مساهمة الأنبياء للإنسانية في ضوء رسائل النور

 

 

مساهمة الأنبياء للإنسانية

في ضوء رسائل النور

 

أحمد عبد الجليل النذير  

جامعة أم درمان الإسلامية

كلية أصول الدين، السودان

 

مقدمة :

خلق الله الانسان كائنا فريدا في نوعه، وحيدا في تكوينه، إذ جمع الله فيه قبضة من تراب الارض ونفخة من روحه تبارك وتعالى، بما جعل الانسان مؤهلا لطرفي نقيض، فإما أن يتدلى ويسفُل حتى يكون في خسة الطين ودونيته وإما أن يترقى حتى يسامي الملائكة فضلا ومكانة، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[1] ومما زاد الامر تعقيدا على الإنسان أن ينزل ادم عليه السلام ومعه عدو لدود إلى الأرض، فقد أعلن الشيطان عداوته للإنسان بين يدي الله تعالى متعهدا بإضلال البشر ما استطاع لذلك سبيلا ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *  إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [2].

هذا التكوين المعقد يقتضي من الإنسان حيطة وحذرا، وحرصا على دوام المدد الرباني والنصر الإلهي، فليس للإنسان حيلة إن وكله الله لنفسه قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا[3] وسعيا للاستقواء بمدد الله تعالى لنا لا بد من أن نعُبً ونغترف من فيض الوحي الرباني الذي لن ينقطع مدده عن الانسان بما ادخر الله فيه من أسباب الحفظ وعوامل البقاء ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[4] والوحي يحمل بين طياته سائر أنواع الهداية ،في شئون المعاش وشئون المعاد، وقد كان دور الأنبياء البلاغ بالحجة والتبيين للمحجة، وقد كان أعظمهم وأكملهم هو خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي جمع الله تعالى له بين إمامة الدين وقيادة الدنيا، فأمًنا في محرابنا وقادنا في معاركنا، لتتضح معالم الرسالة الخاتمة التي جمع الله تعالى فيها معاني الحسنيين وحضنا أن نسأله ذلك إذ يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[5] حول هذه المعاني سطر الامام بديع الزمان سعيد النورسي رسائله جلية واضحة تستمد مدادها من نور الوحي القرآني وتستلهم معانيها من فيض الهدي النبوي، فبسط الله لها القبول وفتح لها القلوب.

 

أولاً: الإنسان كائن مكرم

تيسيراً لتحمل العبء ورعاية لأمانة التكليف أفاض الله تعالى على الإنسان كثيراً من المواهب المادية والمعنوية ومن بينها: _

  1. الاستخلاف:

والذي بموجبه زُوِّد الإنسان بما يكفل له القيام بهذه المهمة، وفي مقدمة ذلك العلم الذي لم يمنح لمخلوق غيره، حتى الملائكة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ([6]).

إن الله عز وجل قدَّر بمشيئته أن يكون الإنسان مستخلَفاً في الأرض، وقدَّمه في ذلك على الملائكة، فكانت تلك بداية التقدير له، بوضعه محوراً لما سيجري على الأرض من أحداث جسام يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إن الإنسان يمثل أعظم مقصد من المقاصد الإلهية في الكون، وهو المؤهل للخطاب الرباني. وقد اختاره سبحانه من بين مخلوقاته )[7].

وذِكْرُ الاستخلاف في القرآن الكريم مقروناً بالأرض ثلاث مرات من أصل ست -هي عدد ورود المصطلح - يشير إلى سمتين لهذا المفهوم :

الأولى:

أن الاستخلاف منوط بهذه الأرض التي جُعلت مكاناً للاستقرار الدنيوي للإنسان، بما فيها من مكونات طبيعية جُعلت ملائمة لقيام حياة إنسانية فوقها، ومعنى هذا أن نجاح الإنسان في القيام بمهمة الاستخلاف متوقف على حسن تدبيره لما في الأرض وما على الأرض من مكونات، وأن أي اضطراب في الموازين وفساد في الأرض إنما يكون أثرا من آثار الفساد وسوء التدبير، (إن المدنية الحاضرة الغربية، لسلوكها طريقا مناقضا لأسس دساتير السماء وقيامها بمناهضتها، فقد طفح كيل سيئاتها على حسناتها وثقلت كفة أضرارها على فوائدها، فلقد اضطرب أمن الناس واطمئنانهم، وأقلقوا وأسنت سعادتهم الحقيقية فاختل ما هو مطلوب من المدنية ومقصود منها، حيث حلت بسببها نوازع الإسراف والسفاهة محل بوادر الاقتصاد والقناعة، واستمرئت ميول الكسل والدعة وهجرت مراعي السعي والعمل) [8]

والسمة الثانية :

