لا تكن وحدك
إعرف ذاتك!
لا تكن وحدك أبداً!
في صَحراءٍ واسِعَةٍ ولا مُتَناهِيَةٍ، كانَ هُناكَ مُسافِرانِ.
لَم يَكُنْ مِنَ السَّهْلِ السَّيْرُ في هذِهِ الدِّيارِ، حَيْثُ تَحرِقُ الشَّمسُ الوُجوهَ، ويَعصِفُ الرِّيحُ بِهَديرٍ لا يُرحَمُ.
فَالصَّحراءُ تَبتَلِعُ مَن لا صاحِبَ لَهُ، وتُدَمِّرُ مَن لا حِمايةَ لَهُ.
الرِّيحُ لا تُؤنِسُ، ولا ظِلَّ في الأُفُقِ، بَل سَرابٌ في سَرابٍ، والمَوتُ يُراقِبُ مِن بَعيدٍ.
هذِهِ الأَرضُ لا تَعرِفُ إِلَّا مَن لَهُ صاحِبٌ، وتَنسى مَن لا أَحَدَ لَهُ.
وكانَت هذِهِ الصَّحراءُ، كَالدُّنيا تَمامًا؛ قاسِيَةً، ولا تَرحَمُ.
كانَ هُناكَ مُسافِرانِ في هذِهِ الصَّحراءِ الواسِعَةِ. أَحدُهُما كانَ مُتَواضِعًا، مُنْشَرِحَ الصَّدرِ.
أمَّا الآخَرُ فَكانَ مُتَكَبِّرًا، يَسيرُ في الصَّحراءِ وكُلُّهُ غُرورٌ، مُعتَقِدًا أَنَّهُ قادِرٌ على اجتِيازِها وَحدَهُ.
وقبلَ أَن يَنطَلِقا، جاءَهُما شَيخٌ مُسِنٌّ وقالَ:
"هذِهِ الصَّحراءُ لا تَحتَضِنُ مَن لا حِمايةَ لَهُ.
إِن أَرَدتَ أَن تَمُرَّ مِن هذِهِ الدِّيارِ بِسَلامٍ، فَاذكُرِ اسمَ السُّلطانِ.
مَن يَسيرُ بِاسمِهِ، لا يَكونُ وَحيدًا.
هذَا الاسمُ كَالخَتْمِ في الصَّحراءِ؛ بِهِ تُفتَحُ كُلُّ الأَبوابِ، وتُزالُ كُلُّ المَصائِبِ."
فَدَوَّنَ المُتَواضِعُ هذَا الاسمَ في أَعماقِ قَلبِهِ.
أمَّا الآخَرُ، فَضَحِكَ وقالَ:
"اسمِي يَكفيني. لا حاجَةَ لي بِاسمٍ آخَرَ، ولا بِسُلطانٍ."
ثُمَّ انطَلَقا في الطَّريقِ.
كانَتِ الرِّمالُ نَفسُها، والشَّمسُ نَفسُها، والسَّماءُ نَفسُها.
لكنَّ القُلوبَ كانَت مُختَلِفَةً.
أَحدُهُما سارَ بِاسمِ السُّلطانِ وتَحتَ حِمايَتِهِ، والآخَرُ اعتَمَدَ على نَفسِهِ.
وبَينَما كانَ المُتَواضِعُ يُواصِلُ السَّيرَ، مَلَأَت صَمتَ الصَّحراءِ صَهِيلُ خُيولٍ خَلفَ سَحابَةٍ مِنَ الغُبارِ.
أَصواتُ حَوافِرِ الخُيولِ دَوَّت كَالعاصِفَةِ.
قُطّاعُ الطُّرُقِ هَجَموا، سُيوفُهُم مُشْرَعَةٌ في أَيديهِم، لا رَحمَةَ في عُيونِهِم.
تَوَقَّفَ المُسافِرُ المُتَواضِعُ. لَم يَخَف. كانَ واثِقًا. هَمَسَ فَقَط:
"أَنا تَحتَ حِمايَتِهِ..."
فَتَوَقَّفَ قُطّاعُ الطَّريقِ، كَما لَو أَنَّ جِدارًا غَيرَ مَرئِيٍّ وَقَفَ في طَريقِهِم.
ثُمَّ تَراجَعوا دُونَ أَن يَنبِسوا بِكَلِمَة.
لِأَنَّ في ذلِكَ الهَمسِ كانَت قُوَّةٌ أَعظَمَ مِن كُلِّ خَوفٍ في الصَّحراءِ.
وَبَعدَ أَيّامٍ، عِندَما أَنهَكَهُ الجوعُ، اقتَرَبَ مِن خَيمَةٍ.
