في المصائب العامة كالزلازل، يُذكر أن الذين تشملهم الرحمة الإلهية هم الأبرياء والمظلومون.أليس الإيمان شرط لنيل عناية الرحمة الإلهية؟
في المصائب العامة كالزلازل، يُذكر أن الذين تشملهم الرحمة الإلهية هم الأبرياء والمظلومون.أليس الإيمان شرط لنيل عناية الرحمة الإلهية؟
الأخ / الأخت العزيز,
يقول بديع الزمان سعيد النورسي:
« فما دامت المصيبة تصيب كلاّ من الظالمين والمظـلومين معا، وفق الحكمة الإلهية، فما نصيب أولئك المظلومين من العدالة الإلهية ورحمتها الواسعة؟»
ثم يجيب:
« إن هناك تجليا للرحمة في ثنايا ذلك الغضب والبلاء، لأنّ أموالَ أولئك الأبرياء الفانية ستُخلَد لهم في الآخرة، وتُدّخر صدقةً لهم، أما حياتُهم الفانية فتتحول إلى حياة باقية بما تكسب نوعا من الشهادة؛ أي إن تلك المصيبة والبلاء بالنسبة لأولئك الأبرياء نوع من رحمة إلهية ضِمن عذاب أليم موقت، حيث تمنح لهم بمشقة وعذاب مؤقتين، وقليلين نسبيا، غنيمة دائمة وعظيمة.» (الكلمات، ذيل الكلمة الرابعة عشرة)
أولًا، لنتوقف قليلًا عند السؤال:
«أليس الإيمان شرطًا لنيل عناية الرحمة الإلهية؟»
إن الله تعالى رحمن، ومعنى الرحمانية أن الله يرزق جميع المخلوقات في الدنيا، مؤمنها وكافرها، إنسانها وحيوانها، ويقضي حاجاتها.
وجاء في كتاب الكلمات -اللوامع ما يلي:
« إن حقّ الحياة في الدنيا شامل وعام للجميع. والكفر ليس مانعا لحق الحياة الذي هو تجلٍ للرحمة العامة والذي ينطوي على سر الحكمة في الخلق.»
فكما أن الرزق حقٌّ من حقوق الحياة، كذلك الشفاء أيضًا من حقوقها. ولهذا فإن تجليات أسماء الله تعالى مثل الرزاق والشافي لا تتوقف على الإيمان. فهذه التجليات لا تنظر إلى كون المخلوق مؤمنًا أو كافرًا، بل تنظر إلى حقيقة كونه حيًّا وما تحتاجه حياته، فتُمنح له تلك الحاجات.
وهذا من مقتضيات كون الدنيا دار امتحان؛ إذ لو اختصت نعم الحياة بالمؤمنين دون غيرهم لبطل سر الابتلاء.
فالنور والهواء مثلًا من ضرورات الحياة، ولو مُنعا عن غير المؤمنين لفسد نظام الامتحان.
وعليه، فإن عناية الرحمة الإلهية في الدنيا تشمل جميع الناس وسائر الأحياء. أما الرحمة الخاصة في الآخرة، ودخول الجنة ونيل نعيمها، فإن الإيمان شرط أساس لها.
ومن هذا المنطلق، فإن عبارة «نوع من الشهادة» الواردة في النص تُفهم بمعنى «الشهادة الحُكمية»، وهذا لا يكون إلا لأهل الإيمان.
فكما أن المؤمن الذي يُقتل في سبيل الله يُعد شهيدًا، فقد ورد في الأحاديث أن من يموت في بعض الحوادث، أو الأمراض الشديدة، أو أثناء الولادة، أو في طلب العلم، يُعطى حكم الشهيد أيضًا. والفرق بين هؤلاء وبين الشهيد الحقيقي أن أصحاب الشهادة الحُكمية يُغسَّلون ويُكفَّنون، أما الشهيد في المعركة فيُدفن بثيابه.
أما غير المؤمنين، فإن معاناة الأبرياء والمظلومين منهم لا تذهب سدى كذلك. فليس الظالم الكافر والمظلوم الكافر سواءً في الجزاء والعقوبة.
وقد دلّ قوله تعالى في سورة الزلزلة:
- ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ (7) وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ (8)﴾(الزلزلة: 7-8)
على أن جميع الناس سيجدون أعمالهم يوم القيامة مكتوبةً أمامهم، ويرون نتائجها كاملة. فالآية لم تخص المؤمنين وحدهم، بل شملت كل البشر؛ لأن قوله تعالى «فَمَن يَعۡمَلۡ » عام يشمل الجميع.
الخلاصة:
- الرحمة العامة في الدنيا تشمل المؤمن والكافر، والإنسان والحيوان.
- المصائب العامة قد تتضمن وجوهًا من الرحمة والحكمة حتى لمن يصيبهم البلاء.
- الشهادة بمعنى الثواب الأخروي الخاص تكون لأهل الإيمان.
- أما غير المؤمنين فلا يضيع ما لحقهم من ظلم أو معاناة، بل يُراعى ذلك في ميزان العدل الإلهي، إذ لا يساوى المظلوم بالظالم عند الله تعالى.
- وكل عمل، خيرًا كان أو شرًا، سيظهر أثره وجزاؤه يوم القيامة.
أسئلة إسلامية