هي وقتية الاستخلاف؛ لأن ارتباطه بالأرض يعني أنه ينتهي بانتهائها، وهذا ينسجم مع دلالة لفظ الاستخلاف؛ فهو يعني: النيابة عن الغير أو التصرف في ملك الغير، وهذا ما أكدته الآيات كقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ * وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا * إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.﴾ ([9]). فهو استخلاف مؤقت تتعاقب عليه الأجيال، وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ([10]). .ومن كمال عدل الله تعالى أن يكون هناك حساب على ما ترتب من تكليف وما طرأ من استخلاف، وذلك هو مراد الله تعالى من بعث الناس بعد الموت (إن جميع المعجزات الدالة على رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع جميع دلائل نبوته، وجميع البراهين الدالة على صدقه، تشهد بمجموعها معاً على حقيقة الحشر، وتدل عليها وتثبتها ،لأن دعوته صلى الله عليه وسلم طوال حياته المباركة قد انصبت بعد التوحيد على الحشر، وكذا شهادة (الكتب المنزلة) التي رقت الشهادة الصادرة من الرسل الكرام إلى درجة البداهة ووضحتها، تشهدان على الحقيقة نفسها) [11]، (إن الصحف السماوية والكتب المقدسة جميعها التي حكمت كل منها لفترة من العصور والأزمنة، قد صدقت بالاف من الدلائل دعوى القرآن في حقيقة الحشر – مع أن بيانها لها مختصر وموجز، وذلك بمقتضى زمانها وعصرها – تلك الحقيقة القاطعة التي بينها القران الذي ساد حكمه على العصور جميعها، وهيمن على المستقبل كله، بينها بجلاء وأفاض في إيضاحها)[12].

  1. التمكين:

  فلكي يقوم الإنسان بتكاليف الاستخلاف، مكَّنه الله تعالى من تسخير ما على الأرض، وذلك هو التمكين. والتمكين: (تفعيل) -من المكان- وهو: إقرار الشيء وتثبيته في مكان، وهو يأتي في القرآن الكريم بصيغة الفعل المُسنَد إلى الله عز وجل؛ فهو وحده من يُمَكِّن الإنسان لما يشاء، ومن يمكن للإنسان ما يشاء، والناظر في موارد هذا اللفظ، يميز بين صيغتين له: صيغة التمكين في الشيء، وصيغة تمكين الشيء. الأولى خاصة بالتمكين في الأرض، والثانية عامة تشمل تمكين الدين والقوة والسلطة والمال، وهذا يعني أن التمكين للإنسان يتم عبر مستويين:

الأول: حسي مادي، يتم فيه تمكين الإنسان من التصرف في الأرض، وإقداره على جعلها موطناً له ومُستقرّاً لمعاشه، ولذلك جاء ذكر (المعايش) مع التمكين في الأرض: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾([13])؛ أي ما يضمن الاستمرار في الحياة من طعام وشراب ولباس ونحوه، ويدخل في هذا المستوى تمكين المال والقوة والأولاد، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ([14]).

والثاني: معنوي، يتم فيه تمكين الدين والأمن للإنسان: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ([15])، وهذا مستوى من التمكين يحوز بموجبه الإنسان على أهم الأسس الداعمة للحياة الكريمة، وهي الدين بكل القيم الروحية والخلقية والاجتماعية التي ينطوي عليها، والأمن الذي يضمن له ممارسة سائر حقوقه الطبيعية.

يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إن موجودات العالم قد صممت بطراز يشبه دائرة عظيمة، وخلقت الحياة لتمثل نقطة المركز فيها، فنرى: أن جميع الموجودات تخدم الحياة وترعاها وتتوجه إليها ،وتتكفل بتوفير لوازمها ومؤنها، فخالق الكون إذن يختار الحياة ويصطفيها من بين موجوداته، ثم نرى أن موجودات عوالم ذوي الحياة هي الأخرى قد أوجدت على شكل دائرة واسعة بحيث يتبوأ الإنسان فيها مركزها؛ فالغايات المرجوة من الأحياء عادة تتمركز في هذا الإنسان، والخالق الكريم سبحانه يحشد جميع الأحياء حول الإنسان ويسخر الجميع لأجله وفي خدمته ، جاعلا من هذا الإنسان سيدا عليها وحاكما لها) [16]

  1. التكريم:

وهو في القرآن الكريم على مستويين: تكريم دنيوي وتكريم أخروي.

الأول: مرتبط بالوجود الدنيوي للإنسان في الأرض، واستخلافه فيها، وتمكينه من عمارتها، وهو بذلك يعني: تشريف الإنسان وتخصيصه بالمقومات الذاتية التي تمكنه من القيام بتكاليفه ومسؤولياته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا.﴾ ([17]). يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إن الإنسان يمثل أعظم مقصد من المقاصد الإلهية في الكون، وهو المؤهل للخطاب الرباني ، وقد اختاره سبحانه من بين مخلوقاته)[18]

والثاني: مرتبط بالوجود الأخروي، حيث يكون الأكرم عند الله عز وجل؛ أي الأفضل منزلة، هو الأتقى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ ([19]).

يقول الإمام بديع الزمان النورسي (إن التفاوت بين مجيء الحيوان والإنسان إلى هذه الدنيا يدل على أن اكتمال الإنسانية وارتقاؤها إلى الإنسانية الحقة إنما هو بالإيمان وحده) [20] ويقول أيضاً (إن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين فيكتسب بذلك قيمة تجعله لائقا بالجنة، بينما يتردى بظلمة الكفر إلى أسفل سافلين فيكون في وضع يؤهله لنار جهنم ،ذلك لأن الإيمان يربط الإنسان بصانعه الجليل ،ويربطه بوثاق شديد ونسبة إليه)[21]

وفي مقابل (التكريم) يستعمل القرآن فعل الإهانة: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ ([22]).