وَمَرَّةً أُخرى، ذَكَرَ الاسمَ:
"أَنا تَحتَ حِمايَتِهِ…"
فَقالَ الحُرّاسُ: تَفَضَّلْ.
فُتِحَتِ الأَبوابُ، وَوَقَفَ مَن في الخَيمَةِ احْتِرامًا لَهُ.
استَقبَلوهُ بِتَرحِيبٍ، وَقَدَّموا لَهُ الضِّيافَةَ.
بُسِطَتِ المَوائِدُ، وَأُكرِمَ غايَةَ الإِكرامِ وَنالَ العِزَّةَ وَالاحْتِرامَ.
وَفي تِلكَ اللَّيلَةِ، نَظَرَ إِلى النُّجومِ وَهَمَسَ قائلًا:
"كانَ الشَّيخُ مُحِقًّا. هَذا الاسمُ لَيسَ مُجَرَّدَ ظِلٍّ في الصَّحراءِ، بَل هُوَ مَلِكٌ وَسُلطانٌ."
أَمَّا المُتَكَبِّرُ الَّذي قالَ "سَأتَدَبَّرُ أَمرِي وَحدي"، فَواصَلَ السَّيرَ في الصَّحراءِ وَحيدًا.
وَكانَتِ الصَّحراءُ صامِتَةً... حَتّى بَدَأَ صَوتُ الهَزيمِ يُسمَعُ...
سَحابَةُ غُبارٍ في الأُفُقِ كانَت تُنذِرُ بِالبَلاءِ القادِمِ.
ثُمَّ بَدَأَت أَصواتُ الحَوافِرِ تَدُوِّي... كَأَنَّ قَلبَ الأَرضِ يَدُقُّ.
وَظَهَرَت في الأُفُقِ ظِلالٌ داكِنَةٌ...
لَقَد كانَت مَجموعةً مِنَ اللُّصوصِ تَنبَثِقُ مِن بَينِ الرِّمالِ.
لا أَثَرَ لِلرَّحمَةِ عَلى وُجوهِهِم، وَلا تَرَدُّدَ في نَظَراتِهِم.
تَسَلَّلَ الخَوفُ إِلى أَعماقِ الرَّجُلِ.
تَحَرَّكَت قَدَماهُ قَبلَ إِرادَتِهِ.
بَدَأَ يَركُضُ عَلى الرِّمالِ، انقَطَعَ نَفَسُهُ، وَارتَخَت رُكبَتاهُ، سَقَطَ أَرضًا...
رَفَعَ يَدَيهِ، وَتَوَسَّلَ بِعَينَيهِ:
"أَرجوكُم... سامِحوني..."
لٰكِنَّ كَلِماتِهِ تَبَخَّرَتْ في الهَوَاءِ.
ولَمْ تُنْجِدْهُ الصَّحراءُ، بَقِيَتْ صامِتَةً. لِأَنَّهُ نَسِيَ لُغَتَها.
وَثِقَ بِنَفْسِهِ، لا بِصاحِبِ الصَّحراءِ.
فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ نِداءٌ، وَلَمْ يَأْتِهِ المَدَدُ.
لا أَمَلَ... لا رَحْمَةَ...
وَتَمَّ سَلْبُهُ وَأُسِرَ.
وَعِندَ الغُروبِ، أَوْشَكَ عَلَى الهَلاكِ، فَتَرَكوهُ وَشَأنَهُ.
تَحَرَّرَ مِنَ القُيودِ، لٰكِنْ مُنْكَسِرٌ، يَسِيرُ في الصَّحراءِ جَريحًا، مُتْعَبًا، مُحَطَّمًا.
مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، كانَتِ الرِّمالُ تَبْتَلِعُهُ أَكْثَرَ.
ثُمَّ...
ظَهَرَتْ خَيْمَةٌ في الأُفُقِ...
كَأَنَّها واحَةٌ...
كَأَنَّها أَمَلٌ...
تَأَلَّقَتْ عَيْناهُ، وَاقْتَرَبَ بِما تَبَقّى مِن قُوَّتِهِ.
وَقَفَ أَمامَ الخَيْمَةِ، وَكانَ هُناكَ حارِسانِ.
ارْتَجَفَتْ شَفَتاهُ:
"أَنا... أَنا..."
"عَطْشانُ... جائِعٌ... ضائِعٌ..."
كُلُّ ما طَلَبَهُ: لُقْمَةُ خُبْزٍ، رَشْفَةُ ماءٍ... فَقَطْ ذٰلِكَ.
وَلٰكِنِ الحُرّاسَ لَمْ يَلْتَفِتوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ لَهُمْ جَفْنٌ.
