"إنّ كل شيء في الوجود، بل حتى ما يبدو أنّه أقبحُ شيء، فيه جهة حُسنٍ حقيقية." بعد أن قيل: " كل شيء في الوجود"، فما الحكمة من إضافة عبارة: " بل حتى ما يبدو أنّه أقبحُ شيء"؟

تفاصيل السؤال

"إنّ كل شيء في الوجود، بل حتى ما يبدو أنّه أقبحُ شيء، فيه جهة حُسنٍ حقيقية." بعد أن قيل: " كل شيء في الوجود"، فما الحكمة من إضافة عبارة: " بل حتى ما يبدو أنّه أقبحُ شيء"؟

الجواب

الأخ / الأخت العزيز,

لقد بيّنت الآية الكريمة 

﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾(السجدة:8)

أي أن الله تعالى خلق كل شيء على أجمل وجه . أما الأشياء التي يظهر جمالها وفائدتها وحكمتها للناس بوضوح، فلا يقع بشأنها تردد أو إشكال.

ولكن لأن الجمال الكامن في الأشياء التي تبدو قبيحة لا يراه كل أحد، فقد أُضيف هذا القيد للتنبيه إلى أن لفظ "كل شيء" يشمل أيضًا الأشياء والأحداث التي نراها نحن قبيحة في ظاهرها.

إن الوجوه المتجهة إلى الجميل الباقي (الله تعالى) كلها جميلة. ويمكن فهم هذا من جهتين:

الأولى: أن عاقبة كل شيء جميلة، وذلك بتقدير الله تعالى، ولذلك قيل:

"كل ما في القدر جميل."

فالإنسان الغافل قد يرى:

"حجاب الموت مظلمًا وأسود وقبيحًا."

وذلك لأنه يتألم من مفارقة الحياة الدنيا بكل ما فيها. وأهم شرط لئلا تتألم الروح من هذا الفراق العظيم هو معرفة حقيقة الدنيا وماهيتها.

فكثير من الناس لا يستطيعون رؤية الجمال الكامن في الموت. مع أن رسول الله ﷺ أخبرنا بقوله:

" إنَّما القبرُ روضةٌ من رياضِ الجنَّةِ أو حفرةٌ من حفرِ النَّارِ." (الترمذي)

فالذين يسعون بالإيمان والعمل الصالح إلى أن يجدوا قبورهم روضة من رياض الجنة، يرون بسهولة هذا الوجه الجميل للموت.

ويقول بديع الزمان سعيد النورسي:

" الموت للمؤمن إعفاءٌ وإنهاء من كلفة وظيفة الحياة ومشقتها..
وهو تسريح من العبودية التي هي تعليم وتدريب في ميدان ابتلاء الدنيا..
وهو بابُ وصال لالتقاء تسعة وتسعين من الأحبة والخلاّن الراحلين إلى العالم الآخر..
وهو وسيلةٌ للدخول في رحاب الوطن الحقيقي والمقام الأبدي للسعادة الخالدة..
وهو دعوة للانتقال من زنزانة الدنيا إلى بساتين الجنة وحدائقها..
وهو الفرصة الواجبة لتسلّم الأجرة إزاء الخدمة المؤداة، تلك الأجرة التي تُغدَق سخية من خزينة فضل الخالق الرحيم."

ثم يقول: " فما دامت هذه هي ماهية الموت - من زاوية الحقيقة - فلا ينبغي أن يُنظَر إليه كأنه شيء مخيف، بل يجب اعتباره تباشيرَ الرحمة والسعادة.
حتى إن قسماً من "أهل اللّٰه" لم يكن خوفُهم من الموت بسبب وحشة الموت ودهشته، وإنما بسبب رغبتهم في كسب المزيد من الخير والحسنات بإدامة وظيفة الحياة."

 " نعم، إنَّ الموت لأهل الإيمان باب الرحمة." (اللمعة الخامسة والعشرون- الدواء العاشر)

الخلاصة:

إن إضافة عبارة " بل حتى ما يبدو أنّه أقبحُ شيء" جاءت للتأكيد على أن الجمال لا يقتصر على ما تدركه عقولنا وأنظارنا مباشرة، بل إن كثيرًا مما نراه قبيحًا أو مؤلمًا في الظاهر يخفي وراءه حكمًا ومصالح وجمالات حقيقية لا تنكشف إلا عند النظر إلى عواقبه وغاياته، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الموت بالنسبة للمؤمن.

أسئلة إسلامية

المؤلف:
أسئلة إسلامية
قرئت 2 مرات
لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء قيد جديد
أسئلة مشابهة