وهذا التقابل هنا بين التكريم والإهانة جاء على لسان الإنسان الجاحد للنعمة، الذي يظن أن إغداق النعم عليه تفضيل له وتشريف؛ فيفرح به ويطغى ويفسد، وأن إمساك الرزق عنه إهانة له؛ فيكفر ويجحد، وهذا تصور خاطئ لمفهومي التكريم والإهانة؛ لأن التوسيع في النعم والإمساك في الرزق، إنما هو ابتلاء يُمَحَّص من خلاله الإنسان، والتكريم لا يكون بالنعم والرفاه المادي، ولا الإهانة بإمساك الرزق وتضييقه.

وهذا ما ألمحت إليه آية أخرى في سياق آخر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ([23]).

فالإهانة الحقيقية للإنسان هي أن يسجد لغير الله، والسجود هنا خضوع وتذلل، وأن يتحمل تبعات ذلك في الآخرة من عذاب أبدي. والتكريم هو في العبودية المطلقة لله وحده، والعمل بمقتضاها الذي يضمن له النعيم الأبدي.

يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إذا تسلل الكفر – الذي هو عبارة عن قطع الانتساب إلى الله – في الإنسان، فعندئذ تسقط جميع معاني نقوش الأسماء الحسنى الإلهية الحكيمة في الظلام وتمحى نهائيا، ويتعذر مطالعتها وقراءتها ؛ وذلك لأنه لا يمكن أن تفهم الجهات المعنوية المتوجهة فيه إلى الصانع الجليل بنسيان الصانع سبحانه وتعالى بل تنقلب على عقبيها، وتندرس أكثر آيات الصنعة النفيسة الحكيمة وأغلب النقوش المعنوية العالية أما ما يتبقى منها مما يتراءى للعين فسوف يعزى إلى الأسباب التافهة، إلى الطبيعة والمصادفة، فتسقط نهائيا وتزول)، (إن غاية المادة وثمرتها هي قضاء حياة قصيرة جزئية يعيشها صاحبها وهو أعجز المخلوقات وأحوجها وأشقاها، ومن ثم يتفسخ في النهاية ويزول، وهكذا يهدم الكفر الماهية الإنسانية ويحيلها من جوهرة نفيسة إلى فحمة خسيسة) [24].

  إن تكريم الإسلام للإنسان، يعكس قيمته عند الله عز وجل من جهة، وهذا هو وجه التشريف في التكريم، ويعكس خطورة الأمانة التي يتحملها من جهة ثانية، وهو وجه التكليف فيه، ومتى حافظ الإنسان على توازنه في السير في هذين الخطين، وكذا توازنه في تحصيل مظاهر الاستخلاف والتمكين، ضمن إنجاح مهمة عمارة الأرض، وضمن ما يترتب على ذلك من نماء له وللكون الذي يعيش فيه.

ثانيا: الأنبياء دليلنا وسبيلنا للهداية :-

إن أعظم عطاء من قِبل الأنبياء للإنسانية هو الهداية، بل إن فاقد الهداية يتمنى أن لو لم يكن شيئاً مذكوراً حيث يقول يوم القيامة ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا[25] لذلك فإن النبوة على درجة عالية من الأهمية للإنسانية جمعاء في شؤون المعاش وشؤون المعاد، ويتمثل ذلك فيما يلي :

  1. ضرورة النبوة:

في ظل التفتح المستمر للمعارف على الإنسان قد يظن لوهلة أنه قادر على إدراك جميع ما حوله في عالم الوجود، استغناءً بعقله البسيط عن مدد السماء وفيض الوحي الرباني، يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي: (اعلم أنه يفهم من كمال ذكاوة الحيوان وقت خروجه إلى الدنيا ومهارته في العلم العملي المتعلق بحياته، أن إرساله للدنيا للتَّعَمُّل لا للتكمل بالتعلم. ويفهم من كمال جهالة الإنسان وعجزه وقت إخراجه إلى الدنيا واحتياجه إلى التعلم في كل مطالبه وفي جميع عمره أن إرساله إلى الدنيا للتكمل بالتعلم والتعبد لا للتعمُّل)[26] (اعلم أن حكمة الصانع الجليل، وعدم العبثية في أفعاله، ومراعاته النظام في أقل ما في العالم، وعدم إهماله أخس ما فيه وضرورة حاجة البشرية إلى مرشد، كل ذلك يستلزم قطعاً النبوة في نوع البشر)[27]

ويقول الإمام أيضاً: (إن القرآن كما يفسر بعضه بعضاً، كذلك إن كتاب العالم يفسر بعض آياته بعضها. فكما أن العالم المادي يحتاج احتياجاً حقيقياً إلى شمس تفيض منها عليه أنوار نعمته تعالى، كذلك العالم المعنوي يحتاج أيضاً إلى شمس النبوة لفيضان أضواء رحمته تعالى، فنبوة أحمد عليه الصلاة والسلام في الظهور والوضوح والقطعية بدرجة الشمس في وسط النهار، وهل يحتاج النهار إلى دليل؟! [28]

وهذه النبوة برهانها رقى الإنسان على الحيوانية في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى:

إدراك الإنسان وكشفه عن الترتيب في الأشياء، الناشئ من العلل المترتبة المتسلسلة في الخلقة، وقابليته العلمية والتركيبية ومعرفته الحاصلة من تحليل مركبات بذور كمالات الإنسانية إلى بسيطات، وإرجاعها إلى أصلها، وقدرته على محاكاة الطبيعة، ومساوقة نواميس الله الجارية في الكون بصنعته ومهارته فالإنسان الذي هذه قابليته، يدرك قصور نظره في صنعته، وزحمة الأوهام عليه، وافتقاره في جبلته الإنسانية، مما يدله على موازنة النظام المتقن في العالم.