لَمْ يُعِيروهُ أَيَّ اهْتِمامٍ، وَكَأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجودٍ.
فَنالَهُ اليَأْسُ، وَانْقَطَعَ بِهِ الأَمَلُ.
وَفي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، دَوَّى في أُذُنِهِ صَوْتُ الشَّيْخِ:
"هٰذِهِ الصَّحراءُ لا تَحْتَضِنُ مَنْ لا حِمايةَ لَهُ..."
أَدْرَكَ الآنَ أَنَّهُ وَحِيدٌ في هٰذِهِ الصَّحراءِ.
لا مُجيبَ لَهُ، فَغَدا يائِسًا، صامِتًا، مُنْهَكًا، مَذْلولًا.
لَمْ يَعُدْ غُرورُهُ قادِرًا عَلَى تَغْطِيَةِ جِراحِهِ، وَلَا رِمالُ الصَّحراءِ قادِرَةً عَلَى إِخْفاءِ انْكِسارِهِ.
فِي الحَقيقَةِ، هٰذِهِ الدُّنْيا لَيْسَتْ إِلّا صَحراءً مِثْلَها.
صَحراءٌ لا تَنْتَهي فِيها الحاجاتُ، وَلَا تَهْدَأُ فِيها الأَعْداءُ.
أَحيانًا تَحْرِقُكَ بِآلامِها، وَأَحيانًا تُضَلِّلُكَ بِسَرابِها.
وَفي داخِلِها: أَعْداءٌ لا يَهْدَؤونَ، وَحاجاتٌ لا تَنْتَهي، وَهُمومٌ لا تُحصى.
وَيَسِيرُ الإِنْسانُ في صَحراءِ الدُّنْيا هٰذِهِ، بَيْنَ العَجْزِ وَالمَصائِبِ، وَالفَقْرِ وَالاحْتِياجِ.
وَذٰلِكَ الفَراغُ القاسِي الَّذِي يَتْرُكُهُ العَجْزُ وَالفَقْرُ فِي النَّفْسِ، لا يَمْلَؤُهُ إِلّا ذِكْرُ اسمِ السُّلْطانِ، صاحِبِ القُدْرَةِ اللامَحدودَةِ، وَالرَّحْمَةِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.
نَعَمْ، أَنْتَ عاجِزٌ... وَفَقيرٌ...
وَلٰكِنْ لَسْتَ وَحْدَكَ فِي صَحراءِ الحَياةِ.
فَإِذا نَطَقْتَ اسْمَهُ، وَقُلْتَ: "بِسْمِ اللهِ"...
تُدْفَعُ كُلُّ المَصائِبِ، وَتُفْتَحُ كُلُّ الأَبْوابِ، وَتَلينُ كُلُّ القُلوبِ، وَتُيَسَّرُ كُلُّ الصُّعوباتِ.
لِأَنَّكَ حينَها، لَمْ تَعُدْ تَمْشي بِاسْمِكَ، بَلْ بِاسْمِ سُلْطانٍ عَظيمٍ.
وَحينَها، لا عَدُوَّ يَسْتَطيعُ إِيذاءَكَ، وَلا تَهْديدَ يُرْعِبُكَ.
يُقْضى لَكَ بِالحاجَةِ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ بِها، وَيُرْوَى عَطَشُكَ قَبْلَ أَنْ تَشْعُرَ بِهِ.
لِأَنَّكَ لَمْ تَعُدْ بِلا صاحِبٍ...
السُّلْطانُ الَّذِي تَسِيرُ بِاسْمِهِ لا يَنْساكَ.
هٰذِهِ الصَّحراءُ تَبْتَلِعُ مَنْ يَسِيرُ وَحْدَهُ، وَلٰكِنَّها تَجْعَلُ مَنْ يَسِيرُ بِاسْمِهِ سَيِّدًا لِلطَّريقِ.
فَفِي هٰذِهِ الصَّحراءِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ صاحِبٌ، فَلا وُجودَ لَكَ.
فَاحْذَرْ أَنْ تُساقَ وَحْدَكَ، وَتُهانَ قَبْلَ أَنْ تَذْكُرَ اسْمَ مالِكِ هٰذِهِ الدُّنْيا وَسُلْطانِها الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ:
الله.
قُلْ: "بِسْمِ اللهِ"...
وَفِي رِحْلَةِ الحَياةِ، لا تَدَعِ اسْمَ اللهِ يَغيبُ عَنْ لِسانِكَ، وَلا تَكُنْ مِنَ الَّذِينَ يَسِيرونَ وَحْدَهُمْ.

التعليقات