؛ فلا بد من إنسان علمه الله تعالى تلك العلوم والصناعات، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الوحي وهي النبوة.
4ـ أن دلائل إثبات النبوة ليست محصورة في المعجزات، وإنما هناك دلائل أخرى، وهي ما عبر عنها الإمام النورسي حينما قال: هو كالشمس يدل على ذاته بذاته.
5ـ اتفاق علماء المسلمين على أن دلائل النبوة منها ما يعتمد على الأخبار والوقائع المنقولة وهي البشارات والآيات. ومنها ما يعتمد على النظر في شخص النبي وأحواله وأخلاقه ودعوته ووقائع سيرته. وهو ما أكده الإمام النورسي في رسائل النور.
من أهم التوصيات التي يراها الباحث
ـــــ الاهتمام بقراءة رسائل النور، والوقوف على استنباطات وتأملات واجتهادات الإمام النورسي، وترجمتها إلى مناهج عملية تطبيقية تستفيد منها الأمة المحمدية في حياتها العلمية والعملية.
----------------------
فهرس المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
- ابن ابي العز : القاضي علي بن علي بن محمد، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق: د.عبد الله بن عبد المحسن التركي، شعيب الأرنؤوط، (ط/1، مؤسسة الرسالة ــــ بيروت، 1408هـ / 1988م)
- ابن حزم : أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل،(وبهامشه: الملل والنحل) للإمام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، ( الناشر: مكتبة الخانجي ــــ القاهرة).
- ابن حنبل: أحمد ابن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، تحقيق: السيد أبو المعاطي النوري، (ط/1، عالم الكتب ـــ بيروت، 1419هــ ــــ1998م).
- ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن محمد ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون .
- ابن فارس: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ( دار الفكر ــــ 1399هــ ــــ 1979م)
- ابن قيم الجوزية، تهذيب مدارج السالكين ، تهذيب: عبد المنعم صالح العلي العربي، (دولة الإمارات العربية المتحدة، وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف).
- ابن منظور: جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب،( ط/1،دار صادر ـــ بيروت، 1410هــ ــــــــ 1990م)
- البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، الجامع الصحيح، ( حسب ترقيم فتح الباري)، ( دار الشعب – القاهرة، الطبعة : الأولى، 1407 – 1987)
- البيهقي، شعب الإيمان، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بتحقيق: فالح بن ثاني.
- الرازي: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، تحقيق: محمود خاطر، (طبعة جديدة، مكتبة لبنان ناشرون ـــ بيروت، 1415هــ ـــ 1995م)
- راضي: ياسر إسماعيل راضي، النبوة وضرورتها للإنسانية في القرآن بمنظور رسائل النور، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
- الغزالي : أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، المنقذ من الضلال، تحقيق: محمد محمد جابر، (المكتبة الثقافية - بيروت / لبنان )
- الفوزان: صالح بن فوزان بن عبد الله، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، (ب:ت)
- النورسي: بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (الكلمات)، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، (ط 2، دار سوزلر ــــ القاهرة، 1412هـ ـــــ 1992م).
------------------------
[1] ـ انظر: الكلمات ، الكلمة العاشرة ، الإشارة الثانية ، ( ص62-63)
[2]- انظر: لسان العرب، مادة: (دلل)، (11 /249 ) ، و مختار الصحاح ، مادة: (د ل ل )، (218)
[3] - الفوزان: صالح بن فوزان بن عبد الله ، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ،(ص166)
[4] - انظر: لسان العرب، مادة (نبأ) ، (1/162- 163)، ومعجم مقاييس اللغة، (5/ 384ـ 385).
[5] - البيهقي، شعب الإيمان ، الباب الثاني من شعب الإيمان ، (ص 275).
[6] - ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن محمد ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون ، (ص38)
[7] ـ الكلمات : الكلمة التاسعة عشر ، (ص255)
[8] ـ الكلمات : الكلمة التاسعة عشر، الرشحة الثانية: (ص255)
[9] ـ الكلمات : الكلمة الثامنة عشر ، النقطة الثالثة ، (ص252)
[10] ـ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ،(1/66) بتصرف.
[11] ـ الفصل :(1/64ــــ65) بتصرف.
[12] ـ الفصل: (1/ 65) بتصرف.
[13] ـ شرح العقيدة الطحاوية، (1/153ـ154)
[14] ـ شرح العقيدة الطحاوية ، ( 1/140) بتصرف
[15] ـ الغزالي ، المنقذ من الضلال ، (ص55ـ56)
[16] ـ الكلمات : الكلمة التاسعة عشر ، (ص255ــــــ256)
[17] ـ الكلمات ، (ص254)
[18] ـ أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عائشة ـــ رضي الله عنها ــ ،(ح 24601)، (6/91)
[19] ـ تهذيب مدارج السالكين ، (ص413)
[20] ـ الكلمات ، (ص 689)
[21] ـ أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها ، ك: بدء الوحي ، ب:ماودعك ربك وما قلى، (ح 4953 ) ، (ج6/ص215).
[22] ـ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس ، ك: بدء الوحي ،( ح 7) ، (ج1/ص5)
[23] ـ شرح العقيدة الطحاوية ،(ص 115ـ116)