النقطة الثانية:

هي استعداد الإنسان غير المتناهي، وآماله ورغباته غير المحصورة، وأفكاره وتصوراته غير المحدودة وقوته الشهوية والغضبية غير المحدودة.

إن عدم العبثية، وثبوت حقائق الأشياء تومئان إلى: أن هذه الدنيا الدنية الضيقة المحصورة، وتزاحم كثير من الأعراض فيها والتي لا تخلو من التحاسد والاضطراب، لا تسع كمالات الإنسانية، بل تحتاج تلك الكمالات إلى عالم أرحب لا تزاحم فيه كي يتسنبل استعداد البشر وينمو نمواً كاملاً، فيكون منسجماً مع نظام العالم بانتظام أحوال كمالاته.

النقطة الثالثة:

إن الإنسان لا يعيش عيشة الحيوانات ولا يسعه ذلك، ولهذا احتاج إلى الامتزاج مع أبناء جنسه، ليتشاركوا فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم، ولكن لتجاوز قوى الإنسانية على الآخرين تحتاج الجماعة إلى العدالة في تبادل ثمرات السعي، ثم لأن عقل كل واحد لا يكفي في درك العدالة احتاج النوع إلى وضع قوانين كلية ، ثم لمحافظة تأثيرها ودوامها، لا بد من مقنن يجريها، ثم لإدامة حاكمية ذلك المقنن في الظاهر والباطن يحتاج إلى امتياز وتفوق ويحتاج أيضاً إلى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك ،ثم لتأسيس إطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج إلى إدامة تصور عظمة الصانع ورسوخ العقائد وذلك يحتاج الى مذكر مكرر وعمل متجدد، وما الذكر المكرر إلا العبادة ،وهذه العبادة توجه يؤسس الانقياد، والانقياد هو للإيصال إلى النظام الأكمل والارتباط به، وهذا النظام الأكمل يتولد من سر الحكمة، وسر الحكمة يشهد عليها إتقان الصنع وعدم العبثية، فإذا علمت هذه الجهات الثلاث من تمايز الإنسان عن سائر الحيوانات أنتج لك بالضرورة :أن النبوة المطلقة في نوع البشر قطب بل مركز ومحور تدور عليه أحوال البشر )[29]

2. المثال النبوي حجة على الناس:

إن الفكر إذا كان مجرداً، والكلم إذا كان معلقاً دون إتباعه العمل والبرهان والدليل قد يتطرق الشك إلى جوانبه، خاصة في ظل مدافعة الأفكار الأخرى والتصورات المغايرة، وإن الأنبياء قد جاءوا بوحي سماوي فيه أمر ونهي، ووعد ووعيد، والناس بين مصدق ومكذب، وإعانة من الله تعالى للإنسان على الهداية والتصديق والاتباع أن جعل من الرسل والأنبياء مثالاً ودليلاً على أن الامر الرباني سهل ميسور وبامتثاله فلاح الإنسان وفوزه بسعادة الدارين، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم حجة على معاصريه ومن جاء بعده إذ امتثل الأمر الرباني ولم يحد عنه في سائر شؤونه، فقدم أسمى مثال وأرقى أسوة للناس، يقول الإمام بديع الزمان النورسي: (إذا تأملت في حاله صلى الله عليه وسلم من الأربع إلي أربعين - مع أن من شأن الشبابية وتوقد الحرارة الغريزية أن تظهر ما يخفي وتلقى إلى الظاهر ما استتر في الطبيعة من الحيل - تراه عليه السلام قد تدرج في سنينه وعاشر بكمال استقامة ونهاية متانة وغاية عفة واطراد وانتظام، ما أومئ حال من أحواله إلى حيلة، لا سيما في مقابلة المعاندين الأذكياء، وبينما تراه عليه السلام كذلك إذ تنظر إليه وهو على رأس أربعين سنة - الذي من شأنه جعل الحالات ملكة والعادات طبيعة ثابتة لا تخالف – قد تكشف عليه السلام عن شخص خارق قد أوقع في العالم انقلاباً عظيماً عجيباً فما هو إلا من الله تعالى). [30]

وتمثل السيرة النبوية والشمائل المحمدية خير دافع للدعاة للبذل والعطاء، سعياً لسوق الناس لرب العالمين مسترخصين في سبيل ذلك مهجهم وأرواحهم موقنين بالنهايات السعيدة التي تكفل الله تعالى بتمامها، وإن نبينا صلى الله عليه وسلم لهو حجة على كل داعية نكص على عقبيه واستصعب التبعة، يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي: (غص من ساحل هذا العصر في بحر الزمان، ماراً تحته إلى أن تخرج من جزيرة عصر السعادة ناظراً على جزيرة العرب، ثم ارفع رأسك والبس ما خاط لك ذلك الزمان من الأفكار، ثم انظر في تلك الصحراء الوسيعة، فأول ما يتجلى لعينيك: أنك ترى إنساناً وحيداً لا معين له ولا سلطنة يبارز الدنيا برأسه، ويهجم على العموم، وحمل على كاهله حقيقة أجل من كرة الأرض ، وأخذ بيده شريعة هي كافلة لسعادة الناس كافة، تلك الشريعة كأنها زبدة وخلاصة من جميع العلوم الإلهية والفنون الحقيقية) [31]

إن الإعجاز النبوي لا يزال يتجدد يوماً تلو آخر ما امتدت بالبشر السنين والآماد إذ في كل جيل قد يظهر كُمل أفذاذ، لكن عند مقارنتهم بأكمل البشر تتقازم القامات وتضمحل المقامات، وذلك دليل على أنه صلى الله عليه وسلم أهل ليكون مثلاً لكل البشر على اختلاف أجيالهم، يقول الإمام بديع الزمان النورسي: (فيا أيها الناس، هل يمكن أن لا يكون عندكم محمد عليه الصلاة والسلام ذلك الفرد الفريد ؟، وهل يستطيع تاريخكم أن يظهر فرداً آخر أليق بهذا المقام من محمد عليه الصلاة والسلام ؟ [32]

3. هداية الأنبياء يقينية:

إن من ينحرف عن جادة السبيل ويزيغ عن منهج الحق حتماً سيقع في براثن الشك ومبهمات الظنون، لأجل ذلك عندما ناظر إبراهيم عليه السلام قومه أسقط في أيديهم لأول وهلة ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ  أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾[33]. أما من يهتدي بنور الوحي وهداية القرآن فإنه يأوي إلي ركن شد يد من العلم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقول الإمام بديع الزمان النورسي: إن حقيقة ((الوحي الإلهي)) مهيمنة كل حين بظواهر في غاية القوة والوضوح _ على أرجاء الغيب كافة، فتأتي الشهادة لوجوده وتوحيده سبحانه من لدن علام الغيوب، وهي شهادة الوحي والإلهام وهي أقوى بكثير من شهادة الكائنات والمخلوقات، إذ لا يدع سبحانه تعريف ذاته ولا دلائل وجوده ووحدانيته، محصوراً في شهادة مخلوقاته وحدها، بل يتكلم كلاماً أزلياً يليق بذاته، فلا حدَ ولا نهاية للكلام من هو حاضر وناظر بقدرته وعلمه في كل مكان، ومثلما يعرفه معنى كلامه، فإن تكلمه أيضاً يعرفه بصفته) [34]

 

ثالثا: الأنبياء أرسوا مناهج الإصلاح المجتمعي

بُعث النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمع عركته الصراعات، وأقعدته الفتن، وتناوشته سهام العصبيات، فقد كانت الحروب تنشا بين أفراده وجماعاته على لا شيء، فإن حرب البسوس كان القتال فيها على ناقة، وحرب داحس والغبراء كانت على فرسين، ولا ننسى ما وجده النبي صلى الله عليه وسلم من بقايا جراحات حرب بعاث بين الأوس والخزرج، وغيرها من حروب ومعارك لا تنتهي، وأما من ناحية الأخلاق فقد كانت هناك موانع وعوائق جمة تحول دون تماسك المجتمع وتراص صفه في الجزيرة العربية، فرغم أن العرب كانوا يعظمون أمر الكرم والشجاعة ويعتبرون ذلك من صفات السيادة كما يقول شاعرهم :

نحن بنو أم البنين الأربعة     ومن خيار عامر بن صعصعة

المطعمون الجفنة المدعدعة    والضاربون الهام عند الخيضعة

رغم ذلك فقد كان في العرب أنفة زائدة وكبر يشمخ بكثير من أفرادهم وقبائلهم عن التواضع للغير ولين الجناح مع الصديق أو العدو، وعندما جاءت رسالة الإسلام شرق بها كثيرون لأن شرف الرسالة ومكانة النبوة ليست في أنسابهم، فكفروا جحوداً رغم يقينهم بصدق الرسالة قال تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[35]. واجه النبي صلى الله عليه وسلم تحديات المجتمع العربي الجاهلي على تعقيداتها وأزاح وجه الكفر عن جزيرة العرب في أوجز زمن يمكن لدعوات الاصلاح والبعث أن تستغرقه في سبيل التغيير، وهذا الأمر يشهد به حتى أهل الكفر من المؤرخين و المستشرقين، وهاهنا يقول الإمام بديع الزمان النورسي في إشارات الإعجاز (إنك اذا تأملت في العالم ترى أنه قد يتعسر ويستشكل رفع عادة ولو حقيرة في قوم ولو قليلين، أو خصلة ولو ضعيفة، في طائفة  ولو ذليلين، على ملك ولو عظيماً ،بهمة ولو شديدة في زمان مديد بزحمة كثيرة، فكيف أنت بمن لم يكن حاكماً، تشبث في زمان قليل بهمة جزئية ـ بالنسبة إلى المفعول ـ وقلع عاداتٍ ورفع أخلاقاً قد استقرت بتمام الرسوخ واستؤنس بها نهاية استيناس واستمرت غاية استمرار، فغرس فجأة بدلها عادات وأخلاقاً تكملت رفعة عن قلوب قوم في غاية الكثرة ولمألوفاتهم في نهاية التعصب، أفلا تراه خارقاً للعادة؟)[36] ويقول أيضاً (فانتخب أيها المعاند من أكمل الفلاسفة مائة، فليسعوا مائة سنة فإن فعلوا جزءاً من مائة جزء ممافعله محمد العربي عليه الصلاة والسلام بالنسبة إلى زمانه)[37]، فكيف غير النبي صلي الله عليه وسلم ذلك الواقع الجاهلي في هذا الزمن الوجيز؟! ماهي السنة الربانية هاهنا وما هو الهدى النبوي؟! إن طرائق الإصلاح والتغيير التي بينها الله تعالى في كتابه تقدم لنا أقصر الطرق وأوجز السبل لإصلاح المجتمعات، وإن آية قرانية واحدة تكفينا عن كثير من الإطناب والتطويل، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11.

فتغيير المجتمعات لا يكون عن طريق امتلاك السلطة وتولي زمام الملك والقيادة ،فذلك وإن صنع تغييراً فإنه يكون سطحياً ولا دوام له، يقول الإمام بديع الزمان النورسي في إشارات الاعجاز (إنه يمكن بالقهر والجبر تحكم ظاهري وتسلط سطحي)[38]، إن التغيير المنشود لابد أن يكون عاماً للمجتمع ابتداءً ﴿إن اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم﴾[39] فالتغيير لا يكون رؤى فكرية مجردة في عقول الفلاسفة وأهل الفكر، إنما هو روح تسري في عموم المجتمع، يقول الأمام بديع الزمان النورسي (إن تاريخ العالم يشهد أن الداهي الفريد إنما هو الذي اقتدر على انعاش استعداد عمومي، وإيقاظ خصلة عمومية، والتسبب لانكشاف حس عمومي، إذ من لم يوقظ هكذا حسا نائماً يكون سعيه هباء مؤقتاً ولو كان جليلاً في نفسه)[40].

فقد صنع النبي صلى الله عليه وسلم حراكاً أحدث تغييراً على مستوى جزيرة العرب شمل أكثر من مائة ألف إنسان في ذلك التاريخ، فكان ذلك معجزة خالدة وكذلك سنة ماضية. إن سبيل تغيير المجتمعات لابد أن يسلك الدرب النبوي والهدى المحمدي.

وتغيير عموم المجتمع يعني البداية بإعداد الأفراد إعداداً شاملاً يحيط بالنفس والعقل والجسد، قال الله عزوجل ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ الجمعة 2، فالتزكية للنفوس والتعليم والهداية للعقول، إن الصياغة المتكاملة للإنسان تنشئ إنساناً حضارياً مستقلاً بذاته ومتحداً مع أمته.

رابعا: سعادة الإنسان في دنياه باتباع الأنبياء

  1. منهج الأنبياء خير محض:

يحاول كثير من الناس أن يجعل العقل حكماً لا يجارى في سائر شؤون معاشه، مستنكفاً أن يقبل توجيه الوحي السماوي، ومن كان هذا ديدنه تزل أقدامه عند مبهمات القضايا ومدلهمات الخطوب، فإن العقل يعجز عن الحكم على ما لا يستطيع تصوره، وإن صدق في حكمه فإنه معرض للهوى وميل الشهوة الخفية والجلية.

ولبيان ذلك يعقد الإمام بديع الزمان مقارنة بين المنهج النبوي والاجتهاد الفلسفي، ليبين المزالق التي زلت عندها أقدام الفلاسفة، ويضرب لذلك أمثلة عديدة من بينها:

المثال الأول: -

من القواعد المقررة للنبوة في حياة الإنسان الشخصية، التخلق بأخلاق الله، أي كونوا عباد الله المخلصين، متحلين بأخلاق الله محتمين بحماه معترفين في قرارة أنفسكم بعجزكم وفقركم وقصوركم.

فأين هذه القاعدة الجليلة من قول الفلسفة (تشبّهوا بالواجب) التي تقررها غاية قصوى للإنسانية.

أين ماهية الإنسان التي عجنت بالعجز والضعف والفقر والحاجة غير المحدودة من ماهية واجب الوجود وهو الله القدير القوي الغني المتعال.

المثال الثاني:

من القواعد الثابتة للنبوة في الحياة الاجتماعية، أن التعاون دستور مهيمن على الكون، ابتداء من الشمس والقمر والنباتات والحيوانات، فترى النباتات تمد الحيوانات، والحيوانات تمد الإنسان، بل ذرات الطعام تمد خلايا الجسم وتعاونها .

فأين هذا الدستور القويم دستور التعاون وقانون الكرم وناموس الإكرام من دستور الصراع الذي تقول به الفلسفة من أنه الحاكم على الحياة الاجتماعية)[41]. وغير ذلك من أمثلة كثيرة يضربها الإمام تبين أن الفلسفة العقلية وحدها ليست دليلاً وهاديا للإنسان، الذي هو أكرم من أن يفني عمره متقلباً في طرقات الشك وجنبات الظنون، فإن فرصة الحياة واحدة وعاقبتها لازمة، إن خيراً فخيراً وإن شراً فعقاباً وجزاءً مستطيراً قال تعالى ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾[42]

  1. لا سعادة بغير الإيمان :

إن مصائب الدنيا أعقد من أن تتحملها نفوس البشر، وقد أخبر الله تعالي عن شقاء الإنسان فيها إذ يقول تعالى ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى[43] ويقول تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ[44]، ولا سعادة بغير نفوس قادرة على احتمال هذه المكاره والشدائد، ولا سبيل لرقي هذه النفس وتهذيبها بغير إيمان، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَه) [45].

يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي (إن الشيوخ الذين هم نصف البشرية ، إنما يتحملون ويصبرون وهم علي شفير القبر ب(الايمان بالأخرة ) ولا يجدون الصبر والسلوان من قرب انطفاء شعلة حياتهم العزيزة عليهم، ولا من انغلاق باب دنياهم الحلوة الجميلة في وجودهم، إلا في ذلك الإيمان، فهؤلاء الشيوخ اللذين عادوا كالأطفال وأصبحوا مرهفي الحس في أرواحهم وطبائعهم إنما يقابلون ذلك اليأس القاتل الأليم الناشئ من الموت والزوال، ويصبرون عليه بالأمل في الحياة الاخرة، وإلا فلولا هذا الإيمان بالأخرة لشعر هؤلاء الآباء والأمهات – الذين هم أجدر بالشفقة والرأفة، والذين هم في أشد الحاجة إلى الاطمئنان والسكينة والحياة الهادئة – ضراماً روحياً واضطراباً نفسياً وقلقاً قلبياً، ولضاقت عليهم الدنيا بما رحبت ولتحولت سجناً مظلماً رهيباً ولانقلبت الحياة إلى عذاب أليم قاس)[46] إن أكثر الدول ازدهارا في زماننا هذا هي الأكثر انتحارا لأن أهلها وإن وجدوا الرفاهية المادية فقد فقدوا أعظم من ذلك ، الطمأنينة والسكينة النفسية، وهي الأهم لسعادة الإنسان، ونعلم أن وسائل  المادة يتعذر فيها بلوغ الكمال فلو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمني الثالث أما الطمأنينة فيمكن تحصيلها باتباع المعاني الربانية والقيم النبوية والاشتغال بذكر الله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[47] .

 

خامسا: هدي الأنبياء يعالج مشكلات العصر

  يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي )[48] وقد كان هذا هو الديدن في الأمم قبلنا، والله تعالى لن يدع الخلق هملا دون قائد موجه ودليل مرشد، وشاءت إرادة الله أن يكون نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، والذي لن يحتاج البشر بعد هديه لهدى وبعد بيانه لبيان، إذ لا أفصح ولا أوضح مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وفوق ذلك فقد كتب الله له الخلود ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[49]، ومن خلود ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب على تحديات كل عصر جوابا شافيا كافيا، ونحن في زمان نشهد فيه غلبةً ماديةً لعدونا الذي بسط الله له من وسائل المدنية وأمد له في أسباب الرفاهية، فهل نحسب أن ما عنده خير مما عندنا، يقول الإمام بديع الزمان سعيد النورسي ( إن أسس المدنية الحاضرة سلبية، وهي أسس خمسة تدور عليها رحاها:

  1. فنقطة استنادها: القوة بدل الحق، وشأن القوة الاعتداء والتجاوز ومن هذا تنشأ الخيانة.
  2. هدفها وقصدها: منفعة خسيسة بدل الفضيلة، وشأن المنفعة: التزاحم والتخاصم ومن هذا تنشأ الجناية.
  3. دستورها في الحياة: الجدال والخصام بدل التعاون، وشأن الخصام التنازع ومن هذا تنشأ السفالة.
  4. رابطتها الأساس بين الناس: العنصرية التي تنمو على حساب غيرها، وتتقوى بابتلاع الآخرين وشأن القومية السلبية والعنصرية، التصادم المريع، وهو المشاهد ومن هذا ينشأ الدمار والهلاك.
  5. وخامستها: هي أن خدمتها الجذابة، تشجع الأهواء والنوازع، وشأن الأهواء والنوازع دائما، مسخ الإنسان، وتغيير سيرته، فتتغير بدورها الإنسانية وتمسخ مسخاً معنوياً.

أما أساس مدنية القرآن الكريم، فهي إيجابية تدور سعادتها على خمسة أسس إيجابية:

  • نقطة استنادها: الحق بدل القوة، ومن شأن الحق دائما العدالة والتوازن، ومن هذا ينشأ السلام ويزول الشقاء.
  • وهدفها الفضيلة بدل المنفعة، وشأن الفضيلة، المحبة والتقارب، ومن هذا تنشأ السعادة وتزول العداوة.
  • دستورها في الحياة التعاون بدل الخصام والقتال، وشأن هذا الدستور، الاتحاد والتساند اللذان تحيل بهما الجماعات.
  • وخدمتها للمجتمع: بالهدى بدل الأهواء والنوازع، وشأن الهدى الارتقاء بالإنسان ورفاهيته إلى ما يليق به مع تنوير الروح ومدها بما يلزم.
  • رابطتها بين المجموعات البشرية: رابطة الدين والانتساب الوطني وعلاقة الصنف والمهنة وأخوة الإيمان، وشأن هذه الرابطة، أخوة خالصة وطرد العنصرية والقومية السلبية.
  • وبهذه المدنية يعم السلام الشامل، والقرآن الكريم النازل رحمة للعالمين لا يقبل إلا طرازا من المدنية التي تمنح السعادة للجميع.

إن عالم اليوم في انتظار المسلمين ليقدموا له الدواء الناجع والبلسم الشافي، فحري بالأمة أن ترجع إلي كنزها فتجلي معانيه وتكشف عن درره، ومن ثم تفيض بالرحمة والرأفة علي غيرها فهي خير أمة أخرجت للناس.

 

خاتمة :

إن عصرنا الحالي أحوج ما يكون لهدي الأنبياء، في ظل طغيان المادة وتتابع أسباب الرفاه واستحكام وكثرة الأهواء، وذلك مؤذن بالفساد الذي حذر الله تعالى منه، فإن الفساد في الأرض لا يكون إلا بما كسبت أيدي الناس، وإن عوامل النصر والتوفيق لا سبيل لها إلا بموافقة الأوامر الربانية والهداية الإلهية يقول الإمام بديع الزمان النورسي (إن من أراد التوفيق يلزم عليه أن يكون له مصافاة مع عادات الله، ومعارفة مع قوانين الفطرة، ومناسبة مع روابط الهيئة الاجتماعية، وإلا أجابته الفطرة بعدم الموفقية جواب إسكات).[50]

 

 

 

---------------------------

المراجع :

  1. القرآن الكريم .
  2. صحيح مسلم، ط1، دار السلام، الرياض 1420هـ، 1999م.
  3. الكلمات، سوزلر للنشر القاهرة الطبعة الخامسة 2008.
  4. إشارات الإعجاز، سوزلر للنشر ، القاهرة، الطبعة الخامسة .2008م
  5. الشعاعات -دار سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008م.
  6. رسالة الشكر- دار سوزلر للنشر- الطبعة الخامسة 2008 م القاهرة .
  7. صيقل الإسلام - دار سوزلر- القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 م.
  8. المثنوي العربي -دار سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 م.
  9. الموازنات دار سوزلر للنشر الطبعة الأولى 2008 م.
  10. المكتوبات- دار سوزلر للنشر الطبعة الخامسة 2008م .

 

 

-------------------------

[1] سورة البقرة الاية (30) .

[2] سورة ص الآية (82) .

[3] سورة النساء الآية (28).

[4] سورة الحجر الآية (15) .

[5] سورة البقرة الآية (201)

[6] سورة البقرة الآيات (31-32)

[7] بديع الزمان، حقيقة التوحيد دار سزلر للنشر الطبعة الخامسة 2005 صفحة 100،

[8]  بديع الزمان سعيد النورسي، رسالة الشكر-سوزلر للنشر -  الطبعة الخامسة 2008 القاهرة  ، صفحة 60-61  .

[9] سورة هود الآية (57)

[10] سورة الحديد الآية (7)

[11] بديع الزمان سعيد النورسي ، الشعاعات - سوزلر للنشر -  الطبعة الخامسة 2008 القاهرة  ، صفحة 231.

[12] المرجع السابق  232.

[13] سورة الأعراف الآية (10)

[14] سورة الأحقاف الآية (26)

[15] سورة النور الآية (55)

[16]   بديع الزمان سعيد النورسي ، رسالة الشكر  (مرجع سابق )  ، صفحة 69- 70  .

[17] سورة الإسراء الآية (70)

[18] بديع الزمان ، حقيقة التوحيد دار سزلر للنشر الطبعة الخامسة 2005 صفحة 100 .

[19] سورة الحجرات الآية (13)

[20]  بديع الزمان ، الموازنات دار سزلر للنشر الطبعة الأولى 2008 صفحة 97 .

[21] المرجع السابق ، صفحة 91

[22] سورة الفجر الآيات (15-16)

[23] سورة الحج الآية (18)

[24] بديع الزمان ، الموازنات دار سزلر للنشر الطبعة الأولى 2008 صفحة 92 -93  .

[25] سورة النبأ ، 40

[26] بديع الزمان _ المثنوي العربي _ سوزلر للنشر _ القاهرة _ الطبعة الخامسة 2008 _ص 480.

[27] المرجع السابق ص 87.

[28] المرجع السابق ص 245.

[29] بديع الزمان _ صيقل الإسلام - دار سوزلر- القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 صفحة (135-138) بتصرف يسير .

[30] بديع الزمان _ إشارات الإعجاز - سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 ص 167.

[31] المرجع السابق ص 174.

[32] بديع الزمان - المثنوي العربي - سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 -ص67.

[33] سورة الأنبياء الآيات 64- 67 .

[34] بديع الزمان - الشعاعات - سوزلر للنشر - القاهرة - الطبعة الخامسة 2008 -ص162.

[35] سورة  النمل الآية (14) 

[36] اشارات الاعجاز في مظان الايجاز، شركة سوزلر للنشر،  القاهرة ـ الطبعة الخامسة [2008]، ص(169).

[37] المصدر نفسه ص (17)

[38] اشارات الاعجاز.(ص 169) مرجع سابق

[39] سورة الرعد  الآية [11] .

[40] اشارات الإعجاز ـ مرجع سابق (ص169).

[41] بديع الزمان ، أنا ذات الإنسان وحركات الذرات بين الفلسفة والدين ، سوزلر للنشر ، القاهرة الطبعة الأولى 2004 صفحة 32-33 .

[42] سورة الزلزلة  الايتان  7-8

[43] سورة طه الآية (117) .

[44] سورة البلد الآية (4) .

[45] صحيح مسلم، . ط1، دار السلام، الرياض 1420هـ، 1999م. باب المؤمن أمره كله خير (2999)

[46]  بديع الزمان سعيد النورسي ، الكلمات ، سوزلر للنشر  القاهرة  الطبعة الخامسة 2008  ، صفحة 103  .

[47] سورة الرعد الاية (28)

[48] صحيح مسلم (مرجع سابق ) حديث 3538

[49] سورة الحجر الاية ( 9)

[50] بديع الزمان ، إشارات الإعجاز ،مرجع سابق صفحة (170) .

 

 

قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة